
بعقل مشغول بالتفكير… وقف نور بيتابع شقيقه من خلال نافذة المكتب. حليم بيحاول ينهك نفسه في الشغل عشان ما يشغلش تفكيره بالست دي. لدرجة إنه ما انتبهش لزياد وهو بيطلب منه يمضي على وصول مواد الأكل اللي بيستخدموها في المصنع. بس عادة زياد المرحة طلعته من شروده لما قال:
ـ لو قلت لك إني هروح آكل في المطعم تاني… هتاخد بالك إني بتكلم ولا لأ؟
نور انتبه وبص لزياد كويس. زياد ارتجف وخفف:
ـ ولا كأني قلت حاجة… أنا بس لاقيتك سرحان… قلت أنكشك علشان تمضي على الأكل اللي جالنا.
نور بص للأوراق اللي على المكتب… طلع القلم من جيبه… ومن غير ما يبص على الأوراق أمضى عليها. بعدين رجع يسرح تاني في شقيقه واللي بيمر بيه. في نص الشرود انتبه إن زياد لسه واقف. بص له. زياد اتكلم:
ـ فيه حاجة يا نور؟ يمكن أنا ماليش الحق أتدخل في خصوصياتك… بس ما ينفعش أسيبك كده.
نور بص له:
ـ ماشي هقولك… بس توعدني إنتَ كمان لو تعرف حاجة تقولها.
حاول يسأله عن ماضي والدة حليم الحقيقية. زياد رفع أكتافه بعدم معرفة. نور زفر بحنق:
ـ إنتَ والدتك ووالدك يعرفوا كل حاجة.
زياد افتكر لما سأل والده خطاب يوم عن الست دي… كان رده:
ـ ما أعرفش غير إنها سابت أولادها وهربت.
زياد استطرد بيسأل نور بتوجس:
ـ إنتَ عايز منها إيه؟ هي مش طلعت أم حليم مش أمك؟
نور زفر بغيظ:
ـ أنا سألتك تعرف إيه عنها… ما تفتحش معايا تحقيق. ويا ريت ما تروحش تحكي إني سألتك. إنتَ اللي عليك حاول تجيب لي معلومات عنها.
زياد تنهد:
ـ والله قلت لك أبويا نفسه ما يعرفش… حتى قال لي إنه فضل ما يعرفش حاجة عن أبوكم طول فترة حملها.
نور هز راسه بإصرار:
ـ لا… هو يعرف. بس أكيد ماما ثريا مأكدة عليه ما يقولناش حاجة.
زياد انتبه لتحذير ثريا… بيتذكر حاجة. ردد:
ـ في بيتنا… تقريبًا قالت إنها سافرت.
نور حط إيده على وشه بيأس:
ـ يا حبيبي ما إحنا عارفين إنها سافرت… المهم سافرت فين ومع مين؟
زياد مط شفايفه:
ـ الله أعلم.
نور شد على شعره بعصبية:
ـ طيب بلاش أبوك… اسأل أمك. اعرف منها كمان إيه اللي خلى أبويا يتجوز على أمي ما دام هي بتخلف ومخلفانا قبل إخواتنا.
هدى من عصبيته:
ـ ولو ماما ثريا عارفة مكانها… ليه ما بعتتش الأولاد ليها؟
زياد خرج عن أعصابه:
ـ نعم؟! كنت عايز إخواتك يفتحوا عينهم على واحدة زي دي ويبقوا أولادها؟!
انتبه لنفسه:
ـ أنا إيه اللي بقوله ده؟!
نور ابتسم بخبث وأجلسه:
ـ يلا يا زياد… قول كل اللي تعرفه.
زياد رجع لوالدته وذكرى… وسرد ليها اللي دار بينه وبين نور. شهقت وهي بتشرب قهوتها مفزوعة. حاول يهديها:
ـ ما كانش قصدي… أقسم بالله يا ماما.
ذكرى عاتبته:
ـ إنتَ عارف أبوك لو عرف اللي قلته ده هيعمل فينا إيه؟ نور نفسه تفتكر هيرضى يجوزك ميارا بعد اللي إنتَ حكيته؟! ولا لو عرف حليم.
زياد زفر بحنق:
ـ عارف… بس كله حصل من غير قصد.
ذكرى هزت راسها بيأس:
ـ مش قادرة أطلعك على حق يا زياد… ومش عارفة ردة فعل ثريا لما تعرف إنك حكيت.
زياد ابتلع ريقه وسألها بتوجس:
ـ تفتكري ممكن ترفض تجوزني ميارا؟
ذكرى أشفقت عليه… بس ردت بحزم:
ـ إنتَ لازم تقول لأبوك.
**(فلاش باك)**
شهقت فزعًا لما عرفت إن غريمتها هربت مع عشيقها. بصت للطفلين مش مستوعبة إنهما هيبقوا أولادها. اتكلمت بخوف:
ـ أولادها… أولادها يا سراج… دول أولادها.
سراج تنهد:
ـ فاهم قصدك… للدرجة دي اتضايقتي يا ثريا عليهم؟
حزنت لكونهما أولاد ضرتها. ردت:
ـ طبعًا يا سراج… أولادي كمان هيكونوا إخوات ليهم. عندي إحساس إنهم هيكبروا وهي هتيجي… وإنتَ هتقلب وتاخدهم مني وتلوث حياتهم.
شردت:
ـ أنا دايمًا عندي خيال للمستقبل… أولادي كمان هيزعلوا كتير لو ما قولتش الحقيقة يا سراج.
سراج بص ليها بيأس:
ـ خلاص يا ثريا… أنا هبعدهم عنك. خليكي مع أولادك… لأن لو إحساسك إنهم هيعروا أولادك يبقى كده بلاش.
استطرد:
ـ أنا بس مش هقدر أربيهم… هبعتهم بقى لذكرى مرات خطاب تاخدهم.
تنهد بتعب:
ـ آه يا وجع قلبي… يا مين يجيبها لي.
بعد ما خرج من عند ثريا… جاله اتصال من رقم مجهول. حس إنها أم صغيريه… وما حبش يرد. حياته معاها وقفت عند الحد ده. بس الاتصالات اتكررت. رد بغضب:
ـ أنا عارف إن دي إنتي يا ولاء… ومش عايز أشوف خلقتك تاني.
ضحكت بخلاعة:
ـ ده إيه الثقة دي؟ هي السنيورة رضيت عليك؟
رد بثقة زائفة:
ـ طبعًا… دي حب عمري.
ولاء ابتسمت بخبث:
ـ والفلوس اللي أخدتها ما تسواش حاجة جنب حب عمرك يا عمري.
سراج تنفس بصعوبة:
ـ طيب والضنا يا ولاء؟ إيه رأيك فيه؟ يستاهل يترمي بالساهل علشان فلوس؟
ولاء زفرت بحنق:
ـ دول ملايين يا سراج. وبعدين أنا سبتهم ليها وليك. إنتَ فهمتها كده من الأول… إني مجرد رحم. خلينا بقى نعيشها بنفس التفكير… ومين عارف يمكن أرجع آخدهم.
عليك تختار تقول الحقيقة وتكسر بيها قلوب… أو تكبتها وتعتبرها مخفية في قلبك عشان ما توجعش حد. أهذا نفاق؟ لما تقول حاجة منافية للواقع بهدف الرأفة بحال حد… في الواقع أنا بعتبره مش نفاق… لأن هدفه الرحمة. ماذا هجني بإيلام الناس بالأشياء الواقعية؟ ما اللي هيفرحني وأنا بقذف بمن قدامي في بحر الطغيان؟
زياد سرد لوالده خطاب اللي حصل بينه وبين نور. خطاب بص قدامه بحقد دفين من سنين:
ـ كل اللي حصل ده بسبب سراج… إنه كان نفسه في حتة عيل وما قدرش يصبر.
زياد عقد ما بين حاجبيه:
ـ إزاي ونور وهاجر اتولدوا وكان لسه حليم وميارا ما جاش الدنيا؟
استكمل بحسرة:
ـ أول ما ميارا طلعت رخصة العربية عرفت إنها مش بنت ثريا… فثارت وهاجمت الكل لغاية ما حليم هداها وطمنها إنه كمان معاها في نفس القصة.
خطاب جزّ على سنانه:
ـ يا مين يلايمني عليها الواطية… أقسم بالله لأدفعها تمن اللي عملته في ثريا وفيّا وفي سراج. المفروض ترجع بأي وسيلة.
زاد غضبه:
ـ علشان تدفع تمن القديم والجديد.
زياد اندهش لحقد والده عليها:
ـ وهي عملت فيك إيه لكل ده؟ الموضوع ما يخصكش خالص.
خطاب ابتسم بمرارة:
ـ دي اتبلت عليا. اللي زعلني إن سراج صاحب عمري متأكد إني ما عملتهاش. كان نفسي ينصرني عليها. ومن يوم ما اتبلت عليا وأنا في طريق وهو في طريق.
تابع بيتباهى بمساعدته:
ـ وبالرغم من اللي حصل… لما رجع منهزم صممت أساعده لغاية ما مات. ويومها صممت إنه يخرج من بيته في جنازة وأكرمته ودفنته بإيدي.
بألم زائف:
ـ بس اللي قهرني أولاده. ومع إن الأربعة مش أولاده من التانية إلا إن كلهم بقوا زي بعض. كنت بسمع صرختهم زي ما يكون قلبهم حاسس بموت أبوهم.
زياد جحظ بعينيه:
ـ أنا كده فهمت إنتوا ليه مش عايزين تقولوا حقيقتها لأولادها.
ذكرى جت… بصت لخطاب بلوم وعتاب:
ـ خطاب ليه كده بس؟
خطاب ابتسم بسخرية:
ـ إيه يا ذكرى؟ ما كنتيش عايزة حتى ابنك يعرف؟
ذكرى زفرت بحنق:
ـ ابنك أهبل يا خطاب… ممكن يروح يقول لميارا… والبنت حساسة ممكن تنجرح.
خطاب تنهد:
ـ ما هو ابنك وتربيته زينا… ما بيقدرش يمسك نفسه زيك. مش إنتي قلتي زمان لثريا على اللي عملته فيا التانية؟
بص لزياد يحذره:
ـ زياد… إنتَ لو عملتها بجد هتخليهم بكده يكرهوني ويكرهوك. كفاية إنك قلت لنور إن أم حليم هربت مع واحد.
زياد هز راسه بانصياع.
فجأة رن جرس الباب… جالهم حليم مبتسم. الزيارة باينة عادية… بس جواه أسئلة. طلب من زياد يسيبهم. خطاب بص لحليم بتوجس:
ـ يا ريت ما تكونش جاي علشان تسأل على الماضي يا حليم.
حليم تنهد وبص للفراغ قدامه. خطاب ربت على ركبتيه:
ـ إنتَ بتتعصب قوي ليه كده يا حليم؟
حليم التفت بوشه لخطاب:
ـ ده أصلي يا عم خطاب… مش يمكن يطلع زبالة وما كنتش لا أنا ولا أختي أولاد الراجل اللي مات ده.
باشمئزاز:
ـ دي ست سابتنا ومشيت وما احترمتش الراجل اللي كانت متجوزاه. لو إحنا أولاده أكيد ما كانتش هربت.
خطاب ابتسم ببهوت:
ـ كلامك ممكن يكون صح. هو ممكن تدعبس في الموضوع ده لو إنتَ لوحدك… لكن إنتَ معاك ميارا. حرام تتبهدل في المواضيع دي.
حليم زفر بحنق:
ـ أنا دلوقتي متأكد إنها أمنا… لكن مش متأكد إنه أبونا. آه واضح من ملامحها إنها بنته… وأنا كمان شخصيتي فيها كتير منه.
خطاب هز راسه بتفهم:
ـ أنا عارف إن كل كلامك صح… بس والله العظيم لو أقدر أقولك حاجة كنت قلتها.
حليم بص له بغيظ:
ـ وأنا عارف إنك تقدر… بس ماما ثريا موصياك ما تقولش حاجة.
خطاب ابتسم بسخرية:
ـ بخاف منها يعني؟ لا… أنا مش بخاف يا حليم. بطل تدور عليها… دي مش أمك. أمك هي ثريا.
حليم بقوة:
ـ أنا فعلًا ماليش غير أم واحدة هي ثريا… بس حابب أعرف ثريا نفسها مكسورة ليه… علشان لو بسبب الست التانية أجبلها حقها.
بحقد:
ـ هندمها الندم اللي أكيد أبويا كان نفسه يندمه ليها. علشان كده نفسي أطلع ابن سراج الخشاب… ساعتها هوريها ألوان من العذاب.
خطاب رد:
ـ إنتَ ابنه فعلًا… نفس قوته وشجاعته. ما ينفعش تكون ابن حد تاني.
عشان يريحه:
ـ بس أنا عندي حل لكل الحيرة دي… اعمل تحليل DNA وإنتَ تعرف.
حليم جحظ بعينيه:
ـ وده نعمله إزاي وأبويا ميت؟ استحالة هفتح قبره… أنا مش ناقص وجع قلب.
خطاب بثقة:
ـ استنى… زياد كان فرجني على حاجة على النت. مشكلة بنت وما ذكرش اسمها… وربنا حسيت إنها ميارا. هخليه يفرجها ليك. يا زياد!
زياد جالهم بلهفة… قلقان ما يكونش حليم عرف ماضي والدته. سأل والده بتوجس:
ـ أيوه يا بابا… فيه حاجة؟
خطاب بص للتليفون اللي في إيد زياد بلهفة:
ـ هات يا زياد مشكلة البنت اللي كانت عايزة تعمل تحليل إثبات النسب.
زياد عقد ما بين حاجبيه. خطاب ذكره:
ـ البت دي اللي كانت عايزة تعمل التحليل مع أخوها… لأن أبوها ميت وهي من أم تانية.
زياد هز راسه متفهم… فتح التليفون وبحث عنها ولقاها:
ـ آه يا بابا… الرد آه.
حليم انتزع التليفون من إيد زياد وتمعن في المشكلة وحلها:
"أما في مثل حالتك – أختي الكريمة – فيتم أخذ عينة الحمض النووي من كليكما – أنتِ وأخيك –، فإذا تطابقت العينتان تمام التطابق يعني ذلك أنكما أخوين من الأب والأم، وإن تطابقت في شق واحد واختلفت في الشق الآخر معنى ذلك أنكما أخوين ولكن لستما أشقاء، وفي حالة عدم التطابق في أي شق معنى ذلك أنكما لم تكونا أخوة."
حليم بص ليهم:
ـ تمام.
زياد كان مندهش. سأل حليم:
ـ إنتَ عايز تعرف الليلة فيها إيه؟ صح؟
حليم ابتسم بسخرية:
ـ ها يا زياد؟ مستغرب إني عايز أتأكد من أصلي؟ بس أنا مش محرج ولا مستصعب الموضوع… لأني بدور على حقي.
حليم انصرف. خطاب دلّف غرفته… لقى ذكرى شاردة وما نامتش. ابتسم بخبث:
ـ مش عوايدك يا ذكرى.
ذكرى انتبهت:
ـ ليه كدبت عليه يا خطاب؟
خطاب زفر بحنق:
ـ أنا قلت كل الحقيقة يا ذكرى.
هزت راسها برفض:
ـ مش دي الحقيقة يا خطاب.
اقترب منها:
ـ إنتي ليه مش عايزة تنسي الماضي؟ إذا كانت صاحبة عمرك نسيت.
ذكرى ابتسمت بحزن وضعف:
ـ أصل أنا ذكرى يا خطاب… وهفضل طول عمري فاكرة كل حاجة لغاية ما ربنا يجيب لي حقي منك.
حليم رجع بيته. لقى الكل نايم حتى نور. تنهد براحة وراح للأوضة المقفولة اللي بتتفتح للتنضيف بس… مش ممنوعة على حد… لأن فيها ذكريات والده. دلّف… أخد صورة واحتضنها وغط في نوم عميق. جاله صاحب الصورة في المنام… بجمود كأنه حزين منه:
ـ ارفع راسك لفوق يا حليم… مش علشان إنتَ ابني… لكن علشان ثريا هي اللي ربتك. بص لكل الناس وإنتَ فخور. أوعى تحط راسك في الأرض. انسى اليوم اللي اكتشفت فيه إنك مش ابنها. خليك دايمًا مركز إن ثريا هي أمك وبس.
حليم زفر بحنق. سراج اتضايق:
ـ مفيش فايدة فيك يا حليم… بقيت زيي. أنا لو كنت سمعت كلام ثريا وصبرنا ما كانش ده بقى حالي. بس برضه لو كان ده حصل ما كناش شفناكم إنتَ وأختك.
بمرارة:
ـ أنا ضعفت قدام رغبة… وأنا مفكر إني متجوزها علشان…
سكت… بعدين أضاف:
ـ يلا اللي حصل حصل. أنا عايزك قوي. اتعامل مع الكل عادي على إنك ابن ثريا… وهترتاح صدقني.
ابتسم بمرارة:
ـ طبعًا إنتوا شايفين إني وحش… بس زي أي راجل مش بيعجبه اللي في إيده.
حليم عقد ما بين حاجبيه:
ـ هو إنتَ اتجوزتها علشان تخلفنا؟
سراج أغمض عينيه:
ـ أيوه.
حليم:
ـ بس أنا وأختي أصغر من نور وهاجر… يعني إنتَ ما كنتش محتاج للخلفة.
سراج بمرارة:
ـ لا كنت محتاج. أنا اتجوزتها بعد محاولات كتيرة لثريا للخلف… بس ربنا ما كانش رايد. لكن إرادة ربنا فوق كل شيء.
حليم سأله:
ـ هو إنتَ ما كنتش تعرف إن ماما ثريا حامل في إخواتي؟ أصل بصراحة جدي اللي هو بابا ماما ثريا قال لي كده.
سراج تنهد:
ـ لا ما كنتش أعرف. بس عمك خطاب كان عارف وخبى عليا… هو احترم رغبتها.
حليم بمرارة:
ـ وأنا اللي كنت مفكر إنه إحساس سلبي عندي… أنا كنت حاسس بده كله مش عارف ليه؟
سراج احتضنه في الحلم:
ـ حليم… كل إحساسك في محله ما عدا إنك مش ابني. عايزك ما تعملش التحليل… وتخلي بالك من أختك ومن نور وهاجر ومن ثريا.
اعتصره:
ـ مهما حصل اثبت ووقف العيلة اللي تعبت فيها ثريا. طول عمرها كان نفسها يبقى عندها أولاد وربنا جبرها. حتى لما ظلمتها سابتني لربنا اللي أخد لها حقها.
حذره:
ـ أوعى تزعلها في يوم. خليها ترفع راسها بيكم. أي حاجة في الدنيا مش هتعوضك حضنها. هتلاقي نفسك بتلف لفتك وبترجع ليها.
ابتسم ابتسامة تقطرت فيها دموعه:
ـ هي عملت ليكم بداية ووصلتكم لنهاية أجمل… بس أحلى بداية. إنتَ حقك تفتخر إن الست دي ربتك إنتَ وأختك.
حليم بثقة:
ـ ثريا ربت راجلين وبنتين… ما حدش يقدر يوفيها حقها.
سراج مفتخر:
ـ دايمًا عايزك تقول الكلام ده.
حليم هز راسه:
ـ حاضر… وأكيد أنا بقوله دايمًا. علشان كده كنت حابب أعمل التحليل علشان لو ما طلعتش ابنها على الأقل أبقى ابن جوزها.
وعده:
ـ وأول ما هطلع ابنك صدقني هطير من الفرحة.
سراج بقلة حيلة:
ـ كنت عارف إن زيارتي ليك دي ملهاش لازمة. إنتَ حر… بس حاسب وإنتَ بتعمل كده تضرب حد في قلبه.
حليم هز راسه خوفًا ما يعاودش الزيارة… وانتفض:
ـ طيب قول إنتَ عايز إيه وأنا أعمله؟ بس أوعى ما تجيش تاني… مجيئك ده ريحتني.
سراج ابتسم:
ـ اعمل اللي نفسك فيه. ولو حللت أول ما النتيجة تطلع اكتمها في قلبك سواء بالخير أو بالشر. ده اللي طالبه منك. وحاسب وإنتَ بتعمل كده تضرب حد في قلبه.
الحلم انتهى. أحلامنا جزء من الواقع اللي بيحاربنا طول يومنا. حليم استفاق وهو لسه محتضن صورة والده. تنهد بقوة للصورة:
ـ حاضر هعمل كل اللي قلت لي عليه… بس ابقى تعالى تاني… إنتَ بتوحشني قوي.
تفحص تليفونه… لقى رسايل كتير من وئام رغم جرحه ليها. افتكر كلمة والده… افتكر إنه جرحها. من غير تردد ضغط على زر الاتصال. ردت على طول… كأنها كانت مستنياه. ولمَ لا؟ وهي دايمًا مستنياه… حتى في لحظات إهماله ليها. توتر لما سمع صوتها وارتبك:
ـ مش قصدي… رنيت على الرقم بالغلط.
وئام أغمضت عينيها… عارفة إنه بيكذب… لأن حليم مش من النوع اللعوب اللي بيهاتف الناس في الساعات المتأخرة. بس تحاملت على نفسها وسألته:
ـ إنتَ بتكدب عليا ولا على نفسك؟
تنهد بتعب:
ـ كنت بتصل بصاحبتي ونسيت أحذف رقمك.
ابتسمت بمرارة:
ـ بلاش تحذفه يا حليم… مسيرك تحتاجه. وآه فرصة أرد الضربة اللي في قلبي منك ليك.
من غير تردد سألها:
ـ لسه بتحبيني؟
شهقت بوجع:
ـ آه… مع الأسف. إنتَ علمت علامة كبيرة… وضربتك كانت زي الحفرة. تصبح على جنة يا أحلى حب حسيته في حياتي.
الكل في البيت نايم… غير ثريا. شافته وهو بيدخل حجرة والده. راحت هي كمان لحجرتها هي وسراج. قعدت على فراشها… ورجعت بذكريات اليوم ده للخلف… ليوم عرسه. تنهدت بحزن:
ـ خلاص يا سراج هتتجوز؟
سراج ابتسم ابتسامة مرتعشة:
ـ آه يا ثريا… بس والله أنا ممكن أتراجع علشان ما تبقيش موجوعة.
حاولت توقف سيل الدموع. هو عارف بوجع قلبها… ومع ذلك بيتمادى. احتضنها:
ـ إحنا العمر قدامنا كتير يا ثريا وأنا ليكي… بس ده جواز لسبب مش جواز عن حب زيك. نفسي في حتة عيل… خايف أموت وأهلي ياخدوا اللي ورايا واللي قدامي.
حط إيده على قلبه:
ـ أنا حاسس إن أجلي قرب مش عارف ليه. نفسي أجيب ولد وأسميه حليم على اسم الفنان عبد الحليم اللي بتحبيه. علشان خاطري ما تزعليش مني.
ثريا شددت على حضنه:
ـ إنتَ راجع لي يا سراج… وإن شاء الله تجيب حليم وتجيب ولاد حلوة كتير… بس أوعى هي ترفض اسم حليم… علشان خاطري.
سراج هز راسه برفض:
ـ ما تقدرش… أنا اللي هكتب اسمه. آه يا ثريا لو أطول أكتبك في خانة الأم.
ثريا ابتسمت بمرارة:
ـ أوعى يا سراج… أنا فاكرة حكاية الست اللي جوزها عمل كده وقهرها. أوعى تقهر حد علشاني.
أخرجها من حضنه باصص ليها بافتخار:
ـ أي واحدة في مكانك هتطلبها… لكن إنتي لا. بس أوعدك إن أولادي هيقولوا لك يا ماما. أول ما يتولدوا إنتي أول حد هيشلهم…
بثقة:
ـ قبل أمهم.
احتضن إيدها وقبّلها:
ـ وقبلي أنا كمان.
ثريا ابتسمت:
ـ كل ده يا سراج عشاني؟ هو إنتَ هتبقى مركز ساعتها؟
سراج تنهد:
ـ هركز علشانك. أنا لو أقدر أعمل لك يومها أكتر من كده هعمل… بس إنتي ما ترفضيش تيجي زي ما إنتي عاملة النهارده.
يسترجيها:
ـ كمان عايزك تبقي تنزلي القاهرة وتقعدي معانا… ولو حملت اعملي حسابك هتقعدي معانا طول فترة الحمل.
عدلت ربطة عنقه:
ـ ابقى هاتها هنا يا سراج… مش بحب القاهرة. أنا بحب إسكندرية.
ابتسمت:
ـ أنا عاملة زي السمك… لو طلع من الميه يموت.
سراج ابتسم:
ـ تعرفي إني زيك… ما تتصوريش أنا مش بحب أسافر هناك إزاي.
ابتلع ريقه:
ـ قلبي هنا معاكي يا ثريا… ربنا ما يفرقني عنك أبدًا.
ثريا هزت راسها:
ـ يا رب يا سراج… بس ده متوقف عليك إنتَ.
بص ليها بحزن وبإحساس إنه ما وفّاش بعهده:
ـ ما تخافيش يا ثريا… أنا هفضل على عهدي لكي. خلي عندك ثقة إني مهما لفيت هرجع لكي.
أضاف:
ـ حتى لو جابت لي دستة عيال… إنتي الأساس مش هي.
بصت له بلوم وعتاب:
ـ حرام يا سراج… أنا مش هبقى مرتاحة وإنتَ مش بتعدل. بلاش توجع حد فينا أفضل.
سراج تنهد:
ـ والله يا ثريا لولا النصيب ما كنتش عملتها. أنا زي ما يكون ماشي وسايب قلبي معاكي. اصبري عليا أرجوكي.
بوجع:
ـ وكفاية وجع قلبي عليكي.
ثريا برجاء:
ـ ينفع تاكل معايا يا سراج قبل ما تمشي؟
استصعب الموقف:
ـ ينفع… بس أنا كده مش هقدر أسيبك. هفضل متبت فيكي أكتر.
حطت إيدها على صدرها بتترجاه أكتر:
ـ علشان خاطري… نفسي آكل معاك. مش هآكل اليوم كله لو ما أكلتش معاك.
هز راسه بإيجاب:
ـ حاضر… بس أبوس إيدك يا ثريا اهتمي بنفسك وأنا مش موجود… علشان خاطري أنا. لو لي خاطر عندك.
بضعف:
ـ ما تخلينيش أندم إني سايبك وماشي. حلفتك باللي خلقك.
فاقت من شرودها وابتسمت بمرارة… عايزة توقف الزمن عند اللحظة دي.
جالها اتصال من خطاب. عقدت حاجبيها بقلق… ردت. رد:
ـ ما تزعليش مني يا ثريا… النهارده نور عرف جزء من حقيقة ولاء.
ثريا شهقت:
ـ إزاي ده حصل؟
بشماتة:
ـ نور ضغط على زياد… وزياد ما قالش غير إنها هربت مع عشيقها بس.
تنهدت براحة… بس لسه القلق معاها. حذرته:
ـ مش مهم… دي غلطتك إنتَ لأنك حكيت لابنك. المهم حكايتك معاها ممنوع ابنك يعرفها.
ضيق عينيه يسألها:
ـ ولو عرفها إيه اللي هيحصل؟ إنتي ناسية الموضوع في صالح مين؟
زفرت بحنق:
ـ فاكرة… بس العيار اللي ما يصيبش يدوش يا خطاب.
قفلت التليفون في وشه بغضب. حذرته مرارًا وتكرارًا من الاتصال بيها في أوقات متأخرة… لأنها مش هتنسى يوم إنه كان عايزها وبشدة.
في الصباح… هاجر صحيت وبصت لميارا بتتأملها:
ـ مش عارفة لما تتجوزي هفتح عيني على مين؟ يا ريتك ترضي تتجوزي عندنا هنا في البيت… ولا بلاش لأحسن زياد ياكلنا.
ضحكت:
ـ يا خوفي لترجعي لينا ناقصة دراع.
ميارا صحيت وبصت ليها بنص عين… وقذفت الوسادة عليها بمرح:
ـ خدي بالك من كلامك يا بايرة… ده زياد ده هيزودني حتة مش هينقص. كفاية إني أصحى على شكله الحليوة المسمسم.
هاجر طارت من الفراش ووقعت فوق شقيقتها بتكيلها الضربات بمرح:
ـ ربنا على المفتري… إلهي يا رب أتجوز قبلك… وواحد أحلى منه كمان.
ميارا دغدغتها:
ـ وربنا ما هسيبك إلا لما تفطسي في إيدي يا هاجر وتقولي حقي برقبتي.
ضحكاتهم علت… ميارا بتدغدغها. فجأة ميارا سبتها. هاجر عقدت ما بين حاجبيها:
ـ مالك يا ميارا وقفتي ليه؟
ميارا بصت للفراغ قدامها… متذكرة حلم حلمت بيه. بصت لهاجر:
ـ أنا حلمت ببابا امبارح.
هاجر ابتسمت وحثتها:
ـ هااا… احكي.
ميارا قضبت وشها:
ـ قال لي كفاية تدوير في الماضي… ولو خلفتي ولد سميه سراج.
هاجر ضحكت:
ـ إيه الحلم الأهبل ده.
ميارا بحزن:
ـ لا يا هاجر… ده مش حلم أهبل. إنتي ما أخدتيش بالك من أول كلامه.
شردت:
ـ بس كان بنفس شكله اللي في الصورة. هو الميتين مش بيكبروا؟ عارفة كان نفسي أسأله هي ليه سابتنا.
هاجر رفعت حاجبيها:
ـ ومسألتهوش ليه؟
ميارا محتضنة نفسها:
ـ أول ما حضني زي ما أكون فقدت الذاكرة. ضمته وجعتني على قد ما أنا فرحت بيها. قال لي وهو بيحضني "أنا بحبك وبحب إخواتك جدًا".
ضمت قلبها:
ـ وقال قلبي معاكم… وسلمتك لأم عظيمة… فبلاش بقى تزعلوها. وقال لي إنه آسف لينا كلنا… زي ما قالها لماما ثريا زمان.
ببكاء:
ـ وقال لي إخواتك هيقدروني… بس إنتي وضعك تاعبني قوي. وبعدين خرجني من حضنه وقال لي ما تتغريش في نفسك… ولازم تعرفي إن ثريا هي اللي خلقت بدايتك.
بقلق:
ـ وكمان قال لي إن أمي الحقيقة أكيد هتحاول ترجع تاخدني… وإنه ياما شاف منها.
أغمضت عينيها:
ـ ربنا يسامحها على اللي عملته فينا.
هاجر كانت هترد… بس اتصال زياد. سبتها تنعم بالمرح. ردت. صوته المرح جالها:
ـ صباح الخيار على أحلى ميار… ما هو أنا مش لاقي أحلى من كده نغمة على اسمك.
ميارا ابتسمت ابتسامة خافتة:
ـ مش وقتك خالص يا زياد… علشان خاطري خف شوية عليا… أنا تعبانة.
زياد عقد ما بين حاجبيه:
ـ وإنتي إيه اللي تعبك يا حبيبتي؟ حد ضايقك احكي وفضفضي… أنا حبيبك يا ميمو.
تنهدت:
ـ هحكي لك.
وبالفعل سردت عليه الحلم كاملًا… مش الجزء اللي سردته لهاجر بس. زياد رد:
ـ ما تتضايقيش يا ميارا. وبعدين العربية اللي خلاكي تركبيها في الحلم سكة السلامة… لو طيارة يبقى هتقعي من الشباك.
ضحك:
ـ حبيبي يا عمو سراج حاسس بيا وبماديتي… أنا على قدي. كفاية عليا عربية… ماليش في الطيارات.
ضحكة ميارا علت:
ـ ماشي يا بتاع العربية… والله لأقتلك على هزارك ده. المهم بدأت تجهز حاجتنا ولا لسه؟
زياد ابتسم:
ـ طبعًا… أنا جبت المروحة امبارح. أنا بتحر بسرعة.
ميارا ما تمالكتش نفسها من الضحك:
ـ وربنا إنتَ مسخرة… وهتفضل طول عمرك كده.
زياد بسعادة وارتياح… نجح يضيف ضحكة على وشها:
ـ أنا مستعد أعمل أي حاجة علشان أسمع ضحكتك يا ميارا. وعايزك تسمعي كلام أبوكي… أوعى تنبشي في الماضي.
ميارا ابتسمت:
ـ حاضر يا حبيبي… بس اللي مزعلني ما قاليش ليه. كان نفسي يقول لي الحقيقة اللي ماما ثريا مخبياها عننا.
بتساؤل:
ـ وكمان ليه اتجوز على ماما ثريا مع إنها بتخلف؟ كل دي أسئلة شاغلة بالي. إنتَ تعرف حاجة يا زياد أنا ما عرفهاش؟
زياد ضحك يخبي اللي يعرفه:
ـ ما أعرفش طبعًا… هأعرف إزاي وأخبي عنك يا ميورة؟ ما تشغليش بالك.
والدته دلّفت عليه. أنهى الاتصال وابتسم ليها:
ـ بلاش تتعبي نفسك… فطرت وحليت بالسكر ميورتي.
ذكرى ابتسمت بسعادة:
ـ للدرجة دي بتحبها؟
زياد تنهد بسعادة:
ـ فوق ما تتصوري.
ذكرى بشرود:
ـ ربنا ما يحرمك منها.
عقد ما بين حاجبيه لشرودها:
ـ مالك يا زوزو سرحانة في إيه؟
توترت:
ـ في فرحتك إنتَ وميارا.
نهضت وخرجت من أوضته… متمنية له السعادة. خايفة الظروف تقف عائق بينه وبين ارتباطه بميارا.
نور صحى وقطب جبينه لعدم وجود حليم معاه في الأوضة. نهض بسرعة وهبط لتحت… ما لقاش. لقى ثريا بتحتسي قهوتها وبتسرح بحزن. طلعها من شرودها بقبلة على جبينها:
ـ صباح الخير يا حبيبتي.
حطت فنجان قهوتها على المنضدة واحتضنته حضن أمومي:
ـ صباح النور يا نوري… كنت لسه هبعت هاجر تصحيك.
نور ربت على إيدها بحنان:
ـ وأنا صحيت من نفسي النهارده لأول مرة. ده حليم ما نامش معايا امبارح.
بص ليها وغمزها:
ـ وبعدين ما دام كنتي هتخلي هاجر تصحيني… يبقى عايزاني في موضوع مهم.
بصت له بخبث:
ـ لسه بتدور إنتَ كمان في موضوع حليم وميارا؟
نور ابتسم بخبث:
ـ إنتي شايفة إيه؟
ثريا بسخرية:
ـ لا أنا مش شايفة… أنا عرفت يا نور.
نور زفر بحنق:
ـ كنت عارف إن زياد وأبوه هيقولوا لك… بس على فكرة ما تقلقيش خالص. أصلًا بابا جالي امبارح في الحلم ووصاني أشيل إيدي من الموضوع ده.
رفعت حاجبيها مندهشة. استطرد بحزم:
ـ علشان كده أنا هكبر دماغي. الغريبة إنه وصاني عليكي وعلى ميارا وهاجر.
في اللحظة دي… حليم وميارا وهاجر كانوا بيهبطوا لتحت. حليم جحظ بعينيه بعد ما سمع إن والده جال نور في الحلم كمان. ميارا حدقت في وش هاجر… لأنها هي كمان حلمت بوالدها. هاجر انتابها شعور بالغيرة: ليه هما؟ أهو بيختار من كل توأم واحد بس؟ أيكون نور ابن الست التانية وحصل خطأ في التسجيل بينهم؟ ولها الحق في الشك ده… لأنها ما تعرفش إنه ظهر لحليم كمان. ولو عرفت هيقودها الشك لسبل تانية. من المحتمل ما ظهرش لهاجر لأن هاجر ما أدتش للموضوع أهمية… هي بس عايزة تحيا اليوم زي ما هو من غير أفكار سوداوية… وتحلم بيوم تاني أحسن منه.
نور استكمل:
ـ أنا هسمع كلامه وهحترم رغبتك… مع إني كنت قربت أوصل لبداية الخيط… بس ما عادش ينفع… لأني عطيته وعد للأسف