
عودة الأسدالي عرينه:
مع إشراقة فجر جديد، لم يكن قصر أدهم الراوي يحمل ذلك الهدوء المعتاد؛ بل كان طوفان القرارات التي اتخذها أدهم ليلة أمس يغلي تحت السطح. نهض مبكراً، وقد ارتدى بدلة رسمية سوداء تزيد من هيبته وجاذبيته الصارمة، وبدت عيناه الغائمتان أكثر صلابة وعزمًا على مواجهة العالم.
قبل أن يغادر القصر متجهاً إلى "مجموعة شركات الراوي"، وقف لفترة قصيرة أمام باب غرفته، وتوجه بنظرة حادة إلى الدادة هنية التي كانت تقف في الممر، وقال بصوت حازم:
"يا دادة، أعيدي تشديد الحراسة على القصر. ممنوع دخول أي غريب، وعشق يجب ألا تغادر جناحها لأي سبب حتى أعود. أعلم أن عيون فهد وأعوانه تبحث عنها في كل مكان، ولن أسمح بأن تُمس بسوء."
أومأت الدادة هنية برأسها بطاعة وقلق:
"اطمئن يا بني، عيوننا عليها، ولن تجرؤ نملة على دخول القصر في غيابك. تدارك أمور الشركة وحافظ على نفسك."
في تمام الساعة التاسعة صباحاً، فتح باب الطابق الرئيسي لشركة الراوي، ودخل أدهم بخطوات واثقة، مدوية، ترتجف لها قلوب الجميع. ساد صمت رهيب في أروقة الشركة الفخمة، والموظفون يتبادلون النظرات المندهشة والخائفة؛ فالأسد عاد إلى عرينه بعد غياب طال وكاد يعصف بالكيان.
في مكتب رئيس مجلس الإدارة، كانت روز تجلس على المقعد الفاخر تتصفح بعض الأوراق بغطرسة، وفجأة انفتح الباب على مصراعيه بقوة جعلتها تنتفض من مكانها. وقف أدهم أمامها، وعيناه تشتعلان بنظرات حارقة، ليقول بصوت هادئ لكنه يحمل نبرة رعدية:
"يبدو أنكِ استعجلتِ الجلوس على هذا المقعد يا روز... لكن الكرسي لم يُصنع لكي."
شحب وجه روز، وحاولت استعادة رباطة جأشها فقالت بحدة متقطعة:
"أدهم؟! كيف... أنت لم تكن تطيق مجرد دخول الشركة طوال الشهور الماضية! هل تظن أنك..."
قاطعها أدهم وهو يتقدم ببطء ويضع يديه على سطح المكتب، ملقياً بنظرات مرعبة:
"انتهى وقت الغياب يا روز. الشركة لي، والإدارة لي، وكل قراراتكِ في غيابي تُلغى بدءاً من هذه اللحظة. عودي إلى مكتبكِ وكوني نائبة مطيعة، وإلا... أقسم أنني لن أكتفي بإبعادك عن الإدارة وحدها!"
ارتجفت روز من قسوة تهديده وبريق عينه الذي لا يرحم، فأخذت ملفاتها بيدينا ترتجف وخرجت مطأطأة الرأس، وهي تدرك أن أخاها قد عاد لينتقم من ماضيه، ولن يقف أحد في وجهه.
وفي ذات الوقت، داخل قصر أدهم، كانت عشق تحاول التغلب على مللها وخوفها. جلست في غرفة المعيشة تقلب بصرها بين الكتب، حتى دخلت الدادة هنية وهي تحمل صينية من الشاي والفاكهة.
جلست الدادة بجانبها بحنان، ولاحظت شرود الفتاة فقالت بصوت دافئ:
"ما بكِ يا عشق؟ هل تخافين شيئاً؟"
رفعت عشق عينيها المليئتين بالأسى وقالت:
"أنا أخاف على أدهم يا دادة... سمعت ليلة أمس ما قالته أخته، وكيف أنه يحمل جرحاً لا يبرأ. رجل بمثل هذه القسوة الظاهرة والقلب المحترق، كيف يعيش كل هذه السنوات مع طيف زوجة خانته وابن سُلب منه؟"
تنهدت الدادة هنية بعمق وقالت بأسى:
"أدهم لم يكن هكذا يا ابنتي. كان لطيفاً، يضحك ويملأ الدنيا حياة. لكن غدر من أحب الناس إليه في يوم ليله، وسرقة قطعة من روحه واختفاء ابنه... حولا روحه إلى رماد. هو لا يحمي الناس حباً في القسوة، بل ليحمي ما تبقى من إنسانيته التي قتلوها."
شعرت عشق بغصة حارقة في حلقها، ووجدت نفسها تحس بتعاطف عميق ورهيب تجاه هذا الغامض الذي فتح لها باب بيته بينما كان يغلق باب قلبه عن العالم.
لكن في هذه اللحظة بالذات، على بعد كيلومترات قليلة، كان فهد الجارحي يقف في مكتبه مظلماً ومشتعلاً بالغضب، يصرخ في وجه رجاله بعد أن تلقى مكالمة سرية:
"ماذا تقول؟! عروس هارب... ومكان اختفائها مجهول؟! ألا تستطيعون معرفة أين تختبئ تلك اللعينة؟!"
رد الرجل المرعوب في الهاتف بخوف:
"يا باشا، بحثنا في كل مكان، لكن تشير التحريات إلى أنها قد تكون... قد تكون في حماية قوية جداً... قصر أدهم الراوي!"
تجمد الدم في عروق فهد، واتسعت عيناه بصدمة ومكر، ليهتف بصوت مرعب:
"أدهم الراوي؟! رجل الأعمال الذي لا يتدخل في شؤون أحد؟ ما رابطه بعروسي الهاربة؟ إن كان الأمر كما تقول فهذه الحرب لن تكون عادية... سأحرق الأخضر واليابس لأسترد كرامتي وأستعيد زوجتي، ولينتظر أدهم طوفاني!"
اشتعلت النيران في الأفق، وأصبحت العاصفة على وشك الاصطدام ببعضها البعض، فهل تنجح حماية أدهم في صدّ طغيان فهد، أم أن الأسرار القديمة ستكشف لتغرق الجميع؟
قبل أن يغلق فهد سماعة الهاتف، دخلت عليه والدته بخطى متسارعة، وملامح الهلع والترقب ترتسم على وجهها الحاد. نظرت إلى وجهه المحتقن وسألته بصوت يلهث طمعاً وخوفاً:
"ماذا هناك يا فهد؟ هل وصلت لشيء؟ هل عرفت أين اختفت تلك العقربة قبل أن تضيع منا كل أصول أبيها؟"
قبض فهد على جهاز الهاتف بيده حتى كادت أنامله تتكسر، ونظر إليها بعيون تشتعل بنار الغدر والغل، وقال بنبرة خفيضة ومسمومة:
"تختبئ في عرين الأسد يا أمي... عشق موجودة في قصر أدهم الراوي!"
شهقت أمه وراجعت خطواتها إلى الخلف بصدمة:
"أدهم الراوي؟! ذلك الرجل الشرس الذي لا يجرؤ أحد في السوق على التعدي على حقوقه أو الوقوف في وجهه؟ وما العلاقة التي تجمع بينه وبين عشق؟!"
ضرب فهد المكتب بيده بغضب عارم وقال:
"لا أهتم بالعلاقة التي تجمعهما! سواء كانت دخلت بيته بالمصادفة أو في حمايته، عشق هي مفتاح الثروة التي انتظرناها سنوات، وهي التي أهانت كرامتي وفضحتني في ليلة زفافي! أقسم لكِ يا أمي، لو كان أدهم الراوي يظن أنه حائط سد يحميها، سأجعل هذه القصة نهايتها دمار عليه وعلى إمبراطوريته... سأجهز رجالي، وسنضع خطة لنخرجها من قصره رغماً عنه وعن حراسته!"
في هذه الأثناء، كان أدهم ينهي اجتماعه الحاسم مع كبار مدرين الشركاء ورؤساء القطاعات في "مجموعة شركات الراوي". خضع الجميع لهيبته وعودته القوية التي أعادت التوازن للشركة في ساعات معدودة، بينما كانت روز تراقبه من بعيد عبر زجاج مكتبها، والغل يلتهم قلبها.
لم تتحمل روز رؤية أخيها وهو يستعيد زمام الأمور بهذه السهولة، أخرجت هاتفها الخلوي، وقامت بإجراء اتصال سري بشخص لا يعلم عنه أحد شيئاً، وقالت بأسنان جافة ونبرة ملؤها الانتقام:
"لقد عاد أدهم إلى الشركة ورجع أقوى من الأول... خطتنا في سحب السجادة من تحت قدميه أصبحت في خطر. أريد منك أن تبدأ بتحريك الكارت القديم فوراً، العب على الجرح الذي يكسره، ابدأ بالبحث عن أثر ابنه... نريد أن نشغل عقله ونشتت تركيزه قبل أن يكتشف ما فعلناه بالأوراق المالية في غيابه!"
مع حلول المساء، عادت سيارة أدهم الفارهة للتدحرج عبر البوابة الحديدية الضخمة للقصر. ترجل منها بخطوات ثقيلة تحمل إرهاق اليوم وصراعاته، وما إن دخل البهو حتى استقبلته الدادة هنية بابتسامة مطمئنة:
"حمد الله على سلامتك يا بني... اليوم كان أهدأ والحمد لله."
أومأ أدهم برأسه، وألقى بنظرة غير مباشرة نحو السلم المؤدي للطابق العلوي وقال بنبرة يحاول إخفاء اهتمامه:
"كيف حال عشق؟ هل أكلت شيئاً اليوم؟"
ابتسمت الدادة هنية بحنان وقالت:
"كانت قلقة عليك طوال اليوم يا بني... وظلت تسألني عنك. هي في الغرفة الآن."
صعد أدهم الدرجات بخطوات متزنة، ووقف أمام باب غرفة عشق. تردد لثوانٍ، ثم طرق الباب ببطء. فتحت عشق الباب، وكانت ترتدي ثوباً بسيطاً أظهر رقتها وجمالها الطبيعي، وتلاقت أعينهما في لحظة صمت دافئة وسط برودة المساء.
قالت عشق بصوت خافت يملؤه الامتنان والاهتمام الحقيقي:
"حمد الله على سلامتك يا أدهم بيه... أتمنى أن تكون أمورك في الشركة قد أصبحت أفضل."
تطلع أدهم في عينيها الواسعتين، وشعر لأول مرة منذ سنوات طويلة بشيء ينبض في صدره المتجمد، لكنه سرعان ما استعاد جموده الحذر وقال هادئاً:
"أنا بخير يا عشق... والأمور تحت السيطرة. المهم أن تكوني أنتِ بخير، وأن تتأكدي أنكِ في أمان تام هنا."
سألته عشق بتلعثم خفيف:
"ولكن... إلى متى سأبقى عبئاً عليك وعلى حياتك؟ أنك تخوض معارك كثيرة بسبب أختك وبسبب ماضيك، وأنا لا أريد أن أكون سبباً في مشاكل إضافية لك."
اقترب أدهم منها خطوة، ونظر إليها بنظرة حازمة ومطمئنة جعلت قلبها يخفق بقوة:
"أنتِ لستِ عبئاً يا عشق... وما يخوفكِ بالخارج لا يسوى شيئاً أمام ما واجهته في حياتي. فهد وأهلكِ لن يجرؤوا على مس شعرة منكِ طالما أنتِ تحت سقفي... ارتاحي ولا تفكري في الغد، لأن الغد أنا من يكتب قواعده."
شعرت عشق بسكينة غريبة تتسلل إلى روحها، بينما كان أدهم ينظر إليها وهو يدرك داخل قلبه أن هذه الفتاة الهاربة لم تعد مجرد ضيفة دخلت من الشباك في ليلة ثلجية... بل أصبحت قطعة من قدر جديد يدرأ عنه ظلام الماضي ويتبدد ظلمته..
هذا العشق الغير معلن سوف يكبر في رحم المعاناه والحقد والغل لضعفاء النفوس من حولهم...
تري هل سيتركوهم يعيشون حياه هانئه ام تطولهم
اياديهم الاثمه.....