
لم يهدأ بال "زياد" بعد طرد "عطوة" وتحذيرات "فارس" النارية. بل إن تلك التحديات زادت النار اشتعالاً في صدره. بالنسبة له، لم تعد "ماريا" مجرد راقصة في مولد شعبي، بل أصبحت لغزاً ساحراً يرفض الاستسلام أمامه.
وفي ليلة مقمرة، وبينما كانت "ماريا" تبتعد قليلاً عن خيام القبيلة متجهة نحو بئر الماء القديم عند أطراف التل لتستنشق بعض الهواء الهادئ بعيداً عن عيون مكاسب وفارس، تناهى إلى سمعها صوت خطوات خفيفة تقترب من خلفها.
التفتت بسرعة لتجد "زياد" يخرج من بين ظلال الأشجار والنخيل، وقد نزع عنه كبرياء المدن ليقف أمامها بوجه مكشوف، ملامحه تحمل مزيجاً من الإصرار والوله.
تسمّرت ماريا في مكانها للحظة، وعيناها الواسعتان تطلقان شرارات من الغضب والتحذير. رفعت ذقنها بشموخ عاجز، ولم تهتز قط، بل تقدمت منه خطوة وأوقفته بكلمات حاسمة وقاطعة تقطع نسيم الليل البارد:
"اسمع يا فندي.. ابعد عن طريقي! فارس مش سهل وهيقف ديماً في طريقي، وأنت مش من توبي. أنا عشت طول عمري الأرض كلها بيتي والسما سقفي، ماليش مكان أعيش فيه، الأرض كلها أرضي.. وأنت عاوز تتسلى يا بيه! ابعد عني، بلاش تضحك عليا وأهلي وناسي وأكون لبانة في بقهم!"
خرجت الكلمات من بين شفتيها كخنجر حاد يقطع حبل الأمل الذي جاء زياد يعلقه، لكن وقع تلك الكلمات على قلب زياد لم يكن كما توقعت.
تراجع زياد خطوة إلى الوراء، لكن ابتسامة هادئة وعميقة علت شفتيه، ولم تظهر عليه أي علامة خوف أو تراجع. نظر إلى عينيها المشتعلتين وقال بصوت يملؤه الصدق واليقين:
لبانة في بق الناس؟ أنتِ تفكرين في كلام الناس بينما أنا لا أراهم، ولا أرى أحداً سواكِ يا ماريا! ظننتِ في البداية أنها تسلية، لكنني أقسم لكِ بشرفي أنني لم أعد أرى في هذه الدنيا شيئاً يعينني على العيش سوى هذه اللحظة التي تقفين فيها أمامي. فارس يعتقد أنه يمتلكك بالترهيب، وأنتِ تعتقدين أنكِ تحمين نفسكِ بالجفاء، لكن قلبكِ يا ماريا يقول شيئاً آخر تماماً!
اهتزت جدران قلب ماريا من قوة كلماته وجرأته، وشعرت برعشة خفيفة تسري في جسدها، لكنها أخفت ارتباكها تحت قناع القسوة والعزة، وتراجعت للخلف بخطوات سريعة وقالت بنبرة حادة محذرة:
اياك أن تظن أن كلامك المعسول سيغير شيئاً.. غادر من هنا قبل أن يرى أحد ظلك، ولن أرحمك احد إن تجرأت واقتربت مرة أخرى!
استدارت ماريا وابتعدت عاصفة بغضب وكبرياء، تاركة زياد واقفاً مكانه، تلاحقها عيناه المليئتان بالعشق والإصرار، وهو يردد في نفسه:
لن أستسلم يا ماريا.. مهما كانت النتائج ومهما كلفني الأمر!
ولم تكن تعلم ماريا، ولا زياد، أن عيون "فارس" كانت تراقب من بعيد، متخفية بين الصخور، وقد اشتعلت عيناه بنيران الغيرة العمياء، ليخطط في تلك اللحظة لفخ لا يرحم يضع نهاية لكل هذه اللقاءات السرية!
لم يكن "فارس" ليقبض كفيه عبثاً وهو يراقب من بعيد ذلك اللقاء العاصف عند بئر الماء القديم. كانت نيران الغيرة والغيظ تأكل صدره؛ فهو لم يتخيل أن يجرؤ غريب من أهل المدن على الاقتراب من "ماريا" بهذه الجرأة، والأدهى من ذلك أنه رأى بعينيه كيف اهتزت صرامة ماريا أمام كلماته.
في الليلة التالية، قرر فارس أن يضع حداً لهذا العبث بطريقته الخاصة. جمع عدداً من أصدقائه الأشداء من شباب القبيلة، ورسموا خطة محكمة لترهيب زياد وإبعاده نهائياً عن أراضي الغجر، بل وتلقينه درساً لا ينساه يجعله يفر بعيداً ولا يعود أبداً.
على الجانب الآخر، وفي استراحة السويس، كان "مراد" يحاول جاهدًا ابعاد زياد عن جنونه:
يا زياد، أرجوك افهم! الوضع هناك أصبح خطيرًا للغاية. فارس ورجاله يتربصون لك، وإذا ذهبت إلى هناك مرة أخرى فلن يترددوا في إيذائك من جديد!
لكن زياد وقف أمام المرآة يعدل هندامه، ونظر إلى صديقه بابتسامة ثابتة وقال:
يا مراد، الخوف لم يكن يومًا طريقًا للظفر بشيء حقيقي. ماريا ليست مجرد فتاة التقيناها بالصدفة، هي الحقيقة الوحيدة التي أيقظت روحي. يجب أن أراها، ولن أسمح لفارس أو لغيره أن يمنعني.
وبالفعل، امتثل زياد لنداء قلبه وتحرك وحيدًا تحت جنح الظلام نحو أطراف معسكر الغجر، متخفيًا بحذر شديد حتى اقترب من الخيام البعيدة. لكن ما لم يكن يعلمه، أن عيون فارس ورجاله كانت تراقبه كالنسور.
وما إن تجاوز زياد تلة الرمل حتى ظهر فارس أمامه فجأة كالجبل الشامخ، يحيط به اثنان من أشداء القبيلة، وعصاه الغليظة تلمع تحت ضوء القمر الخافت. ابتسم فارس بتهكم وقسوة، وتقدم منه بخطوات بطيئة وقال بصوت رعدي:
ألم أحذرك مرارًا يا ابن المدن؟ يبدو أنك لست ممن يتعظون بسهولة، واليوم جئت إلى عرين الأسود بنفسك، ولن تنفعك فلسفتك ولا أموالك!
تراجع زياد خطوة للوراء، لكنه حافظ على ثباته ونظر في عيني فارس بلا خوف وقال بتحدٍ:
أنا لم أعتد الهروب يا فارس.. وماريا ليست ملكية لأحد حتى تحاسبني على الاقتراب منها!
رفع فارس عصاه بغضب عارم، وكادت تسقط ضربة قاضية على رأس زياد، لولا أن انشق الصمت عن صرخة مدوية هزت أرجاء المكان:
«قف عندك يا فارس! إياك أن تلمسه!»
ظهرت "ماريا" من خلف الصخور، وشعرها الأسود المنثور يتطاير مع الرياح، وعيناها تطلقان لهيبًا لا يُقاوَم. تقدمت بخطوات واسعة وثابتة حتى وقفت بين فارس وزياد، ودفعت عصا فارس بيديها بقوة وهي تقول بغضب شديد:
ـ أهذه هي مراجلكم يا رجال الغجر؟ الإيقاع بالناس في الظلام والاعتداء عليهم غدرًا؟ قلتها لك سابقًا يا فارس، ولن أعيدها؛ أنا لست جارية في ملكك، وما تفعله اليوم لا ينم عن حب، بل عن ضعف وغيرة عمياء!
صعق فارس من جرأة ماريا ووقوفها العلني بجانب الغريب، وصاح بصوت يهتز من الصدمة واللوعة:
تدافعين عنه أمامي يا ماريا؟! بعد كل ما بيننا من عيش وملح وتاريخ هذه القبيلة، تبيعيننا من أجل هذا الأنيق الطارئ؟
نظرت ماريا إلى فارس بعينين دامعتين لكنهما مفعمتان بالصلابة، ثم التفتت إلى زياد نظرة سريعة تحمل مزيجًا من التحذير والوجع، وقالت بصوت حاسم:
أنا لا أبيعه ولا أبيع نفسي لأحد.. أنا حرة، ولن أقبل أن تتحول ساحة خيامنا إلى مسرح دماء بسبب عنجهيتكم! اذهب من هنا يا زياد فورًا، واعتبرها نهايتك في هذا المكان، وإلا...
تراجع زياد مرغمًا، وعيناه معلقتان بماريا التي أثبتت شجاعة مذهلة، بينما بقيت نيران الصراع تشتعل بين الجميع، مهيأة الأجواء لزلزال عاطفي كبير سيقلب الأمور رأسًا على عقب
ماذا سيحدث وهل يتخلي زياد عن حبه وهل سينتصر فارس
ويبعده عن ماريا