
رواية بين عينيك وطن بقلم ملك احمد محمد
رواية بين عينيك وطن الفصل الثالث3 بقلم ملك احمد محمد
رمشت جود بعينيها مرتين، ثم ألقت نظرة على الملف الذي يحمله، قبل أن تعود بنظرها إلى وجهه.
جود : مطبعة إيه؟ إحنا دار نشر، وبنتعامل مع مطابع برّه. وأنا عندي شغل كتير، فلو سمحت خد الورق ودخّله للأستاذ محمد.
اتسعت عينا راكان قليلًا، ولم يصدق أنها لا تزال تتحدث معه بالطريقة نفسها، وكأن وجوده أمامها لا يستحق حتى أن تسأله عن هويته.
راكان : يا آنسة، إنتِ حتى ما سألتيش أنا مين وجاي أعمل إيه!
جود : هو أنا فاضية أسأل كل واحد داخل المكان جاي يعمل إيه؟ طالما معاك ورق، يبقى أكيد جاي تسلّمه لحد.
راكان : وأنا قلت لك إني جاي أسلّم ورق؟
جود : ما هو إنت واقف قدام الباب، ومعاك ملف، وباصص للمكان كأنك بتدور على حاجة. أعمل إيه يعني؟
توقف راكان عن الكلام للحظات، ثم أطلق ضحكة قصيرة خالية من المرح، وهو يهز رأسه بعدم تصديق.
راكان : لا، واضح إنك بتستنتجي الأمور بطريقة عبقرية فعلًا.
رفعت جود حاجبها، ولم يعجبها أسلوبه الساخر، لكنها لم تُظهر أي اهتمام بما يقوله.
جود : شكرًا، مش محتاجة شهادة تقدير دلوقتي. اتفضل بقى، علشان عندي شغل.
مدّت يدها بالأوراق مرة أخرى، وهذه المرة وضعتها بين يديه قبل أن تمنحه فرصة للاعتراض.
أمسك راكان الأوراق تلقائيًا، ثم نظر إليها وكأنه لا يزال يحاول استيعاب ما حدث للتو.
أما هي، فعدّلت الملفات التي تحملها، ثم استدارت نحو الباب، وكأن الأمر قد انتهى بالفعل.
جود : المطبعة على اليمين أول ما تدخل، ولو الأستاذ محمد مش موجود، اسأل عليه في المكتب اللي جوّه.
خطت خطوتين، ثم توقفت فجأة والتفتت إليه، وكأنها تذكرت شيئًا مهمًا.
جود : وآه، خلي بالك من الورق، ده مهم.
ثم أكملت طريقها إلى الداخل، تاركةً إياه واقفًا في مكانه، يحمل أوراقًا لم يأتِ من أجلها من الأساس.
ظل راكان يتابعها بنظرات تجمع بين الدهشة والضيق، قبل أن يخفض عينيه إلى الأوراق التي أصبحت في يده.
خفض رأسه قليلًا، ثم رفعه مرة أخرى نحو الباب الذي اختفت خلفه، وكأنه ينتظر أن تعود وتخبره بأن ما حدث كان مجرد مزحة.
لكن شيئًا من ذلك لم يحدث.
راكان : إيه البنت دي؟!
لم يكن معتادًا أن يعامله أحد بهذه الطريقة؛ فعادةً ما يجد من يمنحه فرصة للكلام، أو على الأقل يسأله عن سبب وجوده قبل أن يقرر ما يريده منه.
أما تلك الفتاة، فقد قررت كل شيء خلال أقل من دقيقة، وأعطته مهمة لم يطلبها، ثم تركته واقفًا كأنه أحد الموظفين الجدد.
نظر إلى الأوراق مرة أخرى، ثم تمتم بضيق.
راكان : أنا جاي أتكلم معاهم في مشروع بملايين، وهي مشغّلاني مندوب توصيل!
كاد أن يترك الأوراق فوق أقرب سطح أمامه، ثم يتجه إلى الداخل بحثًا عن المسؤول عن المكان، لكنه توقف قبل أن يتحرك.
في النهاية، لم يكن من المنطقي أن يبدأ مهمته بمشاجرة مع أول شخص يقابله.
أخذ نفسًا عميقًا، وعدّل الجاكيت الذي يرتديه، ثم تحرك نحو الباب بخطوات ثابتة، وهو يتمتم بنبرة تحمل شيئًا من التحدي.
راكان : ماشي يا آنسة... نشوف آخرتها إيه.
━━━━━━━━━━━━━━━━━━
في مكتب جود...
دخلت جود إلى مكتبها وجلست خلفه، ثم تناولت كوب الماء وارتشفت منه قليلًا، محاولةً استعادة تركيزها وسط كمّ الأعمال المتراكمة أمامها.
لم تمضِ سوى لحظات حتى طرق أحد العاملين الباب، ثم دخل بعد أن سمع صوتها يأذن له.
العامل : آنسة جود...
جود : نعم؟
العامل : في مهندس معماري عايز حضرتك برّه.
رفعت جود عينيها إليه باستغراب، ثم وضعت كوب الماء على المكتب.
جود : عايزني؟ ليه؟
العامل : حاولت أعرف منه، بس رفض يقول أي تفاصيل.
عقدت جود حاجبيها قليلًا، ثم أشارت إليه بيدها.
جود : طيب، دخّله.
أومأ العامل باحترام، ثم خرج من المكتب، بينما عادت جود إلى ترتيب بعض الأوراق أمامها.
لكن فضولها لم يسمح لها بتجاهل الأمر تمامًا.
جود : مين ده، وليه جاي؟
وقبل أن تتمكن من التفكير في إجابة، قاطعها صوت طرقات على الباب.
جود : اتفضل.
انفتح الباب، ودخل العامل أولًا، يتبعه راكان الذي سار بخطوات هادئة وواثقة.
ما إن وقع بصر جود عليه حتى اتسعت عيناها قليلًا، وظهرت الدهشة على ملامحها؛ فقد كان آخر شخص توقعت رؤيته أمامها مرة أخرى بهذه السرعة.
لكنها سرعان ما استعادت هدوءها، ثم التفتت إلى العامل.
جود : اتفضل إنت.
أومأ لها العامل، ثم غادر وأغلق الباب خلفه.
تقدّم راكان نحو المكتب، وسحب أحد المقاعد ليجلس أمامها، بينما كانت جود تراقبه بصمت، منتظرةً أن يوضح سبب مجيئه.
رفعت نظرها إليه، ثم قالت ببرود.
جود : نعم؟
رفع راكان حاجبه باستغراب، وكاد يفقد صبره من طريقتها التي لم تتغير منذ لقائهما الأول.
راكان : نعم؟ من غير حتى ما تعتذري؟
جود : وأعتذر ليه؟ أنا مغلطتش.
راكان : وإيه اللي عملتيه برّه ده؟
جود : سوء تفاهم طبيعي يحصل.
أطلق راكان ضحكة خفيفة، ثم مال إلى الأمام قليلًا، متأملًا ملامحها التي لم يظهر عليها أي ندم.
راكان : إنتِ شكلك مش سهلة، خلي بالك.
جود : هو حضرتك تعرفني؟
ارتسمت ابتسامة صغيرة على وجه راكان، وكأن سؤالها جاء في صالحه.
راكان : لا.
جود : طيب، عايز إيه؟
اختفت ابتسامته تدريجيًا، وعاد إلى جدّيته، ثم وضع الملف الذي يحمله على المكتب أمامها.
راكان : عايزك في مشروع هيخلّي معاكي ملايين.
نظرت جود إلى الملف، ثم عادت ببصرها إليه، وقد بدأت ملامحها تعكس عدم الفهم.
جود : مشروع؟ وملايين إيه اللي حضرتك بتتكلم عنها؟
راكان : الدار دي.
نظرت إليه جود باستغراب أكبر، وكأنها لم تستوعب بعد ما يقصده.
أشار راكان إلى أرجاء المكتب، ثم تابع حديثه بنبرة عملية.
راكان : دار النشر دي... لو اتهدّت، هتخليكي غنية. وممكن بالفلوس دي تعملي أكتر من دار نشر واحدة.
ظلت جود تنظر إليه للحظات، قبل أن تعقد حاجبيها وتسأله بوضوح.
جود : يعني إيه المطلوب؟ مش فاهمة.
راكان : هشتريها منك، بأي تمن إنتِ عايزاه.
ساد الصمت للحظات.
لم تكن جود تتوقع أن يأتي شخص غريب إلى مكتبها ليعرض عليها شراء دار النشر بهذه البساطة، وكأن الأمر لا يتجاوز صفقة عادية يمكن إنهاؤها ببضعة أرقام.
لكنها لم تحتج إلى وقت طويل لتقرر موقفها.
جود : أنا آسفة، بس طلبك مرفوض.
تبدلت ملامح راكان، ولم يتوقع أن ترفض عرضه بهذه السرعة، حتى إنها لم تسأله عن المبلغ الذي ينوي دفعه.
راكان : اسمعيني بس...
جود : آسفة، اتفضل.
تأملها راكان للحظات، محاولًا معرفة ما إذا كانت تتحدث بجدية أم أنها تريد رفع ثمن الدار فحسب، لكنه لم يجد في ملامحها ما يشير إلى التردد.
نهض من مقعده، ثم عدّل ياقة بدلته، ونظر إليها نظرة تحمل تهديدًا مبطنًا.
راكان : هتندمي أوي.
لم ترد جود، واكتفت بنظرة ثابتة لم تحمل خوفًا ولا اهتمامًا بتهديده.
استدار راكان واتجه نحو الباب، ثم خرج من المكتب وأغلقه خلفه.
وما إن ابتعد عن الباب حتى تمتم بضيق.
راكان : مستفزّة!
في الداخل، جلست جود خلف مكتبها مرة أخرى، ثم سحبت أحد الملفات أمامها، وهي تتمتم بدورها.
جود : مستفز!
بدأت ترتب بعض الأوراق وتحاول العودة إلى عملها، لكن كلمات راكان ظلت تتردد في ذهنها، فشردت للحظات وهي تحدق في الأوراق دون أن تقرأ حرفًا واحدًا منها.
ثم هزّت رأسها وكأنها تطرد الفكرة من عقلها، وتمتمت بحزم.
جود : أنا لو اتعرض عليّا ملايين الدنيا، مستحيل أوافق.
عادت إلى عملها، وقد حسمت أمرها تمامًا، غير مدركة أن ذلك اللقاء لم يكن سوى بداية لصراع لن ينتهي بهذه السهولة.
━━━━━━━━━━━━━━━━━━
أمام دار النشر...
نزل راكان من المبنى بخطوات سريعة، ثم اتجه نحو سيارته المركونة أمام الدار.
وقبل أن يصل إليها، توقف فجأة والتفت إلى الخلف، محدقًا في المبنى الذي خرج منه للتو.
ظل ينظر إليه للحظات، قبل أن ترتسم على وجهه ابتسامة غامضة، وكأن فكرةً ما قد خطرت بباله.
لم يقل شيئًا، بل اكتفى بتلك الابتسامة، ثم استدار وصعد إلى سيارته.
أدار المحرك وانطلق، بينما بقيت ابتسامته عالقة على وجهه، وكأنه لم يعتبر رفض جود نهايةً للأمر، بل بدايةً لشيء آخر تمامًا.
━━━━━━━━━━━━━━━━━━
في فيلا راكان...
بعد فترة، وصل راكان إلى الفيلا، وأوقف سيارته ثم ترجل منها متجهًا إلى الداخل.
وجد أفراد أسرته يجلسون حول مائدة الطعام، فتقدّم نحوهم وجلس في مكانه المعتاد.
رفع يحيى، والده، عينيه إليه فور أن استقر في مقعده، وسأله مباشرةً.
يحيى : عملت إيه يا راكان؟
تنهد راكان قليلًا، ثم أجابه وهو يسحب المقعد إلى الخلف ليستريح.
راكان : في بنت هناك اسمها جود، تقريبًا شفت اسمها على المكتب. رفضت.
قطّب يحيى حاجبيه، ثم هزّ رأسه وكأنه تأكد من أمر كان يتوقعه.
يحيى : تبقى جود بنت عزمي. عاملة زي عمها وأبوها بالظبط.
نظر راكان إلى والده، ثم قال محاولًا إنهاء الحديث.
راكان : خلاص يا بابا، انسى. مش لازم.
لكن يحيى لم يبدُ مستعدًا للتخلي عن الأمر بهذه السهولة؛ فقد تغيرت ملامحه، وظهر الإصرار واضحًا في عينيه.
يحيى : راكان، أنا مستعد أدفع عمري كله بس آخد الدار دي. ما تزعلنيش منك، وتكون زي أخوك اللي مسافر ومش بيسمع كلام حد.
تنهد راكان، ثم أسند ظهره إلى المقعد، ونظر إلى والده بنبرة هادئة.
راكان : مش دي المشكلة يا بابا. هما مش راضيين، ومش هنقدر ناخدها بالعافية.
تدخلت العنود، والدة راكان، التي كانت تتابع الحديث بصمت، ثم التفتت إلى زوجها وتحدثت بلهجتها السعودية الهادئة.
العنود : خلاص يا أبو راكان، ما يبغون يبيعونها، خلّهم على راحتهم. هم أدرى بمصلحتهم بالنهاية، دامهم رافضين.
التفت يحيى إليها، وقد بدا عليه الضيق من عدم تفهمها لما يمثله هذا الأمر بالنسبة إليه.
يحيى : إنتِ مش فاهمة يا عنود، أنا بحلم بالدار دي بقالي قد إيه!
نظرت إليه العنود بتعاطف، ثم هزّت رأسها قليلًا.
العنود : معلش يا أبو راكان، بس يعني خلاص، تروح هي ويجي بدالها مليون غيرها. لا تشيل همّها وتضيّق صدرك عشانها.
لم يُجبها يحيى، بل دفع مقعده إلى الخلف ونهض، ثم تنهد بضيق وغادر المائدة متجهًا إلى الخارج.
تابعته العنود بعينيها، ثم التفتت إلى ابنها ومدّت يدها لتضعها على كتفه.
العنود : روح يا ولدي ، شوف أبوك ليه زعلان كذا، وراضِه. إنت عارف قد ايش هالموضوع يهمّه.
أومأ راكان لها، ثم نهض من مقعده واتجه خلف والده، محاولًا أن يجد طريقة يهدّئ بها غضبه.