
همس ليها عشان ما تسمعهمش أخته ميارا. عايز يقابلها برة البيت… لأنه حس إنها عايزة تفسخ خطوبتها من قدري من ساعة ما شافته مهتم بأمر أخته في حفلة عيد الميلاد. رغم شرودها في اللي حصل… إلا إنها أسرعت تقابل أخوها نور. عايزة تعرف هو عايز منها إيه… وتقوله على قرارها بخصوص رغبتها في فسخ الخطوبة. هي على أتم استعداد تتنازل عن خطيبها لو حست إن أختها عايزاه… وعلى استعداد تقف معاها مش ضدها. دي كانت نيتها وهي رايحة تقابل أخوها.
قعدت قدامه بتقاوم استجوابه:
ـ خير يا نور؟ ليه عايزنا نتقابل لوحدنا؟
نور شرد:
ـ لازم نكون لوحدنا… علشان أقولك ليه قدري قدم هدية لميارا.
عبست:
ـ آه… إيه هتبلغني إنه بيحبها… وخطيبي خطبني علشان يقرب منها؟ طيب وأنا مالي؟
طيحت بإيدها في الهوا بلا مبالاة مصطنعة:
ـ الموضوع ما يهمنيش. أنا كل اللي يهمني إني قلقانة على حالة أختي من ساعتها.
نور زفر بخنق:
ـ لا ما خطبكيش علشان كده. بس فيه سبب لتقديم الهدية. فيه حد السبب في لخبطة حال حليم وقدري وميارا.
قطبت جبينها:
ـ إيه اللي بتقوله ده؟ إيه دخل حليم بالموضوع؟ أنا كنت شايفاه يومها واقف ولا كأن حاجة حصلت.
زفرت بخنق:
ـ أنا حتى استغربت فين حليم وغيرته علينا… وعلى ميارا بالذات. ده محمل نفسه ذنب إنها عرفت كل حاجة عن مامتهم.
نور أشار بسبابته:
ـ جينا لمربط الفرس. قدري يبقى ابن مامتهم… يعني أخوهم التالت.
اتسعت حدقة عينيها وهتفت بذهول:
ـ نعم بتقول إيه؟
نور تنهد:
ـ أنا عارف إن اللي قلته صدمة… بس ده اللي حصل. الأكبر من كده بقى إن الست أمهم رجعت… وكلمت حليم… وراح ليها.
هاجر حطت إيدها على وشهها من الصدمة… بعدين مسحت على وشها:
ـ بس ليه رجعت بعد السنين دي كلها؟ وجاية ليه؟ أكيد جاية تدمر الكل.
سرعان ما تعالى غضبها:
ـ ما تسيبهم في حالهم وتسيبنا إحنا كمان. ويا ترى هتسيب ماما في حالها؟
نور ابتسم بسخرية:
ـ استحالة. ده لسه التقيل جاي ورا. دي عايزة تاخد ميارا وتسافر… بحجة إن عمك خطاب وحش ومتفق مع ماما إنه يجوز ابنه لميارا… علشان يرجع الود بينه وبين ماما ثريا.
هاجر ذهلت من اللي قاله. ورغمًا عنها انصاعت لطلبه بعدم إخبار ميارا في الوقت الحالي بأمر قدري أو بخبر عودة والدتها… عشان ما تنقلبش الأمور.
نور رجع شغله… لقى ثريا مستنيياه… ويبدو عليها القلق. انتفاضة صدرت منها أول ما شافته. قامت وقفلت الباب بإحكام… والتفتت ليه:
ـ نور إنتَ كنت فين؟ أنا محتاجة أقولك حاجة مهمة… بس توعدني مش عايزة لا حليم ولا ميارا يعرفوا.
ابتلعت ريقها:
ـ لحد ما أشوف حل للبلوى اللي أنا فيها دلوقتي.
نور توتر وابتلع ريقه… وبدأ يفكر: هي بتقصد خبر قدري ولا خبر عودة ولاء؟ سألها بتوجس:
ـ هو لسه فيه حاجات هتقوليها؟ مش خلاص كله اتقال؟
ثريا هزت راسها بيأس:
ـ بس في حاجة حصلت وإنتم في عيد الميلاد. ولاء رجعت يا نور. أنا من ساعتها وأنا مش عارفة أتلم على أعصابي… وبفكر أروح أقابلها.
في صوتها نبرة خوف:
ـ إنتوا مش عارفين… دي ممكن اللي أنا بنيته في تلاتة وعشرين سنة… هي تهدمه في دقيقة. بس أنا لازم أمنعها.
نور بتوجس:
ـ وهتعرفي حليم إنها رجعت… ولا هتسكتي كالعادة ويرجع يعرف ويزعل؟
ثريا احتارت:
ـ لا أنا مش عايزاه يعرف. أنا ما صدقت إنه بقى يضحك ويهزر زي زمان… ومش هبقى مطمنة لو قابلها. أكيد هتخرب وتفرق ما بينا.
فركت إيديها بتوتر:
ـ اللي خايفة منه إنها تصمم تاخد ميارا مني.
نور ربت على كتافها… واستصعب موقفها:
ـ ماما… هي معاها حاجات ضدك بخصوص موضوع خطاب؟
هزت راسها بالسلب:
ـ لا يا نور أنا مش خايفة من كده. أنا خايفة ميارا تصدق إني رضيت أجوزها لزياد علشان خطاب.
جزت على سنانها بندم:
ـ وخصوصًا إن خطاب معانا بقاله سنين.
نور هز راسه بتفهم:
ـ معاكي حق… بس ما تخافيش.
قطبت جبينها:
ـ مش أخاف؟! يا سلام بالبساطة دي؟
ابتسم بثقة:
ـ إيه يا ثريا مش بتثقي فيا؟ إيه ما قدرش أحل أنا كل الصعوبات دي؟ طيب هقولك على حاجة… بس أوعديني ما تتعصبيش.
ضيقت عينيها:
ـ مش أتعصب؟! لا ده شكل الموضوع كبير… وشكلي الفترة دي هاكل فوق دماغي من الكل. إنتَ عندك إيه؟ قوله فورًا.
كاد يتكلم… بس خشي يسمعه حد في المطعم. قرر ياخدها برة.
فعلًا راحوا النادي… ولقوا هاجر لسه قاعدة بعد ما سابها. ثريا قطبت جبينها لرؤيتها شاردة… وهزتها. هاجر انتفضت:
ـ مامي! بقى كده يا نور؟ بعد ما أكدت عليا ما أقولهاش… جايبها هنا قدامي؟ وأنا اللي كنت خايفة أروح وأعترف لو سألتني.
ثريا بصت لنور بصدمة. إزاي هاجر تعرف حاجات هي ما تعرفهاش؟ نور حط إيده على وشه يمسحه بضيق:
ـ هو أنا لحقت أتكلم يا بومة؟
هاجر عضت على شفتها السفلية بضيق:
ـ نعم! أنا آسفة… أنا لخبطت الدنيا شكلي كده.
نور هز راسه بيأس:
ـ لا أبدًا… ده إنتي عكتيها. هتخلي أمك دلوقتي تصور قتيل في النادي.
كادت تتكلم… فحط إيده على فمها مكممًا فاها:
ـ بس خلاص كفاية. كُلي سد الحنك واسكتي خالص.
جاءت ضحكة رنانة من خلفه… ضحكة حنان… البنت المشاغبة الوحيدة اللي ما قدرش عليها نور. قالت من بين ضحكاتها:
ـ إيه سد الحنك ده يا نور؟
نور جز على سنانها والتفت ليها… وهو بيكور إيده موجهها لشفايفها:
ـ كده يا حنان… سد الحنك بعمله بإيدي في المطعم… ونفسي أدوقه لكي. إيه رأيك؟
بعدين استطرد:
ـ وبعدين أخ وأخته… إنتي إيه دخلك؟ ده أنا هنا من بدري معاها… وإنتي كنتي قاعدة هناك. ما جيتيش إلا لما لقيتي ماما ثريا معانا؟
بغيظها:
ـ أنا حاسس إنك جاية تطلبي إيدي. والله موافق. إنتي بنت حلال… وشكلك هتدلعيني آخر دلع. إيه يا ثريا… موافقة البنت دي تخطبني؟
ثريا ابتسمت رغمًا عنها. أما حنان فكانت عايزة ترفع رجليها وتضربه في بطنه. نور فهم كل ده وهو بيشوفها بت هز برجليها. ابتسم بخبث:
ـ أينعم كده… إنتي هتقطعي على البنات اللي عايزين يتجوزوني. بس يلا… كله علشان سد الحنك.
حنان بصت له بتحدي… وكادت ترحل. بس استوقفها:
ـ لا أوعى تسيبيني يا حنان. أنا كده هعنس.
ابتسمت والتفتت ليه… لتحدق فيما بيعمله. لفت انتباه كل اللي في المكان وهو بيركع على ركبتيه بجدية:
ـ علشان خاطري وافقي عليا. قولي إنك راضية تتجوزي نور الخشاب.
شهقت حنان لما عمله. ولقت ثريا اللي تناست كل حاجة بتتقدم منها:
ـ ها يا حنان… قلتي إيه؟ أعتبر سكوتك ده رد موافقة منك؟
أخفضت راسها للأرض:
ـ وأنا أطول إن حضرتك تكوني حماتي؟
نور صفق على إيده:
ـ حبيبتي يا ثريا… إحنا على إيدك هنتجوز جوازات عنب. ما حدش قدنا… واللي يغير مننا يجيبله أم زينا.
نهض وبص لثريا:
ـ طيبة قلبك دي هي اللي حببت الناس فينا.
بعدين التفت لحنان بخبث:
ـ طبعًا العرض المسرحي ده بداية للحفلات… وهجيب ماما والعيلة… وهتبقى رسمي.
حنان تلهفت:
ـ طيب وناويين تيجوا إمتى بقى؟
ضحك نور:
ـ العب! ده إنتي طلعتي بتموتي فيا أهو. أومال راسمة الوش الخشب من الأول ليه يا حنان؟
عبست:
ـ هاا… لاااا… ده علشان أبلغ بابا وماما.
هاجر ضحكت:
ـ هنكدب من أولها يا حنان؟
حنان بصت لها نظرة وعيد. نور ابتسم بخبث:
ـ خلاص يا هاجر ما تكسفيهاش بقى. بس وحياتك يا حنان لأخليكي تعترفي من أول قلم.
أخرجت له لسانها. ضحك:
ـ إنتي بتطلعي لي لسانك يا حنان؟ ما بلاش… ولا غاوية تتحديني؟
ضحكت بتحدي:
ـ آه والله بحب أتحداك… معرفش ليه. بس يلا مضطرة أخف عليك شوية. كفاية إني هتجوزك وأرحم البشرية منك.
نور ضرب كف على كف:
ـ في دي كمان شايفة نفسك فيها؟ أنا يا بنتي بنات كتير هيزعلوا إني هتجوز… وإنتي هتقهريهم قهرة السنين.
ضربت رجليها في الأرض:
ـ شايفة يا طنط ثريا ابنك بيقول إيه؟ حضرتك يرضيكي كده؟
حط إيده في خصره يغيظها:
ـ أيوه يرضيها. إنتي عبيطة يا بنت؟ ده أنا ابنها وكمان شبهها. أوعى تفكري إنها هتيجي في صفك ضدي.
ثريا أزاحته وأخدتها بين أحضانها:
ـ سيبك منه ما تزعليش. أنا بحمد ربنا إنه اختارك يا حنان. هو مغرور في نفسه… بس طيب وقلبه حنين عن كل إخواته.
حنان ابتسمت. نور أثار غيظها:
ـ بس ربنا ما يوريكي لما بقلب. شكلي كده هعملها معاكي. بقولك يا هاجر… خدي حنان واتمشوا شوية… على بال ما أتكلم مع ماما.
هاجر أومأت براسها… وأخدتها ورحلت. نور قعد مع ثريا… وأداها الأخبار اللي طال انتظارها بسبب وقفة حنان معاهم.
بص ليها… لقاها مستنيياه. ابتلع ريقه:
ـ جاهزة تسمعيني؟ ما أنا كده كده هتكلم… بس هتقولي لي ناوية على إيه بعد ما أتكلم.
ثريا تنهدت بحزن:
ـ مش هقدر أوعدك. بس لو الموضوع بخصوص ولاء… مش فاهمة ليه تقول لهاجر قبلي. حصل اللي حصل من فترة… وهاجر لا اتدخلت ولا اتأثرت زيكم.
بصت ليها عن بعد:
ـ قلبها بارد. عارف أنا ساعات بقول لنفسي البنت دي مش بنتي. مش شايف خطبنا حنان قدامها… وهي ولا اندهاش؟
نور ضحك. ثريا قربت منه بجدية:
ـ نرجع لموضوعنا. أنا قلقانة من رجعة ولاء… وعايزة أرجعها من مطرح ما جات. قلبي مش متطمن.
رفع حاجبيه باندهاش. إزاي تبعدها وهي اللي ساعدت في اقترابها؟ ابتسمت بشماتة:
ـ في نفس الوقت مبسوطة إنها شافت أولادها بالصورة دي… لأن ده تم بإيدي. وأنا اللي خليتها ترجع.
نور تنهد:
ـ للدرجة دي؟ أنا هقولك… الست دي مصيبة. فاكرة لما قالت إن جوزها طلقها وهي سقطت؟
هزت راسها تحثه يكمل. رد بضيق:
ـ كل ده طلع كدب… لأن ابنها طلع عايش. المهم ابنها ده… يشاء القدر يطلع مين؟ قدري.
ما اهتزت لها شعرة. فضلت على قوتها:
ـ أنا عارفة. والده جه وصارحني… وعلشان كده أنا رضيت بيه. لأني كنت واثقة إنه بيحبها… وواثقة إن الست اللي ربته ربته زي ما أنا ربيتكم.
بحزن:
ـ ووالده ضحية بس أكتر من أبوكم. مش قادرة أسامحه إنه بلع طعمها بمزاجه. مش قادرة أسامحه لما لقاني البديل الفاضي لأولاده.
اعتصرت عينيها:
ـ أنا استحملت كتير. كنت حامل وبشتغل وبصرف على نفسي… وهو مفكر إني في اليونان. كنت بتوجع من تقل الحمل… وما حدش جنبي.
تعالى شهقاتها:
ـ لكن وجعي الأكبر دلوقتي… لو هي ناوية تاكل على الجاهز من تحت إيدي.
نور ربت على إيدها بحنان:
ـ حبيبتي اهدي. بس فيه حاجة تانية أعتقد ما تعرفهاش… لكن أوعديني تهدي… علشان خاطري.
هزت راسها:
ـ أنا هادية. بس حتى لو كنت غلطت في حق حليم وميارا… عايزاهم يسامحوني. أنا لما رفضتهم كنت موجوعة.
بوجع:
ـ أنا عارفة إن حليم سامحني ومش خايفة منه. أنا بس عايزة أخليها بعيد عن ميارا.
نور ابتلع ريقه:
ـ ميارا شكلها هتصدقها. خطاب هو اللي هيكون السبب.
حس إنها بتهتز قدامه. سرعان ما وعدها:
ـ بس أنا وحليم هنمنعهم. إنتي ما تعرفيش حليم محروق علشانك إزاي.
قطبت جبينها:
ـ بتقول إيه؟ وحليم ماله؟ إنتَ قلت له يا نور؟
عض على شفايفه:
ـ إنتي حلفتيني… بس ما كانش ينفع ما أكلمش. ده حتى هو اللي اتكلم في الأول.
يعاتبها:
ـ ولا كنتي عايزاني أسكت؟ ده أنا هاين عليا أروح أولع في خطاب.
ابتسمت بسخرية:
ـ يااه للدرجة دي! وعلى إيه؟ زي ما يكون خلاص سمعتي راحت بسببه.
ابتسم بثقة:
ـ ما تقوليش كده يا ماما. المهم ولاء قابلت حليم وقدري… وإنتي أكيد عارفة الباقي.
تنهدت مطولًا وزفرت:
ـ آه عارفة… يا جبروتها. المهم أنا لازم أتصرف. النهارده حليم وقفها… بكره لازم كلنا نقف قصادها.
هز راسه تضامنًا:
ـ وأنا معاكي… وحليم كمان… وقدري… وكلنا. وعلى فكرة هاجر عرفت وزياد… ما فاضلش غير ميارا.
لوت شفايفها بحزن:
ـ يا ريت زياد يفضل معانا للآخر.
هنا اختلفت مع نور في الرأي بخصوص زياد. هي بتخاف على ميارا منه. بتخاف يكون زي والده ويكسر قلب ميارا زي ما كسر خطاب قلب ذكرى صاحبتها. مش هتسامح نفسها لو حصل كده. قبلت كل حاجة وحشة من خطاب… إلا إنه يتحالف مع زياد ابنه ضدها وضد أسرتها. فضلت سنين صامدة ما بتبالي… بس برجوع الست دي… بيكاد يتحطم كل حاجة. بس هتعمل كل اللي في وسعها تبعدها من جديد… حتى لو أدى الأمر تحاربها بنفسها. أخدت نفس عميق… وحدقت بعينيها شاردة. عقلها بيدور في كل الاتجاهات للخلاص من اللعينة دي.
انتبهت على لمسة نور ليها بهدوء:
ـ ماما أنا حابب نقعد مع حليم ونتكلم. مش هينفع نفكر لوحدنا.
عقدت ما بين حاجبيها:
ـ هو اللي طلب كده؟
هز راسه بالسلب:
ـ لا هو ما يعرفش إني هحكي لكي. بس أنا رأيي كده. يلا بينا نروح له.
فعلًا راحوا لحليم. نور سرد عليه معرفة ثريا بموضوع قدري… وإنها كانت تعلم من بداية الأمر من والد قدري. وكمان تم معرفة ثريا بأمر مقابلته هو وقدري لولاء… وسرد عليه فحوى مهاتفة ولاء لثريا.
حليم حس بالوجع بسبب مكالمة ولاء لثريا. رد بحزن:
ـ ماما أنا بعتذر إني ما قلتش إني رايح أقابلها. عارف قد إيه إن مكالمتها كانت صعبة عليكي… بس وحياتك عندي أنا مش هسكت.
قلب كفيها بيترجاها:
ـ محتاج منك بس تبعدي تمامًا عن الموضوع ده. أنا هتصرف… وهحكي لميارا كل حاجة. وهي إما تتجاوز الوجع ده زيي… وإما ما تقدرش.
بصت له بقلق. طمنها:
ـ ساعتها أوعدك إني هرجع ميارا أحسن من الأول… ومش هسمح لها تاخدها مننا.
تنهدت ورفعت راسها لفوق… وتعالى شهقاتها كأن الروح بتطلع من جسدها. ربت على إيدها وقبّلها:
ـ ماما أنا هعمل كل حاجة في سبيل إني مش عايز أشوفك بالمنظر ده. بس لو لسه فيه أسرار تاني قوليها. مش هينفع نفضل مخبيين حاجة على بعض… وهي تيجي تهز جذور الثقة ما بينا وتقولها.
زم شفايفه بأسف:
ـ للأسف هي قالت لي على حاجة كنت حاسس بيها. وإنتي غلطتي لما ما قولتيهاش… وغلطتي أكتر لما قعدتيه في شغلنا. عارف إن كلامي قاسي عليكي… وإنه ما يصحش أحاسبك… بس لازم أقوله.
بيترجاها:
ـ أرجوكي… الراجل ده لازم يمشي من هنا. وأهو زياد موجود بداله. وهو لو حاول يتآمر مع ولاء… ما بقاش حليم اللي ما رميته في الشارع من غير بيت ولا زوجة ولا ابن.
نهض على عجالة:
ـ عن إذنكم… عندي ميعاد مهم.
بعد ما انصرف… ثريا مسحت على وشها:
ـ أنا غبية. كنت مفكرة إنه اتصلح وبقى كويس. إزاي جايله قلب يتآمر معاها ضد مرات ابنه؟ وإزاي الزفت زياد ساكت ومكمل وبيضحك على ميارا؟
نهضت بتعاتب نفسها:
ـ وأنا إزاي أوافق على جوازتها منه… وأبوه طعني زمان وخلى سراج يتجوز عليا؟ وممكن يكون السبب في موته.
بألم:
ـ ما فكرتش إنه ممكن يرجع يطعني تاني. قال لي إنتي زي أختي… وأولادك دول أولاد أخويا… وأنا بعبطي صدقته.
وضحت أكتر:
ـ كنت خايفة بعد اللي وصلت له حال ذكرى… وزياد يتبهدل بسبب إني ما رضيش أساعده.
ابتلعت ريقها بمرارة:
ـ أقول إيه ولا إيه ولا إيه؟ أقول إني ما قدرتش أسيب حد يعيش بقلة الحيلة اللي كنت عايشة فيها… رغم إن الحد ده السبب في اللي أنا كنت فيه.
زفرت بتعب:
ـ برضه كنت خايفة منه يقول لميارا وحليم إني رفضتهم في الأول. مين فيهم وهما صغيرين كان هيصدقني وأنا مرات أبوهم؟ كانوا هيتوجعوا لو عرفوا إنهم هانوا عليا وهما لسه لحمة حمرا.
ببكاء مرير:
ـ بس والله العظيم ما هانوا عليا. أنا اللي هونت عليه لما رماني وأهملني. طيب كان عايز مني إيه بعد ده كله؟ أنا مهما كان بشر.
ازداد فيض دموعها:
ـ ليه ما يكونش العكس وهو يكون السبب منه؟ قلت له يصبر… قال لي ما عادش فيها صبر.
ضربت على صدرها:
ـ كانت النتيجة ولاء خلفت ورمت وهربت… وحياتي ضاعت بسببها.
كملت:
ـ وأمرته يبعد عني… وسمع كلامها وبعد… ووجعني. خلاني مطفية ومهملة وماليش قيمة في حياته.
انتفضت بغضب:
ـ وكان عارف إني ما سافرتش لبابا اليونان… وما كلفش خاطره يتصل عليا. حتى لما رجع كان عارف إني لسه في الإسكندرية.
نور نهض وقرب منها:
ـ إنتي ليه مصرة تفتكري وتعذبي نفسك وتعذبينا معاكي؟
ردت وعينيها بتذرف الدموع:
ـ رجوعها فكرني بكل حاجة… كأنه امبارح.
في الأثناء دي… زياد طرق على الباب ودخل عليهم عشان أمر يخص الشغل. استغرب منظر ثريا وهي بتبكي… ونور بيحاول يهديها. سأل بتوجس… وقلق إن ميارا أصابها مكروه أو أخدتها أمها ورحلت:
ـ فيه إيه مالكم؟ أوعى حد فيكم يقول لي إن ميارا راحت مني.
ثريا التفتت ليه بكل غضب:
ـ أبوك اللي ضغط عليك تخطبها صح؟
زياد استغرب سؤالها. نور حاول يبعده عنها:
ـ يا ماما زياد ملوش ذنب. لسه عارف متأخر بكل حاجة زيينا… بس ما يعرفش إن أبوه السبب في كل اللي حصل لينا زمان.
ثريا انتفضت:
ـ يبقى أنا أعرفه… ويختار إما أبوه وإما ميارا. أبوه اللي خبى على أبوها حملي… وأبوه اللي خبى برضه إن أمها كانت متجوزة من أبو قدري.
بتهجم عليه:
ـ عرفت يا زياد ولا أقول كمان؟ أقولك عمل كل ده ليه؟ لأنه كان عايز يخطفني من جوزي.
زياد حط إيده على راسه اللي تكاد تنفجر:
ـ كل ده هو عمله؟! طيب بالعقل كده… ليه كان دايمًا يوصيني على ميارا… وكان مرحب بجوازي منها أكتر من أمي؟
ثريا ابتسمت بسخرية:
ـ هقولك. كل ده كان تمهيد… آخره هيقول لي: تعالي نتجوز زي أولادنا يا ثريا… وهعوضك عن سراج اللي سابك تحاربي 23 سنة ومات.
زياد جحظ بعينيه:
ـ بتقولي إيه؟ طيب وأمي؟ هو ناسي إنها صاحبتك؟
ابتسمت بمرارة:
ـ أمك بتعاني من أيام ولاء وساكتة. ولاء اللي كانت على علاقة بأبوك فعلًا… يعني ما اتبلتش عليه زي ما بيقول هو. لكن لما لقت إنه ضايقها في ملعوبها… خانته وقالت نص الحقيقة.
تعالى زفير غيظها:
ـ وكل ده علشان تاخد الفلوس اللي سحبها سراج علشان الصفقة اللي قرر يعلي بيها نفسه بعد ما فض شراكته مع أبوك. أخدت الفلوس ورمت أولادها وسافرت تركيا.
سكتت لحظة… بعدين التفتت تطيح بكل حاجة على سطح المكتب:
ـ بعدها هدمت كل حاجة ما بينا… وخيرته بيني وبينها. هي لعبتها صح… وهي اللي فازت في الآخر.
التفتت ليه:
ـ وهي اللي ضحكت على أبوك زمان… وهي اللي بتضحك عليه تاني دلوقتي… وهتخونه زي ما هو خان صاحب عمره… ودلوقتي بيخونك.
زياد جحظ. إزاي والده يخونه؟ ابتسمت:
ـ آه بيخونك. ومش هيخليك تتهنى بميارا. ولاء ناوية تجيب أدلة لبنتها إن أبوك جوزك لميارا علشان يخلى له الجو معايا.
عقد ما بين حاجبيه:
ـ أدلة! ومين قالك إني هسمح بكده؟ آه أنا ابنه… بس مش هسمح له بعد اللي قلتيه ده إنه يقرب مني ومنها.
كمل:
ـ أنا هحكي لميارا كل حاجة… ومن دلوقتي.
نور انتفض:
ـ لا يا زياد. ميارا دي دور حليم… مش دورك إنتَ.
زياد بإصرار:
ـ بس دي مراتي يا نور. لو عرفت بكل ده… أنا أول واحد هنزل من نظرها.
ثريا رفعت سبابتها تحذره:
ـ اسكت. وهو مين اللي وصلنا للحالة دي؟ مش أبوك. أنا بقى اللي هحل كل ده… علشان أدفعه تمن غلطة غلطتها من سنة… يوم ما استفزتها ونزلت صور أولادي في المجلة.
باشمئزاز:
ـ وأبوك الخبيث يقول لي بلاش. طبعًا خايف من فضيحته قدامك. ولما لقاني بنفر منه…
ضحكة ساخرة:
ـ قال يشربني المر ويتواصل معاها ويغرقوني قدام أولادي.
بغل:
ـ وعلى فكرة إنتَ وهو مطردوين من الشغل. ولو ميارا بعد ما تعرف قررت تسيبك… أنا أول واحدة هساعدها.
رفعت راسها بشموخ:
ـ لما أولاد ثريا يطلبوا حاجة… ثريا ما تقدرش ترفض ليهم طلب.
زياد تنهد بحزن:
ـ حضرتك أنا ذنبي إيه؟ أوعى تبعديني عنها. إنتي ما تعرفيش أنا بحبها قد إيه. مجنون بيها من صغري.
يوعدها:
ـ والله العظيم أوعدك إني أبعد عنه وعن ألاعيبه. أنا هدافع عن حبي لآخر نفس. إلا ميارا… أنا أموت من غيرها.
نور زفر بخنق:
ـ إنتَ هتعيط زي الحريم؟ أنا عايزك تتفهم الموقف اللي إحنا فيه… وتقدر القرف اللي إحنا داخلين عليه.
زياد هز راسه بتفهم:
ـ ماشي مقدر. بس برضه ميارا مراتي وهتفضل مراتي. أنا هعمل المستحيل علشان تعرف إني مليش ذنب.
كمل:
ـ ودُخلتي عليها الشهر الجاي في الميعاد اللي حددته أنا وهي. الميعاد مش هيتلغي إلا لو مت.
خرج من المكتب… ما يهمهوش حاجة. حتى طرده من الشغل ما يهمهوش. المهم بالنسبة له هي ميارا بس.
ثريا بصت لنور بذهول بسبب ردة فعل زياد غير المتوقعة. نور ابتسم ليها. سألته:
ـ حليم هيرضى بيه بعد اللي حصل؟ ده لما لاحظ إن خطاب نظراته لي وحشة اتجنن. أنا قلقانة قوي وخايفة بجد.
نور ربت على كتافها:
ـ ماما أنا بطمنك ما تقلقيش. بس ابعدي عن كل ده دلوقتي. ده هيخلي حليم ياخد حقنا تالت ومتلت. هو بيفضل إنك تكوني بعيد.
بيترجاها:
ـ علشان خاطره أرجوكي.
تنهدت:
ـ يعني أسيبه يواجه كل ده لوحده؟
ابتسم بثقة:
ـ ماما لما حليم يطلب حاجة لازم نثق فيه. لكن لو ما سمعناش كلامه الدنيا هتبوظ. كمان دي أمه.
شهقت. ابتسم:
ـ بالاسم… لكن إنتي الأم الحقيقية في قلبه. يبقى سيبيه ياخد حقنا… وسيبك منها ومن تليفوناتها وتهديداتها. بس ركزي على ميارا.
أغمضت عينيها:
ـ هتوجعني قوي يا نور. أنا خايفة منها وعليها.
ابتسم:
ـ بصي خديها بالراحة. اعتبريها تحدي.
هزت راسها بيأس:
ـ لا دي مش أي تحدي. ده أنا أموت لو بعدت عني. أنا هقول ليها كل حاجة… وربنا يعين قلبي عليها وعلى ثورتها. ربنا ينتقم منك يا ولاء.
نور ربت على ضهرها:
ـ يا رب. ماشي اللي تشوفيه يا ماما.
ثريا سكتت شوية… بعدين رفعت راسها. عينيها ما كانتش بتلمع من الدموع بس… كانت بتلمع من قرار اتخذته ومش هترجع فيه.
ـ أنا هبعدها عنها…
ـ بس مش هروح القاهرة.
ـ هاخدها… وأروح اليونان.
نور جحظ. الكلام وقع عليه زي صخرة. فتح بقه يرد… بس ما طلعش صوت. راسه دارت. ثريا؟ تاخد ميارا وتروح اليونان؟ في الوقت ده؟ بعد كل اللي اتكشف؟
حاول يتكلم… صوته طلع مبحوح:
ـ ماما… إنتِ بتتكلمي بجد؟
ـ ميارا… دلوقتي؟ بعد اللي حصل؟
ـ حليم… هيطلع من جلده.
ثريا ما بصتش له. كانت بتقلب في الأوراق قدامها… بتدور على جوازات السفر القديمة… وبتفتح تليفونها تدور على أرقام شركات الطيران. إيديها كانت بترجف… بس عينيها ثابتة.
ـ أنا مش هسيبها هنا تت downstream ولاء.
ـ مش هسيبها تسمع كلامها… وتصدق إن أمها رفضتها وهي لحمة حمرا.
ـ مش هسيبها تشوف خطاب تاني… ولا تسمع اسمه.
ـ أنا هبعدها… حتى لو اضطريت أهرب بيها.
نور قرب منها… حاول يمسك إيديها:
ـ ماما… فكري كويس. حليم هيحس إنك بتسرقيها منه تاني.
ـ وقدري… وزياد… والموضوع كله لسه مولع.
ـ لو سافرتي دلوقتي… هيبقى شكلك بتهربي.
ثريا سحبت إيديها بهدوء… وبصت له لأول مرة من ساعة ما قالت الجملة دي. عينيها كانت مليانة تعب سنين… وتعب اللحظة دي.
ـ أنا مش بهرب يا نور.
ـ أنا بنقذ.
ـ زي ما أنقذتكم زمان… لما كنت لوحدي… حامل… ومفيش حد جنبي.
ـ المرة دي هأنقذها هي.
سكتت… بعدين همست بصوت واطي جدًا… كأنها بتقول لنفسها:
ـ ربنا ينتقم منك يا ولاء…
ـ إنتي رجعتي عشان تهدمي…
ـ وأنا هسافر عشان أبني تاني.
نور وقف مكانه مش عارف يعمل إيه. التليفون في إيد ثريا رن… صوت موظفة شركة الطيران طلع من السماعة:
ـ أهلًا بحضرتك… في رحلة متاحة بعد بكرة الصبح متوجهة لأثينا…
ثريا ردت بصوت ثابت… صوت ست قررت وما عادش فيه رجوع:
ـ احجزي اتنين.
ـ باسمي… واسم بنتي ميارا.
قفلت الخط. حطت الموبايل على المكتب. بعدين بصت لنور… وابتسمت ابتسامة صغيرة… حزينة… ومكسورة… بس فيها تصميم مرعب.
ـ قول لحليم…
ـ إن أمه الحقيقية…
ـ لسه بتحارب.
وقامت… ومشت ناحية الباب… ضهرها مستقيم… وخطواتها واثقة… كأنها مش رايحة تغادر المكتب… كأنها رايحة تدخل معركة.
نور فضل واقف مكانه… بيبص وراها… والحجرة فجأة بقت فاضية ومثقلة في نفس الوقت.
برة… صوت المدينة عادي.
جوا… عيلة بتتفكك بهدوء… وواحدة ست قررت إنها مش هتسيبها تتفكك تاني.