رواية المتمردة والطاغي الفصل السابع7 بقلم فادية النجار

رواية المتمردة والطاغي الفصل السابع7 بقلم فادية النجار
روايه المتمرده والطاغي البارت السابع 
داخل الغرفة، التفت منصور إلى قمر التي كانت تقف عند المرآة تمشط شعرها الطويل اللامع ببرود وثبات. نظر إلى انعكاس وجهها في المرآة وقال بجفاء:
- "سمعتِ الحريم الحين؟ وشفتِ نظراتهم؟ السرايا دي مفيهاش سر عيستخبى واصل.. وخلال ساعة البلد كلها عتعرف إن 'كبير الهواري' ملمسش مرته الجديدة في ليلة دخلتها.. وده أكبر كسر لعينكِ ولقيمتكِ وسط الحريم اهنا."

وضعت قمر المشط ببطء، والتفتت إليه، وارتسمت على شفتيها ابتسامة باردة ممتلئة بالثقة والشموخ وقالت:
- "والله النظرات دي تكسر عين الواحدة اللي جاية وعايزة راجل يتجوزها وتعيش تحت طوعه.. إنما أنا؟ أنا فرحانة جداً بنظراتهم دي يا منصور بيه! خليهم يعرفوا، وخلي البلد كلها تعرف إن قمر عبد الله الهواري هي اللي رفضت 'الطاغي' بتاعكم.. وهي اللي خلته ينام على الكنبة في الزاوية زي الغريب! وريني بقى هيبتك ورجولتك قدام البلد الحين هتقول فيها إيه؟!"

تصلب منصور في مكانه، واشتعلت النيران في عينيه مجدداً؛ فهذه الفتاة تقلب كل الأسلحة ضده، وتحول ما ظنه كسراً لها إلى سلاح يطعن هيبته هو في مقتل! خطى نحو الباب وعزمه أن يريها في الأيام القادمة كيف يكون الجحيم الحقيقي في سرايا الهواري..

خرج منصور من الجناح وعقله يغلي كالبركان، يضرب الأرض بعصاه بغضب مكتوم لم يفلح جلبابه الصعيدي المهيب في إخفائه. كلمات قمر كانت تتردد في أذنيه كصوت الطبول، تقلب كل موازين القوة التي اعتاد عليها وتطعن كبرياءه كـ "كبير" للصعيد في مقتل.

نزل إلى الطابق السفلي وجد زوجتيه "هنادي" و"سعاد" تقفان مع والدته "عواطف" في الممر، والهمسات الشامتة والابتسامات الماكرة لم تخفَ على عينيه الصقريتين. ما إن رأينه حتى ساد الصمت، لكن عواطف تقدمت بخطوات حذرة وقالت بخبث موارب:
- "صباحية مباركة يا قلب أمك.. عساكِ تكون ارتحت ليلتك يا ولدي، وعساها البت تكون عرفت مقامها ومقام الكبير؟"

نظر منصور إليهم بنظرة حادة ألجمت الأفواه، ثم التفت إلى هنادي وسعاد، وخطرت في عقله فكرة شيطانية ليرد بها الصاع صاعين لقمر، ويكسر ذلك الشموخ الذي تباهت به أمامه منذ قليل. ابتسم منصور ابتسامة غامضة تحمل قسوة وجبروتاً، وقال بصوت جهوري مسموع:
- "البيت كله يجهز عاد.. النهاردة صباحية كبير الهواري، والكل لازم يعرف إن السرايا دي ليها سيد واحد، وحريمها كلهم طوع بنانه. أنتي وهي (مشيراً لهنادي وسعاد) اجهزوا.. والمساء عيزفكم لِـ غرفتي قدام السرايا كلها، عشان الكل يعرف مين هما حريم الكبير الحقيقيين!"

تطايرت الفرحة من عيون هنادي وسعاد، وتبادلتا نظرات النصر والشماتة؛ فمنصور قرر علناً أن يهمشهما قمر ويعيد الاعتبار لزوجاته الأوائل في نفس يوم صباحيتها!

---

حلّ المساء، واشتعلت السرايا بأنوارها، لكن الأجواء داخل الجناح العلوي كانت خانقة. كانت قمر تجلس في غرفتها، تقرأ في كتاب بهدوء مصطنع، بينما قلبها ينبض بوجع خفي لم تعترف به لنفسها؛ فوحدة المكان وغرابة الأهل كانا يضغطان على أعصابها.

فجأة، انفتح الباب بعنف ودخل منصور. لم يكن بمفرده، بل كانت "هنادي" تسير خلفه بخطوات دلالية جريئة، ترتدي عباءة حمراء صارخة من الحرير تلتصق بجسدها، وتضع عطوراً نفاذة ملأت الغرفة في ثوانٍ، وعلى وجهها ابتسامة تحدٍ وشماتة موجهة مباشرة نحو قمر.

لم تتحرك قمر من مكانها، بل رفعت عينيها ببرود ونظرت إليهما.

تقدم منصور بخطوات واثقة، وجلس على الفراش الكبير، ثم أشار لـ هنادي بجفاء آمر لكنه يحمل تحدياً لقمر:
- "تعالي يا هنادي.. تعالي اهنا جمبي يا أم عيالي."

اقتربت هنادي بدلال مفرط وجريء، وارتمت في حضنه أمام عيون قمر، وبدأت تداعب أزرار جلبابه وتتحدث بنبرة مسموعة ومستفزة:
- "من عيوني يا سيد الناس.. السرايا منورة بيك الليلة، وإني ماليش ضهر ولا سند في الدنيا دي غير حضنك يا كبير."

التف ذراع منصور حول خصر هنادي بقوة وجذبها إليه في مشهد جريء ومقصود، وعيناه مثبتتان على قمر يراقب رد فعلها، يبحث في وجهها عن ذرة غيرة، أو انكسار، أو دمعة تقرّ عينه بجرح كبريائها. طبع منصور قبلة قوية وجريئة على عنق هنادي التي أطلقت ضحكة دلالية خافتة ملأت أركان الغرفة.

---

كان المشهد جريئاً ومستفزاً لأي امرأة، وظن منصور ومعه هنادي أن قمر ستنهار أو تصرخ أو تخرج من الغرفة باكية ذليلة. لكن قمر فاجأت الجميع؛ أغلقت كتابها ببطء شديد، ووضعت قدماً فوق الأخرى ببرود قاتل، ونظرت إليهما وارتسمت على شفتيها ابتسامة ساخرة مليئة بالاشمئزاز والشموخ.

قامت قمر من مكانها بخطوات بطيئة ورشيقة، ووقفت أمام الفراش مباشرة، وتأملت المشهد الجريء وكأنها تشاهد مسرحية رخيصة. نظرت في عيني منصور وقالت بنبرة صوت هادئة، دافئة، لكنها تقطر سماً وتحدياً:
- "برافو.. برافو يا منصور بيه! مشهد تمثيلي هايل، وتستاهلوا عليه جائزة.. بس بصراحة، الحركة دي قديمة أوي ورخيصة كمان، ومتمشيش على قمر الهواري."

تصلب جسد منصور، واشتعلت عيناه بنيران الغضب، بينما شهقت هنادي بصدمة وحاولت الاختباء في حضن منصور وهي تقول بغيظ:
- "شفت يا كبير؟ شفت البت وعمايلها وقلة حياها؟ واجفة عتتفرج وتغلط فينا واصل!"

أشارت إليها قمر بسبابتها وقالت بحدة:
- "أنتي تسكتي خالص وتلمي نفسك.. عشان اللعبة دي أكبر منك بكتير يا شاطرة!"

ثم التفتت بكامل جسدها نحو منصور، وانحنت قليلاً نحو الفراش لتصبح قريبة من وجهه، وقالت بنبرة مليئة بالجبروت:
- "أنت فاكر إنك لما تجيب زوجتك وتعمل الحركات دي قدامي، أنا هغير؟ أو هحس بوجع؟ لاه يا كبير.. أنت كده بتأكدلي الحقيقة اللي قولتلك عليها امبارح؛ إنك عاجز قدامي! عاجز تخليني أركعلك بقوتك، فلجأت لطرق الحريم عشان تستفزني! بس قمر عبد الله الهواري متتكسرش بالطريقة دي.. بالعكس، أنا كبرت في عين نفسي أكتر الحين لما شفت كبير الصعيد بيحارب بنت بـ الحركات دي!"

---

لم يحتمل منصور أكثر. دفع هنادي عنه بعنف حتى كادت تسقط من على الفراش، وهدر بصوت زلزل السرايا بحالها:
- "اطلعي برا يا هنادي الحين!! برا!!"

خرجت هنادي تهرول وهي تبكي من الخوف والغيظ، تاركة خلفها الباب مفتوحاً. انتفض منصور واقفاً كالمارد، وجذب قمر من يدها بقوة هائلة حتى اصطدم جسدها النحيل بصدره العريض، وقال وهو يضغط على أسنانها وعيناه تطلقان شرراً مرعباً:
- "إنتي إيه؟! إنتي مش حريم واصل؟! مفيش في قلبك دم ولا حيا؟! كيف تتجرأي تتحدتِ مع الكبير هكِذا وتغلطي في رجولتي وهيبتي؟! إني منصور الهواري اللي البلد بحالها بتهاب نظرة عينه.. عتقولي عليا عاجز يا بت بحري؟!"

لم ترتعش قمر، بل رفعت وجهها إليه والتقطت أنفاسها بصعوبة من شدة قربه، وقالت بصوت مسموع مليء بالتمرد الذي لا يلين:
- "أيوه.. اللي يعمل الحركات دي عشان يثبت قوته يبقى عاجز يا منصور بيه! لو عايز تثبت رجولتك وجبروتك، اثبتهم في الحق.. روح شوف أمك عواطف عملت إيه زمان وعذبـت أبويا وأمي كيف! روح صفي حسابات الماضي القديمة والوسخة اللي في بيتك الأول.. وبعدين تعالى اتمرجل عليا في أوضتك الحين!"

تسمر منصور في مكانه، ووقعت كلماتها عن أمه والماضي كالصاعقة على رأسه، فضيق عينيه بشك وريبة قاتلة، بينما كانت "عواطف" تقف خلف الباب المفتوح، تستمع إلى الكلمات وجسدها يتصبب عرقاً ورعباً من أن ينكشف سرها الأسود أمام ابنها الطاغي الذي لا يرحم في الحق أحداً..

تصلبت عروق منصور، وضاقت عيناه الصقريتان وهو يثبت نظراته المرعبة على وجه قمر الذي لم يبتعد عن وجهه سوى سنتيمترات قليلة. كانت أنفاسهما تمتزج في حوار لاهب يحبس الأنفاس، وقبضته على ذراعها كادت تترك علامات زرقاء من شدة الغيظ والذهول.

كلماتها الأخيرة لم تكن مجرد تمرد، بل كانت طعنة نفذت إلى عمق لغز طالما أحس به داخل جدران هذه السرايا؛ لغز خروج عمه عبد الله مطروداً أو هارباً، ولغز القطيعة التي دامت عشرين سنة.

قال منصور بصوت منخفض، رخيم، يخرج من بين أسنان مطبقة كصوت الرعد البعيد:
- "أنتي عتقولي إيه يا بت عبد الله؟ أمي عواطف مالها ومال الماضي؟ وإيه الحسابات الوسخة اللي عتتحدتي عنها في بيتي وإني واجف؟! انطقي عاد، بدل ما يكون أخر حِس تطلعيه من جوفك الليلة!"

لم تهتز قمر، بل لمعت عيناها بدموع القهر والغل، واقتربت أكثر حتى لامست أنفاسها الحارقة وجنته، وقالت بنبرة تقطر تحدياً وجبروتاً استمدته من إرث الهواري:
- "اسأل أمك المصونة يا كبير.. اسألها عن الجوابات اللي زورتها زمان عشان تخلي أبويا يطلق أمي ويطردها في نص الليل وهي حامل فيّا! اسألها مين اللي حاول يدفنني صاحية وأنا حتة لحمة حمراء في اللفة لمجرد إنها مكنتش عايزة لـ عبد الله الهواري وريث ولا بنت تطلع في الدنيا! روح شوف الست اللي أنت واجف تدافع عنها الحين وكسرت عشانها خاطر مراتك، كانت عاملة كيف الحية اللي بتنفث سمها في الضلمة.. أنا وافقت على الجواز منك عشان أكون اهنا.. قدامها، وعشان أدفّعها تمن كل دمعة نزلت من عين أمي مروة الغلبانة!"

---

خلف الباب الخشبي الضخم الذي تركته هنادي مفتوحاً جزئياً في هربها، كانت "الحاجة عواطف" تقف مستندة على الجدار بكف يرتجف بعنف. كانت دقات قلبها مسموعة لدرجة أنها ظنت أن منصور سيسمعها. تصبب العرق البارد من جبينها، وشعرت بركبتيها لا تقويان على حملها.

كل كلمة نطق بها لسان قمر المتمرد كانت مسماراً يُدق في نعش جبروتها داخل السرايا. التفتت عواطف حولها بذعر، وحدثت نفسها بهلع قاتل: *(البت كشفت كل الورق.. ومنصور لو صدقها ودور وراها، عيطردني برة السرايا وعيتبرى مني.. منصور في الحق واعر وميعرفش أمه واصل! يامري يا خراب بيتك يا عواطف!)*

انسحبت عواطف بخطوات لاهثة ومرتبكة، تجر أذيال عباءتها السوداء وهي تحاول ألا تصدر أي صوت، وعقلها يدبر كيداً جديداً للتخلص من قمر قبل أن ينكشف المستور.

داخل الجناح، ترك منصور ذراع قمر فجأة بدفعة قوية جعلتها تتراجع إلى الخلف حتى استندت إلى حافة المقعد. التفت عنها ومشى بخطوات واسعة ثقيلة نحو منتصف الغرفة، وعقله يغلي بالأفكار والشكوك. تذكر ارتباك أمه عواطف في الأيام الماضية، وتذكر كيف انكمشت وارتعبت عندما واجهتها قمر في فناء السرايا، وكيف نزلت من غرفتها ويدها ترتجف وهي تدعي كذباً أن قمر حاولت كسرها.

التفت منصور نحو قمر، وضيق عينيه وقال بجبروت يداري خلفه هزة الشك التي أصابت قلبه:
- "الحديث ده لو طلع كدب واصل.. ولو لقيتك عتبلي على أمي عشان تداري على تمردك وعنادك، إني مش عأرحمك يا قمر.. عأكون أول حد يدفنك بيده اهنا في جنينة السرايا!"

ردت قمر وهي تعدل من وضع ثوبها بكل كبرياء وشموخ، وابتسامة ساخرة ترتسم على شفتيها:
- "أنا مابتبلاش على حد يا منصور بيه.. والورق والجوابات اللي بتثبت كلامي معايا، وفي مكاني اللي كنت عايشة فيه في مصر. وأعلى ما في خيلك اركبه.. روح دور وفتش، وساعتها هتعرف إنك عايش وسط دبابير حقيقية، مش بنت جاية من بحري بتتبلى على مقامكم العالي!"

مشى منصور نحو الباب بخطوات سريعة وهيبة هادرة، وقبل أن يخرج، التفت إليها وقال بصوت قاطع كالسيف:
- "الباب ده مش عيتفتح ليكي واصل، وقعدتك اهنا لحد ما الحقيقة تبان عتشوفي فيها كيف عيكون غضب منصور الهواري.. أنتي من الليلة في حمايتي اه، بس تحت طوعي وغصب عن عينك!"

خرج منصور وأغلق الباب خلفه بعنف زلزل أركان الجناح، وتوجه مباشرة لأسفل السرايا وعيناه تشتعلان بنيران لا تنطفئ.

--

في الممر السفلي، كانت هنادي تجلس وهي تبكي بقهوة وغل وسط "سعاد" التي كانت تحاول تهدئتها بظاهرها، وتشتعل شماتة في باطنها. قالت هنادي وهي تمسح دموعها بعنف:
- "طردني يا سعاد!.. طردني قدام البت وبأقسى حِـس عنده! دفعني من على السرير وكأني خادمة مش أم عياله وولي عهده! البت دي عملت له عمل وعملت لحماتي عمل.. شفتي حماتنا كيف طلعت تجري من شوية ووشها أصفر زي الليمونة؟"

لوت سعاد فمها بخبث وقالت:
- "إني قولتلك يا هنادي.. البت دي وراها سر واعر قوي، ومش جاية عشان تتجوز وبس، دي جاية تصفي حسابات قديمة وتطردنا كلنا من السرايا. وإحنا لو سكتنا الحين، منصور عيمشي وراها وعينسانا واصل.. لازم نتحرك ونعرف البت دي شايلة إيه في غرفتها ومقوية قلبها بيه هكِذا على الكبير!"

وفي تلك الأثناء، كان منصور يترجل في حوش السرايا الكبيرة تحت ضوء القمر، يمسك عصاه بقوة ويضرب بها الأرض، وعقله يزن الكلمات.. كلمات عمه عبد الله وهو يموت: *(قوليلها إن أمها هي اللي بعدتها عني.. وأنتي أكتر واحدة عارفة عمايل أمها معايا).*
ضيق منصور عينيه وتمتم بغموض وقهر:
- "عمايل أمها.. ولا عمايل أمي إني يا عمي؟ والله في سماه.. لو طلع حديت البت دي صح، ليكون طين السرايا دي عاليها واطيها، والكل عيعرف إن منصور الهواري مبيغطيش على باطل واصل، حتى لو كان الباطل ده من دم أمي!"

استمر منصور في طوافه حول حوش السرايا الشاسع، وخطواته الثقيلة تترك أثراً عميقاً في النجيل الأخضر تحت ضوء القمر الخافت. كانت عصاه الأبنوسية تضرب الأرض بانتظام حانق، يعكس بركان الأفكار الذي يغلي في رأسه. لم يكن منصور رجلاً تغلبه العواطف، ولم يكن يوماً ممن تأخذهم الكلمات يميناً ويساراً، لكن نبرة قمر الصادقة، الممزوجة بمرارة الظلم والقهر، زرعت في عقله شكاً لا يمكن لرجولته وكبريائه أن يتغاضيا عنه. كان يفكر في عمه عبد الله، ذلك الرجل الذي مات مكسوراً وعينه معلقة بوصية غريبة، ويتذكر نظرات أمه عواطف التي كانت دائماً تتجنب الحديث عن عمه الراحل وعن زوجته مروة.

تحركت خطوات منصور تلقائياً نحو جناح والدته عواطف في الطابق الأرضي. وقف أمام الباب الخشبي العتيق لعدة ثوانٍ، وعيناه تضيقان بجمود مرعب. طرقت يده القوية الباب ثلاث طرقات متتالية، رن صداها في صمت السرايا كأنه نذير شؤم. بالداخل، كانت عواطف تجلس على فراشها وهي تمسك بسبحتها بيد ترتجف بعنف، وجسدها يتصبب عرقاً بارداً. ما إن سمعت الطرقات حتى شهقت برعب، وعلمت بقلب الأم وحس الأفعى أن ابنها الطاغي يقف خلف العتبة ومعه رياح الحساب.

فتحت الباب ببطء ورأسها منخفض، وحاولت جاهدة أن ترسم على وجهها ملامح المسكنة والضعف التي طالما خدعت بها الجميع، وقالت بنبرة مرتعشة ومصطنعة:
- "منصور يا ولدي.. خير يا قلب أمك؟ إيه اللي منزلك في وقت متأخر هكِذا من جناحك؟ عساك تكون بخير؟"

دخل منصور الغرفة دون أن ينظر إليها، وبخطوات رزينة واثقة وقف في منتصف الغرفة، ثم التفت إليها ببطء، وجسده الفارع الطويل يلقي بظله المرعب فوقها. ضيق عينيه الصقريتين وثبّت نظراته الحادة في عينيها مباشرة، وقال بصوت منخفض، عميق، يحمل حزماً زلزل كيانها:
- "إني بخير يا مّـا.. بس الجناح فوق فيه حديت واعر قوي عيتحدتوه، حديت يخص السرايا ويخص هيبة الهواري اللي ميرضانيش واصل إنها تلوّث بباطل. قمر واجفة فوق عتقول حديت عن زمان.. عن عمايل وتزوير وجوابات طفشت مرأة عمي مروة وهي حامل بالبنية.. أنطقِ يا مّـا، وعيني في عينك هكِذا.. الحديت ده فيه شيء من الواسع والصدق، ولا البت عتبلي عليكي؟"

سقطت السبحة من يد عواطف وتناثرت حباتها على السجاد كأنه عقد حياتها الذي انفرط. تراجعت خطوة إلى الخلف والذعر يملأ حدقتيها، وحاولت الصراخ لتداري موقفها قائلة:
- "كدابة!.. كدابة وفاجرة يا ولدي! البت دي جاية من بحري بقلة حياها عشان تخرب بيتك وتوقع بيني وبينك! إني أمك يا منصور.. إني الحاجة عواطف اللي ربت وكبرت، كيف تصدق فيّا حديت من بت ماسخة كيف دي؟! دي عايزة تكسر هيبتي وهيبتك قدام نسوان السرايا بحالها!"

تقدم منصور نحوها خطوة واحدة كانت كفيلة بأن تجعلها تصمت تماماً من الرعب. انحنى قليلاً لمستواها وقال بنبرة تقطر حزماً وجبروتاً لم تره فيه من قبل:
- "إني ملقولتش إني مصدقها يا مّـا.. إني واجف اهنا عشان أسمع منك أنتي. بس إياكِ تفتكري إن منصور الهواري عيغمي عينه عن الحق لو كان على رقبة أمه! البت عتقول إن الورق والجوابات معاها في مصر.. وإني الصبح واصل، هبعت مروان أخوي يجيب الورق ده من اهناك.. ولو طلع حديتها صدق يا مّـا، وطلع إنك السبب في عذاب عمي وضياع بنته السنين دي كلها، فـ والله في سماه.. ليكون ليا حديت تاني معاكي ميرضكيش واصل، وهيبة الكبير مش عتغطي على باطل في بيته!"

استدار منصور وخرج من الغرفة وهيبته الهادرة تسبقه، تاركاً خلفه عواطف تسقط على ركبتيها وهي تبكي بنحيب يملؤه الرعب والغل، وعقلها يدور في حلقة مفرغة من الخوف من ضياع كل شيء إن وصل مروان إلى ذلك الورق.

في الطابق العلوي، وتحديداً في الرواق المؤدي إلى أجنحة الزوجات، كانت سعاد وهنادي تقفان خلف الأعمدة تراقبان الأوضاع بفضول قاتل وغيرة تلتهم قلوبهما. لمحتا منصور وهو يصعد السلالم بوجه عابس وعينين يتطاير منهما الشرار، فلم تجرؤ أي منهما على التقدم خطوة واحدة نحوه. دخل منصور جناحه وأغلق الباب بقوة أصدرت صوتاً مدوياً، فالتفتت هنادي إلى سعاد وقالت بهمس لاهث يملؤه السواد:
- "شفتِ يا سعاد؟ منصور نزل لأمه ووشه ميعلم بيه إلا ربنا، والبت فوق قاعدة في غرفتها زي الملكة ومحدش قادر يلمس شعرة منها! السرايا دي عتقيد نار يا سعاد، ومنصور شكله عيتغير من ناحيتنا بزيادة بسببها."

ردت سعاد وهي تعض على شفتيها بغيظ مكتوم:
- "والله ما عسكت واصل يا هنادي.. البت دي لو فضل حالها هكِذا، منصور عيهملنا وعيهمل عيالك وعيصب كل اهتمامه عليها وعلى عنادها اللي عيجرجره ليها بزيادة. الرجالة كيف منصور ميعجبهمش الساهل، وعناد البت ده هو اللي عيشغل عقله.. إحنا لازم نعملوا حاجة تخلي البت دي تغلط غلطة عمرها قدام الكبير عشان يرميها برة السرايا بيده!"

داخل الجناح، كانت قمر واقفة عند النافذة، تتأمل النجوم والدموع تلمع في عينيها، لكنها كانت دموع قوة لا دموع ضعف. سمعت صوت الباب وهو يغلق، فالتفتت ببطء لتجد منصور واقفاً أمامها بكامل هيبته، لكن عيناه كانتا تحملان نظرة غموض وشك قاتل لم ترهما فيه من قبل.

تقدم منصور نحوها بخطوات بطيئة ورزينة، وقف على بعد خطوة واحدة منها، وتأمل وجهها الشاحب وعينيها المتحديتين لعدة ثوانٍ في صمت يحبس الأنفاس، ثم قال بصوت رجولي رخيم يحمل وعيداً مبطناً:
- "إني عأوفّي بوعدي يا بنت عمي.. وعأشوف أخر الحديت ده معاكي إيه. الصبح واصل، مروان أخوي عيسافر مصر عشان يجيب الورق والجوابات اللي عتقولي عليها.. ولو طلع حديتك كدب عاد، فـ إني عأعرف كيف أربيكي وأكسر التمرد ده كله تحت رجلي في وسط السرايا."

رفعت قمر رأسها وتطلعت في عينيه بثبات زلزل هدوءه الداخلي، وارتسمت على شفتيها ابتسامة باردة ممتلئة بالثقة والشموخ، وقالت بنبرة صوت دافئة لكنها حادة كالسيف:
- "وأنا مستنية يا منصور بيه.. مستنية مروان يرجع بالورق عشان تشوف بعينك 'كبير الهواري' كان عايش في كدب بقاله كام سنة، وعشان تعرف إن قمر عبد الله الهواري مبتخافش من تهديدك ولا من جبروتك.. والملعب لسه بيننا، وبكرة الحقيقة تبان وتعرف مين فينا اللي هيكسر عين التاني!
تعليقات



<>