
تبتسم لحضوره… وموافقته على مقابلتها من غير عذر جديد منه. خاصة بعد ما علمت مين والدته الحقيقية. صافحت إيده… يستشعر يدها الدافئة رغم برودة إيده وقلبه من آخر مرة اتقابلوا فيها. كانت تعتاد تشوفه كل صباح. علا ثغرها ابتسامة شوق وحنين… وأخذت تلفت نظره للحديث معاها. بعدين طلعت من حقيبتها هدية عيد ميلاده اللي ما قدرتش تحضره… لأنه كان بيتجاهلها. كانت عايزة يبقى ليهم احتفال خاص… بس سابته على راحته.
أثناء حديثها معاه… ابتسم ليها بحب:
ـ مش كفاية بقى كلام.
وئام ابتلعت ريقها بخجل وتوتر:
ـ علشان خاطري… قول إنك بجد وحقيقي… ومش هنسيب بعض تاني.
اتضايق من الحالة اللي وصلت ليها بسبب تركه ليها. رد بيعاتب نفسه:
ـ لازم يكون أسلوبي ده معاكي قبل كده… لأني ما كنتش عايزك تتعبي مع واحد ماضي أمه قذر.
شهقت… واتسعت حدقة عينيها… والدموع اتلألأت فيهما:
ـ إنتَ بتقول كده ليه؟ إنتَ لو كنت قلت السبب من الأول كنت ريحتني. دايمًا كنت بسأل نفسي… إيه اللي عملته خلاك تتجاهلني كل الفترة دي.
أشاح بوشه للجانب التاني. نقلت بكرسيها ناحيته وواجهته:
ـ زعلك مني طول قوي يا حليم. اسمع مني… مامتك الحقيقة هي مامتك اللي ربتك. أنا اللي يهمني حليم… وبس.
نظر في عينيها كالصقر الجارح:
ـ معناها إنك ممكن تتقبليني وأنا ابن واحدة تانية غير ثريا؟
هزت راسها بالإيجاب:
ـ حليم… أنا والله بحبك حتى لو كنت ابن مين. علشان خاطري… لو ده اللي بعدك عني الفترة اللي فاتت… يبقى ارجعلي تاني. لأن الموضوع مش فارق معايا. أقسم لك… أنا حبيت حليم الإنسان اللي بيحب مامته وأخواته. حبيت فيك الراجل الحنين. بس لما بعدت عني… حسيت قد إيه إنك عمرك ما حبتني… علشان كده كرامتي وجعتني.
تحامل حليم على نفسه. نعم… قلبه بيدق لها وحدها. بس من شدة حبه ليها… ابتعد عنها. عشان ما يلوثهاش بماضيه. بيعتقد إن مثله ما ليهمش فرصة في الحياة. وتأكد من كده بعد ما شاف ولاء… بعكس قدري اللي ما اهتمش… أو يمكن لأن ارتباطه هيبقى بهاجر وهي تعلم دلوقتي هو ابن مين.
تردد وهو بيتكلم:
ـ إنتي بتشفقي عليا… وصعبت عليكي بعد ما شفتي أمي دي شكلها إيه.
تعالى شهقاتها ومسحت دموعها:
ـ أنا عمري ما هندم على إنسان كنت بموت وهو بعيد عني. طبعًا كلكم فهمتوا من ضحكي وهزاري إن مش في دماغي.
بوجع:
ـ لا يا حليم… أنا كنت بنام أفكر… يا ترى هترتبط بمين غيري؟
حليم انتفض:
ـ إنتي بتقولي إيه؟ لو على الارتباط… أنا لا يمكن أرتبط إلا بيكي… أو هفضل طول عمري من غير جواز. بس مش هقدر يا وئام. أنا أمي اللي إنتي شفتيها دي رمتني أنا وأختي لأبويا… ولسه جاية تفتكرنا بعد 23 سنة.
تنهد بتعب:
ـ عمري كله اللي أعرفه إن أمي ثريا… وطلعت مرات أبويا. مرات الأب اللي كل الناس بتخاف منها… طلعت بالعكس أم وصاحبة وحبيبة.
نظر في عينيها بقوة:
ـ إنتي تقدري تتجوزي واحد أمه بالشكل ده؟ هتقولي في الأول آه… لكن لما تخلفي أولاد… وتظهر فجأة الست دي… وتعمل نفس الفصل البايخ… هتقولي إيه للأولاد؟
ضرب على صدره:
ـ أنا هقول لهم إيه؟ إنتي مفكرة إنه سهل عليا إني أبعد عنك؟ لا خالص. أنا بحبك جدًا… وعلشان بحبك لا يمكن ألوثك.
تمسك بإيدها:
ـ مش عايزك تندمي وتقولي يا ريتني يا وئام. عرفتي ليه بقى بعدت عنك كل ده؟
نهضت وردت بحزن:
ـ عارف لو الفصل البايخ ده حصل لأولادنا… هقول ليهم إيه؟ هقول لهم: يا بختي اتجوزت واحد بيحبني زي أبوكم… بس إنتَ اللي ما صدقت تسيبني.
تبكي وتترجاه:
ـ تعرف بس لو تديني فرصة ونجرب… ده كل اللي طالباه منك. علشان خاطري يا حليم.
تمسكت بإيده بكل قوتها:
ـ تعالى نفكر في بكرة… وننسى الماضي بكل ما فيه. وأنا هساعدك وهنسيك. قول لي بس… بحبك يا وئام… وهتجوزك.
حليم تنهد:
ـ نفسي يا وئام… حابب أي فرصة تجمعني بيكي. بس خايف. أنا بحبك لدرجة إني خايف عليكي مني… ومش قادر أتخيل بعدي عنك أكتر من كده.
مسح دموعها:
ـ تعرفي إني كنت راجع لكي وهخطبك زي أي إنسان طبيعي… وهصارحك بحقيقتي. بس للأسف… بعد ظهورها أنا اتدمرت.
جذبته برقة من إيده وهتفت بحب:
ـ أنا هشفي كل جروحك… لأني بجد بحبك… مش شفقة زي ما إنتَ فاهم. علشان خاطري وافق يا حليم إننا نرتبط ببعض.
رفع إيدها لشفايفه وقبلها:
ـ خاطرك ده غالي عليا يا ويمي. هظبط أموري… وهجيب ماما ثريا وإخواتي… ونيجي نطلبك.
انفرجت أساريرها. حتى هو اتسعت ابتسامته… لتخجل منه وهو بيرفع ليها حاجبيه بمكر مازح.
بعد ما خلصت مقابلته… راح لولاء في عقر دارها. فتحت له الباب… واتسعت حدقة عينيها بسعادة:
ـ حليم مش معقول! أخيرًا يا حبيبي.
دلف حليم بيبص لمنزلها باشمئزاز واستهزاء… رغم فخامته. بس باين إنه مش من تعبها وكدها زي ثريا. لقيها بتحيط ضهره بإيدها بخبث:
ـ أنا فرحانة قوي يا حليم إنك عدت حساباتك ورجعت ليا.
أزاح إيدها من على كتافه… والتفت ليها يسمعها تهديده ووعيده:
ـ أنا جيت هنا علشان أقولك… نجوم السما أقرب لك من ميارا.
رفعت حاجبيها باستهزاء. زاد غضبها:
ـ وعلى فكرة… رغم إن ميارا لسه ما تعرفش حاجة… بس عايزك تحطي في بالك… لو جبتي ليها ميت دليل ودليل… مش هتصدق غير الست اللي ربتها وكبرتها.
بصت له بحقد وغل:
ـ تعرف يا حليم… إنتَ غلبان قوي… لأنك اتربيت على إيدين ثريا. اتربيت على القيم والمبادئ… وهي كانت مقضياها حتى وأبوكم عايش مش بعيد.
قربت من ودنه زي الأفعى:
ـ نور وهاجر يكونوا أولاد حد تاني غير سراج… لكن أنا أمك كنت واضحة وصريحة… وكله عندي بالجواز.
حليم مسك إيده وكورها… بس ما عايزش يوصل للمستوى ده ويضرب ست. تماسك:
ـ قلت لك ميت مرة… أنا مش عايز أمد إيدي عليكي. مش علشان إنتي أمي… لا… علشانك ست.
جز على سنانها:
ـ بس إنتي مصرة تحمليني ذنب أفضل أحاسب نفسي عليه طول عمري.
ابتسمت بخبث:
ـ اضرب… علشان أثبت كمان إن تربيتها زبالة… وقدرت تضحك عليك بكلمتين خلتك تكرهني… لأن أنا اتظلمت كتير منها.
تنهد:
ـ يا ريت يكون كده فعلًا. عارفة ليه؟ لأنك لو مظلومة… ربنا هيجيب لك حقك… وهيسخر أولادك لكده. لكن زي ما إنتي شايفة… لا سحر ولا شعوذة. دي الست اللي خلقت بدايتنا… وهتفضل طول عمرها تاج راسنا. رضيتي أو رفضتي… إنتي أساسًا مالكيش رأي عندنا.
لقاها بتفور من الغيظ. زادها:
ـ ولو على ميارا… هعرفها كل حاجة. وهتتجوز زياد… وأوعدك إنتي معزومة في فرحها. وهيكون مع فرح أولادك التلاتة اللي جبتيهم الدنيا. هنتجوز… واتنين مننا هيتجوزوا من اللي أهلهم ألد أعدائك.
بسخرية:
ـ أنا جيت النهارده علشان أعرفك إن رجوعك مش هيغير حاجة. هنعتبرك هوا مش أكتر… عاصفة عدت علينا يوم ولادتنا.
فتح دراعاته في الهوا بسرور:
ـ وشرقت الشمس من بعدها تنور حياتنا. بمعنى أصح… إحنا أفضل من غيرك.
سابها ورحل… عشان تتآكل كأنها ساكنة فوق فوهة بركان. ما تدريش بتلعب بإيه. ما كانش عندها أي ورقة رابحة بعد ميارا… اللي ممكن تكون زي ما أكد حليم عنها.
هاتفت خطاب. زفر بحنق لما لقى اسمها بيضيء شاشة تليفونه. رد بغضب:
ـ خلاص… ما عادش في إيدي حاجة.
عقدت ما بين حاجبيها:
ـ يعني إيه؟
بضيق:
ـ طردوني من الشغل.
ابتسمت بسخرية:
ـ مش مشكلة… ابنك موجود.
جز على سنانها:
ـ وابني هيعمل إيه؟
ردت بكل جبروت… عايزة تكسر قلب بنتها:
ـ اتصرف… وخليه يطلق ميارا.
استغرب خطاب من قسوتها. هو كمان قلبه قاسي… بس مش مع ابنه.
بعد ما سابت حنان ورحلت… كادت هاجر ترحل… لقت قدري واقف عاقد دراعاته فوق صدره… مستند على حافة عربيته. بيبتسم ليها… وعيناه بتتلهف ليها وهي بتتقدم منه:
ـ قلبي… علشان خاطري بلاش تزعلي مني. هو حليم مش قال لكي؟ ليه مش بتردي على تليفوناتي بقى؟
عبست:
ـ إنتَ اللي ما حبيتش تشاركني كل حاجة من الأول. زعلت قوي يا قدري… وأنا بسمع من نور… وعاملة زي الهبلة.
بضيق:
ـ حتى ميارا نفسها لما أخدت منك الهدية… فضلت تتهرب مني… خايفة لأشك فيها. أنا فعلًا شكيت فيها وفيك.
زم شفايفه:
ـ أنا مليش ذنب. وبعدين… إيه شكيت فيك دي؟ طيب ليه محدش شك في حليم وهو بيعدي الأمر عادي؟ ده هو صاحب الفكرة.
مسحت على وشها بغيظ:
ـ أنا قلت إنه عدى الموقف علشان زياد ما يطربقهاش. وأيوه… شكيت فيك.
بغيرة:
ـ إنتَ جات عليك فترة… لما كنت بتشوفنا سوا في أي مناسبة… كنت بتركز عينك علينا إحنا الاتنين.
قدري ضحك:
ـ يا عيني عليا. أنا جالي حول أصلًا من ساعة ما عرفت إن واحدة منكم أختي. كنت محتار… وكانت حالتي مرار طافح.
تنهد بحب:
ـ قلت يا رب ما تطلعش هاجر. ده لو كنتي إنتي أختي… كنت هجيت من البلد. أعمل إيه بس يا هاجر؟ كنت في حيرة.
لوى شفايفه:
ـ وكفاية عليا البغل زياد كمان… اللي قال لي إنه عايز يخطب واحدة منكم. أنا كنت خايف لتطلعي إنتي.
ابتسمت:
ـ للدرجة دي؟
تنهد:
ـ وأكتر. أنا بحبك قوي.
بصت له بخبث:
ـ ولما هو كده… ليه هدية ميارا أحلى من بتاعتي؟
ابتسم لأنها بتغير من أختها:
ـ طيب والله العظيم… ما أنا اللي جايبها أصلًا.
قطبت حاجبيها:
ـ إزاي؟
تنهد:
ـ هقولك. لما زياد خطب ميارا… فرحت لأنه ما خطبكيش. بس فضلت قلقان… يا ترى إنتي أختي ولا ميارا. عرفت زياد إني عايز أخطبك… بس قلقان لتكوني مش بنت ثريا. طبعًا هو فهمني غلط… وجري على حليم وقال له كده. أنا مش زعلان من زياد… هو يمكن خاف إن جاي أتجوزك علشان فلوسك ولا حاجة.
بسعادة:
ـ حليم رغم إنه بيحبني… وهو ومامتك أكتر ناس رحبوا بجوازنا… بس كان زعلان من السؤال ده. وأنا اضطريت أجاوبه على اللغز… وحكيت له إني كان نفسي أجيب لميارا هدية وما قدرتش.
كانت منتبهة لحديثه. غمزها وهو بيرفع إيده باستسلام:
ـ قام مطلع الهدية… وصمم إني أديها لميارا.
ابتسمت:
ـ طيب كنت ساعتها عايزني أتقبل الموضوع كده عادي؟
هز راسه بالسلب:
ـ والله كنت خايف من إحساسك أكتر واحدة. وأديني أهو… رغم إني عارف إنك أكيد عرفتي… إلا إني سايب شغلي وجيت لك من ساعة ما تجاهلتي تليفوناتي.
ابتسمت:
ـ طيب… خلاص يا قدري.
انفرجت أساريره:
ـ بجد يا هاجر؟ يعني مش زعلانة؟
بصت له بثقة:
ـ إنتَ بتشك في كلامي؟
تنهد براحة:
ـ أبدًا… بس بسبب الموضوع ده كنت ضايع. وأهو كل اللي حصل لي أنا وميارا وحليم بسببها. والله ما كان نفسي أعرف الحقيقة.
ربتت على كتافه:
ـ معاك حق. تعرف… أنا اشتقت لميارا القديمة اللي كانت بتضحك وتهزر… ومش شايلة للدنيا هم.
تنهد بتعب:
ـ لا… ولسه التقيل جاي ورا. الست ولاء رجعت… وبدأتها بحليم. أحرجته قدام وئام وقالت إنها أمه. ولسه ناوية توقع بين زياد وميارا… وتاخدها وتسافر.
شهقت وحطت إيدها على فمها:
ـ يا حبيبتي يا ميارا.
حط إيده على راسه بضيق:
ـ ربنا يعدي الفترة الجاية على خير.
هزت راسها:
ـ يا رب.
استوقفته:
ـ علشان كده كنت بتراسلني… وخايف تقول إنتَ مين؟
تنهد:
ـ أيوه يا هاجر. وكنت ناوي… لو إنتي أختي… عمري ما هعرفك إني صاحب الرسايل. ولجأت للرسايل… لأني عارف إنك إنسانة جامدة… مش بتنساقي ورا عواطفك.
ضحكت:
ـ يا راجل… ده إنتَ يوم ما قلت لي هخطبك… كان نفسي أجيبك وأضربك. بس أنا فعلًا بنسى بسرعة… وبحاول أتعايش مع اللي جاي.
***
بعد مرور أيام… جت اللحظة الحاسمة اللي هيتم فيها معرفة ميارا بكل حاجة. بدأ الحديث من عند حليم… وكان في شدة توتره بيهز رجله بارتباك:
ـ مش عارف أبدأ منين يا ميارا… بس لازم تعرفي.
قطبت جبينها وبصت لنور. نور تنهد:
ـ فيه حاجة بخصوص مامتك. ماما ثريا مش مامتك اللي خلفتك… بس لازم تفتحي مخك وإنتي بتسمعيها. مش تتعمي بالحقيقة المزيفة اللي ولاء… مامتك الحقيقية… ناوية تقولها لكي.
قلقت… وبدأت تبص في وش الكل. حليم تنحنح:
ـ أنا عارف إنك عاقلة وهتوزني الأمور صح. أنا عرفت كل حاجة عنها… حتى أخونا اللي منها عرفته.
فجأة وجه نظره ناحية قدري. بصت هي كمان لمرمى بصره. اتسعت حدقة عينيها بذهول… فهمت ليه قدري قدم ليها هدية في عيد ميلادها. حليم استطرد بصعوبة:
ـ شايفة قدري اللي قاعد قدامك ده… واللي استغربتي مين عطاه الحق يقعد قعدة زي دي… ومين عطاه الحق يهاديكي بحاجة إنتي نفسك فيها… وأنا وماما بس اللي نعرفها.
تسمرت تبص له بتوجس. حليم فاجأها:
ـ قدري يبقى أخوكي.
شهقت وارتجفت. قدري ابتسم ليها بوجع:
ـ أيوه أنا أخوكي. أخيرًا عرفتي يا ميارا. عارف إنك ممكن تكوني مش فرحانة… بس في نفس الوقت أنا طاير من السعادة… وبحمد ربنا إنك عرفتي.
تعالى شهقاتها… وحطت إيدها على وشها. حليم نهض واحتضنها:
ـ احمدي ربنا يا ميارا… كان ممكن قدري ده يخطبك… ولا يتجوزك… ولا يحبك… وكان ساعتها الوجع أكبر.
خرجت من أحضانه وبصت ليهم باستياء. حليم غمض عينيها:
ـ ليه كده يا ميارا؟ كرهتينا علشان قلنا الحقيقة؟ مش مصدقانا؟ إنتي كده هتدي الفرصة لولاء تاخدك مننا.
بحزن:
ـ وإحنا كلنا ما نقدرش نعيش من غيرك.
قطبت جبينها:
ـ أوعى يا حليم تكون رجعت وما قلتليش. أنا عايزة أشوفها فورًا. ما تتصورش هبقى فرحانة إزاي لما أشوفها.
بإصرار وعناد:
ـ ومفيش أي حاجة هتمنعني عنها.
ذهل حليم وقدري ونور مما قالته. حليم حط إيده على وشه ومسحه بتعب:
ـ حقك عليا. أنا غلطان… غلطان إني ما قلتش إن الست ولاء أمك راجعة تبوظ حياتنا.
غضبت وصرخت:
ـ ما تقدرش… ده في أحلامها. بس برضه عايزة أشوفها.
اندهشوا كلهم من غضبها عليها… وإصرارها إنها تشوفها. هنا هاجر انتفضت واحتضنتها:
ـ علشان خاطري يا ميارا… اهدي يا حبيبتي.
حليم بص لقدري نظرة بتقول إن عليه يحضر ولاء… لأن ده هو الحل. قدري خرج… واصطدم بيها قدامه. مين اللي جابها هنا؟
جوا… حليم سأل ميارا بتوجس:
ـ ليه مصرة تشوفيها؟ ليه مصرة تعذبينا معاكي؟
جزت على سنانها:
ـ علشان فيه حاجة لازم تسمعها مني. أنا انكسرت بسببها. أنا عايزة حق 23 سنة… ومش هتنازل عنه.
نور حزن:
ـ طيب ولما تشوفيها وتقول لك حقيقة مزيفة زي اللي قالتها لأخوكي… هتعملي إيه؟ والله العظيم لو أنا اللي كنت سمعتها… كنت دفنتها بإيدي.
ظهرت من خلفه ثريا… وهي بتبتسم بوجع:
ـ حقك يا ابني. وعلشان حقك… وحقك إنتي كمان يا ميارا… أنا اتصلت بيها… وزمانها على وصول. ده كان يوم المنى بالنسبة ليها.
حليم اتجه ناحيتها واحتضنها:
ـ حقك عليا… أنا آسف لكي.
في اللحظة دي دخلت ولاء. لقت حليم… وهي بتعرفه أكتر من ميارا اللي كانت واقفة جنب هاجر. ما تعرفش مين فيهم بنتها. بس بصت لحليم وهو بيحتضن ثريا… وهتفت بغل:
ـ أوووه… بس تعرف يا حليم… ليك حق تحضنها. ما هي ما جراش عليها الزمن… ولسه حلوة ومحتفظة بنفسها علشان المعجبين.
ضحكت بسخرية:
ـ لما تتجوز ميارا بقى… هترجع حب خطاب القديم.
كاد نور يفتك بيها… لولا إن حليم أوقفه. بص لميارا بطرف عينه مستني ردة فعلها… بس الصمت والوجوم احتلاها. تقدم من ولاء وابتسم بكره:
ـ حقها دي دفنت نفسها 23 سنة… مش دارت على حل شعرها. بس إنتي مش كنتي جاية علشان ميارا؟
هزت راسها بالإيجاب. سخر منها:
ـ فين بقى الأحضان والبوس والاشتياق بتوع 23 سنة فراق؟ ولا مش عارفة مين هاجر ومين ميارا؟
في اللحظة دي… ميارا تحركت من مكانها. المفروض تتوجه ناحية ولاء… بس المفاجأة إنها رمت نفسها في أحضان ثريا… بتصرخ:
ـ بحبك يا مااااااااااما!
حليم غمض عينيه وتنهد براحة:
ـ يا ريتك جيتي من زمان يا مدام ولاء… ما كانش ده هيبقى حالنا. بس يلا… كله بأوان.
أشار ناحية ميارا بفخر:
ـ شايفة بنتك ميارا عطتك ضهرها… ورامية نفسها في حضن مين؟ في حضن ضرتك.
نفخت بضيق… والتفتت ترحل من محيطهم. ميارا خرجت وراها وتناديها. ولاء ابتسمت بخبث واستدارت ليها… لقت ميارا بتتجه ليها بكل حقد وغل… وهي بتشدد على حروف كلماتها:
ـ أنا ربنا بيحبني… لأني ما اتربيتش على إيدك. عارفة ليه؟ لأني أكيد كنت هطلع… أستغفر الله العظيم… إنتي ما تستحقيش لقب أم.
أشارت ناحية ثريا بكل فخر:
ـ ثريا هي أمي. الفرق إنها مش في بطاقتي. إنتي اللي في بطاقتي يا غلطة عمر أبويا.
ثريا ذهلت من صرخة ميارا واحتضانها… ومن حديثها الموجه لولاء. بعد ما انصرفت ولاء… فضلت ثريا في حالة من الذهول. انتبهت على تقربهم كلهم منها. حليم قعد على عقبيه قدامها… وابتسم ليها:
ـ يا رب يقدرني وأسعدك… ويقدرني أسعد إخواتي كلهم. أنا فخور إنك أمي… وحشني حضنك يا ثريا.
احتضنته بعمق… ولفت إيديها تحتضنهم كلهم… وهي بتردد أسماءهم بهمس أذابهم:
ـ نور… وهاجر… وحليم… وميارا… أولاد ثريا بس.
حليم رفع وشه:
ـ صح… حليم ابن ثريا.
ميارا أزاحته… ولأول مرة من فترة قالت بمرح:
ـ إنتَ هتاخدها لوحدك؟ إنتَ أناني كده ليه؟
نور ضرب كف على كف بمرح:
ـ لا والله… شايفة يا هاجر؟ شايفة إخواتك نازلين شقط إزاي في ثريا؟ إنتَ يا ابني دي أمي قبلك… أنا الكبير.
هاجر ضحكت:
ـ إنتَ مضايق نفسك ليه يا نور؟ امشي روح شوف البنت حنان… بتعيط من ساعة ما سيبتها… وتقول أخوكي اتأخر لأنه كان بيضحك عليا.
ضحكت أكتر:
ـ روح بدل ما تيجي هنا تعمل فضيحة.
حليم ضحك:
ـ الله يسهلك يا عم. طيب إيه رأيك إني أنا هغير في دي كمان… بس اللي هخطبها مش لاسعة زي حنان. لا… دي هادية وكيوت وقمر زي ثريا.
ثريا شهقت وفرحت:
ـ مش معقول أخيرًا يا حليم! طب يلا أروح أخطب ليكم إنتوا الاتنين… ومش هتنازل عن قعادكم إنتوا الأربعة في بيتي.
نور هتف بغضب مصطنع:
ـ مين الأربعة دول؟ أنا بس اللي هقعد… أنا وحنان.
ميارا ابتسمت بوجع:
ـ أيوه يا ماما… نور معاه حق. أنا هتجوز في الشقة اللي جابها زياد.
نور جز على سنانها بغيظ:
ـ آه… ده إنتي ما صدقتي بقى. أنا بقول كده هزار يا ميارا. علشان خاطري بلاش تفهمي غلط.
علا صوته:
ـ وبقولها لكي للمرة الأخيرة… زياد ده أخونا… بغض النظر عن عمايل والده.
ما اقتنعتش. حليم ربت على ضهرها:
ـ زياد بقى الخامس بتاعنا… وقدري السادس.
ابتسمت وهزت راسها بسعادة:
ـ تمام… أنا بحبكم قوي.
نور بمرح:
ـ إيه حكايتك يا ميارا! ماشية تقولي بحب بحب… هو زياد ما بيقولهاش؟
ضحكت:
ـ طيب وربنا غلبان في عيشته. ده كل شوية بحبك. تصدقوا من يوم عيد ميلادي وهو مش بيكلمني؟ تفتكروا بيخوني؟
ضحك حليم ونور… وظهر زياد من خلفها بيلطم خديه:
ـ بحبك… بحبك يا ميارا. وكنت خايف أجي لك تكرشيني.
ضحكت:
ـ ولو طردتك دلوقتي هتعمل إيه؟
ابتسم:
ـ علشانك يا ميارا هعيش ضد التيار. بس بلاش تطرديني… ده أنا غلبان.
ابتسمت:
ـ إنتَ فعلًا غلبان. غلبتك معايا… سامحني.
حليم بص لنور:
ـ شجرة واتنين لمون… ولا أقولك سكينة ونغسل عارنا بإيدينا.
ثريا ابتسمت:
ـ هو ده الحب. الحب مش انبهار… الحب صمود قدام الأزمات.
ردوا عليها في وقت واحد:
ـ وإحنا كلنا بنحبك يا ماما ثريا.
حليم:
ـ أيوه بنحبك… لأن حبك الوحيد اللي تصدى لكل الأزمات… وما نقدرش نعيش من غيرك… لأنك خلقتي بدايتنا كلنا.
***
وهكذا كانت البداية اللي خلقتها ثريا لأولادها كلهم. بداية كانت بالنسبة ليها وجع وذكريات مؤلمة… بس انتهت بالجبر والفوز بالأولاد وحبهم… والنجاة ممن عايزين يقتلعوها من جذورها.
كانت عايزاه جنبها في اللحظة دي… مش كحبيب… بس كأب يشوف من بعيد إنجازات ست رفضها يومًا ما لعقمها. وها هي أنجبت… وشاء القدر إنها أنجبت لوحدها… من غير مساعدته أو علمه… عشان تستقبل أولادها مع أولاده اللي خلقوا من رحم القاسية.
نعم… ولاء هي القاسية. نفسها مريضة ومنعدمة الأخلاق… لأنها سابت أولادها من غير رحمة… حرمتهم من الحياة… وصرفت فلوس والدهم.
ثريا كانت بتنسج الحوار ده دايمًا. نسجته من قبل مع والد قدري… وعادته مع سراج.
جذوره لسه محبوسة جواها. واقع مرير مرت بيه… بس رسمت حياتها كلوحة فنية معبرة. لوحة بتجذب الأنظار. لوحة في منتصفها عيونها اللي انبعث منها الإشراق للكل. هي شجرة للعيلة دي. شجرة طيبة أنبتت ثمارًا طيبة. شجرة ما بتذبلش أبدًا… ما بتكلش وما بتملش عن توفير المناخ المناسب لأولادها. رفضت كل حاجة… حتى الجواز… رغم صغر سنها لما سابها سراج.
بعد ما شافتهم سعداء…
ثريا خرجت للشاطئ لوحدها.
الموج كان بيصطدم في الصخور بصوت خافت… والهوا بيلف شعرها الرمادي اللي لسه فيه بقايا شباب. قعدت على الرمل السخن… ومدت رجليها قدامها… وغمضت عينيها.
جاها سراج في الحلم.
كان واقف قدامها… زي ما كان أول مرة شافها في الإسكندرية. بس وشه المرة دي فيه ندم… مش غرور.
ابتسمت… ولأول مرة من سنين قالت له بصوت هادي:
ـ يااه… كده أقدر أقولك ارتاح يا سراج.
قرب… قبل جبينها… وضمه لصدره. صوته كان مبحوح:
ـ لا… مش مرتاح يا ثريا.
ـ مش هرتاح إلا لما تسامحيني.
ـ ده اللي هيريحني بجد.
ضحكت ضحكة صغيرة… ساخرة… وفيها وجع قديم:
ـ لا والله!
ـ على أساس كان يهمك ده في الأول.
غمض عينيه… كأنه بيتألم من الحقيقة:
ـ وأنا رجعت… وندمت.
ـ سامحتوا الكل… ما عدا أنا.
بصت له بوجع صافي:
ـ أنا ما سامحتش حد.
ـ ولو هسامح… هتبقى إنتَ أولهم.
أدمعت عيناه. دمعتين نزلتوا على خده وهو بيهمس:
ـ آه يا وجع قلبي… ليه كده يا ثريا؟
تنهدت… وصوتها طلع واطي زي همس الموج:
ـ ليه؟
ـ إيه… إنتَ نسيت؟
مجرد ما نطقت السؤال… اختفى.
اتفتت الصورة زي دخان… وفضلت هي قاعدة لوحدها على الرمل.
حست بلمسة دافية على كتفها.
فتحت عينيها… لقت حليم راكع جنبها. بيبتسم ابتسامة هادية… فيها كل الأمان اللي ما لقتهوش من أبوه.
ـ أنا كنت هقعد شوية وماشية.
ابتسم أكتر… ومسح على شعرها زي ما بيمسح على شعر بنته:
ـ أنا كنت هجي لك أول ما قعدتي… بس قلت أستنى.
ـ أصل أنا عارف سر القعدة دي.
ـ البحر ده جذورك… مش اليونان.
أشار بإيده للجانب التاني… ناحية البيوت والمراكب:
ـ اليونان بلدك…
ـ بس هنا… كيانك.
ثريا تنهدت… وصوتها طلع مليان سلام لأول مرة من أيام:
ـ هنا حياتي يا حليم.
قبل جبينها… قبلة أطول من اللي في الحلم… وأأمن بمراحل. همس وهو لسه قريب منها:
ـ عارف إنك بتحبي البحر… وحببتيني فيه؟
ـ أنا بقيت بحبه جدًا.
ابتسمت… وعيونها مليانة دموع فرحة المرة دي مش وجع:
ـ وأنا كمان بحبكم كلكم يا حليم.
ـ عادة الست بتجري في حياتها ورا حب راجل…
ـ لكن أنا جريت ورا حب أولادي.
ـ والحمد لله… حصلت عليه.
من بعيد… سمعت أصواتهم.
نور… وهاجر… وميارا… وقدري… وزياد.
كلهم جايين ماشيين على الرمل… زي ما يكونوا راجعين من رحلة طويلة.
لما وصلوا… وقفوا حواليها في نص دايرة.
نور هو اللي بدأ… بصوت عالي وواضح:
ـ بنحبك يا ماما.
وهاجر وراها:
ـ بنحبك يا ماما ثريا.
وميارا… اللي صوتها كان لسه فيه بقايا بكاء… بس فيه قوة جديدة:
ـ بنحبك… أكتر من أي حاجة.
وقدري وزياد مع بعض:
ـ بنحبك يا ماما.
حليم لسه راكع جنبها… رفع راسه وبص ليها… وقال الجملة اللي كانت ناقصة من سنين:
ـ بنحبك… لأن حبك الوحيد اللي تصدى لكل الأزمات.
ـ وما نقدرش نعيش من غيرك.
ـ لأنك… خلقتي بدايتنا كلنا.
ثريا بصت ليهم واحد واحد.
البحر وراها… والشمس بتغرب… والهوا بيلف حواليهم.
حست إن جذورها اللي كانت متكسرة… بقت تثبت تاني في الرمل.
ابتسمت… ابتسامة ست عاشت وجع عمر كامل… وطلعت منه منتصرة.
ومدت إيديها… تحتضنهم كلهم مرة واحدة.