رواية هروب في الظلام الفصل السابع7 بقلم ملكة الروايات والحكايات ساحرة القلوب

رواية هروب في الظلام الفصل السابع7 بقلم ملكة الروايات والحكايات ساحرة القلوب
​عاصفة تحت سقف واحد...... 
​كان الجو في قصر التهامي مشحوناً بطاقة كهربائية تكفي لإشعال مدينة بأكملها. الدكتور "أدهم المنيوي" يجلس بهدوء ثقيل يدرس كل نظرة وكل حركة، و"سرين" تتابعه بعينين تملؤهما الغرور والاعتقاد بأنها امتلكت قلبه، بينما كانت "خيرية هانم" تراقب "نازلي العطار" بنظرات محذرة تشبه نظرات الصقر الذي يخشى على عريشه.

​أما "مروان"، فكان واقفا بين الجميع، لكن عقله وروحه كانتا معلقتين تماماً بتلك المرأة التي تقف أمامه بكل هذا الثموخ والهيبة، وكأنها سيدة المكان بلا منازع.
​وقفت "نازلي" (وسام) بهدوء تام، ونظرت إلى مروان بابتسامة باردة وساحرة، وقالت:
​"يبدو أن زيارتي جاءت في وقت غير مناسب، فعائلتكم تتمتع بلقاء عائلي خاص مع الدكتور أدهم.. لذا، أستأذن في الانصراف، على أمل أن نكمل حديثنا العملي في وقت لاحق يا سيد مروان."

​وما إن تحركت نازلي خطوتين نحو باب القصر الخارجي، حتى انفتح باب الغرفة الداخلية المجاورة بسرعة، وخرجت الصغيرة "ليان" وهي تركض بدموع ترقرق في عينيها الصغيرتين. ما إن وقعت عيناها على نازلي وهي تستعد للمغادرة، حتى انطلقت بأقصى سرعتها نحوها وارتمت على فستانها، متشبثة به بقوة وهي تجهش بالبكاء الحار:

​"لا تذهبي يا طنط نازلي! أرجوكِ لا تذهبي وتتركتيني وحدي.. ابقي معي اليوم! أنا أحبكِ ولا أريدكِ أن ترحلي!"
​تسمرت أقدام نازلي في مكانها، وشعرت وكأن صاعقة قد ضربت قلبها. كل خطط الانتقام، وكل جدران القسوة والبرود التي بنتها حول روحها طوال الأشهر الماضية، تداعت وانهارت في ثانية واحدة حين سمعت نحيب تلك الطفلة البريئة التي تحمل قطعة من روحها.

​لم تستطع نازلي مقاومة مشاعر الأمومة الجارفة؛ نزلت على ركبتيها بسرعة بغض النظر عن أي شخص في المكان، وشدت الصغيرة إلى صدرها بحنان عارم، ودموعها تكاد تفلت من عينيها بينما تقبل جبينها بصوت متهدج بالكاد تسمعه:
​"حبيبتي.. يا أميرتي ليان.. اهدي ولا تبكي، أنا هنا، لن أترككِ أبداً.. اهدي يا روح قلب طنط."
​ذهول مروان.. وفزع خيرية
​في تلك اللحظة، وقف "مروان" مذهولاً لا يصدق عينيه. لم يسبق لـ "ليان" أن تعلقت بأحد هكذا منذ غياب والدتها، بل إنها كانت ترفض أي اقتراب من الغرباء. تقدم مروان بخطوات بطيئة نحوهم، وانحنى قليلاً، وقال بصوت خافت يعتصره التأثر والدهشة:

​"ليان.. حبيبتي، تعالي إلى أبيكي.. لا تكدري ضيفتنا بهذه الدموع."
​التفتت ليان برأسها وهي تشبث بياقة فستان نازلي بقوة أكبر، وقالت ببراءة الطفولة التي لا تهتم بشيء سوى مشاعرها:
​"لا يا أبى.. لا ترسليها بعيداً! طنط نازلي تشبه أمي.. رائحتها تشبهها، وقلبها طيب مثلها.. أرجوك اجعلها تبقى معنا في القصر!"
​عندما سمعت "خيرية هانم" هذه الكلمات، جمد الدم في عيورقها، وشعرت برعب حقيقي يتسلل إلى قلبها. وقفت بسرعة وقالت بصوت حاد ومشدود يحمل طيات الخوف:
​"ليان! كفى حديثاً فارغاً.. تعالي فوراً إلى غرفتك ولا ترهقي السيدة نازلي بطلباتكِ!"

​أما "أدهم"، فكان يراقب المشهد بذكاء حاد، وكان يدرك تماماً حجم الخطر الذي تواجهه وسام في هذه اللحظة، فتدخل بسرعة وببرود أعصاب محترف ليخفف حدة الموقف، وقال موجهاً حديثه لخيرية:
​"لا بأس يا خيرية هانم.. الأطفال أحياناً يملكون حدساً نقياً وصادقاً لا يفهمه الكبار.. ويبدو أن الآنسة نازلي تمتلك طاقة إيجابية استثنائية."

​نظرت نازلي إلى مروان الذي كانت عيناه تلمعان بمشاعر غريبة ومعقدة؛ حنين، دهشة، وتساؤلات لا تنتهي. مد مروان يده بحنان ليساعد ابنته على الهدوء، وقال لنازلي بصوت عميق ودافئ:
​"أنا آسف يا نازلي على هذا الإحراج.. لكن كما تري، ابنتي لا تملك سوى قلبها الصادق، ويبدو أنها اختارتكِ ليكون لكِ مكانة خاصة في هذا القصر. إذا كان وقتكِ يسمح.. هل تقبلين أن تبقي لتتناولي العشاء معنا اليوم.. من أجل ليان وحدها؟"
​نظرت نازلي إلى الطفلة التي كانت تنظر إليها بعيون تترجى بقاءها، ثم حولت نظرها نحو مروان الذي كان يعرض عليها البقاء ليس كمستثمرة، بل كامرأة تخطف قلوب أهل القصر جميعاً. أدركت وسام أن رفضها في هذه اللحظة سيثير الشكوك، وأن قبولها سيضعها في قلب العرين، لكنها امرأة لا تهاب العواصف.

​رفعت رأسها بابتسامة هادئة وساحرة، وقالت بصوت واثق:
​"لأجل عيون الأميرة الصغيرة ليان.. سأبقى."
​أشرق وجه ليان بابتسامة واسعة وسعادة غامرة، بينما تبادل مروان ووالدته خيرية نظرات متباينة؛ مروان يشعر بأن قلبه يسقط تدريجياً في شباك هذه المرأة الغامضة، وخيرية تشتعل غضباً وتتساءل في سرها: من تكون هذه اللعينة التي هددت اقتصادنا، والآن تخطف قلب الطفلة في أيام معدودات؟!
​كيف ستمر هذه الليلة داخل قصر التهامي؟ وهل تقترب وسام أكثر من كشف اسرارهم؟؟ 
٠
​بقلم ملكة الروائع وساحرة القلوب M👑💕
​انتهى عشاء تلك الليلة وسط أجواء مشحونة بالتوتر، حيث كانت نظرات "خيرية هانم" تلاحق "نازلي" كظل ثقيل، بينما كان "مروان" عاجزاً عن إبعاد عينيه عنها. وحين دقت الساعة معلنة وقت النوم، وحان الوقت لكي تستعد نازلي للمغادرة، حدث ما لم يكن في الحسبان مجدداً.
​وقفت الصغيرة "ليان" من على مائدة الطعام، واقتربت من نازلي بخطوات بطيئة، وأمسكت بطرف فستانها بيد مرتعشة وعيون ممتلئة برجاء طفولي بريء، وقالت بصوت مكسور:
​"طنط نازلي.. هل ستذهبين الآن حقاً؟.. أرجوكِ، لا تتركيني وحدي هذه الليلة.. ابقي معي في غرفتي حتى أنام! كنتِ تفعلين ذلك معي دائماً.. أقصد.. أشعر أنكِ الوحيدة التي تمنحينني الأمان."

​تسمرت نازلي (وسام) في مكانها، وتناثرت دقات قلبها بعنف شديد. جملة الطفلة كادت أن تكشف كل شيء؛ «كنتِ تفعلين ذلك معي دائماً»... وكأن روح ليان البريئة تخترق ذلك الوجه الجديد وتعلم يقيناً أن هذه هي أمها! شعرت وسام بغصة حارقة تعتصر حلقها، واغرورقت عيناها بدموع حارقة كادت تفلت رغم كل صلابتها.
​تدخلت "خيرية هانم" سريعاً، وقالت بنبرة حادة محاولة تدارك الموقف وإخفاء توترها:

​"ليان! هذا غير مسموح أبداً.. السيدة نازلي ضيفتنا الكبيرة، وليست مربية لديكِ لتنام معكِ في غرفتكِ. عودي إلى غرفتكِ فوراً!"
​لكن نازلي رفعت يدها بهدوء لتوقف خيرية، ونظرت إليها بنظرة حاسمة وقوية أخرستها تماماً، ثم انحنيت نحو الطفلة، وابتسمت بحنان جارف يفيض بالحب الدفين، وقالت بصوت دافئ يرتجف ببطء:
​"لا تقلقي يا أميرتي.. لن أذهب حتى أطمئن أنكِ نائمة وفي أمان تام. هيا بنا إلى غرفتكِ."

​داخل الغرفة.. جدران تبكي في الصمت
​رافقت نازلي الطفلة ليان إلى غرفتها الفاخرة. وما إن دخلت نازلي الغرفة حتى استبد بها شعور غريب؛ فهذه الغرفة هي ذاتها التي زارتهامرات عديدة قبل أن تشتعل النيران في حياتها وتُهرب من جحيم القصر.
​تمددت ليان في سريرها الوثير، ومدت يدها الصغيرة لتتشبث بيد نازلي بقوة، وقالت بصوت خافت:
​"لا تمسكي يدي فقط.. غني لي بصوتكِ الهادئ، تماماً مثلما كانت تفعل أمي الراحلة.. إنكِ تشبهينها في كل شيء، حتى في دفيء قلبكِ."
​شعرَت وسام أن صاعقة قد ضربت صدرها. كادت أن تفقد السيطرة على نفسها وتجهش بالبكاء أمام ابنتها، لكنها ابتلعت دموعها بصعوبة بالغة، ومالت عليها تقبل جبينها بحنان أبدي، وبدأت تردد بصوت عذب وناعم كلمات هادئة تشبه تهليلة الطفولة التي كانت تغنيها لها دائماً قبل النوم.
​ظلت نازلي جالسة بجانب السيرير، تمسح على شعر ليان برفق بالغ، حتى بدأت أجفان الطفلة تثقل وتغرق في نوم عميق، ويدها الصغيرة لا تزال ممسكة بأصابع نازلي.
​في تلك الأثناء، كان "مروان" يقف عند باب الغرفة الموارب، يراقب المشهد بصمت مطبق. كان يرى تلك المرأة القوية والشرسة التي تهز السوق وتجعل كبار رجال الأعمال يرتجفون خوفاً... تتحول الآن إلى ملاك حنون يفيض بالدفء والأمومة تجاه ابنته.

​تسلل شعور غريب وعميق إلى قلب مروان؛ شعور لم يشعربه 
 منذ اشهر طويلة. شعر أن هذا القصر الذي كان عتمة وخراباً، يضيء تدريجياً بوجود هذه المرأة.
​اقترب مروان بخطوات خفيفة حتى أصبح داخل الغرفة، وهمس بصوت عميق ودافئ يكاد لا يُسمع:
​"لم أكن أعرف أن قسوة نازلي العطار.. تخفي خلفها قلباً بهذا العصف من الحنان."
​التفتت وسام ببطء نحو مروان، وكانت عيناها تحملان وميضاً غامضاً يجمع بين الألم الخفي والبرود المتعمد. وقفت من مكانها بهدوء، وسحبت يدها برفق من كف الطفلة، ثم مشت خطوات قليلة نحوه وقالت بصوت هادئ ومستفز:
​"الحنان ليس حكراً على أحد يا سيد مروان.. وأحياناً، القلوب التي تبدو قاسية، هي التي ذوّقتها الحياة أقسى أنواع النيران."

​تسمر مروان في مكانه، واقترب منها أكثر حتى أصبح عطرها يملأ حواسه، وقال وعيناه تغرقان في عينيها الساحرتين:
​"إذن.. دعي نيرانكِ تشتعل بقربي يا نازلي.. لأنني أقسمت أنني لن أسمح لكِ بالرحيل أبداً."
​نظرت إليه وسام بابتسامة باردة وساطعة في آن واحد، وقالت في نفسها بصوت خافت يملؤه الانتقام:
​"قريباً يا مروان.. سترى بنفسك كيف تحرقك نيراني التي أوقدتها بيديك!"

​كيف ستتطور الأمور بين مروان ونازلي بعد هذه الليلة الساحرة؟ وما هي الضربة القادمة التي ستوجهها وسام لإمبراطورية التهامي؟

تعليقات



<>