
رواية اثر لم يمحه الحب الفصل الرابع4 بقلم رشا عبد العزيز
استفاقت تشعر بثقل يجثو على صدرها لا تعلم سببه، زفرت أنفاسها تستعيذ من الشيطان الرجيم واستغفرت الله.
اعتدلت في رقودها تمسح على وجهها، وحركت يدها تعيد ترتيب خصلات شعرها المتناثرة، لتتعجب عدم اتصاله بها كي يوقظها كما تعودت أن تستيقظ كل يوم على صوته. التقطت هاتفها ظنًا منها أنه قد بعث لها رسالة،
لكنها لم تجد شيئًا ليدب القلق في قلبها خوفًا عليه لتتصل به مباشرة.
خفق قلبها برعب عندما انقطع رنين الهاتف دون أن يجيب لتعاود الاتصال ولسانها يردد أدعية باضطراب،
حتى يجيبها فيأتيها صوته ناعسًا:
_ ألو.
_ ألو ' خالد' حبيبي أنت بخير؟
_ مالك يا 'حرير' حصل حاجة؟
_ لا بس أول مرة متتصلش بيا.
_ تثاءب يجيبها:
_ معلش راحت عليا نومة، امبارح مجاليش نوم.
_ خير يا حبيبي فيه حاجة؟
توتر صوته فماذا سيخبرها؟ أيخبرها بتلك الأفكار المتضاربة في رأسه؟
_ لا يا حبيبتي بس أرق.
_ سلامتك يا حبيبي.
_ الله يسلمك، معلش يا 'حرير' مضطر أقفل، عندي صداع جامد هرجع أنام تاني يمكن أستريح منه.
لتخبره بذعر:
_ طب كنت خدت دوا على الأقل أو رحت دكتور.
_ ما تخافيش مش حاجة مخيفة بس شكله قلة نوم.
لكنها توسلته بخوف:
_ أرجوك يا حبيبي خلي بالك من نفسك وخد دوا لو الصداع ما خفش.
ابتسم لخوفها واهتمامها به:
_ حاضر.
_ خلي بالك من نفسك.
_ أنتِ كمان خلي بالك من نفسك.
أغلق الهاتف ليحدق بشاشته مطولًا، وذلك الصراع ما بين قلبه وعقله عاد ينهش فكره،
ليستلقي يغمض عينيه يعتصرها بقوة يستجدي النوم ليهرب من إرهاق فكره.
**************
جلست أمامها تحفر حبات الباذنجان قبل أن تفتح كاميرتها وتخبر متابعيها أنها من أعدته.
حملت تلك الحبة ثم رفعت بصرها تتطلع إليها، يبدو أنه الوقت المناسب كي تنفذ ما خططت له.
استجمعت شجاعتها وقالت دون أن تنظر إليها كأنها تعطي لها اقتراحًا:
_ تعرفي يا خالتي لو حكاية الخطوبة دي تمت هتعلي الريتش بتاع القناة وهيكون فيه مشاهدات بالملايين،
وهنكسب متابعين جداد.
بهتت ملامحها والتفتت إليها، فادعت 'بلسم' عدم انتباهها لعينيها التي تحدق بها واستمرت تغريها
بأن هناك حفلة خطوبة وتجهيز وعادة ما تكون هذه الأشياء جاذبة للجمهور، ثم توقفت تلقي عليها ما جعل عينيها تلمع بتفكير:
_ وشوفي بقى لما واحدة بتجهز بنت جوزها وتعملها حفلة خطوبة وتشتريلها فستان والحاجات دي.
أصدرت صفير انبهار قبل أن تنظر إليها:
_ واااو دي هتبقى هوليلة وجايز نجيب ملايين المشاهدات.
رمشت عينيها وشرد عقلها يجري حساباته، عنصر تشويق وإضافة 'بلسم' محقة فيما تقول سيكون لديها مادة جديدة، زواجها وتبعاته، زوجها وعلاقتهم.
ثوانٍ كانت كافية لتحسم أمرها لكن أخفت ترحيبها بالفكرة لتقول بارتباك:
_ الرأي رأي أبوكِ في الأول والآخر.
لم يخفَ على 'بلسم' اقتناعها لتبتسم بانتصار مدعية عدم مبالاتها وهي تلتقط حبة باذنجان جديدة تجيبها:
_ أكيد طبعًا يا خالتي.
************************
بعد مرور أسبوع
صعد السلم يحمل مجموعة كبيرة من الأكياس، وقف أمام باب شقة شقيقه وطرق الباب لتفتح له 'حنين' الباب.
سلمها الأكياس ولاحظ احمرار عينيها ليشفق عليها ويسألها:
_ لو احتاجتي حاجة تانية كلميني.
_ متشكرة... جزاك الله خير.
عاد نصف خطوة وسألها بحرج:
_ شكلك معيطة، فيه حاجة أقدر أعملها؟ حصل حاجة؟
مسحت آثار الدموع من عينيها وقالت بكسرة ساخرة من حالها:
_ لا دا العادي بتاع كل يوم، بخفف عن نفسي بالعياط، أعمل إيه؟ أنا بتخنق كل يوم ومافيش حاجة بإيدي إلا العياط.
هبطت دموعها مع آخر كلماتها ليشعر بالأسى عليها فيلومها:
_ ليه كده.. ادعيله يا 'حنين' ربنا يرحمه.
خرجت كلماتها من بين دموعها بقهر:
_ ربنا يرحمه ويغفر له يا رب، بس الحمل تقيل أوي، حاسة إني ضايعة ومش عارفة أعمل إيه.
رنت كلماتها في عقله بلحن مختلف كأنه يسمع شكوتها للمرة الأولى ليحاول التخفيف عنها:
_ ربنا يعينك وكلنا معاكِ.
صمت قليلًا ثم اقترح عليها ما جعلها تحدق به بدهشة:
_ إيه رأيك آخدك أنتِ والولاد ونروح الملاهي؟ أهو تغيروا جو والولاد ينبسطوا.
تلعثمت تتردد في قبول دعوته لكنها وبعد صمت دام لثوانٍ وافقت رغم شعورها بالحرج،
لتومئ له بالموافقة.
ابتسم بوهن وأشار لها نحو الداخل:
_ طب اجهزي أنتِ والولاد وأنا هستناكي، لما تخلصي اتصلي بيا.
رحل وتركها تنظر لأثره بتوتر، تلك المرة الأولى التي ستخرج بها معه وهل يصح خروجهم بمفردهم؟
لكن شعورها بالضيق والاختناق جعلها تنحي كل تلك الأسئلة جانبًا وتقنع نفسها أنها وأولادها بحاجة لتلك النزهة.
***************'**************
استطاعت إقناع زوجة أبيها بعد أن غرست فكرة الفيديوهات والتفاعل وما سيعود على قناتهم من نشرها لآثار تلك الخطبة، وها هي اليوم تستقبل 'ماجدة' وابنها للرؤية الشرعية.
خفق قلبها بارتباك، وشعرت بقدميها اللتين بدأتا ترتجفان بتوتر، بعد أن طلبت منها 'ماجدة' الجلوس معه على انفراد، لرغبته في الحديث معها.
أخفت ابتسامتها السعيدة بصعوبة، بعد أن اختلست نظرة نحوه، ثم عادت وخفضت عينيها خجلًا.
حدثت نفسها بسرور:
شكله حلو وباين عليه إنه لطيف، يا رب يكون إنسان كويس ويعوضني عن القرف اللي شفته مع 'فردوس' وولادها.
ذلك الصمت الذي طال بينهما أثار ريبتها، حتى قطعه هو حين تنحنح يسألها:
_ ازيك يا 'بلسم'؟
ابتلعت ريقها قبل أن تستجمع شجاعتها لتجيبه بصوتٍ خافت:
_ الحمد لله.
لم تجرؤ على أن ترفع رأسها، لكن ذلك النفس الطويل الذي أطلقه أقلقها، فدفعها الفضول لترفع رأسها نحوه ببطء، فاصطدمت عيناها بعينيه اللتين قرأت فيهما الضيق.
حتى ملامح وجهه المتجهمة أقلقتها، ليأتيها صوته المتردد:
_ 'بلسم'، أنا عارف إن اللي هقوله صعب عليكِ، بس أنا مش عاوز أخدعك، لازم تعرفي كل حاجة، وليكِ حرية القرار، بس أرجوكِ ما تفهمينيش غلط.
قلبها الذي كان يخفق بسعادة، بات يخفق باضطراب، فتلك المقدمة تعني أنها ستسمع كارثة. عينيها بدأت تراقب شفتيه بترقب وعقلها الذي كان يرسم أجمل الأحلام صار يتوقع أبشع الكوابيس.
هربت عيناه بعيدًا عنها بتوتر قبل أن
يلتقط أنفاسه كأنه يستعد ليلقي في وجهها ما يُثقل كاهله، ثم قال:
_ 'بلسم'، آسف... أنا إنسان مرتبط.
ظل يحدق بها كأنه ينتظر ردة فعلها لكنها كانت بملامح متجمدة كأن تلك الصدمة قد شلتها فلم تستطع حتى أن تحرك شفتيها وتعاتبه.
أخفض عينيه يكمل حديثه بحرج يفسر لها ما عجز عقلها عن فهمه:
_ صدقيني أنا ما كانتش أتمنى نوصل للمرحلة دي، أنا حاولت أقنع أمي بالإنسانة اللي بحبها لكن هي رفضت تمامًا وقالت إنه عاهدت والدتك الله يرحمها إنها تساعدك ووعدتها إنك هتكوني من نصيبي، بس أنا بحب زميلتي من أيام الكلية، كنت واعدها إني أخطبها بعد الجيش ولما فاتحت ماما اتفاجئت بحكاية الوعد دي وقالت قدام عاوز تتجوز يبقى تتجوز 'بلسم'.
توقف ينتظر منها أي ردة فعل لكن دون جدوى كانت متخشبة بشكل أقلقه، ازداد توتره وهو يسترسل معتذرًا منها:
_ بجد أنا آسف بس والله أنا بقالي ثلاث شهور بحاول أقنعها ومفيش فايدة اضطريت إني أوافقها بس ما كنتش عاوز أخدعك.
صوته الذي لان يترجاها أن تسامحه جعل الدموع تسيل من عينيها:
_ 'بلسم' أنتِ ما فيكيش عيب بالعكس أنتِ بنت زي القمر وصغيرة وباين عليكِ طيبة بس أنا قلبي مش ملكي.
أشفق عليها عندما رأى دموعها ليترجاها:
_ أرجوكِ سامحيني أنا ما كانش قصدي أجرحك، أنتِ ألف من يتمناكِ.
نظرت له بكسرة ساخرة من حالها، هي التي كانت تعتقد أنه طوق نجاتها من حياتها البائسة،
تراه الآن يغرقها في هم جديد ويضيف جرحًا لجراحها، حاولت أن تسيطر على دموعها لتسأله بصوت مختنق:
_ إذا كنت مش موافق جيت النهارده ليه؟
_ عاوزك تساعديني.
قطبت حاجبيها في حيرة لم تخفَ عليه ليرضي فضولها وهو يفسر لها:
_ أنا عاوز نكمل في الخطوبة دي.
_ مش فاهمة.
علت الدهشة ملامحها وهو يجيبها:
_ عاوز نعمل خطوبة زي ما ماما عاوزة بس مجرد فترة خطوبة وبعدها نفتعل مشاكل ونفسخ الخطوبة.
اتسعت عيناها وشحب وجهها لا تصدق ما يطلبه منها، حياة مزيفة جديدة، هي كانت تظن أنها خلاص من حياة مزيفة لتجده يلقي بها بكذبة أبشع منها.
التفت نحوها يتوسلها:
_ أرجوكِ يا 'بلسم' ساعديني، ماما لما هتشوف المشاكل اللي هتكون بينا.....
_ هتعرف إن اختيارها غلط واختيارك هو اللي صح.
هكذا بترت حديثه تعري أمامه خبايا فكرته بصوت حمل قهر صاحبته لينكس رأسه بحرج يجيبها:
_ أيوة.
أمسكت بكفي يديها تعتصرهما بقوة تحاول أن تضبط أعصابها كي لا تنفجر في وجهه، ارتجفت شفتاها وهي تلومه بعين دامعة:
_ بس أنا كده هتظلم، مش هخلص من كلام الناس ولا أسئلتهم وهخسر طنط 'ماجدة' الست الوحيدة اللي بتحبني وبتنصفني.
_ أنا مستعد أعوضك بأي مبلغ أنتِ عاوزاه ولو على ماما أكيد لما تشوف عدم توافقنا مش هتزعل لأنها هتحس إنها كده بتظلمك.
تعلقت عيناها بعينيه الراجيتين لثوانٍ فعاد يحاول أن يقنعها فتوسلها:
_ أرجوكِ يا 'بلسم' أنتِ هتنقذيني ومش هنسالك الجميل دا طول العمر وإن شاء الله ربنا هيعوضك بالأحسن مني،
واللي تطلبيه أنا مستعد أدهولك.
رمقته بنظرة مستهجنة وقالت ساخرة بحزن:
_ وهي الفلوس ممكن تنسي الناس إني كنت مخطوبة وفسخت خطوبتي؟ ولا هتشتري مشاعر السعادة والحزن اللي لازم أعيشها في المسرحية دي؟
ابتلع ريقه وهو يرى كسرتها ونبرة صوتها المحترقة بقهر:
_ عارف إني بضغط عليكِ وبستغلك لكن ما عنديش حل غير ده، ماما مصرة ومعتبرة وعدها دين ووصية إنسانة متوفية وشايفة رفضي عصيان ليها، فبقيت عاجز مش عارف أعمل إيه وأنا شايف حب سنين بيضيع وهخسر حبيبتي اللي كنت بتمناها وبحلم بيها قصاد إن أرضي أمي.
ظلت تحدق به بوجه جامد لا تعلم ما تجيبه وماذا تفعل وعندما يئس من تجاوبها زفر نفسًا طويلًا وقال بأسى:
_ خلاص شكلك مش عاوزة تساعديني، بس كده معناه نكمل الخطبة ونتجوز بس أنتِ كده هتعيشي مع حد قلبه مع حد تاني.
انفجرت به بانفعال غاضبة من حديثه المستفز لها:
_ وليه أتجوز أو أقبل الخطوبة من أساسه؟ ما كل واحد يروح في طريقه ونفضها سيرة.
احتدت عيناه عندما ارتفع صوتها وقال بصوت حانق:
_ لو سمحتي مفيش داعي ترفعي صوتك، إحنا بنتفاهم وبعدين تعالي نحسبها سوا، أنتِ كده بتخسري ماما كمان،
لما ترفضي الخطوبة وأنا هتعند معايا وهترفض أكتر إني أتجوز حبيبتي.
تنهد بيأس وقرر أن يترجاها للمرة الأخيرة:
_ 'بلسم' اعتبريه موقف إنساني، أنتِ كده هتنقذي قلبين بيحبوا بعض، أرجوكِ فكري وما تتسرعيش بالرفض.
طال الصمت بينهما فدعكت يديها ببعضها وبدأت تطرق أصابعها تستجمع أفكارها حتى وجدته يضع رأسه بين راحتي يديه يقترب من الانهيار عندما شعر بفشل مخططه، فشردت لتحدث نفسها:
_ خلاص يا 'بلسم' يعني هي حياتك مش كلها كدب وشو؟ هي جت على الخطوبة يعني؟ أهو على الأقل تكسبي أجر في إنك قربتي بين اتنين بيحبوا بعض.
مسحت تلك الدمعة الساخنة التي سالت تعلن لها ضياع أحلامها واختطفت نظرة نحوه تقسم أنه تبصر لمعة الدموع في مقلتيه، ملأتها الحسرة كم كانت تتمنى أن تحظى بحب مثله، شخص يهتم بها ويتمناها كما يتمنى 'عماد' حبيبته لكن يبدو أن قدرها أن تحيى تلك الحياة الزائفة وتبقى مقيدة في سجن الأكاذيب طيلة حياتها، ابتسمت بحزن
وهمست لنفسها متهكمة:
_ باين إني مش مكتوبلي أفارق وش 'فردوس' ولا كاميرا تليفونها.
أخذت نفسًا عميقًا علها تطرد مع زفيره حزنها ونظرت إليه:
_ أنا موافقة.
رفع رأسه بسرعة ينظر إليها ويسألها متلهفًا:
_ بجد يا 'بلسم'؟
هزت رأسها تؤكد له قرارها لتتسع ابتسامته ويشكرها بأنفاس متسارعة:
_ متشكر أوي أوي، جميلك دا في رقبتي طول العمر.
_ ربنا يسعدك.
ثوانٍ ظل يطالعها ليخبرها بامتنان:
_ أنتِ إنسانة طيبة وجميلة يا 'بلسم' وربنا هيرزقك باللي يستاهلك إن شاء الله.
مطت شفتها بضيق وأمأت، الله تردد دعاءه بتمنٍ:
_ إن شاء الله.
***'***************
كان يراقبها وهي تلهو مع صغارها، ترتسم السعادة على وجهها كأنها تسرق من الأحزان وقتًا تستعيد فيه فرحًا سلبته منها تلك الفاجعة.
وجد نفسه يضحك بعفوية وهو يرى حركاتها الطفولية مستمتعة باللعب معهم، صدقت والدته أنها لا تزال صغيرة تعشق الحياة وأن أخفت ذلك تحت غطاء الألم والمسؤولية لكن روحها لا تزال تهوى الفرح، هي تصغره بأربعة أعوام لكنه اكتشف اليوم جانبًا آخر من شخصيتها، أنها لا تزال تقف في مرحلة المراهقة، لا تزال تلك الصبية الصغيرة التي تزوجها شقيقه، حتى ملامحها لا تزال تحمل لمسات طفولية
وإن شوه وجهها آثار الحزن. رنين هاتفه أخرجه من تأملها وصغارها لينظر لهوية المتصل بارتباك،
عندما أبصر اسم حبيبته وسأل نفسه هل نساها أم تناساها ليجيبها بتوتر:
_ ألو أهلًا يا 'حرير'.
_ حبيبي ازيك؟ أنت فين؟ إيه الدوشة اللي جنبك؟
تحشرج صوته باضطراب:
_ أنا في الملاهي، خدت الولاد و'حنين' عشان يغيروا جو.
صمتت لحظات مستغربة مما يخبرها به ليثير صمتها قلقه فيناديها:
_ 'حرير'.
_ أيوة يا حبيبي سامعاك، ربنا يكرمك زي ما بتفرح أختي وولادها.
رغم أنها لم تقصد ودعاءها كان بنية صادقة لكن كلمة أختي أصابت موقعًا في قلبه يحاول دثره:
_ دول ولاد أخويا كمان ومسؤولين مني، مالوش داعي تشكريني.
أجاب عقله على كلماته كأنه يحاول إيصال رسالته لقلبه قبل أن تصل إليها:
_ ربنا يجزاك خير... طب كنت خدتوني معاكم، أنا كمان مخنوقة.
عتابها وصله موجعًا وعقد لسانه عن إجابتها فماذا يخبرها؟ أنه وسط دوامة من الأفكار والضغوطات؟
_ آسف يا 'حرير'، كل حاجة حصلت فجأة.
لمس انزعاجها من نبرة صوتها ولو أنكرت ذلك ليحاول مراضاتها:
_ ولا يهمك، ليكِ خروجة خاصة تعويضية نكون فيها لوحدنا.
ببضع كلمات منه جعلتها تبتسم:
_ إن شاء الله... خلي بالك من نفسك.
_ وأنتِ كمان.
_ مع السلامة.
نظر إلى الهاتف الذي كانت صورتهما معًا تتوسط شاشته وأخذ يفكر هل سيجمعهم سقف واحد يومًا ما أم للنصيب رأي آخر؟ صوت ابن شقيقه أخرجه من شروده:
_ عمو 'خالد' تعالى العب معانا.
وضع الهاتف بجيبه بسرعة ينسى معه مشاعره المتضاربة وهرول نحو الصغير يشاركه اللعب وسط تشجيع والدته.
بعد فترة من الوقت وأثناء عودتهم إلى المنزل اقترح عليها أن يتناولوا الطعام في أحد المطاعم فقد أصابه والصغار الجوع بعد وصلة اللعب المنهكة، ظلت صامتة ولم تعرف هل توافق أم ترفض،
ليلتفت إلى الصغير ويسأله:
_ إيه رأيك يا 'مالك' نتعشى في مطعم ولا نرجع البيت؟
ليقف الصغير على المقعد الخلفي ويصفق هاتفًا بسعادة:
_ مطعم.
رمقها بنظرة جانبية وابتسم لتوترها قبل أن يرفع كتفيه بقلة حيلة متخذًا من كلام الصغير فرمانًا يجب أن يطاع:
_ أستاذ 'مالك' أمر ولازم ننفذ.
التفتت نحو الصغير الذي كان لا يزال مستمرًا في التصفيق قبل أن ترحل عيناها إليه فتخفضها حرجًا لتستقر على جسد صغيرها القابع على حجرها باضطراب.
جلست أمامه في ذلك المطعم تتابع بعينيها اهتمامه بـ'مالك' وإطعامه الطعام بنفسه يشاكسه ويداعبه بمشهد
أثلج قلبها ليبدأ عقدًا يسحبها من جديد لتجري تلك المقارنة بينه وبين زوجها الراحل، فقد كان 'كامل' ينهك نفسه في العمل ويجتهد في طلب لقمة العيش ويخبرها دائمًا أنه يجب أن يؤمن مستقبل صغارهم فلم يكن يملك الوقت لنزهة ولا مطعم، لم يخرجوا إلا مرات قليلة في أيام الأعياد أو برفقة العائلة.
نداء ولدها الصغير كي تطعمه أخرجها من شرودها لتستجيب له ما جعله ينتبه لها ويسألها معاتبًا:
_ أنتِ ما أكلتيش حاجة يا 'حنين'، هاتي 'مازن' وكلي أنتِ.
رفعت عينها تجيبه:
_ لا أنا باكل معاه أهو.
_ الأكل قدامك مش ناقص حاجة، هاتي أنا أكلت مع 'مالك'.
خجلت من إلحاحه لتقول رافضة:
_ لا هيوسخ هدومك.
لينهرها بحدة ويأمرها بحزم وهو يمد يده نحو الصغير:
_ هاتيه.
ناولته الصغير لتمس يده يدها عن غير قصد، تلك اللمسة خفق لها قلبها بحرج واضطرب قلب الآخر لتلتقي عينيهما بنظرات متوترة، سحبت يدها بسرعة لتشيح نظرها عنه وتدعي اندماجها بطعامها تهرب من حرجها
********'' *''
لملمت أغراضها بتعب فقد انتهى أخيرًا وقت العمل المرهق، أغلقت الأنوار في تلك الغرفة المخصصة لهم وسارت بعد أن اطمأنت أن جميع الأطفال قد رحلوا:
_ اتأكدي إنك تقفلي كل حاجة يا أم 'محمد'، مش عاوزين كتر كلام من مستر 'مدحت' زي المرة اللي فاتت.
_ حاضر يا مس 'نسرين'.
نظرت إليها بلوم وقالت تمازحها:
_ يحضرلك الخير يا أم 'محمد'، هو إحنا مش قلنا نبطل مس دي؟ ده أنتِ أكبر مني يا أختي.
قالت كلمتها الأخيرة بطريقة مضحكة جعلت أم 'محمد' تضحك لتقول:
_ ما هو الناس مقامات يا مس.
لطمت خديها بسخرية مندهشة تشاكسها:
_ هو إحنا قلنا إيه يا وليه؟ أنا متنازلة عن مقامي معاكِ يا ستي.
ضحكت أم 'محمد' ودعت لها بامتنان:
_ أنتِ طيبة أوي ربنا يرزقك على قد طيبة قلبك ويجبر خاطرك ويرزقك راحة البال.
ربتت 'نسرين' على ذراعها وقالت بحسرة:
_ تسلمي، أهو طيبة قلبي اللي مودياني في داهية.
ختمت حديثها ببسمتها المعتادة وودعتها متجهة نحو البوابة،
لتتفاجأ بتلك الطفلة تجلس بوجه عابس قرب البوابة، اقتربت منها تمسح على رأسها وتسألها:
_ 'ميرال' حبيبتي اللي مقعدك هنا؟
لتقول بصوت باكٍ:
_ بستنى بابا، اتأخر عليا.
انحنت تمسح على وجنتها بحنان تحاول مواساتها وطمأنتها:
_ معلش يا روحي زمانه جاي، أنا هفضل معاكِ لغاية ما يوصل ما تخافيش.
انتظرت مدة لكن الوالد لم يحضر ليزداد قلق الصغيرة وخوفها فسألتها:
_ طب يا حبيبتي معندكيش رقم ماما أو بابا أتصل بيهم؟ ولا نسأل مستر 'آدم' عن الرقم؟ أكيد يعرفه.
هزت رأسها نافية،
لتنتبه 'نسرين' لأمر غفلت عنه فسألتها:
_ أنتِ مروحتيش مع الباص ليه؟ أنتِ مش كل يوم بتروحي مع الولاد؟
لتخبرها بكسرة تخرج كلماتها بصوت مختنق:
_ عشان أنا النهارده هروح بيت بابا.
فهمت من حديثها أن والديها منفصلان:
_ هو بابا عايش في بيت وماما في بيت تاني؟
أومأت برأسها تخبرها بحزن:
_ كنا زمان عايشين كلنا سوا بس هما اتخانقوا وبقى كل واحد عايش في مكان.
تمزق قلبها لحال الصغيرة، فمن يدفع ثمن قرار الانفصال سوى هؤلاء الصغار؟ تبًا وماذنب هذه العيون أن تبكي
وتعيش في ألم؟ أيكونون أداة الصراع بين أبويهم؟ كل منهما يود أن ينتصر على الآخر على حساب هؤلاء الأطفال؟
مدت يدها تمسح دموعها برفق وتبتسم لها:
_ متعيطيش أنا معاكِ.
_ 'ميرال'... 'ميرال'.
صوت والدها المتلهف جعلها تبتسم وتهرول نحوه ترتمي بين أحضانه، لتشفق 'نسرين' على حالها وهي تراها تحتضن والدها وتقبله بشوق، فخطت بخطواتها تحاول المغادرة ليستوقفها صوته شاكرًا:
_ متشكر يا مس وآسف إني اتأخرت عليها بس غصب عني.
ابتسمت بهدوء تخبره بعملية:
_ مافيش مشكلة بس يا ريت ما تتأخرش عليها تاني.
_ إن شاء الله مش هتتكرر.
هزت رأسها متفهمة وغادرت نحو منزلها.
ظلت متأثرة بحال تلك الطفلة حتى المساء فقررت الخروج من ذلك الضيق من خلال خبز كيكة، فتلك عادتها لتخرج نفسها من أجوائها الحزينة.
وبعد أن نضجت حملت إحدى القطع نحو شقيقتها، دخلت الغرفة لتجدها تجلس على السرير تحيطها الأوراق في كل مكان وهي منكبة تكتب بجهاز حاسوبها وتمسك بكوبها الجديد تحتسي مشروب النسكافيه المفضل لها:
_ إيه كم الأوراق دي يا بنتي؟
طالعتها بضيق متأففة:
_ أعمل إيه؟ المناقشة قربت ولازم ألحق أجهز كل حاجة.
عقدت حاجبها تسألها:
_ إيه ده؟ كنت فاكرة إنها لسه بدري.
رفعت رأسها مجددًا تجيبها:
_ لا قربت جدًا.
_ أنتِ قدها يا 'شيري'، أنتِ دودة كتب ما شاء الله عليكِ.
رمقتها بغيظ وفتحت يدها أمام وجهها تخمس مرددة:
_ قل أعوذ برب الفلق.
مطت 'نسرين' شفتها ساخطة وقالت باستهزاء:
_ يععع أنا أحسدك على المذاكرة؟ اشبعي بيها يا دكتورة.
وعوضًا عن ضيقها وجدت ' شيرين' تبتسم باستمتاع تخبرها متمنية:
_ الله يسمع من بوقك يا رب وآخد الدكتوراه على خير وتمر المناقشة بسلام وأبقى الدكتورة الصيدلانية ' شيرين' حمز.
رددتها بفخر لتبتسم 'نسرين' بسعادة وتدعو لها:
_ إن شاء الله يا حبيبتي.
لتقدم لها قطعة الكيك:
_ اتفضلي كيكة البرتقال اللي بتحبيها.
_ الله متشكرة يا 'نوسة' جت في وقتها.
التقطت القطعة والتهمتها بنهم تفاجأت منه 'نسرين' لتأنبها:
_ يا بنتي على مهلك هتتخنقي، فيه تاني يا مفجوعة.
أجابتها بفم ممتلئ:
_ معنديش وقت عاوزة أخلص.
_ يا ساتر.
تمتمت بها 'نسرين' ثم انتبهت لكوبها الجديد فسألتها بحنق:
_ هو أنتِ اشتريتي مج جديد؟
طالعت ' شيرين' كوبها بهوس وأجابتها بابتسامة عريضة:
_ أيوة شفتي حلو إزاي؟
لتوبخها قائلة:
_ يا بنتي ارحمينا، هو رقم كام؟
عدت على أصابعها بفكاهة وقالت ضاحكة:
_ تقريبًا الخمسة وتلاتين.
هزت رأسها بقلة حيلة وقالت بضيق:
_ إمتى نخلص من الهواية الهباب دي؟ مرتبك خلصان على المجات والإكسسوارات.
لتهتف ' شيرين' كأنها تذكرت شيئًا:
_ 'نوسة' اسكتي مش لقيت بنت بتعمل إكسسوارات تحفة اسمها 'بلسم' بس حكايتها حكاية بتوجع أوي.
لتقترب منها وتجلس على السرير أمامها تسألها بفضول تملك منها:
_ إيه قصتها؟ ما تحكيلي.
سردت 'شيرين' قصتها لشقيقتها لتشفق عليها وتربط قصتها بقصة تلك الطفلة 'ميرال' تدعو الله أن يجتمع أبواها من جديد كي لا تكون نهايتها تشبه نهاية 'بلسم'.
بعد مرور أسبوعين
لم تكن تتوقع أن يحدث كل شيء بسرعة وتجد نفسها تقف أمام مرآتها ترتدي فستان خطبتها وكاميرا 'فردوس' تلاحقها في كل مكان، تحيي للمشاهدين أدق تفاصيل تلك الخطبة ومشترياتها وتمتدح نفسها بفخر تعد لهم ما صنعته لابنة زوجها وسط مديح المشاهدين.
وفجأة وجدت 'فردوس' تصرخ. *