
روايه المتمرده والطاغي البارت التاسع
تمتمت قمر وهي ترفع رأسها وتعدل ثوبها:
"النهار طلع يا منصور بيه.. ومروان زمانه على وصول، وعانشوفوا الحين كيف عتكون هيبة الكبير لما الباطل ينكشف في عقر داره!"مع انتصاف النهار، استقرت الشمس في كبد السماء لاهبةً حارقة، وكأنها تعكس النيران المشتعلة في قلوب سكان السرايا. كانت الأجواء مشحونة بصمت مخيف، الصمت الذي يسبق دويّ الرعد وانفجار البركان. تجمع الجميع في البهو الكبير للسرايا بأمر حازم من الحاج عبد الرحمن؛ جلس الشيخ الجليل على مقعده الخشبي الكبير ويده تضغط على عصاه، وعيناه العجوزتان تحملان هيبة السنين وقلقاً دفيناً.
إلى جواره، وقف منصور كالمارد، جلبابه الصعيدي وعمامته يمنحانه مهابة الطغاة، لكن وجهه كان شاحباً، وعيناه الصقريتان معلقتان بأعلى الدرج، بانتظار هبوط المتمردة. وفي الزوايا، كانت عواطف تجلس والارتجاف يمزق أوصالها، وبجوارها سعاد وهنادي يترقبن مصيرهن بوجوه صفراء كالليمون، بعد أن فشلت محاولاتهن لتهريب صابر في الليل، وظلّ حبيس المخزن تحت حراسة رجال منصور المشددة.
دوى صوت محرك السيارة في الفناء الخارجي، وتوقفت بعنف أثار الغبار. انفتح الباب، ودخل مروان بخطوات سريعة لاهثة، وكان يحمل في يده صندوقاً خشبياً قديماً متهالكاً، يفوح منه غبار السنين وعطر الماضي الحزين.
في تلك اللحظة الفاصلة، نزلت قمر من جناحها. كانت ترتدي عباءة سوداء قاتمة، وشعرها منسدل على كتفيها، تتقدم بخطوات واثقة، كالملكة التي تسير نحو منصة الحكم، وعيناها مثبتتان على الصندوق.
تقدم مروان، ووضع الصندوق على الطاولة أمام الحاج عبد الرحمن ومنصور، وقال بصوت متهدج من تعب السفر وعظم المفاجأة:
— "إني جيبت الأمانة يا كبير.. جيبت ورق عمي عبد الله، والجوابات اللي كانت شايلاها مروة الله يرحمها في أخر الدنيا."
تنحنح الحاج عبد الرحمن، وأشار بيده إلى منصور قائلاً بصوت هادر:
— "افتح الصندوق يا منصور.. واقرأ على رؤوس الأشهاد، خلينا نشوفوا الباطل اللي عشعش في بيتنا زمان عاد كيف!"
امتدت يد منصور القوية، وفتحت قفل الصندوق الخشبي بصوت خشب متهالك رنّ في أرجاء البهو كأنه صوت فتح القبور. التقط الورقة الأولى.. كانت جواباً قديماً مكتوباً بخط يد أمه "عواطف"، موجه إلى أحد الرجال الأجراء زمان، تأمره فيه بوضع السم في طعام "مروة" وهي حامل في شهرها السابع، وتهدده بطرده إن لم ينفذ. والتقط ورقة أخرى.. كانت جوابات مزورة صاغتها عواطف بخبث، لتظهر مروة وكأنها تخون عبد الله الهواري، وهي الجوابات التي تسببت في طردها في ليلة شاتية مظلمة.
تصلبت عروق عنق منصور، واهتز جسده الفارع بعنف وهو يقرأ الكلمات. تحولت عيناه إلى كتلتين من اللهب، والتفت ببطء مرعب نحو أمه عواطف، وصاح بصوت جهوري زلزل جدران السرايا وكسر أوانيها:
— "إييييه ده يا مّـا؟! أنطقِ عاد واصل!! الجوابات دي بخط يدك؟! أنتي اللي طردتي مرأة عمي؟ أنتي اللي كنتِ عتاكلي في لحمهم في الضلمة وتزوري في الشرف؟! أنطقِ قبل ما السرايا دي تنهد فوق نفوخنا!"
انهارت عواطف بالبكاء، وسقطت من فوق مقعدها على الأرض تحت قدمي ابنها تصرخ برعب وقهر:
— "سامحني يا ولدي!.. سامحني يا منصور، الشيطان عمى عيني! كنت خايفة عمك عبد الله ياخد السرايا والأرض والورث من أبوك، كنت عايزاك تكون أنت الكبير وأمك تكون ست السرايا!"
في هذه اللحظة، انفجر البركان الكامن في صدر قمر. لم تعد قمر المتمردة الواقفة بكبرياء مصطنع، بل تحولت إلى الابنة الجريحة التي تنبش روح أمها المتوفاة قهرًا. تقدمت قمر بخطوات لاهثة، واندفعت نحو منتصف البهو، وعيناها تفيضان بدموع حارقة كالدم، دموع قهر وسنين من الغربة والوجع.
وقفت أمام الجميع، وصوتها يخرج ممزقاً، مليئاً بمشاعر فياضة، قوية، هزت قلوب الحاضرين، وصاحت بوجه عواطف ومنصور وبأعلى صوتها:
— "سامحني؟! تطلبِ من مين السماح يا حية؟! تطلبي السماح من ابنك الطاغية اللي واجف يتفرج؟! أنا أمي ماتت في الغربة وهي مكسورة الخاطر! ماتت وهي عتبكي كل ليلة وتقول 'أنا شريفة يا قمر.. أبوكي طردني في نص الليل ورماني في الشارع وأنا حامل فيكي ومصدقش فيا كلمة واحدة بسب عمايل عواطف'!"
التفتت قمر بكامل جسدها نحو منصور، واقتربت منه حتى التقت عيناها الباكيتان بعينيه المذهولتين بالذنب. ضربت بقبضتها النحيلة على صدره العريض بعنف وبكاء مرير، وقالت بصوت يقطر وجعاً أبكى العمة هنا وعالية:
— "شفت أمي جرى لها إيه يا كبير الصعيد؟! شفت عيلتكم الكبيرة اللي عتتباهوا بهيبتها في البلاد عملت فينا إيه؟! عشت عمري كله غريبة، بنام وجعاعة، وأمي بتشتغل ليل مع نهار عشان تسترني، والناس عتبصلي كأني بت مقطوعة من شجرة! وأبويا مات وهو فاكر إن أمي خانته.. مات وقلبه محروق بسبب كيد الست دي (مشيرة لعواطف)! الحين عاد عرفت أنا وافقت على الجواز منك ليه؟! وافقت عشان أقف اهنا.. في وسطكم، وأوريكم وساخة باطلكم! وريني الحين رجولتك يا منصور بيه.. وريني هيبتك وجبروتك عيعملوا إيه مع أمك الحرامية اللي سرقت عمري وعمر أمي وشرفنا قدام الناس واصل!"
سقطت قمر على الأرض على ركبتيها، وغطت وجهها بيديها وهي تبكي بنحيب يمزق الحجر، وجسدها كله ينتفض من فرط الألم والمشاعر الفياضة التي كتمتها طوال السنين الماضية.
طار منصور من مكانه، ولأول مرة في حياته يتخلى عن كبريائه وجبروته أمام الجميع. انحنى على الأرض، ولف ذراعيه القويتين حول جسد قمر النحيل وجذبها إلى صدره العريض بقوة وعاطفة جياشة لم يعرف قلبه مثيلاً لها من قبل. كانت أنفاسه الحارة تمتزج بدموعها، وشعر بوجعها يسري في عروقه كأنه وجعه هو. ضغط عليها بحنان طاغٍ، وهز رأسه وعيناه تدمعان رغماً عنه، وقال بنبرة صوت متحشرجة، مليئة بالحب والدفء والندم القاتل:
— "بس.. بس يا قلب منصور.. اهدي يا بت عمي، والله في سماه.. حقك وحق أمك مروة في رقبتي، وإني منصور الهواري لتدفع أمي وحريم السرايا تمن كل دمعة نزلت من عينك وعين أمك غالية قوي! السرايا دي من الليلة ملكك، وإني طوع بنانك الحين.. بس متدليش دموعك دي واصل، دموعك عتحرق في جوفي يا قمر!"
رفع الحاج عبد الرحمن عصاه، ونظر إلى عواطف وهنادي وسعاد بعينين تقطران غضباً وقال بصوت حاسم كالسيف:
— "عواطف!! من النجمة الحين.. عتخرجي من السرايا دي، وعاتقعدي في بيت العيلة القديم في الجبل، وملمحش وِشك اهنا واصل لغاية ما تدفني في تربتك! وأنتي وهي (مشيراً لهنادي وسعاد) شيلوا خلقكم (أغراضكم) وعلى البيوت الواطية، ومنصور مش عيعتب عليكم واصل.. السرايا دي ليها ست واحدة من الليلة، وهي قمر عبد الله الهواري!"
ظلت قمر متمسكة بجلباب منصور وهي تبكي في صدره، وشعر منصور في تلك اللحظة أن تمردها وعنادها لم يكونا سوى درع لحماية قلب مكسور.. قلب بدأ من هذه الليلة ينبض بحب وجارف لرجل أقسم أن يكون لها السند والطاغي الذي يحارب الدنيا لأجل عينيها.
هدأت عاصفة البهو الشديدة، لكن أنفاس السرايا ظلّت ثقيلة، مشحونة بآثار زلزال كشف المستور. في وسط ذلك الفراغ، وتحت سقف القصر الذي شهد طرد أمها قبل عشرين عاماً، كانت قمر لا تزال غارقة في صدر منصور، وجسدها النحيل ينتفض بآثار البكاء المرير الذي أخرج قهر السنين.
لم تكن قمر تتخيل يوماً أن هذا الصدر العريض، الذي ظنته طوال الأيام الماضية صخرة صمّاء من الطغيان والجبروت، سيكون هو الملاذ الوحيد الذي شعرت فيه بالأمان لأول مرة منذ وفاة والدتها. كانت قبضتها الصغيرة لا تزال متمسكة بقوة بجلبابه الصعيدي، وعطر الخُزامى والعود النفاذ الذي يفوح منه يتسلل إلى أعماقها، ليوقظ في جوفها مشاعر خفية، غامضة، حاولت طوال الوقت دفنها تحت رماد التحدي والعناد. أحست بضربات قلبه السريعة العنيفة تصطدم بضلوعها، فكأن قلبه هو الآخر كان يخوض معركته الخاصة لأجلها