
سراج اللي بعتك يا ولاء؟
ابتسمت ولاء بخبث قائلة:
- آه بصراحة هو مش عارف يجبها ليكي ازاي، فأنا قُلتله ريح نفسك أنا ست ونعرف أنا وهي نتكلم مع بعض.
لم تفهم ثريا مقصدها ورددت ببلادة قائلة:
- مش فاهمة.
تعالت ضحكات ولاء قائلة:
- معقولة مفيش إحساس عندك للدرجة دي؟! هما الأجانب غيرنا مش حاميين ليه زينا؟ مش قادرة تستوعبي إن سراج عريس وعايز يبقى على راحته معايا في شقة القاهرة.
انتفضت ثريا ليس من تجهيز الشقة التي قامت بتجهيزها بنفسها، ولكن من لفظ أن سراج يريد الراحة مع ولاء، وبالرغم من ذلك هدأت نفسها وهتفت بكبرياء قائلة:
- تمام يا ولاء، مبروك، ربنا يتمم على خير.
لوت ولاء شفتيها بسخرية قائلة:
- مش باين، فيه ناس بصت في الليلة خلاص.
تضايقت ثريا أكثر، ولكنها عادت لكبريائها عندما نهضت وأشارت نحو باب المنزل قائلة:
- ممكن تمشي بقى، لأن ورايا مشاوير مهمة، وانتي خلصتي مهمتك، مع السلامة.
(عودة)
هو حقًا رجل رائع، حيث عند رحيله ترك لها ثروة عظيمة لا تقدر بثمن، بكل هدوء كانت الجميلة ثريا تجلس في غرفتها وهي نفس الغرفة التي ذبحها فيها سراج بقراره، تستمع إلى نقاشات ولديها حليم ونور لتنظر إلى السماء وعدالتها وتشعر أن هذا هو الجبر، فالطيبون أمثالها يستحقون التعويض، خرجت من شرودها و ابتسمت على صوت أحدهما، فلديها ولد ثائر و الآخر هادئ، حاولت مرارًا وتكرارًا جعلهما يحملان صفات واحدة، ولكن دون جدوى، رغم كل ما فعلته، ولكنها نجحت في شيء منذ 25 عامًا، نجحت أنها أنقذت واحدًا منهما من الضياع هو وشقيقته التؤام.
كان حليم شخصية ثائرة، أما نور كان هادئ الطباع، كان دائمًا يحاول إقناعه بأشياء بشتى الطرق، وحليم دائمًا يرفض.
نور بهدوء:
- يلا بقى يا حليم نشوف ورانا إيه.
زفر حليم قائلًا:
- يعني أنا عايش كل الفترة دي ومفكرها أمي, وفي يوم وليلة أكتشف إن كل دا وهم ؟
هز نور رأسه بنفي قائلًا:
- لا مش وهم يا حليم، هو انت في مرة حسيت إنها بتعاملك وحش؟ وبعدين هي ماحبتش تقول وسابت الأمور تظهر بالصدفة.
تنهد حليم بضيق قائلًا:
- بس للأسف كانت صدفة وحشة قوي، وبعدين فين الست دي اللي اتنيلت رمتني أنا وأختي من يوم ما اتولدنا؟ على فكرة أنا عملت كل اتصالاتي علشان أوصلها ماعرفتش.
ثم تعالى غضبه قائلًا:
- المفروض ماما تقولي بابا عرفها منين.
تنهد نور قائلًا:
- ممكن تهدى؟ ماما مش حابة تتكلم عنها ودا حقها، انت بقى كبر مخك، هتستفيد إيه لما تعرف؟ بالعكس انت كدا ممكن تزعل ماما.
ثم شرد بحزن قائلًا:
- ومش بس ماما، أختك كمان، إلا لو هي برضو عايزة توصل لمامتها علشان تعرفوا حاجة ملهاش لازمة.
تنهد حليم قائلًا:
- أنا عارف إنها حاجة ملهاش لازمة، خصوصًا إن أنا ماحستش في يوم من الأيام إن ملناش أم، بس أنا عايز أشوف الست دي، وأعرف منها هي ليه عملت كدا.
الفصل الأول
أوجيني
كان عارف كويس أوي… لما غدر بيها، إنها هترد له الطعنة. كان عايز وريث يأمن له ثروته من الضياع، بعد ما اكتشف المرض اللي فاجأه. وهي ما كانتش مدركة إنها هتتوضع في وضع المجبرة… تقبل ست تانية في حياته يومًا ما، وما يبقاش ليها حق الاعتراض أو الرفض، خصوصًا لو السبب عدم الإنجاب.
بس الأقدار شاءت إنهم يلتقوا تاني… لما رجع لأراضيها من جديد، بعد ما سابته الزوجة التانية، وبعد ما لعب دور الدامي في قلبها. لعنته… ولعنت الأيام اللي أحبته فيها. ولما شافته تاني في وضعه المزري، رفضته ورفضت كل حاجة معاه. فكرت تنتقم… تسحقه زي ما سحقها، وتهدر كرامته زي ما هدر كرامتها… وأنانيته.
**(فلاش باك)**
في مدينة الجمال… عروس البحر المتوسط… الإسكندرية.
كانت قاعدة في فراشها… ثريا. الجميلة ذات الجمال الإغريقي، يونانية المنشأ. جت الإسكندرية هي وأهلها، ووقع نصيبها في سراج القاهري. اللي جه الإسكندرية في مصيف… وفي نفس الوقت بيدور على شغل. شافها وأعجب بيها، وتجوزها. بقى هو الأب والأخ والصديق والعيلة كلها ليها… خصوصًا بعد ما أهلها رجعوا اليونان تاني.
كانت بتنتحب… بعد ما قال لها قراره الأخير. بعد جواز سبع سنين من غير إنجاب.
هتفت بصوت مبحوح قليل الحيلة:
ـ برضه مُصر تتجوز يا سراج؟
اقترب منها، ربت على كتفيها بيحنو عليها. هي عشقه الأول والأخير… بس ما فيش حيلة. اتكلم بأسف:
ـ علشان خاطري بلاش تعيطي… دموعك دي غالية عليا. بصي لي يا ثريا.
رفضت تنظر له. امتدت أنامله لتحت دقنها وحركها ناحيته بأسف:
ـ أنا آسف يا حبيبتي… كان لازم أقولها لك بطريقة أحسن من كده، أو أخبي عليك… علشان أنا كده جرحتك. إنتي هتفضلي مراتي وحبيبتي اللي ما أقدرش أستغنى عنها أبدًا.
ساب دقنها وأشار ليها بقلة حيلة:
ـ بس زي ما إنتي شايفة… الفلوس دي كلها هتروح لمين؟ كل اللي حواليّا… وأولهم خطاب ابن عمي… طمعانين فيا. ومبسوطين إني ما عنديش عيال علشان يورثوني.
نهضت ثريا بحزن:
ـ طب وأنا إيه ذنبي؟ أعمل إيه أكتر من اللي عملته؟ علاج وأخدت و…
انفجرت باكية وأكملت:
ـ حتى العملية آخر مرة فشلت… وساعتها الدكتورة وصفت علاج جديد وقالت يمكن يحصل حمل بالعلاج. مش قادر تصبر كمان مرة عليا؟
لوَت شفايفها بامتعاض:
ـ ولا خلاص… مش قادر على جمال السنيورة؟
هز سراج راسه ينفي:
ـ أنا؟! وهو أنا شفتها غير مرة واحدة؟ ده حتى مش فاكر شكلها إيه.
أمسكها من كتفيها وبص في عينيها بحنان:
ـ هو أنا بتاع الحاجات دي؟ أنا اختارتها لما عرفت إنها مطلقة وسبق إنها خلفت قبل كده… وابنها مات.
أغمضت ثريا عينيها بمرارة:
ـ إنتَ بتضحك عليا… اتعلمت تكدب. وده أنا شفته في عينيك. ده إنتَ من ساعة ما شفتها أخدت القرار… وكأن الموضوع مش موضوع خلفة.
هزت راسها وتنهدت:
ـ إنتَ مش بتعرف تكدب على فكرة.
تغيرت ملامحه وارتبك:
ـ لااااا… مش بكدب. وبعدين دي غلبانة وتستحق تعيش. أما إنتي عندك كل حاجة.
أشار للبيت:
ـ بصي وشوفي الفرق اللي بينك وبينها. وبعدين إنتي هتبقي أم الطفل اللي هيجي برضه.
احتضنها أكتر عشان يقنعها:
ـ أنا متأكد إنك هتاخدي بالك منه أكتر مننا. هي طول اليوم بتشتغل… وإنتي هنا الأم للأولاد. وعمرك ما هتبعدي عني مهما كان.
ضمها أكتر لقلبه وهتف بحنو:
ـ هتفضلي أقرب واحدة لقلبي. إنتي لو بعدتي عني أتجنن. هي عمرها ما هتكون قريبة مني زيك كده.
همست بصوت حزين:
ـ أومال هي هتكون إيه بالنسبة ليك؟
ابتلع ريقه بخوف:
ـ زوجة عادية… أهو في ناس كتير بتتزوج لمجرد الجواز. بس إحنا مش كده يا حبيبتي.
أخرجها من حضنه وبص في عينيها:
ـ إنتي الوحيدة اللي في قلبي… وهتفضلي في قلبي لحد ما أموت. وصدقيني مش هيحصل زي ما بتشوفي في الجوازات التانية. مش هضعف ولا هتخلى عنك.
هز راسه يوعدها:
ـ وعمرك ما هتندمي على القرار ده. وعارف إنك هتقتنعي بيه لأنك بتحبيني زي ما بحبك. بس ما بقتش قادر أتحمل ما يبقاش عندي أولاد… العمر بيجري بيا.
حط إيده على موضع قلبه:
ـ إنتي ما تعرفيش أنا حاسس قد إيه إن أجلي قرب.
خرجت من حضنه… مقتنعة بعض الشيء بكلامه:
ـ متأكد إني مش هندم؟ متأكد إني لو بعدت عنك هتتجنن؟ ولا كلام بتقوله علشان أقتنع وخلاص؟
شفت ارتباكه وتردده… فاستكملت بابتسامة:
ـ أنا الحاجة الوحيدة اللي متأكدة منها إنك بتحبني وبتعشقني أكتر من أي حد… بس إنتَ هتتجنن على الخلفة أكتر. تعرف إني كمان نفسي؟
شعر بالراحة إنها هي كمان بتتمنى. اندفع:
ـ عارف… وعارف إنك عملتي البدع علشان يحصل. بس ربنا مش رايد.
تنهدت:
ـ كنا نعمل كمان عملية… أنا كنت خلاص كلمت بابا يبعت لي فلوس. هااا إيه رأيك؟ أقوله يستعجل في التحويل؟
توتر سراج وفرك إيديه:
ـ بتقولي إيه؟ هو أنا محتاج؟
هزت راسها بحزن:
ـ للأسف لا… بس علشان صرفت على العملية الأولى قبل كده، فأكيد زهقت من المصاريف. فقلت أساعد في الجزء اللي يخصني.
بصت له بحب:
ـ سراج أنا بحبك قوي… ونفسي أجيب منك أولاد.
ابتسم:
ـ وأنا كمان بحبك قوي يا ثريا… بحبك أكتر ما بتحبيني. بس الحب مش كل حاجة.
هتف بخبث عشان يقنعها:
ـ إنتي لو بتحبيني وافقي… وتفضلي جنبي لغاية ما ربنا يحقق حلمي.
هزت راسها بانصياع… وسبت الأمر للأيام.
أما هو… فكان بيتقابل مع ولاء عشان يشتروا مستلزمات عرسهم. وفي يوم من الأيام تذمر من متطلباتها وهتف:
ـ يا ولاء إحنا مش محتاجين ده كله في بيتنا… والبيت أصلًا مليان عفش. وكده ولا كده مش هنقعد هنا كتير.
اتضايقت من رفضه للحاجات الجديدة… بس اقتربت منه بدلع:
ـ كده يا سراج؟! أخص عليك… بتعمل فيا كده ليه؟ ولا علشان أنا جوازة للخلفة وبس؟ لو كده نفضها سيرة يا ابن الناس.
انتفض سراج بلهفة:
ـ حقك عليا يا لولي… أنا بس كان قصدي…
قاطعته ولمست بأناملها على شفايفه بإغراء:
ـ مش عايزة أعرف قصدك. وعلشان نكمل… بلاش تعارضني في أي حاجة عايزاها.
زفر بتعب:
ـ يعني مصممة يا ولاء؟
ابتسمت بمكر وهزت راسها بتصميم:
ـ أيوه يا سراج.
رفع كتافه بقلة حيلة:
ـ خلاص… مفيش مشكلة.
بصت له بخبث… نجحت تشتري اللي عايزاه. ترى… ليه أصرت على رأيها؟ وإيه هدفها؟
بعد مرور خمسة أيام… ثريا كانت بتحط الفطار وتقعد جنب سراج كعادتها. بتطعمه وهو بيتصنع الحزن:
ـ حبيبتي… إنتي مش ناوية تيجي كتب الكتاب؟ إنتي وعدتني هتفضلي جنبي دايمًا. إنتي عزوتي وأهلي… وهما عارفين إنك راضية عن جوزتي.
رفعت عينيها وبصت له بحزن:
ـ أنا فعلًا وعدتك… بس مش قادرة. وكده ولا كده إنتَ هتتجوز… يبقى ماليش لازمة أحضر.
هزت راسها بضيق:
ـ بجد مش هقدر.
ربت على وشها:
ـ أنا عارف يا حبيبتي ومقدر مشاعرك. حبيت بس تبيني ليهم إنك المسيطرة… وموافقة على الجواز. خصوصًا بعد ما شافتك في المكتب وإنتي زعلانة.
اقترب منها بحب:
ـ شفتي بحبك دايمًا تبقي قوية إزاي؟ عايزها تعرف إني لا يمكن أستغنى عنك… يعني ده يقويك عليها.
استطرد بيحنو عليها:
ـ مش بضعفك… بس إنتي وراحتك في الآخر.
حاولت تكتم دموعها… بس هبطت بعض الدمعات من غير إرادة. اتكلمت بصوت مختنق:
ـ أنا راحتي إني ما أروحش ليهم. ليه مش قادر تفهمني؟
مسح دموعها بإيده:
ـ إنتي بتقولي إيه؟ أنا فاهمك كويس. ثريا اعملي كل اللي نفسك فيه… واعتبريني ما تكلمتش. لا هي ولا غيرها هيبقوا أحسن عندي منك.
مط شفايفه:
ـ دي مجرد رحم هيجي لي منه أولاد وخلاص.
سخرت منه:
ـ يا ترى هتفضل تقول الكلام ده لحد إمتى؟
هز راسه باعتراض:
ـ لا ما تقوليش كده… لآخر العمر هفضل أقول الكلام ده.
ابتسمت بسخرية:
ـ هنشوف… وأوعدك إني مش هقول كده تاني. ده اللي أقدر عليه.
ابتسم سراج:
ـ هتشوفي… إنتي أحلى حاجة حصلت في حياتي. قولي لي بقى… تحبي أسكنها هنا معانا في الدور اللي تحت؟
ابتلع ريقه بتوتر:
ـ ولا أتجوزها في شقة القاهرة؟ ولا نسألها؟
لمعت فكرة في راس ثريا. عرضت عليه:
ـ أنا غيرت رأيي… هعملها زيارة وأخد وأدي معاها في الكلام… ونشوف هي نفسها في إيه. بس ما تقولهاش إني هروح ليها… خليها مفاجئة يا سراج.
قطب سراج جبينه مندهشًا من تغييرها. الشيطان لعب بمخيلته… أكيد هتفسد الزيجة. زي ما كان بيسمع عن حرب الزوجة الأولى للثانية. بس الصفات دي ما كانتش يومًا في ثريا. انتفض:
ـ هو ينفع تفاجئيهم؟ ده إنتي كده بتحرجيهم بالزيارة دي. هو دخول بيوت الناس في أي وقت بقى عادي؟
أشار لنفسه بغضب:
ـ أنا نفسي لما بكون رايح عندهم لازم أتصل بيهم الأول وأعرفهم إني جاي.
ابتسمت ثريا بخبث:
ـ أووه… ربنا يعينك. ده إنتَ كنت بتيجي لي في أي ميعاد وناقص تبات. لا ما تخافش… أنا مش هروح لها البيت.
استطردت وهي بتغمض عينيها نص غمضة:
ـ أنا هروح لها المكتب. حرام برضه أروح أخضهم في البيت من غير ميعاد. لو مش عايز أو خايف مني… مش مهم.
أكملت:
ـ إنتَ اللي طلبت مني… أنا ما كانش لي نية.
ابتسم سراج ابتسامة مرتبكة:
ـ إنتي تعملي اللي نفسك فيه يا حبيبتي… ولا تشيلي هم أي حد. لا أنا ولا هي ولا أهلها.
اصطنع القوة:
ـ إن شاء الله تطيني عيشتها. أنا بس استغربت إنك غيرتي رأيك.
ابتسمت بخبث:
ـ أنا اقترحت إني أقابلها لأني ست زيها… أكيد مش هتتكسف تطلب مني لو عايزة سكن خاص بيها لوحدها.
تنهد سراج براحة:
ـ أنا كده فهمت… كنت مفكر عايزة تعملي ليهم زيارة في البيت. بس برضه الكلام ده ما ينفعش في المكتب… كان على الأقل في بيتهم أحسن.
افتكر والد ولاء وهتف:
ـ ولا أقولك؟ بلاش البيت… المكتب أحسن. بعيد عن أبوها السمج.
ابتسم ليها:
ـ ثريا إنتي جميلة قوي… بس بتزعلي قوي. إنتي حتى بتفكري فيها وفي رغبتها تسكن فين.
استطرد بنبرة صادقة:
ـ صدقيني أنا لو عشت عمري كله مش هقدر أفهم حنان قلبك. يعني فيكي اللي فيكي… وبتدي اللي حواليك كل الحب. دي نعمة صعب تكون عند أي حد.
ابتسمت:
ـ ربنا يقدرني وأسعد كل إنسان.
رد بحنان:
ـ لا يا ثريا كفاية سعادة. إنتي ست عطتني كل حاجة. لو يرجع بيا الزمن هختارك إنتي برضه.
استطرد بابتسامة امتنان:
ـ ده غير موافقتك على طلبي… وصبرك إني أكون لواحدة تانية. بس صدقيني والله ربنا هيعوضك.
ابتسمت:
ـ إن شاء الله… كل ده إرادة ربنا. إنتَ كمان اتحملتني سبع سنين.
هتفت بقلة حيلة:
ـ ربنا رايد يكون ليك أولاد من واحدة تانية.
ابتلعت غصة في حلقها:
ـ بس أنا هكون أم أولادك برضه… مع الأسف شكليًا بس. عارفة إني هتعب في الأول… بس مسيري أتعود.
ابتسم بمرارة:
ـ بس يا ثريا كفاية كده. بجد كلامي معاكي المرة دي ممكن يخليني أتراجع. عادي يا ثريا أنا ممكن أخل باتفاقي معاهم.
استطرد بحزن:
ـ الكام يوم دول من ساعة ما قولت لك… وأنا شايفك بتدبلي قدامي. وأنا مش مستحمل أشوفك كده.
أيعقل إنه يتراجع من أجلها؟ علم إنها ما صدقتهوش. ابتسم بخفوت:
ـ إيه؟ ما صدقتنيش صح؟
زفرت:
ـ فات الوقت يا سراج. واللي بيديني كلمة استحالة يرجع فيها… ولو رجع فيها مش بثق تاني. كلامك معاهم هيتم.
بصت له بجدية:
ـ إنتَ لازم تلتزم… وكل شيء يبقى في ميعاده. علشان ما حدش يقول عليك إنك مش قد كلمتك.
ابتسمت بسخرية:
ـ ولا أنا لي سلطة عليك؟
تنهد:
ـ يا ريتني أخدت برأيك قبل اتفاقي معاهم.
أغمضت عينيها:
ـ كل شيء قسمة ونصيب.
هز راسه:
ـ هي لو طلبت بيت تاني… يا ريت ما تزعليش.
رفعت كتافها غير مبالية:
ـ وأنا إيه اللي يزعلني؟
تنهد:
ـ عارف إن مخك كبير. إنتي طبعًا عارفة الواحدة بتبقى مش عايزة حد معاها… خصوصًا في الأول. بس والله لو عايزانا معاكي من الأول مفيش أي مشكلة.
استطرد بعزيمة:
ـ أقولها إن دي رغبتي… وهي أكيد مش هتعترض.
ابتسمت:
ـ هي حرة… وإنتَ جوزها.
لوى شفايفه:
ـ آه بس حقك تقولي رأيك. وبعدين البيت بتاعنا واسع هنا… ممكن تاخد دور بحاله.
كتمت غيظها:
ـ ما حدش يقدر يضرب حد على إيده يا سراج. وأنا ماليش دعوة. ما أملكش غير زي ما قلت لك إني أقعد وأتناقش معاها.
بصت له بشك:
ـ وبعدين مالك يا سراج؟ إحنا مش لسه متفقين إني هقعد معاها؟ ولا هي أخدت قرار؟
هز راسه بالنفي… خايف يتضح أمره. رد بتوتر:
ـ لا بصي… أنا قلت أقولك الأول.
أشار للبيت بتوتر:
ـ ده بيتك… يمكن تكوني مش عايزاها. وكمان ما هو أنا قلت لك تعالي نروح لهم سوا.
رفع كتافه بخوف:
ـ مش إنتي اعترضتي ورجعتي وافقتي؟ أنا بفترض لو هي طلبت حاجة ممكن إنتي تزعلي… لأن الحاجة مش على هواكي.
نهضت بغيظ:
ـ ما تقلقوش… أنا هفضل كاتمة في قلبي وساكتة.
حزن سراج:
ـ يا ثريا… هو ده حل؟ يا ثريا ربنا يهديكي.
حثها على الكلام:
ـ قولي عايزة إيه وأنا تحت أمرك.
بكت:
ـ أنا مش عايزة حاجة… ابعد عني إنتَ وهي.
جذبها وأودعها جوه حضنه:
ـ لا يا ثريا أرجوكي يا حبيبتي… موتيني ولا إنك تعيطي.
بحزن:
ـ ربنا هيجبر بخاطري وأنا عارفة… بس أنا خلاص تعبت.
ربت على ضهرها:
ـ ما دام مش عايزة تعرفي عننا أي حاجة… أنا هسكت علشان راحتك بس.
أخرجها من حضنه ومسح دموعها:
ـ بعد كتب الكتاب هاخدها وأبعد… وإنتي اعتبريني مسافر في شغل. علشان أنا مش ناوي أتعبك تاني معايا. يعني تعتبريني مش متجوز.
ابتلع غصة:
ـ لأني أصلًا كنت مستحيل أعملها وأتجوز عليكي… بس ده قدري.
هزت راسها:
ـ هو ده الصح… أنا هتخيل إنك ما عملتهاش.
ابتسم:
ـ أيوه انسي كل اللي قلناه… وطولي بالك.
برجاء:
ـ واصبري الفترة دي.
ابتسمت بسخرية:
ـ وتصدق لو قلت لك إني مش مصدقة أساسًا؟ مش متخيلة إن ده حصل ولا هيحصل. إنتَ هتفضل ليا لوحدك.
قبّلها في جبهتها:
ـ طب ممكن يا حبيبتي تحضر لي شنطتي كأني مسافر وبس؟ إنتي أحسن واحدة بتجهزي شنط. وإن شاء الله هيجي اليوم اللي هتجهزي فيه شنطة ابنك قبل ما يتولد.
ربت على إيدها:
ـ أعمل إيه… ما أنا استحالة أخلف عيل وما يكونش ابنك.
استطرد:
ـ بس اوعديني يا ثريا… لو جرالي حاجة… أوعى تسيبي ابني أو بنتي.
بخوف:
ـ مهما كان الخلاف ما بينا… وحياتك لتخلي أولادي حياتك.
تنهدت من كلامه… وتعجبت من شعوره إن نهايته قربت. ابتسمت:
ـ حياتي؟! لا دول حبي اللي منك.
ضحكت:
ـ هما مش مني… بس كفاية إنهم منك. وكفاية بقى كل شوية تقعد تتكلم عن موت.
ابتسم:
ـ ما تزعليش عليا يا ثريا.
بكت من تخيل الموقف… من بين شهقاتها:
ـ لا… أنا ممكن أموت من بعدك سراج.
احتضنها بقوة:
ـ بعد الشر عنك يا حبيبة عمري.
خرجت من حضنه:
ـ وإنتَ كمان. عارف أنا ممكن ما أموتش بعدك لو في حاجة خلتني قوية… وإنتَ الحياة من غيرك ضعف.
ابتسم:
ـ طب مش ضعيفة وإنتي باعدة نفسك عني خمس أيام؟ إيه للدرجة دي أنا ما وحشتكيش؟
عضت على شفايفها بخجل:
ـ وحشتني طبعًا.
حملها وصعد بيها:
ـ مش قدي يا حبيبتي… أوعى تبعدي عني تاني. أنا وإنتي مهما حصل لازم نفضل مع بعض.
أنزلها على الأرض واحتضنها بشوق:
ـ وحشتيني قوي يا ثريا… أنا مش عارف صبرت الخمس أيام دول إزاي من غيرك.
وبعد ليلة شوق وحنين… خرج على النافذة يدخن سيجارة. باصص ليها وهو بيقول في نفسه:
ـ دي الوعود اللي وعدتها ليها يا سراج؟ حبيبتي كان نفسي أكون ليكي لوحدك.
هتف بأسف:
ـ بس للأسف مش هقدر أكمل… لازم أخلف علشان اللي عايزين يورثوني ومستنين موتي… اللي حاسس إنه قرب قوي.
بص ليها بحسرة وألم:
ـ سامحيني يا ثريا.
كيف لها تسامحه وهي ممزقة من جوه؟ خصوصًا بعد ما قابلت ولاء اللعوب. تجرأت وروحت ليها. قعدت قدامها. ثريا سألتها بتوجس:
ـ سراج اللي بعتك يا ولاء؟
ابتسمت ولاء بخبث:
ـ آه بصراحة هو مش عارف يجبها لكي إزاي… فأنا قلت له ريح نفسك… أنا ست ونعرف أنا وهي نتكلم مع بعض.
ما فهمتش ثريا مقصدها. ردت ببلادة:
ـ مش فاهمة.
ضحكة ولاء علت:
ـ معقولة مفيش إحساس عندك للدرجة دي؟! هما الأجانب غيرنا مش حاميين ليه زينا؟ مش قادرة تستوعبي إن سراج عريس وعايز يبقى على راحته معايا في شقة القاهرة؟
انتفضت ثريا… مش من تجهيز الشقة اللي هي بنفسها جهزتها… لكن من لفظ إن سراج عايز الراحة مع ولاء. رغم كده هدت نفسها وهتفت بكبرياء:
ـ تمام يا ولاء… مبروك. ربنا يتمم على خير.
لوَت ولاء شفايفها بسخرية:
ـ مش باين… فيه ناس بصت في الليلة خلاص.
اتضايقت ثريا أكتر… بس رجعت لكبريائها. نهضت وأشارت لباب البيت:
ـ ممكن تمشي بقى… لأن ورايا مشاوير مهمة. وإنتي خلصتي مهمتك. مع السلامة.
**(عودة)**
هو حقًا كان راجل رائع. لما رحل ساب لها ثروة عظيمة ما تتقدرش بثمن. بكل هدوء كانت الجميلة ثريا قاعدة في أوضتها… نفس الأوضة اللي ذبحها فيها سراج بقراره. بتستمع لنقاشات ولديها حليم ونور. بصت للسماء وعدالتها… وحست إن ده هو الجبر. الطيبين أمثالها يستحقوا التعويض.
خرجت من شرودها وابتسمت على صوت واحد منهم. عندها ولد ثائر والتاني هادي. حاولت مرارًا وتكرارًا تخليهم يحملوا صفات واحدة… بس من غير فايدة. رغم كل اللي عملته… نجحت في حاجة واحدة من خمسة وعشرين سنة: أنقذت واحد منهم من الضياع… هو وشقيقته التوأم.
حليم شخصية ثائرة… ونور هادي الطباع. نور دايمًا بيحاول يقنعه بأشياء بشتى الطرق… وحليم دايمًا بيرفض.
نور بهدوء:
ـ يلا بقى يا حليم نشوف ورانا إيه.
زفر حليم:
ـ يعني أنا عايش كل الفترة دي ومفكرها أمي… وفي يوم وليلة أكتشف إن كل ده وهم؟
هز نور راسه بالنفي:
ـ لا مش وهم يا حليم. هو إنتَ في مرة حسيت إنها بتعاملك وحش؟ وبعدين هي ما حبتش تقول… وسابت الأمور تظهر بالصدفة.
تنهد حليم بضيق:
ـ بس للأسف كانت صدفة وحشة قوي. وبعدين فين الست دي اللي اتنيلت رمتني أنا وأختي من يوم ما اتولدنا؟ على فكرة أنا عملت كل اتصالاتي علشان أوصلها… ما عرفتش.
تعالى غضبه:
ـ المفروض ماما تقولي بابا عرفها منين.
تنهد نور:
ـ ممكن تهدى؟ ماما مش حابة تتكلم عنها وده حقها. إنتَ بقى كبر مخك… هتستفيد إيه لما تعرف؟ بالعكس إنتَ كده ممكن تزعل ماما.
شرد بحزن:
ـ ومش بس ماما… أختك كمان. إلا لو هي برضه عايزة توصل لمامتها علشان تعرفوا حاجة ملهاش لازمة.
تنهد حليم:
ـ أنا عارف إنها حاجة ملهاش لازمة… خصوصًا إني ما حستش في يوم من الأيام إن ملناش أم. بس أنا عايز أشوف الست دي… وأعرف منها هي ليه عملت كده.
تنهد نور:
ـ صدقني إنتَ ممكن تتعب أكتر. المهم يلا بينا نشوف ورانا إيه. الواد زياد عمال يرن عليا من صباحية ربنا… زمانه أكل كل الأكل اللي في المطعم.
نهض حليم وهو لسه عابس:
ـ ماشي… هاخد شاور وجاي معاك.
لوى نور شفايفه يغيظه:
ـ يا كئيب يا عدو الفرحة افرد بوقك… إيه العكننة دي؟
ابتسم حليم بمرح:
ـ إنتَ فظيع قوي يا نور. أنا برضه قلت إزاي أنا وإنتَ توأم! بس أنا كان لازم آخد بالي… إنتَ شبه جدك اليوناني حتى بتعاكس البنات زيه.
لوى شفايفه:
ـ وأنا باين عليا طالع لأبويا… بحب مرة واحدة بس. يا خوفي لأتجوز مرتين.
ضحكة نور علت:
ـ حلوة… ما تديني واحدة منهم يا حُلم.
رفع حليم حاجبيه يغيظه:
ـ بعينك… أنا هتجوز لاتنين وأحبسهم.
دلّفوا على واحدة من سلاسل المطاعم اللي بتملكها السيدة ثريا. نور قهقه لما شاف زياد بيلتهم الأكل:
ـ قابل يا عم حليم… الواد زياد أكل أكل الزبائن… هنتفضح قريب.
حليم بص له بغضب:
ـ أنا اللي غلطان إني سايبه في المطعم ده. اللي ما خلتوش عبرة ما بقاش حليم. هو مش كان متفق معانا إنه هيسد مكاننا الفترة اللي فاتت؟ والله أنا سيبته يشتغل لأنه صعب عليا.
توعد:
ـ بس هيشوف هعمل فيه إيه.
نور قال لنفسه:
ـ وأنا ماليش فيه… أنا لا شغلته ولا لي في طرده. ابنك يا ثريا محتاس… تعالي بقى خلينا نخلص. أنا همشي قبل ما تولع.
حليم كان بيملك حاسة سمع خارقة… أو ذكاء اكتسبه من ثريا رغم إنها مش أمه. بص لنور بخبث:
ـ رغم إنك اتكلمت في سرك… بس أنا عرفت إنتَ ناوي على إيه.
نور بص له بخوف مصطنع:
ـ إنتَ يا ابني مخاوي جن لازق في هدومي؟! إنتَ كل حاجة بفكر فيها بتعرفها وكأنك عارف كل حاجة جوايا؟
زفر:
ـ حتى لما ببقى زعلان بتعرف. بجد إنتَ المفروض تكون ابن ماما ثريا… هي كمان كانت تعرف العملة قبل ما أعملها.
ضحكة حليم علت (ضحكاته عزيزة ونادرة):
ـ وليه ما تقولش إن الصفات بالاكتساب أكتر من الجينات؟ أنا درست كده في علم النفس.
نور ضحك هو كمان:
ـ أهو علم النفس ده اللي مجننك إنتَ وماما. لا يا أخويا أنا علاقتي بيه الامتحان وبس… بحس إنه علم المجانين.
عبث براسه كالمجنون:
ـ ده أنا لو كنت ذاكرته هو والفلسفة في أوضة لوحدي كان زماني لسعت. ده أنا بقعد أذاكر فيه كتير ومش بفهم… وشكلها أختك زيي.
ابتسم حليم:
ـ فعلًا… أختي قالت كده أيام الثانوية.
استهزأ:
ـ وأختك كمان… تقريبًا محدش تفكيره راقي غير أنا وماما.
نور ابتسم بمرح:
ـ إنتَ هتقول لي؟! دي بتخلص كتاب تشتري الأعمق منه.
هز حليم راسه وضحك تاني:
ـ صح. المهم هنعمل إيه في سي زياد؟ هي ماما اللي بتقدر تتصرف معاه. أنا خايف أطرده هي تزعل.
نور ضحك بمرح:
ـ أقسم بالله ده ولا اللي داخل مسابقة… إيه ده مش بيفصل! هي ماما كان عقلها فين وهي بتوصينا عليه؟ كل الأكل ده ومش بيتخن.
حليم بص له باتهام:
ـ ما إنتَ كمان ساعدت في شغله هنا… ودلوقتي عايز تمشيه! خلي ماما بقى اللي تمشيه.
أشار بإصبعه على راس نور:
ـ اعمل اللي كنت بتفكر فيه من شوية.
زفر نور بحنق:
ـ يا باااي يا حليم عليك… أنا كنت هتصل بيها تيجي في حالة لو إنتَ طردته. وبعدين إنتَ غيرت رأيك… ليه صعب عليك؟
استطرد:
ـ وعايز تلزقها فيا.
فجأة لقوا زياد جاي ليهم مهرول وبيمسح فمه من آثار الأكل:
ـ إيه يا جماعة جيتوا إمتى؟ تحبوا أعملكم فطار؟ بس بسم الله ما شاء الله شكلكم شبعانين.
لوى حليم شفايفه بامتعاض:
ـ ومنين عرفت إننا شبعانين؟ أنا مش بفطر يا زياد. وبعدين تعالى هنا… إنتَ جيت من إمتى؟ من بدري طبعًا… من ساعتها في المطبخ بتهبب إيه؟
أشار للاستقبال بسخرية:
ـ ده الاستقبال فاضي… والشغل كده بقى سايب.
ارتبك زياد:
ـ أنا كنت في المطبخ بشرف على الأكل… وكنت لسه داخل من ربع ساعة. أصل جالي صداع علشان ما فطرتش… فكنت باكل حاجة تظبط الضغط.
حاول يحسسهم بمسؤوليته وقال بفخر:
ـ أنا ماسك الشغل في غيابك بقالي فترة… وملتزم بتعاليم والدي علشان خالتي ثريا.
هنا اغتاظ نور من نعته لثريا بالخالة… هي مش خالته. هو ابن خطاب ابن عم جوزها. رد بحنق:
ـ ربنا يبارك فيك وفي تعاليم والدك… بس بالله عليك بلاش حوار خالتي ده… لأنه بيقفلني منك. ممكن تقول مدام ثريا… الشيف ثريا… ثريا هانم.
أمره:
ـ واتعدل كده في شغلك وخد بالك منه… وربنا يعينك.
هز زياد راسه:
ـ عنيا ليكم.
ابتسم نور:
ـ بص يا زياد… إنتَ بتعتبر أخونا التالت. أوعى تكون زعلت لما قلت لك بلاش خالتي دي. هي حاجة تشرف طبعًا… بس إنتَ هنا المفروض تتكلم عنها بوقار.
أشار على نفسه:
ـ أنا نفسي بقول ليها الشيف ثريا… ما تجيش إنتَ تقول لها خالتي… علشان تنبسط منك… وتبقى عندها حاجة كبيرة وتحبك.
ابتسم زياد:
ـ هعمل كده فعلًا… ما عدتش هقول لها يا خالتي تاني. بس ينفع أقول لها حاجة تانية؟ أنا نفسي أقول لها يا حماتي… أوعدكم مش هتندموا.
هنا حدق نور بعينيه… وحليم صامت مش مستوعب. دفع نور زياد:
ـ وأنا ما سمعتش إنتَ بتقول إيه… إنتَ ولا كأنك قلت حاجة ده هيكون أفضل. الناس بدأت تهل في المطعم هنا… ولسه هشوف بقية المطاعم.
هم نور يتحرك… حليم استوقفه:
ـ استنى يا نور… أنا عايز أفهم هو كان قصده إيه.
زياد اتكلم ببلادة:
ـ مش فاهم حاجة… إنتوا عايزيني أتكلم ولا لأ؟ طيب أروح الشغل أهم؟ بس والله لو عايزين تعرفوا مش هتندموا.
شدد نور على راسه بغيظ:
ـ الصبر من عندك يا رب… أقول تور يقول احلبوه… ينفع كده؟ إنتَ إيه مش بتفهم؟
زياد استكمل بلاهته:
ـ خلاص مش عايزين تسمعوني… أخلي أبويا يكلم الشيف ثريا… وهروح أكمل شغلي. سلام يا شباب.
بعد رحيل زياد ضحكة حليم علت تاني:
ـ هو إنتَ خفت عليه قوي كده ليه؟ يا ابني أنا كنت عايز أعرف هو كان عايز مين فيهم… مش يمكن يبقى فيه قبول. كل شيء قسمة ونصيب.
مط شفايفه:
ـ هو برغم هطله بس دمه خفيف… مش وحش يعني.
زفر نور براحة:
ـ تعرف أنا كنت خايف منك… خفت لما تعرف إنه عايز يتجوز واحدة من إخواتنا تضربه. حليم إنتَ ممكن توافق عليه؟ بس إنتَ حتى لو وافقت ماما ممكن ترفضه.
استطرد براحة:
ـ مش عارف أنا في لحظة خفت تحصل مصيبة. زياد شخص كويس بس ما حيلتوش غير مرتبه… عمره ما هيقدر يعيش واحدة فيهم في نفس المستوى.
هز راسه بتأكيد:
ـ ولا واحدة فيهم تقدر تعيش في مستواه. إخواتنا دايمًا شايفين نفسهم… ده لو حصل هبقى مش مصدق.
تنهد حليم:
ـ لا صدق… أنا ما عنديش أي اعتراض عليه. وبعدين يا نور إحنا ما كناش كده في الأول… وهو وعيلته كانوا أحسن مننا ماديًا. وبعدين إحنا حتى عايشين في نفس البيت.
رفع سبابته بتأكيد:
ـ وده يأكد لك إن ماما مش بتاعت مظاهر. إحنا مش وحشين يا نور… إحنا ولاد ثريا اليونانية. كمان إخواتنا مش مغرورين قوي… لا بالعكس متواضعين.
ابتسم بهدوء:
ـ ده لاتنين عندهم عربية واحدة… وعرضنا على كل واحدة يبقى ليها عربيتها الخاصة لكن رفضوا. لغاية لما ميارا اقتنعت وراحت تطلع رخصة… واكتشفت من شهادة ميلادها إن ماما ثريا مش مامتها.
استطرد بحزن:
ـ لأن هي عمرها ما قدمت ورق لنفسها… أنا اللي كنت بعملها كل الإجراءات. بس المرة دي فلتت مني. حتى لو كانت هتتجوز كنت برضه هبقى حريص.
تنهد:
ـ بس قسمتها كده… كان لازم تعرف. ورغم إني عارف من أيام ما طلعت بطاقتي… بس ما حاولتش أستفسر إلا لما عرفت هي… لأن خلاص لازم نعرف كل حاجة.
شرد بحزن:
ـ تسع سنين ماما ثريا مستنية سؤالي عن أمي… وأنا كاتم علشان ميارا. لغاية ما القدر سمح وكل حاجة انكشفت.
تنهد نور براحة:
ـ الله عليك يا حليم… يا ريتني أفكر زيك. نفسي بقى تشيل الموضوع التاني من دماغك.
ابتسم حليم:
ـ لازم أعرفها… ولما أعرفها وأعرف هي سابتني ليه… ليه ترميني لضرتها وتمشي من غير ما تسأل خمسة وعشرين سنة؟ أوعى تقول لماما إني بدور عليها.
استطرد بحب:
ـ لأني مش ناوي أخسرها.
انتهى اليوم… ومن المفترض يرجعوا البيت. بس حليم راح لمكان بيعشقه… ومن فترة ما دخلهوش. وقف من ورا الأسوار بيدور عليها… عايز يشوفها من بعيد بس. بس حصل اللي ما توقعهوش. وهي واقفة وراه. حس بيها من صوت تنهيداتها. التفت ليها وارتبك:
ـ أهلًا يا وئام… إزيك؟
ردت بحزن:
ـ مش كويسة.
خشي يكون أصابها مكروه. سألها بلهفة:
ـ مالك يا حبيبتي؟
تنهدت ودمعت عينيها:
ـ أنا لو حبيبتك كنت جيت وقابلتني… مش بتبص عليا من برة السور.
تماسك أعصابه وهتف بضيق:
ـ أنا مش جاي أشوفك… أنا جيت آخد ميارا وهاجر. بس واضح إنهم راحوا. عن إذنك.
أمسكته من دراعها بارتعاش:
ـ بتعمل فيا كده ليه؟ أنا غلطت معاك في حاجة؟ ولا كنت بتلعب بيا؟
ما قدرش يرد عليها. حس لو أطال وقفته هيطوقها بحضنه. سابها من غير ما يريحها… ورحل.
رجعا البيت. حليم دلّف الأول… لقى ثريا قاعدة في التراس المطل على البحر. قبّل راسها:
ـ مساء الورد والفل والياسمين.
التفتت تبص له بحب:
ـ وحشني الكلام الحلو منك يا حليم.
ابتسامته ذكرتها بالماضي… رجعت للخلف. لما علمت بخبر حملها واستدعت سراج للإسكندرية… وفي نفس المكان ده… عشان تقوله بسعادة:
ـ فرحانة يا سراج قوي… أنا عاوزة أقولك.
صمتت وأقبلت عليه:
ـ هات بوسة الأول… وبعدين أقولك.
جذبت راسه تقبله هي… بس أزاح إيدها بعبوس:
ـ قولي اللي عندك… وبعدين ما كنتيش قادرة تصبري لما أجي لك يوم الجمعة؟ على طول تليفونات… مفيش صبر؟ وبعدين أنا ما عدتش هعرف أجي لك زي الأول.
تراجعت بضهرها للخلف. بصت له بتدقيق عشان تفهم جفاه معاها. كتمت فرحتها في حلقها وابتلعت ريقها:
ـ وهو النهارده يفرق عن الجمعة يا سراج؟ أنا كنت عاوزة أشوفك علشان…
استوقفت نفسها وتراجعت:
ـ علشان هسافر… وكان نفسي أشوفك قبلها.
رفع سراج كتافه بلا مبالاة:
ـ وهو أنا أصلًا منعتك تسافري لأهلك يا ثريا؟ وجيباني على ملي وشي علشان تقولي لي الكلام ده؟ سافري براحتك وخليكي هناك… أنا مش فاضي الفترة دي.
صدمتها فيه حطمت فرحتها بخبر حملها.
كانت شاردة بتفكر في الذكريات السودا دي… ونظرها متوجه ناحية حليم. نور دلّف ولقاها كده. قطب جبينه مستفهم من حليم. حليم مط شفايفه بعدم فهم:
ـ مسيت عليها كالعادة… ردت عليا وسرحت. جرب معاها إنتَ.
هبط نور لمستواها مداعبًا:
ـ إيه يا ثريا؟ أنا بدأت أشك فيكي…
أشاحت بوشها للجانب التاني… معلنة ليهم يسيبوها لوحدها. غمز حليم لنور وأخده لفوق.
حليم فضل شارد في حاجة واحدة: إنها بتتذكر والده بيه. بدأ يتساءل… هل كان قاسي عليها للدرجة دي؟ تبتسم له تارة… بعدين ترجع لأحزانها تاني. هنا تأكد له… قبل ما يدور على الست اللي سابته… لازم يدور في الأول على سراج. مين هو؟ وإزاي اتجوز الجميلة دي؟ وإزاي تسبب يومًا في أحزانها؟
يتبع