رواية ولدت من الرماد الفصل الثامن8بقلم فاطمة فارس
" دموع و ندم "
صلّوا على من بُعث رحمةً للعالمين
──────────────
في غرفة منال، كانت تغسل وجهها وهي تنظر إلى انعكاس صورتها في المرآة، وتتمتم ببعض الكلمات. وبعد أن انتهت، خرجت وجلست على الفراش، وقد بدت عليها علامات الإعياء.
دخل معتز عليها، ورمقها بقلق وهو يقترب منها هامسًا:
ـ مالك يا منال؟ أنتِ أخدتي برد ولا إيه؟
ـ شكلي كده، أو الأكل ده فيه حاجة وجعت بطني.
ـ لا طبعًا، كلنا أكلنا منه ومحدش حصل له حاجة خالص، اشمعنى أنتِ اللي تعبتي منه يعني؟
ـ معرفش بقى يا معتز، أنا مش نازلة تاني، ابقى اعتذر لهم بالنيابة عني.
تطلع إليها معتز للحظات، ثم أومأ برأسه وهو يحاول ألا يزيد من ضيقها.
ـ ماشي يا منال، الدكتور زمانه على وصول، وساعتها هنطمن عليكِ.
دق الباب، فاتجه معتز ليفتحه، فوجد والده ووالدته ومعهما الطبيب. رحّب به وأدخله ليرى منال، ثم دخلت والدته معه، بينما بقي والده في الخارج، وخرج معتز ليقف بجوار أبيه منتظرًا خروج الطبيب حتى يطمئن على زوجته.
مرت دقائق قليلة، حتى فُتح الباب وخرج الطبيب ومعه والدته، فسارع معتز يسأله عن سبب إعياء زوجته المفاجئ.
رد الطبيب بعملية:
ـ ده شيء طبيعي بيحصل لكل الستات في الشهور الأولى من الحمل.
كرر معتز الكلمة وهو لا يستوعب أنه بعد أشهر قليلة سوف يصبح أبًا:
ـ حمل؟
ـ آه يا حبيبي، ألف مبروك، كلها كام شهر وتبقى أب.
شكر معتز الطبيب، وكان يكاد من شدة فرحته ألا يصدق ما سمعه. كتب الطبيب بعض الأدوية لها، وكرر عليهم التعليمات بأن يهتموا بصحتها وطعامها، وأن تأخذ أدويتها في أوقاتها، ونصحهم بزيارة طبيب النساء.
أوصل صابر الطبيب إلى الأسفل، بينما سارع معتز بالدخول إلى زوجته ليشاركها الفرحة، لكنه بهت حين وجدها غير سعيدة، ولم يرَ أي علامات للسعادة عليها.
نظر إليها للحظات، ثم أقنع نفسه بأنها مرهقة فقط، لا أكثر.
لم يكن يعلم أنها حقًا مستاءة من ذلك الخبر الذي نزل عليها كالصاعقة؛ فهي لا تريد أن تنجب الآن، ولا تدري كيف حدث ذلك، فهي كانت تأخذ حبوب منع الحمل باستمرار، لكنه القدر الذي يعاندها.
هكذا حدثت نفسها، قبل أن تستعيد رسم ملامح الفرحة الواهية على شفتيها ما إن رأت معتز يقترب منها.
جلس بجوارها، وأمسك يدها بين كفيه، ثم نظر إليها بابتسامة عريضة:
ـ ألف مبروك يا حبيبتي، أخيرًا ربنا هيرزقنا بطفل يملي علينا حياتنا.
ـ آه، الله يبارك فيك.
تأمل معتز وجهها، ثم سألها بقلق:
ـ مالك يا منال؟ أنتِ مش مبسوطة ولا إيه؟
ـ لا إزاي مبسوطة، هو بس ممكن يكون من التعب مش أكتر.
دخل صابر مع زوجته وباركا لهما، بينما تقدمت نبيلة من زوجة ابنها وأردفت:
ـ بصي بقى يا منال، لازم تاخدي بالك من نفسك، خصوصًا في الشهور الأولى دي. عايزين الولد ييجي بخير وسلامة، وانتبهي لأكلك كويس، ولا أقولك...
نظرت لمعتز وأكملت:
ـ بما إنك هتكون مشغول في شغلك ومفيش خدم في البيت يراعوها، أنت تجيبها وتيجي تقعد عندنا لحد ما فترة الحمل دي تعدي على خير.
احتضن والدته وقبّل رأسها هامسًا:
ـ ربنا يحفظك لينا يا أمي، خلاص من بكرة هنيجي نعيش معاكم الفترة دي، وكده هكون مطمن عليها وهي وسطكم.
ـ وليه من بكرة يا حبيبي؟ من دلوقتي كمان! أنا هساعدك في توضيب الشنط، وأنت ظبط حاجتك وشوف هتاخد إيه معاك، لو سايب ملفات أو حاجة هنا بخصوص شغلك، وبعدين نتحرك على الفيلا على طول.
أردف صابر مؤيدًا لحديثها:
ـ أمك عندها حق يا معتز، إحنا نروح كلنا سوا ونكمل السهرة عندنا.
كان كل ذلك يدور أمام أعين منال، التي جحظت عيناها، فهي لا تريد أن تقيم مع والدي زوجها، لكن لم يمهلها أحدهم فرصة للاعتراض.
في خلال ساعة واحدة، كانوا قد انتهوا من توضيب الأغراض، وأمسك معتز الحقائب وتحرك بها صوب سيارته، بينما كانت نبيلة تساعد منال في النزول بعد أن أجبرتها على ارتداء ملابسها ولم تسمح لها بالرفض.
فتح لهم معتز باب السيارة وساعدها على الجلوس، بينما صعدت والدته بجوارها، وجلس والده في الأمام بجوار معتز.
أدار المحرك وتحرك ببطء، فهو يخشى أن يتأذى صغيره. كانت مشاعره متضاربة بين الفرحة والخوف؛ فهو يخاف أن يقصر في حق زوجته وولده في المستقبل، لكنه كان سعيدًا على أي حال.
وصلوا أمام الفيلا بعد وقت قصير، ودلفوا معًا إلى الداخل، فقالت والدته وهي مبتسمة:
ـ يلا يا معتز خد مراتك واطلع علشان ترتاح شوية، وأنا هخلي الخدم يجهزوا لها حاجة خفيفة على معدتها.
أومأ برأسه وأمسك بيد زوجته، وهو يخطو للأعلى بحرص شديد عليها وعلى طفله الذي يقطن داخلها، وقال لها وهما يصعدان:
ـ امشي براحة يا حبيبتي، لو تعبانة أنا ممكن أشيلك عادي، متتكسفيش من أهلي.
همست وهي ترمقه بحنق:
ـ لا شكرًا، مفيش داعي، أنا هطلع لوحدي.
حاولت أن تتملص من بين يديه، لكنه أحكم الإمساك بها برفق حتى أوصلها إلى غرفتهما.
فتح الباب ودلفا للداخل، ثم أجلسها على الفراش وجلس إلى جوارها، قائلًا وهو ينظر إلى عينيها:
ـ أنا عارف إني مخدتش رأيك قبل ما أوافق على قعادنا هنا، بس ده هيكون أفضل ليكي يا منال، علشان لو تعبتي في أي وقت تلاقي حد ياخد باله منك، وأنا واثق إن أمي مش هتقصر معاكِ.
ـ بس أنا مكنتش عايزة أسيب بيتي يا معتز، فيها إيه يعني لو جبت حد يهتم بيا وأنا هناك، أو حتى خليت مامتك تيجي هي تقعد عندنا؟
رفع معتز حاجبيه، ونظر إليها بعدم تصديق قبل أن يقول بنبرة بدأ الغضب يتسلل إليها:
ـ أخلي أمي هي اللي تسيب بيتها وتيجي تخدمك يا منال؟ لاحظتي إنك بدأتي تخرفي؟ أنا مقدر إن هرموناتك متلخبطة علشان الحمل، لكن مش هستحمل إنك تقللي من أمي يا منال. هي مش خدامة عندك، ولو بتعمل حاجة علشانك فده علشان شايفاكِ زي بنتها، مش أكتر.
نهض من مكانه، وأخذ نفسًا عميقًا محاولًا تهدئة نفسه قبل أن يقول ما يندم عليه.
ـ أنا نازل يا منال، وهبقى أبعت حد من الخدم بالأكل لما يخلص.
أنهى حديثه وخرج مسرعًا قبل أن يثور عليها ويقول ما لا يحمد عقباه.
في الأسفل، كانت نبيلة توصي الخدم بمنال وتقول:
ـ أي حاجة تطلبها تتنفذ، ولازم حد يفكرها تاخد أدويتها في معادها، والأكل لازم يكون صحي علشان متتعبش وحفيدي ييجي بخير وسلامة.
كان الجميع يستمع إليها باحترام شديد، وبعد أن انتهت أمرتهم بتحضير طعام مناسب لحالتها.
نزل معتز، وشاهد وسمع كل ما دار بين والدته والعاملين هنا، فابتسم على حنانها، واقترب منها وأحاط ذراعيها بذراعيه، ثم أردف بمرح بعد أن أشار لهم بالرحيل:
ـ أنا ليه حاسس كده؟ خير اللهم اجعله خير، إن الواد اللي هييجي ده هياخدك مني؟
ضحكت والدته وهمست:
ـ مش بيقولوا أعز الولد ولد الولد؟
ـ ماشي يا ستي، تعالي بقى نشغل فيلم حلو ونكمل السهرة مع بابا.
ـ مش هتقعد فوق مع مراتك؟
رد بتهرب، فهو لا يريد أن تعلم والدته ماهية الحديث الذي دار بينه وبين منال؛ إذ يدرك أنها ستحزن إن علمت بالأمر.
ـ لا، هي عايزة تقعد لوحدها شوية وممكن تنام.
ـ طيب مش هتعرف أخو مراتك بالخبر الحلو ده؟
ـ آه طبعًا، لازم يعرف، هكلمه حالًا.
أخرج هاتفه وقام بمهاتفة طاهر ليخبره بذلك الخبر السعيد.
على الطرف الآخر، كان طاهر جالسًا يشاهد أحد الأفلام، حين تصاعد رنين هاتفه، فطلب من زوجته أن تأتي به؛ فقد كان يضعه على الشاحن في غرفة نومهما.
أجاب بعد أن أعطته له، وهو يرى اسم زوج أخته على الشاشة:
ـ أهلًا يا معتز، أخبارك إيه أنت ومنال؟
ـ كلنا بخير الحمد لله، في خبر سعيد قلت لازم أبلغك بيه.
اعتدل طاهر في جلسته، وأولى حديثه اهتمامه، وحين أخبره معتز أنه سيصبح خالًا عما قريب، قال مباركًا له:
ـ مبارك يا معتز، ابقى سلملي على منال، وأنا هبقى أجي أبارك لكم مع فاتن بكرة إن شاء الله.
أنهى المكالمة، وهو يشعر بضيق في صدره، لا يستطيع أن يسامح نفسه على ما اقترف في حق أسيل.
كان كلما أغمض عينيه يرى مشهدها يعاد أمامه، وهي تناجيه ألا يتركها ويذهب، في حين أنهما يعيشان بسعادة وقد بدأ الاستقرار يزحف نحو حياتهما، بينما هي تقبع هناك خلف جدران مغلقة، حبيسة لا ترى النور مثلهم.
قام من مكانه، وتوجه ناحية الشرفة، وأخذ يتنفس ببطء، ودموع الندم تتسلل إلى مقلتيه، واحدة تلو الأخرى.
لم يكن يعلم أنه بدأ يتحرر بالفعل من تلك القيود التي كانت تقيده.
مسح دموعه سريعًا، وهو يرى فاتن تتقدم نحوه وتسأله عما حدث، وهي تردف:
ـ مالك يا طاهر؟ بقالك كام يوم ساكت كده ومش على طبيعتك، في حاجة مزعلاك؟
ـ لا أبدًا، مفيش حاجة، ممكن بس تعملي كباية قهوة من إيدك الحلوة دي؟
ـ حاضر، هعمل القهوة وهاجي تحكي ليا كان بيقولك إيه جوز أختك على التليفون.
ما إن ذهبت حتى أخرج هاتفه من جيبه، وطلب رقم منال فردت :
ـ خير يا طاهر؟
ـ مبروك على الحمل.
ـ إنت لحقت تعرف؟
ـ جوزك لسه قافل معايا من شوية وقالي على خبر حملك، وصوته كان فرحان.
ـ بس أنا مش فرحانة بقى، ولا عايزة الولد ده.
ـ تعرفي يا منال، أنا بسأل نفسي كل يوم سؤال مش لاقي ليه إجابة... ليه؟
ـ هو إيه اللي ليه؟ مش فاهمة.
ـ ليه خلتيني أمشي ورا كلامك وأطمع في الورث؟ ليه كنتِ عايزة تخلصي على أسيل؟ ليه كل الحقد والغل ده من ناحيتك ليها؟
أخذ نفسًا مرتجفًا، ثم تابع:
ـ وأنا زي الأهبل طاوعتك ونسيت أمانة أبويا ليا ووصيته. أنا مش عارف أعيش ولا أنام من كتر الكوابيس اللي بشوفها كل يوم.
ـ إنت شكلك اتهبلت يا طاهر، إحنا مش قفلنا الموضوع ده من زمان؟
أجاب بإصرار، وقد فاض به الكيل:
ـ لا، يا منال، الموضوع متقفلش من ناحيتي، واعملي حسابك إني مش هسكت.
ـ يعني إيه؟
ـ أنتِ مش عايشة حياتك ومبسوطة؟ نصيحة مني، احمدي ربنا على جوزك وعلى ابنك اللي جاي في السكة، وتوبي لله يا منال، يمكن ربنا يسامحك.
أنهت في وجهه المكالمة، ولم تستطع أن ترد عليه.
كانت ما زالت تنوي الشر بأسيل، ولا تدري لماذا يتذكر أسيل مرارًا وتكرارًا، ويطلب منها أن تتوب. هناك خطأ ما، هي متأكدة.
تذكرت ما فعلته بعد وفاة أبيها؛ فقد استغلت عدم انتباه أحد لها، وذهبت إلى شيخ ما قد أتت برقمه من على إحدى مواقع التواصل الاجتماعي، وأعطته ملابس من ملابس طاهر، وأوصته أن يجعل طاهر مثل الخاتم في إصبعها، وألا يرفض لها طلبًا.
أعطته الكثير من المال، وحينها وعدها أنه سيفعل ما طلبت منه بالحرف الواحد.
أخرجت هاتفها وقامت بمهاتفته.
مرت دقائق حتى جاءها صوته الخشن، فقالت:
ـ أنا عايزة أفهم حاجة واحدة بس، مش إنت قلت ليا إن العمل ده هيفضل معمول لأخويا، وإنه هينسى أسيل دي تمامًا وهيبقى زي الخاتم في صباعي؟ إيه اللي حصل؟ ولا عفاريتك دي طلعت عفاريت نص كم؟
ـ انتبهي على كلامك يا هانم بدل ما تزعلي جامد. أنا نفذت كل اللي طلبتيه مني بالحرف، لكن العمل اتفك من كام يوم لوحده، وجيت أجدد معرفتش.
ـ يعني إيه؟
ـ يعني زي ما سمعتي كده بالظبط. واضح إن أخوكِ بقى يحافظ على صلاته أو بيحمي نفسه بحاجة معينة مخليّة الجن اللي معايا مش قادر عليه.
──────────────
قبل يوم واحد، كان طاهر يسير نحو المسجد الذي لم تطأ قدماه عتبته منذ زمن.
دخل وهو يخفض رأسه، لا يعلم كيف يناجي ربه، ولا كيف يطلب مغفرته.
ولأول مرة في يوم الجمعة يدخل إلى المسجد، كان يشعر أنه محاط بأغلال تقيده، لا يستطيع أن يتنفس. دائمًا ما كان يشعر باختناق شديد كلما حاول أن يتقرب من الله.
وبعد معاناة لأيام وأسابيع، كان يحارب فيها نفسه، استطاع أخيرًا أن يأتي إلى المسجد.
وها هو يجلس بين المصلين، يستمع إلى خطبة الجمعة بعد أن توضأ.
كانت الخطبة تتحدث عن صلة الرحم، وكان يستمع إلى كلام الشيخ، وبدون أن يشعر، تساقطت دموعه على وجنتيه؛ دموع الندم والتوبة.
بعد انتهاء الخطبة، نادى المؤذن للصلاة، فقام ليصلي معهم.
بعد سنين انقطع فيها عن الصلاة، كان يستمع إلى آيات الله التي يتلوها الشيخ بكل خشوع، وقلبه يستعيد صفاءه بكلمات الله.
وبعد انتهاء الصلاة، رحل بعض المصلين، وجلس آخرون يتلون آيات من القرآن الكريم.
أما طاهر، فجلس وأسند ظهره إلى أحد الأعمدة، وأغلق عينيه، وترك العنان لدموعه تنهمر في صمت، تغسل ما تراكم على قلبه من ذنوب وأوجاع.
كانت تلك دموع الندم...
نعم، فهو الآن نادم على ما فعل بأخته الصغيرة التي أوصاه عليها أبوه قبل وفاته، لكنه خالف وصيته لأجل المال.
ظن أنه لن يستطيع أن ينال مغفرة الله، فضاق صدره عندما خطر بباله ذلك.
لف ذراعيه حول ركبتيه، وأسند رأسه إليهما، وأجهش في بكاء مرير.
لفت بكاؤه نظر من حوله، ولكن لم يتقدم منه أحد سوى إمام المسجد، الذي اقترب منه بخطوات هادئة، وكان يحمل مصحفه الذي لا يكاد يفارقه، ثم ثنى ركبتيه بجواره وربت على ظهره قائلًا بنبرة حنونة:
ـ هون على نفسك يا رجل.
رفع طاهر وجهه إليه، ورأى إمام المسجد يجلس بجواره، وعلى ملامحه ارتسمت ابتسامة هادئة.
قال طاهر بصوت مبحوح، غلبته غصة البكاء:
ـ إنت متعرفش أنا عملت إيه علشان تقولي أهون على نفسي. أنا بعيد قوي عن ربنا، بقالي سنين مدخلتش جامع ولا ركعتها، ده غير اللي أنا عملته في أختي الصغيرة...
توقف للحظة، وكأنه عاجز عن إخراج بقية الكلمات، ثم أخذ يحكي له كل ما فعله بها، وسط شهقاته المكتومة.
كان الإمام يستمع إليه بإنصات، لا يقاطعه ولا يلومه، حتى أنهى طاهر حديثه.
ثم قال، وهو ما زال محتفظًا بابتسامته الهادئة:
ـ إن الله غفور رحيم، يحب العبد التواب.
وصمت للحظات، ثم أردف:
ـ وربنا قال في كتابه العزيز:
﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا ۚ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾.
ظل طاهر ينظر إليه بعينين ممتلئتين بالدموع، وكأن الكلمات تحاول أن تجد طريقها إلى قلبه.
تابع الشيخ:
ـ هحكي ليك قصة يمكن تكون سمعتها قبل كده، قصة الرجل اللي قتل مائة شخص وكان عايز يتوب.
ثم بدأ يروي له الحديث:
ـ وقد قص النبي صلى الله عليه وسلم قصة رجل أسرف على نفسه ثم تاب وأناب، فقبل الله توبته، والقصة رواها الإمام مسلم في صحيحه عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
«كان فيمن كان قبلكم رجل قتل تسعة وتسعين نفسًا، فسأل عن أعلم أهل الأرض، فدُلَّ على راهب، فأتاه فقال: إنه قتل تسعة وتسعين نفسًا، فهل له من توبة؟ فقال: لا، فقتله فكمل به مائة، ثم سأل عن أعلم أهل الأرض، فدُلَّ على رجل عالم، فقال: إنه قتل مائة نفس، فهل له من توبة؟ فقال: نعم، ومن يحول بينه وبين التوبة؟ انطلق إلى أرض كذا وكذا، فإن بها أناسًا يعبدون الله، فاعبد الله معهم، ولا ترجع إلى أرضك، فإنها أرض سوء...»
ظل طاهر يستمع إليه في صمت، وقد هدأت شهقاته قليلًا، بينما تابع الشيخ بقية القصة، حتى انتهى منها.
ثم قال:
ـ معنى كده إن باب التوبة مفتوح يا بني. وربنا زي ما قال إن الله شديد العقاب، قال برده إن الله غفور رحيم.
اقترب منه قليلًا، ووضع يده على كتفه، ثم أردف:
ـ يعني أهم حاجة تخلص نيتك لله عز وجل، وتتوب من قلبك، وتحاول تصلح الذنب اللي عملته في حق أختك. رد الحقوق يا بني لأصحابها، وقرب من ربنا سبحانه وتعالى، وأنا واثق إنك لما تيجي المرة الجاية هتكون أحسن من كده.
ظل طاهر صامتًا للحظات، وكأن كلمات الشيخ أعادت إليه شيئًا كان يظن أنه فقده إلى الأبد.
ثم مسح دموعه بكفيه، وقال بصوت مرتجف:
ـ يعني لسه عندي فرصة؟
ابتسم الشيخ:
ـ طول ما أنت حي، باب التوبة مفتوح. بس متأجلش... ابدأ من النهارده.
تنفس طاهر بعمق، وكأن كلمات الشيخ أزاحت عن صدره حملًا ثقيلًا.
هز رأسه، وارتسمت على ملامحه للمرة الأولى منذ زمن طويل راحة ممزوجة بالخوف والندم.
نهض الشيخ، وقال:
ـ أنا واثق إنك لما تيجي المرة الجاية هتكون أحسن من دلوقتي بكتير... وفقك الله لما يحب ويرضى.
تركه الشيخ يستعيد رباطة جأشه، ورحل وهو يدعو له.
ظل طاهر جالسًا لبعض الوقت، يستعيد في ذهنه كل ما اقترفت يداه من إثم في حق أخته الصغيرة، وتقصيره في حق الله عز وجل.
وبعد ساعات قضاها في الصلاة وقراءة القرآن، خرج من المسجد وهو يشعر أنه كطائر يحلق في السماء، وروحه ترفرف بنور جديد.
ونوى أن ينصح أخته منال أن تتوب هي الأخرى قبل فوات الأوان، وعزم في داخله أن يعيش ما تبقى من عمره في عبادة الله ومجاهدة نفسه، وأن يخلص أسيل مما هي فيه.
كان يعلم أن التوبة ليست مجرد دموع تسقط في مسجد، ولا كلمات ينطق بها اللسان، وإنما بداية طريق طويل عليه أن يثبت فيه بالفعل، وأن يصلح ما استطاع من آثار ما فعله.
وكان أول ما عزم عليه أن ينقذ أخته الصغيرة، حتى وإن كلفه ذلك مواجهة منال وكل ما سيأتي بعدها.
الفصل التاسع من هنا
