
لم تكن كلمات "ماريا" الحارقة عند بئر الماء مجرد صدى يتبدد في سكون الليل، بل استقرت في قلب "زياد" كجمر لاهب يرفض انطفاءه. في المقابل، كانت خيام القبيلة تغلي ببركان من الغضب المكتوم؛ فـ "فارس" لم يعد يطيق صبراً، ورأى أن كرامته وكرامة أهل العشيرة أصبحت على المحك طالما بقي هذا الشاب الثري يسرح ويمرح حول حدودهم.
داخل الخيمة الكبيرة، كان "عطوة"، كبير الغجر، يجلس على وسادة عربية عريضة، ويحرك سبحته ببطء بينما تشتعل في عينيه نظرات حكيمة وصارمة. وقف فارس أمامه، يذرع الخيمة ذهاباً وإياباً وعصاه ترتجف في يده، وقال بصوت ينضح بالغضب:إلى متى سنظل نتفرج يا عمي؟! الغريب تجاوز كل الحدود، ولم يعد يخفي رغبته في اختطاف ماريا من بيننا. إذا لم نضع لها حداً قاطعاً الليلة، فلن تهابنا عيون القرية بعد اليوم!
تنهد عطوة بعمق، ثم رفع رأسه وقال بنبرة هادئة لكنها حاسمة:
الغضب أعمى يا فارس، والعنف وحده لا يحل شيئاً. ماريا ليست طفلة تدار بالقوة، وإن أجبرناها على أمر فسترد بالطريقة التي تعرفها. لكن... إن كان ابن المدن هذا يعتقد أن أرضنا مسرح لعبه، فهو يجهل مع من تعامل. علينا أن نجعله يدرك بفعله لا بتهديدنا أنه يلعب بالنار.
وفي تلك اللحظة، كانت "مكاسب" تجلس بجوار "ماريا" في زاواية الخيمة الأخرى. كانت العجوز الطيبة تمرر أصابعها الحانية على شعر ماريا الأسود، وقالت بصوت خفيض وخبير:
عيونك يا بنتي تفضح ما تخفينه.. تقولين له "أنت مش من توبي"، لكن قلبكِ لم يكن صلباً بقدر لسانكِ. هل تخافين منه، أم تخافين على نفسكِ منه يا ماريا؟
رفعت ماريا رأسها، وبرق الدمع في عينيها الواسعتين بينما ارسمت على شفتيها ابتسامة مريرة، وقالت:
أخشى على نفسي يا خالتي.. عوالمنا غير عوالمهم. هم يعيشون في القصور خلف الأسوار، ونحن أحرار كالريح لا يملكنا سوى السماء. إذا صدقته، سأكون مجرد نزوة في حياة ابن أكابر، ثم يرحل تاركاً ورائه رماداً. أنا لا أقبل أن أكون لبانة في أفواه الناس.
لكن في تلك الأثناء، لم يكن زياد مستعداً للاستسلام. في استراحته، وقف يخطط لخطوة مجنونة؛ لقد أدرك أن اللقاءات الخفية لم تعد تجدي نفعاً، وأن عليه إثبات جديته للجميع مهما كانت التكلفة.
في اليوم التالي، وتحت جنح الظلام، وقبل أن يتمكن فارس من تنفيذ خطته الانتقامية، أقدم زياد على خطوة لم تكن في الحسبان. تسلل بمفرده تماماً، بلا أسلحة ولا حراس، متخفياً حتى وصل إلى أطراف خيمة مكاسب حيث كانت ماريا تقف بمفردها لجمع الحطب الصغير قرب مدخل المعسكر.
التفتت ماريا لتفاجأ به يقف أمامها مباشرة، بلا خوف ولا تردد، وعيناه تنطقان بصدق عارم. وقبل أن تفتح فمها لتصرخ أو تطرده، تحدث زياد بصوت عميق ودافئ اخترق قلبها:
جئت إليكِ وحدي، بلا دروع ولا مال، لكي أثبت لكِ أنني لست هنا للتسلي. إن كنتِ تعتقدين أنني أنتمي لعالم آخر، فاعلمي أنني مستعد لترك ذلك العالم كله إن كان سيجمعني بكِ يا ماريا!
وقعت الكلمات على أذن ماريا كالصاعقة، واهتزت جدران كبريائها. نظرت إليه بذهول وابتلعَت أنفاسها بصعوبة، وقالت بصوت متهدج يمزقه التناقض:
أنت لا تدرك ما تفعل.. وجودك هنا يعني إعلان حرب، وفارس لن يرحمك لو رآك!
ابتسم زياد بابتسامة هادئة ومطمئنة، وقال وهو يقترب خطوة واحدة بحذر شديد:
لا أخشى الحرب إذا كانت معركتها هي أنتِ يا ماريا...
ولكن... ما لم يشعرا به، هو أن "فارس" كان يراقب من خلف الكثبان الرملية القريبة، وقد جحظت عيناه من شدة الغيظ، ورفعت يده لتعطي الإشارة لرجال القبيلة المحيطين بالمكان... لتبدأ المعركة الفاصلة التي ستغير مصير الجميع للأبد!
قبل أن يكمل زياد كلماته، انشق سكون الليل عن صرخة غضب مدوية، وانقض "فارس" كالريح الهائجة من خلف الظلال. وقبل أن يتدارك زياد الموقف، سدد له فارس لكمة قوية ومباشرة أسقطته على الأرض، وتركت أثراً دامياً خفيفاً على زاوية شفته.
صرخت "ماريا" بذعر لم تستطع كتمانه، واندفعت كالسهم لتتوسط المسافة بينهما، دافعة فارس بكل قوة وعنف وهي تصيح بغضب جارف:
جننت يا فارس؟! أتريد قتله؟! هل فقدت عقلك تماماً؟!
تجمّد فارس في مكانه، وعروق رقبته تكاد تنفجر من شدة الغيظ والغيرة، بينما تجمع بعض رجال القبيلة على صوت الجلبة. وفي تلك اللحظة، تقدم "عطوة" بخطوات ثقيلة ووجه صارم، ووضع يده على كتف فارس ليمعنه من التقدم أكثر، ثم نظر إلى زياد الملقى على الأرض وإلى دمه الذي قطّر على رمال الصحراء، وقال بحزم:
كفى يا فارس! نحن رجال عشيرة، ولسنا لصوصاً نغدر بالناس في الظلام.. وإن كان هذا الشاب قد أخطأ بمجيئه إلى هنا، فعقابه ليس القتل.. احملوه إلى داخل الخيمة ليتطهر جرحه، وليغادر بعدها فوراً ولا يعود!
رغم قسوة الموقف، لم يكن أمام فارس سوى ابتلاع غضبه والامتثال لكبير العشيرة، بينما سارعت "مكاسب" بملامحها الحانية إلى إحضار وعاء الماء النظيف وقطع القماش لتضميد جرح زياد، وأشارت إلى ماريا قائلة بصوت خفيض:
تعالِ يا ماريا.. ساعديني في تطهير جرح الضيف.
دخل زياد إلى خيمة مكاسب الواسعة، وجلس على الوسادة العربية البسيطة، بينما كان وجهه يحمل أثر الضربة القوية. وما إن اقتربت ماريا منه ومعها وعاء الماء وقطعة القماش، حتى التقت عيناهما في صمت رهيب يغني عن ألف كلمة. كانت أنفاسها متسارعة، وقلبها يخفق بعنف وهي تنظر إلى الدم على شفته.
مدت ماريا يدها برفق شديد، وبدأت تمسح الجرح بحذر وكأنها تخشى أن تؤلمه مرة أخرى. في تلك اللحظة القريبة، غاب صخب العالم كله من حولهما؛ لم يعد هناك وجود لفارس، ولا لغضب القبيلة، ولا لفارق الطبقات والأسوار.
نظر إليها زياد بعينين تلمعان بالعشق والإصرار، ورغم ألم الضربة، ارتسمت على شفتيه ابتسامة دافئة وموجعة، وقال بصوت خفيض وهمس وهو ينظرلعينيها بشوق جارف:
أتعلمين يا ماريا؟ هذه الضربة كانت أرخص ثمن أدفعه لكي أرى الخوف الحقيقي على وجهك.. أنتِ لست قاسية كما تحاولين أن تظهري.
رفعت ماريا عينيها الواسعتين لتصطدم بنظراته العميقة، وشعرت برعشة حقيقية تسري في أطرافها. حاولت أن تجمع بقايا قسوتها وكبريائها، وقالت بصوت متهدج بالكاد يسامع:
أنت مجنون يا زياد.. عرضت نفسك للموت من أجل وهم لا نعرف نهايته. لماذا تفعل هذا؟
توقف زياد عن الكلام، ومد يده ببطء ليلمس طرف شالها المطرز بخفة، وقال بصوت ينبض بصدق هز عرش قلبها:
لأنه لم يعد هناك معنى للحياة بعيداً عنكِ.. أنتِ حريتي التي لم أكن أعرفها يا ماريا، ونيران حبكِ احرقت كل قيودي.
في تلك اللحظة، وتحت خيام الغجر الهادئة، انكسر الحصار الأخير حول قلب ماريا، وسقطت جدران الكبرياء، لتشتعل شرارة الحب الحقيقي الذي لا يعترف بالمسافات ولا بالفوارق. بينما كانت مكاسب تراقب بصمت وابتسامة خفيفة ترتسم على وجهها العجوز، مدركة أن القدر قد حسم أمره ولن يستطيع أحد إيقاف هذه العاصفة العاطفية!
وان لا شئ يقف امام الحب والعشق