
بينما كان أدهم جالساً وحده في حديقة الفيلا، يصارع أشباح ماضيه وسط صقيع الصباح، كانت عشق تقف داخل المطبخ الفسيح الدافئ برفقة الدادة هنية التي كانت تجهز أطباق الفطور بحركات هادئة ومتزنة.
راقبته عشق من نافذة المطبخ المطلة على الحديقة، وهو مغمض العينين يتلقى برودة الهواء وكأنه يطهر روحه من عذاب داخلي، فلم تستطع كتم فضولها وتساؤلاتها التي كانت تتزاحم في رأسها. التفتت إلى الدادة هنية وقالت بصوت خافت يملؤه الفضول والشفقة:
"الدادة هنية... أدهم بيه يبدو مختلفاً تماماً عما رأيته البارحة. كأن على كتفيه جبلاً من الهموم... ما قصته؟ وما هذا السر الذي يثقل قلبه إلى هذا الحد ويجعله يهرب إلى البرد هرباً من نفسه؟"
توقف عما كانت تفعله الدادة هنية فجأة، وشرعت يدها ترتجف قليلاً وهي تمسك بفنجان الشاي. تركت ما بيديها، والتفتت إلى عشق بنظرة امتلأت رعباً وتحذيراً، وكأنها سُئلت عن أمر محظور ومميت. تنفست بعمق وتنهدت بحرقة بالغة، قائلة بصوت منخفض ومتهدج وكأن الجدران تشهد:
"يا بنتي، إياكِ... إياكِ أن تفتحي هذا الباب مجدداً أو تسألي هذا السؤال مرة أخرى أمام أحد، وبالأخص أمام أدهم بيه نفسه!"
اقتربت منها عشق بخطوات مترددة وقالت بإصرار مكتوم:
"ولكنني لست غريبة عنه... لقد حماني وأدخلني بيته، وحين أنظر إلى عينيه أرى ألمًا دفينًا... ألا ترين كيف يحترق بصمته؟"
هزت الدادة هنية رأسها بشدة، وبدت عليها علامات الخوف الواضح، ورفعت سبابتها محذرة لها بجدية تامة:
"اسمعيني جيداً يا عشق... أدهم بيه رجل قلبه أبيض ويحمي الضعيف، لكن ما يخفيه في صدره هو لغز مدفون، حكاية سوداء أقسم هو أن يدفنها للأبد مع من صنعوها. وإذا شعر يوماً أن أحداً يحاول العبث بأسراره أو التنقيب فيها... فلن تطيقي غضبه أبداً! غضب أدهم الراوي كالعاصفة التي لا تبقي ولا تذر، وأنا... أنا أخاف عليكِ منه، وأخاف على نفسي إن فتحتُ فمي بكلمة واحدة قد تغضبه مني."
ألجمت الكلمات لسان عشق، وارتجف قلبها هلعاً وهي ترى مدى رعب الدادة هنية من مجرد الحديث عن الأمر. أدركت حينها أن سر أدهم ليس مجرد ذكرى عابرة، بل هو بركان ساكن تحت الرماد، وأن وجودها في هذا القصر لا يقتصر فقط على الهروب من جحيم فهد وأهلها، بل يضعها في مواجهة
مباشرة مع لغز خطير ومجهول الهوية!
التزمت عشق الصمت طوال الجلوس في حديقة الفيلا، وكانت تحرك فنجان الشاي ببطء شديد، تحاول ألا تصدر أي حركة أو صوت قد يزعج أدهم أو يثير غضبه، مستحضرة في ذهنها كل كلمات التحذير التي رددتها الدادة هنية قبل قليل. كانت تخشى أن تنطق بحرف خاطئ فيحضّر لها زوابع لا تحمد عقباها.
لكن أدهم لم يعطها فرصة طويلة للصمت؛ فقد باغتها بنظرة ثاقبة ونافذة، ثم سألها بصوت هادئ لكنه يحمل هيبة طاغية:
"لماذا هربتِ حقاً من ليلة فرحكِ يا عشق؟"
اهتز فنجان الشاي بعنف بين يديها وكادت تسكبه، وتجمدت الحروف في حلقها من روعة المفاجأة وشدة السؤال. تنفست بعمق لتستعيد بعضاً من توازنها، ثم رفعت عينيها الممتلئتين بالدموع وقالت بصوت متهدج يقطر ألماً:
"فهد... إنه ابن زوجة أبي. أراد الزواج مني طمعاً في أموال وممتلكات أبي، يريد أن يسيطر على كل شيء ويأخذ كل ما نملكه وكأنني مجرد تركة! أنا أكرهه... وأكره زوجة أبي أضعاف كرهي له؛ لقد سقتني طوال حياتي أنواع العذاب والظلم، وكانت تذيقني المر كل يوم لتهضم حقوقي وتجعلني أعيش جحيماً لا يطاق."
ما إن سمع أدهم هذه الكلمات حتى انقبض وجهه، ولم يعد يحتمل كبح مشاعره أمام هذا الظلم الفادح. ضرب بيده القوية على الطاولة الخشبية بعنف جعل الأطباق ترتج من حوله، وهتف بصوت حاد تردد صداه في جنبات الحديقة:
"ما هذا الكلام؟! هل يوجد رجل بهذه الدناءة والخسة لكي يبيع شرفه ويساوم على ابنة رجل مثل أبيه من أجل المال والطمع؟!"
وفي تلك الأثناء، وعلى الجانب الآخر من المدينة، كان قصر والد عشق يغلي كبركان هائل على وشك الانفجار. حالة من الهيستريا والجنون كانت تسود المكان، والصراخ يملأ الأرجاء بعد اكتشاف اختفاء العروس في منتصف ليلة الزفاف.
كان فهد يحطم كل ما يقابل وجهه بغضب أعمى؛ فالأثاث الفاخر يتناثر قطعاً مهشمة، وعيناه المحقوقتان تشتعلان بشرر الحقد والمهانة. صرخ بصوت هز أرجاء القصر وجعل الخدم يرتجفون رعباً:
"كيف تهررررب؟! كيف تجرؤ تلك الحقيرة على إذلالي في ليلة الدخلة وجعل ألسنة الناس تتحدث عني؟! لو كانت في بطن الأرض لأخرجتها!"
وقفت زوجة الأب (والدته الشريكة في كل خططه الدنيئة) تفرك يديها بقلق مدمر، وقد شحب وجهها تماماً واختفت كل علامات الثقة من ملامحها، وقفت تقترب منه بحذر وتقول بصوت يقطر رعباً وغضباً:
"اهدأ يا فهد... أسمعني جيداً ولا تترك الغضب يعمي بصيرتك! الكارثة ليست فقط في جرح كبريائك، بل في الثروة التي تبخرت بين أيدينا! لو ضاعت عشق وضاعت هذه الزيجة، فسنخرج من ممتلكات أبيها خالي الوفاض، وكل ما خططنا له وسعينا خلفه طوال السنوات الماضية سيضيع في لمح البصر!"
توقف فهد عن تحطيم الأشياء فجأة، وتنفس بصعوبة بالغة وكأن الهواء قد شح في صدره، مستوعباً فداحة الكارثة. فالمال والثروة والنفوذ الذي رسم طرييق السيطرة عليه من خلال هذا الزواج بات على المحك، وضياع عشق يعني انهيار إمبراطوريتهم الوهمية التي بنيت على الخداع والسرقة.
عضّ فهد على شفتيه بغلّ شديد، وبرقت في عي نظرات شيطانية وهو يقول بصوت متهدج يقطر سمّاً:
"لن أتركها تفلت، ولن تسمح لي نفسي بأن أرى أموالنا تذهب إلى أيدي غيرنا. لو كانت تحت الارض لأتيتُ بها! ابحثوا عنها في كل مستشفى، وكل محطة، وكل شارع... وأنتِ يا أمي، جهزي أبي لكي نضغط بكل قوتنا. وحين أجدها... أقسم لن أكتفي بإعادتها، بل سأجعلها تتمنى الموت فلا تجده، وسألقنها درساً لن ينساه تاريخ العائلات!"
بينما كان فهد ووالدته يحفران قبر أمل عشق في الخارج بجنون طمعاً في الثروة، كانت هي في قصر أدهم الراوي تحت درع الحماية المطلقة، جاهزة لمواجهة عاصفة لن تبقي ولتذر!