
بينما كانت أوراق الزواج الرسمي تُجهز داخل قصر أدهم الراوي لقطع الطريق نهائياً على طمع فهد وبطش والدها، كانت عاصفة أخرى أكثر دهاءً تُحاك في الظلام على يد روز.
لم تكن روز من النوع الذي يتقبل الهزيمة بسهولة؛ فبعد طردها المذل من إدارة الشركة وعودة أخيها لفرض سيطرته الحديدية، أدركت جيداً أن مواجهة أدهم وجهاً لوجه في ميادين المال والأعمال تشبه محاربة طواحين الهواء. لقد فهمت بذكائها الشرير أن نقطة ضعف أخيها الكبرى ليست في كراسي الشركات، بل في ذلك الجرح المفتوح والنزيف الدائم في صدره: زوجته السابقة التي خانته، وابنه الذي سُلب منه واختفى في طيات المجهول.
في ركن مظلم بأحد المقاهي البعيدة، التقت روز بسرية تامة بأحد رجال التحريات المشبوهين، وألقت على طاولته حقيبة صغيرة ملأى بالمال، وقالت بصوت خفيض يقطر غلا:
"لا أريد كلاماً إنشائياً.. أريد خيطاً حقيقياً، مكاناً، أثراً، أو حتى خبراً يقينياً عن تلك المرأة وابن أدهم أينما ذهبا بعد هربهما. إن وجدت أي دليل، أبلغني فوراً ولا تخبر أحداً.. سأعرف أنا متى وكيف ألقي بهذه القنبلة في وجه أدهم لأشتت عقله، وأجعله يترك كل شيء خلفه مرة أخرى!"
كانت خطة روز شيطانية ومدروسة بعناية؛ فهي تعلم أن إعادة إحياء ملف الابن الغائب ستفقد أدهم صوابه، وتدفعه لترك الشركة وغرقِه في دوامة البحث والجنون، لتخلو لها الجو وتتربع على عرش "مجموعة شركات الراوي" دون رقيب أو حسيب.
وفي ذات الليلة، داخل غرفة الاستقبال الفخمة في قصر أدهم، كان الجو مشحوناً برائحة التوتر والمشاعر المتناقضة. حضر المأذون الشرعي يحيط به شاهدان من أقرب رجال أدهم الثقات، لتثبيت عقد زواج أدهم وعشق رسمياً وقانونياً وحمايتها من بطش فهد وقانون الأب.
جلست عشق مرتدية عباءة بسيطة، تحيط بها هالة من الرهبة والخفقان العنيف. كانت تتابع حركات يدي أدهم وهو يوقع على وثيقة الزواج بملامح جامدة كالصخر، تخفي خلفها بحراً هائجاً من الصراعات. وما إن انتهى المأذون من ترديد كلماته الشهيرة معلناً إياهما زوجين أمام الله والقانون، حتى غادر المكان، تاركاً إياهما وحدَهما في الصمت الثقيل.
التفت أدهم إليها، ورأى في عينيها مزيجاً غريباً من الأمان الخائف والدموع المحبوسة. اقترب منها خطوات معدودة وقال بصوت هادئ يحمل طمأنة صارمة:
"انتهى الأمر يا عشق.. أنتِ الآن زوجة أدهم الراوي رسمياً، ولن يستطيع فهد أو والدكِ الاقتراب منكِ بشعرة واحدة. القانون معي، والحماية في هذا القصر مطلقة."
رفعت عشق عينيها الممتلئتين بالدموع، وقالت بصوت متهدج بالكاد يرتفع:
"ولكنه... مجرد زواج على الورق، أليس كذلك؟ مجرد حل مؤقت، ووعدك بالطلاق لا يزال قائماً حين تهدأ الأمور..."
شعر أدهم بغصة غريبة تحرّك في صدره لأول مرة، لكنه غضّ الطرف عن مشاعره الدفينة وأومأ برأسه ببرود مصطنع قائلاً:
"نعم.. كما اتفقنا تماماً."
انقبض قلب عشق بألم مرير؛ فهي وإن كانت ترفض أن تكون رهينة لصفقة، إلا أنها كانت تعشق هذا الرجل بصمت، وتتمنى لو أن هذا الزواج حقيقي للأبد. ولم تكن تدري أن القدر يخبئ لها ولأدهم ما هو أعظم؛ فبينما كانا يغلقان باب الغرفة على أسرارهما الجديدة، كانت سموم روز تبدأ في الانتشار بالخارج، وكان فهد يخطط للهجوم الأعنف لاستعادة عروسه، ليبقى الجميع حقاً على صفيح ساخن!
مرّت ليلة زواجهما الرسمية على الورق كأنها حلم ثقيل محمل بالمتناقضات. داخل جناحه الفخم، كان أدهم جالساً أمام المدفأة المطفأة، يقلب في يده وثيقة الزواج الرسمية التي أبرمها ليحصنها ضد بطش فهد ووالدها. كان عقده الاجتماعي معها درع حماية، لكنه شعر للمرة الأولى بخلل غريب في حصونه الحديدية؛ فالإنسان الذي اعتاد إغلاق بوابات قلبه بالسلاسل، وجد نفسه يربط مصيره بفتاة تسلقت نافذته هرباً من الموت.
أما في الغرفة المجاورة، فكانت عشق تقف أمام النافذة الزجاجية الكبيرة، تراقب تساقط المطر بغزارة في الخارج. وضعت كفيها على زجاج النافذة البارد، ودموعها تترقرق في عينيها وهي تحدث نفسها بمرارة:
"زوجة أدهم الراوي... بالاسم فقط! وعد بالطلاق بمجرد أن تنتهي العاصفة... فكيف سأتحمل العيش معه كغريبة وهو يملك قلبي كله؟"
مع إشراقة صباح اليوم التالي، خيم صمت غريب ومطبق على أرجاء القصر. هبطت عشق الدرج بحذر متجنبة إحداث أي ضجيج، متوجهة نحو المطبخ حيث كانت الدادة هنية تحضر القهوة بملامح يكسوها الهدوء والتوجس.
التفتت الدادة هنية إليها، وابتسمت بحنان دافئ، وقالت بصوت خفيض:
"صباح الخير يا عروستنا... هل رقدتِ جيداً؟"
ارتبكت عشق واحمرت وجنتاها خجلاً، وقالت بصوت مرتعش:
"صباح النور يا دادة... أنا بخير، شكراً لكِ."
قاطعهما دخول أدهم إلى بهو القصر، مرتدياً معطفه الشتوي الداكن، مستعداً للذهاب إلى الشركة. توقف لثوانٍ حين رآها تقف بالقرب من المطبخ، وتلاقت أعينهما في صمت طويل يحمل آلاف الكلمات غير المنطوقةوكأن العالم لم يبقي فيه غيرهما. تقدم منها خطوات بطيئة وبنبرة هادئة قال:
"صباح الخير يا عشق.. أتمنى أن تكون الليلة قد مرت بسلام دون كوابيس."
أومأت عشق برأسها بخفة وقالت:
"صباح النور.. نعم، كنت بأمان بفضل الله ثم بفضل حمايتك."
نظر إليها نظرة عميقة ومطولة، كأنه كان يود قول شيء أكبر، لكنه ابتلع كلماته، وأومأ برأسه للدادة هنية قائلاً بصرامة معتادة:
"أنا متوجه إلى الشركة، سأعود مساءً. لا تحاولي فتح الأبواب لأحد يا دادة، الحراسة مشددة بالخارج."
لكن بينما كان أدهم يغادر القصر متحصناً بقراراته، كانت روز في الجانب الآخر من المدينة تتلقى المكالمة التي انتظرتها طويلاً.
رن هاتفك المحمول بوحي من المحقق الخاص الذي استأجرته، وما إن أجابت حتى جاءها الصوت مسروراً ومخبراً بالصاعقة:
"انتهى البحث يا هانم.. لقد وجدنا الخيط الأول. زوجة أدهم السابقة وابنه يختبئان في بلدة ساحلية صغيرة، ولقد استطعت تحديد مكانهما بدقة!"
ابتسمت روز بابتسامة شيطانية تملؤها الشماتة والخبث، وقالت بصوت متهدج من شدة الحماس.
"أحسنت صنعاً! ابقَ مراقباً لهما ولا تتحرك حتى أُعطيك الإشارة.. قريباً جداً، سأرسل هذه الهدية القاتلة إلى أدهم ليدمر بها كل ما تبقى منه بنفسه!"
أغلقت روز الهاتف وهي تطلق ضحكة باردة، غير مدركة أن العاصفة التي توشك على إطلاقها ستجرف الجميع في طريقها، لتجعل القصر ومن فيه على صفيح ساخن حقاً!