
مرّت ثلاثة أشهر على ليلة زفاف "فندق اللوتس" التي تحولت في بضع ساعات إلى مأساة مدوية شغلت الرأي العام المصري والعربي بأسره. العناوين الرئيسية للصحف والمنصات الرقمية لم تهدأ، وظلت قضية "عروس القاهرة" تتصدر النقاشات، بين متعاطف مع مأساة فريدة الضحية الأولى للظلم الأسري، وبين مندد بشراسة الانتقام الذي أودى بحياة نورهان في قمة مجدها المزيف.
داخل سجن النساء بالقناطر، كانت الأجواء محمّلة برائحة الرطوبة والعزلة. في الزنزانة الفردية المطلة على السور الخارجي، كانت فريدة الشاذلي تجلس بجمود على حافة الفراش الخشبي، عيناها الغائمتان تحدقان في الفراغ، بينما تداعب أصابعها خيطاً حريرياً رفيعاً انتزعته سراً من طرف ملابسها. لم تكن تبكي، ولم تكن تشتكي؛ بدا وكأن جسدها قد استسلم لواقع السجن تماماً مثلما استسلم لسنوات المصحة المظلمة.
على الجانب الآخر من السجن، في العنبر المخصص لذوي النفوذ والجرائم المالية، كانت سيرين عبد الباقي تقضي أيامها بصمت مطبق، ملامحها قد غزاها الشحوب، وتجاعيد وجهها زادت عمقاً تحت وطأة الندم والشعور بالانهيار الكامل لإمبراطورية الأزياء التي بنتها طوال عمرها.
في مكتب مأمور السجن، جلس العقيد مراد الألفي بملابسه المدنية المعتادة، وأمامه ملفات قضية "مقتل عروس الفندق" التي تم إغلاقها إدارياً وتحويلها إلى محكمة الجنايات. فتح الباب ليُدخل الحراس سيرين عبد الباقي، التي ظهرت بزي السجن الأبيض، محاطة بحراسة مشددة.
جلست سيرين ببطء، ورفعت عينيها المتعبتين نحو مراد وقالت بصوت مكسور:
"لم أكن أتصور يا حضرة العقيد أنني سأنهي حياتي خلف هذه الجدران الباردة... هل جئت لتشفي غليلك أم لتريني نتائج ما اقترفته أيدينا؟"
أخذ مراد رشفة من الشاي المرّ على الطاولة، ورد بهدوء:
"أنا لست هنا للشماتة يا مدام سيرين. القانون أخذ مجراه، وستبدأ المحاكمة الشهر القادم. لكن لا يزال هناك سؤال واحد يؤرقني، وسألت نفسي مراراً: لو أتيح لكِ الزمن أن تعودي للوراء، هل كنتِ لتخفي فريدة وتساعديها مرة أخرى؟"
ذرفت سيرين دمعة حارقة سقطت على ركبتيها، وقالت باختناق:
"فريدة لم تكن شريرة يا مراد بك... كانت مكسورة، مظلومة، ومنسيّة من العالم. نحن جميعاً قتلناها قبل أن تلمس عنق نورهان. نورهان باعت أختها وخطيبها من أجل الشهرة والمال، وأنا غطيت على الجريمة خوفاً على اسم العائلة ومالي... طارق وسيد متولي باعا ضميريهما بلا تردد. نحن مجتمع من القتلة يرتدي البدلات الرسمية والفساتين الباهظة."
وقف مراد، وأغلق الملف أمامه ببطء شديد، ثم قال:
"ربما... لكن العدالة لا تحاكم النوايا وحدها يا سيرين، بل تحاكم الأفعال. والمحاكمة ستكشف بقية الخيوط التي حاول البعض طمسها."
في نفس اليوم، وفي مكتبه بمديرية أمن القاهرة، كان النقيب حسام يراجع التحويلات المالية الأخيرة لشركات طارق الزيني وسيد متولي اللذين كانا محتجزين في سجن الاستئناف بانتظار جلسة النطق بالحكم.
"سيدي العقيد!" صاح حسام وهو يدخل مكتب مراد باندفاع وبيده تقرير مصرفي حديث. "استجوبنا الحسابات السرية لـ طارق الزيني التي لم تُكشف في التحقيق الأول... وجدنا تحويلاً مالياً ضخماً بقيمة عشرة ملايين جنيه أُرسل قبل الحادث بأسبوع واحد فقط إلى حساب شخص مجهول خارج البلاد!"
رفع مراد عينيه باهتمام بالغ: "خارج البلاد؟ إلى أية دولة؟ وإلى اسم مَن؟"
"إلى جزيرة 'قبرص'، باسم شخص يدعى 'رؤوف عزت'... وهو الشريك الخفي الذي كانت تملكه شركة الدعاية والإعلان الخاصة بطارق ونورهان!" أجاب حسام بلهفة.
تأمل مراد الاسم لثوانٍ معدودة، ثم بدت على ملامحه علامات الصدمة والذهول:
"رؤوف عزت؟! أليس هذا هو الصديق المقرب لـ شاكر فهمي... المهندس الذي توفي في حادث السير الغامض قبل خمس سنوات؟!"
"بالضبط يا فندم!" أكد حسام. "وهذا يعني أن رؤوف لم يكن بعيداً عن الصورة. بل ربما يكون هو العقل المدبر الحقيقي الذي هندس كل هذه المؤامرة من البداية ليأخذ ثأر صديقه ويستولى على إمبراطورية طارق الزيني المالية بضربة واحدة!"
ابتسم مراد بمرارة، وأعاد ارتداء معطفه قائلاً:
"إذن القضية لم تنتهِ يا حسام... الفصل الأخير لم يُكتب بعد. جهز قوة التحري، فلدينا رحلة قصيرة خارج البلاد لتوقيف الصقر الحقيقي الذي يراقب اللعبة من بعيد!"
كانت أضواء مدينة لارنكا القبرصية تنعكس ببريق خافت على مياه المتوسط الهادئة حين حطّت طائرة العقيد مراد الألفي والنقيب حسام على أرض المطار. لم تكن هذه الرحلة سياحية ولا استجمامية، بل كانت مطاردة متخفية لأخطر خيط في شبكة "هذه العصابه"، الخيط الذي ظن الجميع أنه اختفى للأبد خلف أمواج البحر.
في شقة فاخرة تطل على الميناء مباشرة، كان رؤوف عزت، يجلس أمام شاشة حاسوبه المحمول، يتابع بحذر أخبار الصحف المصرية التي تتحدث عن محاكمة طارق الزيني وسيرين عبد الباقي. كانت ابتسامة ساخرة تعلو شفتيه، وهو يشرب كأساً من النبيذ الفاخر، واثقاً تماماً بأن العواصف كلها بعيدة عنه، وأنه استطاع تصفية حسابات الماضي والاستيلاء على ثروة طارق بذكاء تام.
وفجأة... دويّ طرقات قوية ومتتالية على باب الشقة!
تجمّد رؤوف في مكانه، وترك الكأس من يده لتتكسر على الأرض وتتطاير قطراتها الحمراء. اتجه بخطوات مرتعشة نحو الباب، وفتحه بحذر... ليجد العقيد مراد الألفي يملأ العتبة بطوله الفارع، وبجانبه النقيب حسام ومسؤول أمني قبرصي يبرز مذكرة توقيف دولية بالتعاون مع الإنتربول!
"أهلاً بك يا رؤوف بيه..." قال مراد بابتسامة باردة وصارمة، وهو يخطو إلى داخل الشقة بخطوات ثابتة. "لقد طال انتظارنا لهذا اللقاء."
جلس رؤوف على الأريكة الجلدية الفاخرة، وقد أضاع كل مظاهر الغرور والثقة التي كانت تميزه. كان يلهث ببطء، محاولاً ترتيب أفكاره المبعثرة قبل أن يتحدث:
"أنتم... أنتم لا تملكون أي دليل قانوني يربطيني بحادث فندق اللوتس! أنا مقيم هنا بطريقة شرعية، وكل أموالي قانونية!"
تقدم حسام وألقى بملف عريض على الطاولة أمامه وقال بحدة:
"لا أحد يتحدث عن فندق اللوتس يا رؤوف، نحن نتحدث عن الجريمة الأم التي وقعت قبل خمس سنوات... حادث طريق الإسكندرية الصحراوي الذي راح ضحيته صديقك المقرب شاكر فهمي!"
تغير لون وجه رؤوف، وانقبضت حدقتا عينيه:
"شاكر... مات في حادث قضاء وقدر! ما علاقتي أنا بذلك؟"
مال مراد للأمام، واضعاً يديه على الطاولة، وقال بنبرة كالصلب:
"الحادث لم يكن صدفة أبداً. التقارير المالية والشهادات الجديدة التي انتزعناها من حسابات طارق وسيد متولي تؤكد أنك أنت من خططت لكل شيء منذ البداية! أنت من أقنعت طارق وسيد بالتخلص من نور هان لأنها كانت ستفضح أمر تلاعبهم المالي، وأنت من غطيت على التقرير الطبي، وأنت من استخدمت نورهان كطعم ثم تركتها لتواجه مصيرها حين قررت التمرد!"
"وهذا ليس كل شيء،" أضاف حسام وهو يخرج وثيقة أخرى. "عشرة ملايين جنيه حولها طارق لك قبل الحادث بأسبوع لم تكن صفقة تجارية، بل كانت 'ثمن صمتك' وحمايتك... لكنك كنت تخطط لشيء أكبر بكثير: تدمير طارق ونورهان معاً، واستغلال فريدة المريضة نفسياً لتكون الأداة التي تنفذ جريمة القتل دون أن تتسخ يداك!"
انفجر رؤوف ضاحكاً بصرخة هستيرية، ووقف ليعلن بتحدٍ مرير:
"نعم! أنا من دبرت كل شيء! نورهان وطارق دمرا صديقي وأخي وشاكر مقابل الشهرة والأموال! كان يستحقان الموت أبداً! أنتم تتحدثون عن القانون، وأنا أتحدث عن الثأر الذي انتظرته خمس سنوات كاملة! نورهان ماتت بخيط حريري، وطارق يقبع في السجن، وإمبراطوريتهم انهارت... لقد انتصرتُ في النهاية!"
"النصر الحقيقي يا رؤوف لا يُقاس بالانتقام، بل بالعدالة،" قال مراد بصوت حاسم وهو يشير لرجال الأمن بتكبيل يديه. "وأنت ست قضى ما تبقي من عمرك في زنزانة ضيقة تفكر فيها كيف تحولت من باحث عن الثأر إلى مجرد قاتل وضيع."
العودة إلى القاهرة: صفحة تُرطّبها الدموع
بعد أسبوعين من تسلم رؤوف عزت للسلطات المصرية، عُقدت الجلسة الختامية لمحكمة الجنايات في القاهرة. كانت القاعة تعج بالصحفيين ووسائل الإعلام التي نقلت تفاصيل النطق بالحكم على أطراف القضية التي هزت الرأي العام:
الحكم على رؤوف عزت وسيرين عبد الباقي وفريدة الشاذلي بالسجن المشدد لترتيبهم وتخطيطهم لجريمة القتل العمد.
الحكم على طارق الزيني وسيد متولي بالسجن المؤبد لتورطهم في جرائم التآمر والرشوة والتستر على جنايات قديمة.
الحكم على نادين الشاذلي بالحبس مع الإيقاف لتسترها ومساعدتها في إخفاء الأدلة.
في بهو محكمة استئناف القاهرة، وقف العقيد مراد الألفي والنقيب حسام يراقبان خروج حافلات السجن المحملة بالمدانين.
"انتهت القضية يا سيدي العقيد..." قال حسام بهدوء وهو يغلق ملف التحقيقات الأخير. "لكن شعوراً غريباً يراودني بأن أحداً لم يربح شيئاً في هذه المعركة."
وضع مراد يده على كتف حسام، ونظر أمامه حيث كانت شمس القاهرة تشرق بضوئها الدافئ على شوارع المدينة الصاخبة، وقال بحكمة خبير:
"العدالة يا حسام لا تعيد الموتى، ولا تداوي ندوب الماضي، لكنها تضع الحقيقة في نصابها الصحيح حتى لا تضيع دماء الناس في عتمة النسيان. 'أهل الاموال والثروات' سيبقون كما هم، صراع بين الطمع والبراءة... وعلينا نحن أن نظل السد المنيع في وجه الظلام."
ابتسم حسام برضا، وركب السيارة بجوار مراد، لتبدأ رحلة جديدة في مدينة لا تنام أسرارها أبداً.
تمت بحمد الله