رواية ولدت من الرماد الفصل السابع7بقلم فاطمة فارس
"بداية العاصفة "
صلّوا على من بُعث رحمةً للعالمين.
──────────────
في صباح اليوم التالي، وقبل انتهاء دوام معتز، هاتف زوجته وأخبرها بقدوم والديه إليهما اليوم، وطلب منها الاهتمام بإعداد الغداء وإخبار العاملين بتحضيره، إذ سيأتي بصحبتهما.
أنهى معتز عمله، وأخبر مديرة مكتبه أن تلغي بقية جدول أعماله، فقد قرر المغادرة ليصطحب والديه.
خرج من الشركة، وصعد إلى سيارته، ثم قادها في طريقه إلى فيلا والده. وبعد ساعة، وصل وأوقف محرك السيارة، ثم ترجل منها وهو يعدّل ملابسه ويفرك ذراعيه من أثر القيادة طوال الطريق، قبل أن يتجه إلى مدخل الفيلا.
دخل إلى البهو، فوجد والديه في انتظاره؛ فقد هاتفهما قبل وصوله وأخبرهما أن يستعدا حتى يأتي إليهما.
اقترب منهما واحتضن أمه بحنان، ثم قبّل كف يدها قائلًا:
ـ ست الكل... وحشاني والله!
ربّتت على ظهره قائلة:
ـ يا واد يا بكّاش أنت! ما هو لو كنت وحشتك بجد، كنت جيت تزورني، ولا هو خلاص ملناش حق فيك؟
اقترب والده واحتضنه، ثم تمتم في أذنه بصوت خافت:
ـ أنا بحاول من إمبارح أهدي في أمك، لأنها واخدة على خاطرها منك قوي يا معتز. حاول تراضيها بقى.
ـ حاضر يا حاج، المهم طمّني على صحتك، أخبارك إيه دلوقتي؟
ـ أنا بخير يا حبيبي، طول ما أنت وأمك بخير.
ابتسم معتز، قبل أن ترتفع ضحكاته وهو يستمع إلى كلمات والدته التي حاولت استراق السمع إلى ما يتحدثان عنه، قائلة:
ـ إنتوا بتتوشوشوا بتقولوا إيه؟ علّوا صوتكم شوية، مش سامعة حاجة!
احتضن معتز كفيها، ثم أمسك بيدها وسار معها بهدوء، بينما كانت ترمقه بغضب مصطنع، قبل أن تسأله:
ـ قلت لمراتك إننا جايين ولا لسه؟
ـ أيوة يا أمي، عرفتها من الصبح، وزمانها بتحضّر لكم الغدا.
فتح لها الباب الخلفي، فصعدت، ثم أغلقه خلفها. أما هو، فصعد إلى مقعد القيادة، وجلس والده إلى جواره، ثم أدار المحرك وانطلق بالسيارة.
كان يتوقع أن يصل فيجد زوجته في استقباله هو وأهله، لكنه لم يكن يعلم أنها لا تزال نائمة، ولم تستوعب حتى في أي ساعة سيصلون!
وصل بعد قليل إلى الفيلا التي يقطن بها، وفتح الباب، ثم أمسك بيد والدته ليساعدها على النزول، واصطحبها إلى الداخل، بينما كانت عيناه تجولان في المكان بحثًا عن طيف زوجته، لكنه لم يجدها، فخمّن أنها في الطابق العلوي تتجهز للنزول.
أجلس والديه في غرفة المعيشة، ثم استأذن منهما ليغيّر ملابسه ويعود إليهما.
وفور أن ابتعد عنهما، اتجه إلى المطبخ ليتفقد الغداء، فصُدم حين لم يجد في المكان سوى عامل واحد، فقال وهو يحدّق حوله بذهول:
ـ أمال فين باقي العاملات يا عم نبوي؟ والغدا جهز ولا لسه؟
اقترب منه رجل ذو ملامح هادئة وجسد ممتلئ بعض الشيء، وقال وهو يخشى أن ينهره معتز:
ـ الست أم كريم طلبت من الهانم إجازة علشان فرح ابنها بعد أسبوعين، والهانم وافقت...
توقف لحظة، ثم أكمل وهو يرمقه بترقّب:
ـ وباقي الخدم مشيوا بسبب إن الهانم طردتهم كلهم. ده لولا إني كنت بصلي، كنت اتطردت معاهم!
ظل معتز يستمع إليه، وقد اتسعت عيناه من الصدمة، وكأنه لا يصدق ما تلتقطه أذناه. لقد أخبر زوجته بقدوم والديه، فأين هي؟ وما كل هذا الهراء الذي يحدث حوله؟
لم يهتم ببقية حديث الرجل، بل استدار وتوجه إلى السلم بخطوات غاضبة، يصعد درجاته واحدة تلو الأخرى حتى وصل إلى غرفتهما.
فتح الباب، فوجدها نائمة على الفراش، غارقة في نومها، لا تدري بمن حولها ولا بما ينتظرها حين تستيقظ.
حاول أن يتمالك نفسه وألا يرفع صوته؛ فوجود والديه في الأسفل جعلها يخشى أن يحزنا بسبب تصرفات زوجته.
اقترب منها وظل ينادي عليها، لكنها كانت غارقة في نومها ولم تستمع إليه.
فما كان منه سوى أن أحضر كوبًا من الماء، وأخذ ينثر بيده بعض قطراته عليها وهو ينادي باسمها، حتى رأى ملامحها تنقبض بانزعاج قبل أن تفتح عينيها ببطء، وتقول بصوت ناعس، لم تفتح فيه سوى إحدى عينيها:
ـ إيه يا معتز؟ حد يصحي حد كده؟!
نظر إليها بسخط، ثم أمسك بيدها برفق وساعدها على الجلوس أمامه، وهمس وهو يحاول أن يتمالك أعصابه:
ـ أنتِ لسه نايمة يا هانم لحد دلوقتي؟ ده العصر على أذان! وبعدين أنا مش مكلمك الصبح ومعرّفك إن بابا وماما جايين، وطلبت منك تظبطي غدا حلو ليهم؟ أجي ألاقيكي ممشّية كل الخدم وكمان لسه نايمة!
نظرت إليه وهي تتثاءب، ثم تمتمت بلا مبالاة:
ـ الله! أعمل إيه؟ مخدتش بالي من كلامك الصبح، أنا أصلًا كنت نايمة ومش مركزة أنت بتقول إيه. وبعدين الخدم دول مفيش منهم فايدة، وكل يوم يضيّعوا حاجة شكل، فمشتهم وقلت لما تيجي تبقى تشوف خدم غيرهم.
أمسك رأسه ووضع يده على جبهته، ثم مرّرها على وجهه في محاولة للسيطرة على انفعاله، وتمتم:
ـ وأهلي اللي تحت دول أنزل أقول لهم إيه؟ مراتي كانت نايمة ومعملتش غدا، ولا فكرت تنزل تسلّم عليكم حتى؟!
رفعت منال الغطاء عنها، وأنزلت قدميها إلى الأرض وهي تتمتم بضيق:
ـ خلاص بقى يا معتز، متكبرش الموضوع. أنا هدخل آخد شاور، وأنت اطلب أكل من أي مطعم، ولما أخلص هنزل أسلّم عليهم.
أنهت كلامها وتحركت متجهة صوب المرحاض، ثم أغلقت الباب خلفها، بينما ظل معتز واقفًا يحدّق في الباب المغلق، وقد بدا العجز عن استيعاب لامبالاتها واضحًا على ملامحه.
أخرج هاتفه واتصل بأحد المطاعم، وطلب منهم عدة أصناف من الطعام، مؤكدًا ضرورة وصولها في أسرع وقت ممكن.
أغلق الهاتف ونزل، وهو لا يدري كيف يبرر تصرفات زوجته التي لاحظها عليها في الفترة الأخيرة؛ فقد تغيرت كثيرًا عما كانت عليه في الأيام الأولى من زواجهما، أو هكذا ظن.
فهي دائمًا هكذا، وذلك طبعها اللامبالي، لكنها كانت تجيد التخفي بإتقان، فلم يرَ منها سوى ما أرادت هي أن يراه.
نزل إلى الأسفل، وطلب من العم نبوي أن يحضر لهم بعض المشروبات، ثم دخل إلى والديه وهو يرسم ابتسامة على وجهه، محاولًا إخفاء ما حدث، وقال بمرح:
ـ شفتي الحظ يا ماما؟ معلش بقى، حصل ظرف عند الست المسؤولة عن المطبخ واضطرت تمشي، ومنال تعبت شوية وقالت تنام ساعة ولا حاجة، والوقت سرقها ونسيت إنكم جايين. معلش بقى، أنا طلبت أكل من بره، بس بوعدك المرة الجاية هتبقى منتبهة أكتر من كده.
مطّت نبيلة شفتيها باستياء، ولم تنبس بكلمة واحدة، بينما تدخل صابر متداركًا الموقف:
ـ عادي يا بني، حصل خير. هي عاملة إيه دلوقتي؟
ـ بقت كويسة الحمد لله، وشوية ونازلة.
نزلت منال بعد قليل وهي تنفخ بضيق، فقد كانت تكره الاجتماع بأهل زوجها، أو لنكن صريحين، لم تكن تحب أحدًا البتة!
كانت ترتدي ملابس البيت، لكنها كانت قصيرة بعض الشيء. دخلت عليهم وألقت السلام، واكتفت بمصافحة والده ووالدته، ثم جلست بجوار زوجها وهي ترسم شبح ابتسامة على وجهها، قبل أن تهمس:
ـ أهلًا يا طنط، منوّرة.
شملتها نبيلة بنظرة امتدت من رأسها إلى أخمص قدميها، ثم تمتمت بسخرية:
ـ أهلًا يا ختي... نموسيتك كحلي!
لم تجبها منال، بل اكتفت بابتسامة باردة، ثم أخرجت هاتفها وانشغلت به، وكأن وجودهما لا يعنيها في شيء.
حاول معتز أن يلطّف الأجواء، فشغّل التلفاز على أحد الأفلام، وأخذ يفتح أحاديث شتى مع والده ووالدته، متجاهلًا الأجواء المتوترة التي فرضتها زوجته على المكان.
بعد قليل، اجتمعوا حول المائدة لتناول الطعام الذي طلبه معتز، لكن الصمت كان سيد الموقف؛ فقد جلسوا يتناولون الطعام في هدوء ثقيل، وكأن على رؤوسهم الطير.
امتعضت ملامح منال فور أن قضمت بعض الطعام، وأمسكت بطنها لثوانٍ معدودة، قبل أن تنهض مسرعة وتتجه نحو المرحاض.
استأذن معتز منهما قائلًا:
ـ معلش يا جماعة، هشوف مالها بس وهاجي على طول.
تمتم صابر وهو ينظر إلى اتجاه ذهابها:
ـ شكلها عندها برد. اطلب الدكتور الأول يا بني ييجي يشوف مالها.
هز معتز رأسه، ثم أخرج هاتفه واتصل بالطبيب، الذي أخبره أنه سيأتي على الفور.
أما والدته، فكانت تتابعه بعينين مختلفتين تمامًا عن ملامح الامتعاض التي علت وجهها منذ قليل؛ فقد لمعت الفرحة في عينيها، وارتسمت على شفتيها ابتسامة صغيرة حاولت إخفاءها.
كانت أمًّا وتفهم تلك الأمور، لكنها فضّلت الصمت حتى تتأكد أولًا.
أما في غرفة منال، فكانت تغسل وجهها وهي تنظر إلى انعكاس صورتها في المرآة، وتتمتم ببعض الكلمات. وبعد أن انتهت، خرجت وجلست على الفراش، وقد بدت عليها علامات الإعياء.
دخل معتز عليها، ورمقها بقلق وهو يقترب منها هامسًا:
ـ مالك يا منال؟ أنتِ أخدتي برد ولا إيه؟
ـ شكلي كده، أو الأكل ده فيه حاجة وجعت بطني.
ـ لا طبعًا، كلنا أكلنا منه ومحدش حصل له حاجة خالص، اشمعنى أنتِ اللي تعبتي منه يعني؟
ـ معرفش بقى يا معتز، أنا مش نازلة تاني. ابقى اعتذر لهم بالنيابة عني.
تطلع إليها معتز للحظات، ثم أومأ برأسه وهو يحاول ألا يزيد من ضيقها.
ـ ماشي يا منال، الدكتور زمانه على وصول، وساعتها هنطمن عليكِ.
دق الباب، فاتجه معتز ليفتحه، فوجد والده ووالدته ومعهما الطبيب. رحّب به وأدخله ليفحص منال، ثم دخلت والدته معه، بينما بقي والده في الخارج، وخرج معتز ليقف بجوار أبيه منتظرًا خروج الطبيب حتى يطمئن على زوجته.
──────────────
في المشفى، كانت أسيل جالسة على الفراش، تلقي نظرة شاردة على يديها المقيّدتين، قبل أن ترفع عينيها نحو النافذة، حيث الطيور تحلّق بجناحيها في الأفق البعيد.
تأملتها طويلًا، وتمنت لو كانت مثلها، تمتلك جناحين تطير بهما بعيدًا، وتنأى بنفسها عن ذلك العالم الذي لم يترك لها سوى الألم.
تدحرجت دمعة فوق وجنتها، فمسحتها سريعًا بظهر يدها، وكأنها تخشى أن يراها أحد في لحظة ضعفها.
لقد بكت بما فيه الكفاية، ولن تظل باكية طوال العمر. عليها أن تجد مخرجًا لها من ذلك السجن المقيت، وأن تتمسك بما تبقى لديها من قوة، مهما بدا الطريق مستحيلًا.
هكذا حدّثت نفسها، قبل أن تدخل عليها لمياء وعلى شفتيها ابتسامة حنونة.
يا الله! تلك المرأة تمتلك من الحنان ما يكفي جميع البشر؛ فهي من تعرضت للتنمر من زوجها وأهله بسبب أمر ليس بيدها، وهي من عافرت لتربي ابن شقيقتها الوحيدة وحدها دون مساعدة من أحد، وتحملت الكثير والكثير، ولم تشتكِ يومًا.
من يرى ابتسامتها تلك قد يظن أنها تعيش في سعادة غامرة، ولا يعلم كم من الأوجاع تخفي خلفها. فلطالما كانت لمياء عونًا لكل من حولها، لم تدخر جهدًا لمساعدة مريض أو الاعتناء بكبار السن، خاصة الموجودين هنا.
تقدمت منها، وهتفت بمرح كعادتها، محاولةً إخراجها من وحدتها:
ـ أخبارك إيه دلوقتي يا أسيل؟
ارتسمت ابتسامة باهتة على شفتي أسيل، وتمتمت:
ـ زي كل يوم... عادي يعني.
جلست لمياء بجوارها، وربّتت على خصلات شعرها برفق، ثم تمتمت:
ـ في حد بره عايز يشوفك ويطمن عليكِ.
انعقد حاجبا أسيل باستغراب؛ فمن سابع المستحيلات أن يأتي أحد إخوتها للاطمئنان عليها بعد أن وضعوها هنا بأنفسهم!
كيف يمكن لأحدهما أن يتذكرها الآن، بعدما تركاها تواجه كل ذلك وحدها؟
أخرجت لمياء حجابًا صغيرًا من حقيبتها، وساعدت أسيل على ارتدائه؛ فقد أخبرتها سابقًا أنها محجبة، وأنها أُجبرت على نزع حجابها هنا، بينما هي مقيّدة لا تستطيع حماية نفسها من نظرات الأطباء الذين يمرون عليها يوميًا.
ألقت أسيل عليها نظرات امتنان صامتة، وهي تتابعها تثبّت الحجاب بأحد دبابيس الشعر التي تمتلكها.
لم يكن الأمر مجرد قطعة قماش تعيدها إلى ما اعتادت عليه، بل كان شعورًا صغيرًا بأن هناك من يحترمها ويهتم بما يؤلمها، حتى في مكان سُلبت فيه أبسط حقوقها.
همست لمياء بعد أن انتهت مما تفعل:
ـ بس كده، خلصنا... كده بقى نقول للضيف يتفضل!
لم تنتظر ردها، بل خطت نحو باب الحجرة وفتحته، ثم أشارت إلى باسل الواقف أمامها أن يتقدم، ففعل ودخل بخطوات هادئة.
سبقتْه لمياء إلى الداخل، وما إن وقعت عيناه على أسيل حتى شعر للحظة بأن قلبه يعتصره الألم على حال تلك الوردة الذابلة أمامه.
كانت ملامحها جميلة، لكن الإرهاق طغى عليها، وترك في وجهها الشاحب أثرًا واضحًا لكل ما مرت به. بدت بشرتها البيضاء باهتة، وعيناها اللتان تشبهان العسل الصافي محاطتين بهالات سوداء زادتها شحوبًا.
لم تكن مجرد فتاة متعبة تحتاج إلى الراحة، بل إنسانة بدا وكأن الحياة قد أثقلت روحها قبل أوانها.
تقدم نحوها وألقى السلام، بينما قابلته بنظرات مرتابة، تحاول أن تفهم من يكون وما الذي جاء به إليها.
سارعت لمياء، بعدما لاحظت الحيرة التي ارتسمت على ملامحها، إلى التعريف به وهي تشير إلى باسل:
ـ أقدم لك الأستاذ باسل، محامي شاطر، ويبقى ابن أختي.
انتقلت عينا أسيل بينهما، وما زالت عاجزة عن استيعاب سبب وجوده هنا. ثم همست بصوت يغلبه الوجع والتعب:
ـ أهلًا بحضرتك.
تأمل باسل ملامحها للحظات، وقد أثار حالها في نفسه تعاطفًا صادقًا، لكنه سرعان ما أدرك أنها لا تحتاج إلى نظرات الشفقة بقدر ما تحتاج إلى من يعيد إليها شعورها بأنها ليست وحدها.
لذلك أخفض بصره احترامًا لها، واستعاد جديته قبل أن يقول:
ـ أنا عارف إنك مستغربة وجودي هنا، وأكيد بتقولي إيه سبب الزيارة دي، مش كده؟
أكمل بعدما لاحظ إيماءة خفيفة من رأسها:
ـ خالتي حكت لي على كل اللي حصل معاكِ، وعلى الظلم اللي اتعرضتيله هنا. وأنا مش عايزك تخافي أو تفتكري إن نهايتك هتكون في المكان ده، لأني هعمل المستحيل علشان أخرجك من هنا في أسرع وقت ممكن، وده وعد مني... وأنا عمري ما خلفت وعد قطعته لحد.
تعلقت عينا أسيل بوجهه للحظات، تتأمل ملامحه التي لم تألفها من قبل.
كان شابًا في منتصف عقده الثالث، بعينين سوداوين تشبهان ظلام الليل، وبشرة قمحية اللون، وشعر بني كثيف يزيد ملامحه وضوحًا. لم يكن في وجهه ما يوحي بالقسوة، بل كانت ملامحه هادئة، ونظرته جادة، وكلماته تحمل ثقة لم تعهدها منذ زمن.
نهرت نفسها على إطالة النظر إليه، وسارعت بخفض بصرها حين التقت عيناهما للحظات.
لم تكن تعرفه، ولم يكن بينهما ما يسمح لها بالاطمئنان الكامل إليه، لكن كلماته أيقظت داخلها شعورًا افتقدته طويلًا؛ شعورًا بأن هناك من يسمعها، ويصدق ما تعرضت له، ولا ينظر إليها باعتبارها مجرد مريضة محتجزة خلف تلك الأبواب.
ابتسم لها بهدوء، فارتبك قلبها من أثر المفاجأة، لا لأنها وقعت في حبه، بل لأنها لم تعتد أن ترى في عيون الآخرين شيئًا سوى القسوة أو اللامبالاة.
منذ وفاة والدها، لم تشعر بالأمان الذي كانت تجده في وجوده، ولم تتخيل أن يأتي يوم تجد فيه شخصًا يعدها بالخروج من ذلك المكان دون أن يطالبها بشيء في المقابل.
ظنت أن الحياة ستظل قاسية عليها حتى يفنى عمرها هنا، لكن الله كان رحيمًا بها حين وضع في طريقها تلك المرأة الحنون، لمياء، وها هو ابن شقيقتها يقف أمامها، يمد إليها وعدًا قد يكون بداية طريقها نحو الأمان والحرية.
لم تكن تعرف إن كان سيستطيع الوفاء بوعده، ولا ما الذي ينتظرها خارج تلك الجدران، لكنها أرادت أن تصدق، ولو لمرة واحدة، أن هناك بابًا يمكن أن يُفتح، وأنها لن تظل سجينة إلى الأبد.
تقدم باسل من لمياء، وهمس لها ببعض الكلمات، ثم طلب منها أن تنتظره دقائق معدودة؛ فقد قرر أن ينهي الأمر فورًا دون انتظار للغد.
غادر الحجرة بخطوات واثقة، وقد تبدلت ملامحها الهادئة إلى أخرى أكثر صلابة وحزمًا. اتجه مباشرة إلى مكتب مدير المشفى، وعيناه تحملان إصرارًا واضحًا على إنهاء تلك المهزلة.
وقبل أن يتمكن السكرتير من منعه، كان باسل قد دفع الباب ودخل بثبات...
ترى، ما الذي سيحدث؟ وهل سيستطيع باسل إخراج أسيل أم لا؟
الفصل الثامن من هنا
