رواية الغجاريه وعشق القلوب الفصل الاول1 بقلم ملكة الروايات والحكايات ساحرة القلوب

رواية الغجاريه وعشق القلوب الفصل الاول1 بقلم ملكة الروايات والحكايات ساحرة القلوب 

​كان "مولد السيد" في تلك الليلة شحنة من الأضواء الصاخبة، أصوات الدفوف والربابة تتداخل مع ضحكات الأطفال وباعة السكر، ورائحة العطور الشعبية والبخور تفوح في كل ركن. وسط تلك الحلقة المتسعة من المتفرجين، كانت "ماريا" ترقص وكأنها تملك الأرض وما عليها؛ خلخالها الفضي يرن بنغمات تزلزل قلوب الحاضرين، وشعرها الأسود الفاحم يتطاير بحرية مع كل حركة رشيقة، وعيناها الواسعتان تطلقان شرارات من السحر والغموض.

​في خلفية المسرح الصغير، كانت "مكاسب"، العجوز الغجرية حادة اللسان وطيبة القلب التي ربّت ماريا، تراقب الحشد بعينين فاحصتين وهي تمسح جبينها بطرف ثوبها المزركش، وتتمتم قائلة بصوت ملؤه القلق:

 عيون الناس كترت حواليكي يا ماريا.. واليومين دول الهوا بيجيب ريحة أغراب مش مألوفة للمكان.

​اقترب منها "عطوة"، أحد كبار رجال القبيلة، وضخم الجثة بملامحه الخشنة، وقال بصوت غليظ وهو ينظر بغضب نحو حواف المولد:

 مش عاجبني الحال يا مكاسب.. الواد "فارس" عيونه شرارة وجايبة آخره، لو فضل يبص للراعيين الجداد بالطريقة دي، حتولع خناقة مش هتفدنا في حاجة.

​وبالفعل، كان "فارس" واقفاً في الظل عند مدخل السرادق، يعقد كفيه بغضب وعروق رقبته بارزة. كان يرتدي جلباباً صعيدياً وعصابة رأس تزيد من قسوة وسامته، و غضبه يشتعل أكثر كلما رأى إعجاب الحاضرين بـ "ماريا". اقترب  فارس بخطوات بطيئة وهمس لنفسه بنبرة حارقة:

 ماريا ملكي أنا.. ولن أسمح لعيني غريب أن تطأ أرضها أو تطيل النظر إليها.

​على الجانب الآخر من السرادق، بعيداً عن صخب البساطة الشعبية، وقف "زياد"، الشاب الثري الأنيق، يرتدي ملابس تفوح بالفخامة وتتناقض تماماً مع أجواء المكان. كان يبتسم بسخرية خفيفة وهو يتابع الرقصة المذهلة، بينما يقف بجانبه صديقه المقرب "مراد"، الذي جاء معه يجرّه الفضول والتسلية.

​التقط مراد أنفاسه من زحام المكان وقال ضاحكاً بتهكم:

 يا ابني انهبلت؟ واخدني لحد هنا في نص المولد عشان تتفرج على راقصة غجرية؟ شكلك وقعت بجد يا زياد!

​نظر زياد إلى ماريا نظرة طويلة كأنما سُحر، ولم يلتفت لحديث مراد، بل قال بصوت هادئ ومتحفز:

اسمع يا مراد.. أنا لا هبلت ولا حاجة. أنا أعرف تماماً ماذا أ يفعل هذا الجمال الخرافي وسط هذا الضجيج. أقسم لك أنها ليست كباقي فتيات القرى أو المدن.. فيها شيء غامض يستحق التحدي.

​تحدّث مراد محذراً بصوت جاد:

احذر يا زياد.. هؤلاء القوم ليسوا كالناس الذين تعرفهم في الطبقة الراقية، وغجرتهم لا تقبل المزاح أو العابثين، وخصوصاً هؤلاء الشباب الأشداء الذين يراقبوننا بنظرات تكاد تقتلنا الآن!

​التفت زياد ليرى نظرات "فارس" المشتعلة نحوه من بعيد، فابتسم ببرود وتحدٍ، وخطا خطوات أجرأ نحو الأمام، متجاوزاً حدود الحشود، ليصبح على مسافة قريبة جداً من حلقة الرقص.

​في تلك اللحظة بالذات، التقت عينا ماريا بعيني زياد وسط صخب المولد ودقّات الدفوف العالية. توقفت أنفاس ماريا للحظة واستشهدت ببرودة سرت في جسدها من هذه الجرأة غير المعهودة، بينما احتدت نظرة فارس الذي صرخ فجأة وسط الصخب محذراً ومتقـدماً بخطوات واسعة نحوهما:

يا بني آدم.. ابعد عن طريقتنا وعن مكاننا، وإلا...


​توقف صخب الدفوف لثوانٍ معدودة وكأن الأنفاس حبست في صدور الحاضرين مع صرخة "فارس". وقف فارس أمام "زياد" مباشرة، عريض المنكبين، وعيناه تقدحان شراراً، وقال بنبرة حادة تخترق ضجيج المكان:

ـ شكلك مش فاهم يا ابن المدن.. المكان هنا ليه أصول، واللي يبص بعين طماعة على حاجة مش من حقه، بيحفر قبره بايديه!

​ابتسم زياد ببرود مستفز، ولم يتراجع خطوة واحدة للخلف، بل نظر في عينيه مباشرة وقال بنبرة هادئة ومتحدية:

ـ وأنا لا طماع ولا جاي أحفر قبور.. أنا مجرد مشاهد عجبته الأصول، وجاي يشهد على فن حقيقي.. ولا هو الفن هنا حكر على ناس وناس؟

​تدخل "مراد" بسرعة وهو يجذب ذراع صديقه بقوة ويحذره بصوت خفيض:

ـ يا زياد، اتهد بقا! الشاب ده مش هيهزر، والوضع بدأ يتحول لخناقة حقيقية أحسن لينا نبعد عنها.

​في تلك اللحظة، تدخلت "مكاسب" بحنكتها الشعبية، وتقدمت بخطوات بطيئة لكنها حازمة، ووقفت بينهما وهي تقول بصوت أجش يحمل خبرة السنين:

ـ صلِّي على النبي يا فارس.. المولد لكل الناس، والرزق بتاع ربنا، ومش هانخلي ليلة مباركة تبوظ بسبب عصبية مالهاش لزوم.. وكل واحد يرجع لمكانه أحسن.

​ألقى فارس نظرة نارية أخيرة نحو زياد، وقال بصوت مكتوم يحمل توعداً قاطعاً:

ـ ليلتنا لسه مخلصتش يا ست مكاسب.. ويا ويل اللي يتعدى حدوده.

​ثم التفت إلى "ماريا" التي كانت تقف في أوج جمالها وشموخها، تشهد الموقف بصمت وعيناها تتألقان بفضول عجيب. أشار لها برأسه أن تبتعد، فانصرفت بخطوات واسعة ومليئة بالكبرياء، وخلفها عيون مكاسب وعطوة اللتان لم تتوقفا عن المراقبة.

​أما "زياد"، فظل واقفاً مكانه يتابع طيفها وهي تبتعد، وابتسامة غامضة ترتسم على شفتيه، بينما قال لمراد بصوت يملؤه الإصرار والتحدي:

ـ أقسم لك يا مراد.. هذه الغجرية ليست مجرد راقصة في مولد، وسأعرف طريقها مهما كانت التكلفة!

​وبهذه النظرات المتبادلة المشتعلة بالفضول والغيرة، أسدل الستر على ليلة المولد الأولى، ليبدأ فصل جديد من الصراع الذي ستتكشف خيوطه قريباً.

يتبع 

             الفصل الثاني من هنا

لقراءة باقي الفصول من هنا

تعليقات



<>