رواية المتمردة والطاغي الفصل العاشر10الاخير بقلم فادية النجار

رواية المتمردة والطاغي الفصل العاشر10الاخير بقلم فادية النجار
المتمرده والطاغي  البارت الاخير 
اللهم صل على سيدنا محمد وعلى اله وصحبه اجمعين وسلم تسليما كثيرا 

البنات اللي زعلانه مني علشان بتأخر في التنزيلات والله غصب عني  وبالنسبه البارت ده انا كملت فيها  الجزء الاخير بالعافيه والله علشان اقفل الروايه لاني كنت عمالها نوفيلا بس كبرت مني وان شاء الله هعوضها في روايه اقدار مكبله 

استقرت كف منصور الواسعة برفق فوق كتف قمر المرتجف، وكان يحرك أصابعه بخطوات بطيئة وحنونة بين خصلات شعرها الأسود المنسدل، وكأنه يحاول بكل ما أوتي من قوة وجبروت أن يمسح بيديه كل السنين القاسية والوجع المرير الذي ذاقته في غيابها وغربة أمها. لم يعد ذلك الرجل الصعيدي القاسي الذي يخشاه الصغير قبل الكبير في أنحاء البلدة، بل تحول فجأة إلى درع واقٍ وقلب حنون ينبض بالأسى لأجلها وحدها، وكأن عينيها الباكيتين كانتا السهم الوحيد الذي استطاع أن يخترق حصون غروره ويكسر صلابته.
أما الحاج عبد الرحمن، فقد نهض من مقعده الخشبي الكبير ببطء شديد، مستنداً بثقله كله على عصاه الغليظة، وألقى نظرة أخيرة مفعمة بالمرارة والاحتقار على عواطف التي كانت تجلس على الأرض ذليلة مكسورة الجناح، لا تجرؤ على رفع رأسها أو النطق بحرف واحد بعد أن كُشف زيفها وسقطت قناع الطيبة والمكر التي ارتدتها عقوداً طويلة. أدار الحاج ظهره وغادر المكان باتجاه جناحه الخاص بخطوات متعبة، متخلّياً عن المشهد برمته ليدع الابن يحاسب أخطاء الماضي ويدير دفة بيته بالطريقة التي يراها تليق بكرامة الهواري الحقيقية.
بدأت خيوط الليل تنسدل ببطء على جدران السرايا الحجرية الضخمة، والظلال الطويلة تتمايل مع وميض القناديل المعلقة في أركان البهو الواسع، بينما بقيت سعاد وهنادي تلملمان أطراف ثيابهما بوجوه شاحبة وأيدٍ مرتعشة، تسرعان بخطوات متخبطة نحو الخارج نحو مخابئهن القديمة في البيوت المنعزلة، مطأطئتي الرأس بعد أن ضاع منهن كل شيء وضاعت معهن أحلام السيطرة والنفوذ. أما صابر، فبقي حبيس المخزن المظلم، يترقب مصيره المحتوم بعينين زائغتين، لا يدري أي جحيم ينتظره بعد سقوط أمه واعترافاتها المدمرة.
حمل منصور قمر بين ذراعيه وكأنها طفلة صغيرة خائفة، متجاهلاً كل أعراف السرايا ووجود الخدم في الزوايا، وصعد بها درج السلالم الحجرية الواسعة خطوة بخطوة حتى وصل إلى جناحه الخاص. فتح الباب بكتفه ودخل بها إلى الداخل، حيث الفراش الوثير ودفء الغرفة الهادئة بعيداً عن صخب البهو وعواصفه. وضعها برفق شديد على الحافة، وجلس أمامها على ركبتيه، ورفع وجهها المعفر بالدموع بيده الكبيرة، وتأمل عينيها الدامعتين بنظرة يملؤها الندم الصادق والعشق المتربص في أعماقه، وقال بصوت هامس يقطر دفئاً:
— "حقك عليا أنا يا قمر.. حقك تراب في رجليا من هِنا ورايح. اللي راح مات، واللي ظلمت وعصت ربها دُفعت لبيت الجبل تاركها وحدها، ومفيش مخلوق على وجه الأرض يقدر ينزل دمعة واحدة من عيونك تاني وأنا حي واصل. السرايا دي كلها بقت تحت أمرك، وأنا وكل اللي في القصر ده تحت طوعك  سامحيني، وخلينا نبدأ صفحة جديدة تليق بيكي وبقهر السنين اللي عيشتيه."
رفعت قمر رأسها ببطء، وكانت عيناها البرّاقتان تعكسان ضوء القناديل الضعيف، وامتزجت دموعها الباقية بنظرة تحدٍ قديمة لم تفارقها أبداً، لكنها هذه المرة كانت محملة بمشاعر دافئة وغريبة بدأت تتسلل إلى قلبها المتعب. وضعت كفها الصغير فوق كفه الخشنة المطبوعة بآثار الزمن، وقالت بصوت متهدج وخافت:
— "مش سامحاك يا منصور.. مش بالسهولة دي أنسى كل ليلة نامت فيها أمي وهي بتبكي مقهورة من ظلمكم.. بس.. بس هشوف هتعمل إيه في الأيام الجاية عشان تثبت لي إن الطاغية اللي دخلت بيته مقيدة.. بقى هو نفسه الراجل اللي يستاهل يحميني بجد."
ابتسم منصور ابتسامة خفيفة، ابتسامة أولى صادقة ونابعة من قلبه لأول مرة منذ سنوات طويلة، واقترب منها أكثر حتى تلامست جبهتاهما، وشعر بأنبثاق فجر جديد داخل السرايا، فجر تلتئم فيه الجراح القديمة وتولد فيه قصة حب عنيدة بين المرتدّة والطاغي الذي أصبح أسيراً لعينيها إلى الأبد.
مرت ساعات الليل الثقيلة كأنها دهور، وفي السرايا كان الصمت الحذر يلف المكان، وكأن الجدران نفسها كانت تتنفس الصعداء بعد عاصفة الأمس التي أطاحت برؤوس الفساد والكذب. مع أول انقشاع لخيوط الفجر الأولى، وتسلل ضوء الشمس البارد إلى داخل الغرف، لم يكن منصور قد أغلق جفناً واحداً؛ كان جالساً على الأريكة الجلدية الكبيرة في جناحه، وعيناه معلقتان على وجه قمر وهي نائمة بعمق على الفراش، وكأنها بعد سنين من التعب والقهر وجدت أخيراً مكاناً آمناً تطمئن فيه روحها المتعبة. اقترب منها بحذر شديد وكأنه يخشى أن يكسر سكونها، وعدّل الغطاء فوق كتفيها بحركة رقيقة لا تتناسب أبداً مع جبروته المعهود، ثم طبع قبلة خفيفة ومترددة على جبينها، ونهض بخطوات ثابتة وواثقة متوجهاً نحو الباب، فقد كانت أمامه مهام ثقيلة يجب أن ينهيها ليثبت لها أن وعده ليس مجرد كلام يهديه الريح.
نزل منصور درج السلالم كالمارد الغاضب، وكان وجهه يقطر حزماً وقسوة، وما إن وطدت قدماه أرض البهو الواسع حتى وجد رجاله في انتظاره مترقبين. أمر بصوت هادر أن يتم إحضار صابر من المخزن المظلم فوراً، وبعد دقائق معدودات، جُرّ صابر ذليلاً مهاناً، ترتجف ساقاه ويحاول استجداء العفو بعينين زائغتين يملؤهما الرعب. وقف منصور أمامه، وضغط بيده على قبضته حتى ظهرت عروقه، وقال بصوت يقطر تهديداً: "كنت مفكر نفسك بعيد عن الحساب يا صابر؟ كنت عتاكل في مال اليتامى وتساعد أمك في ظلم الناس وتزوير الحقايق؟! والله لو رجعت بينا ساعة لورا لكونت دفنتك حي مكان ما كنت عتخطط لخراب السرايا دي!"
حاول صابر أن ينطق بكلمة استرحام، لكن إشارة قاطعة من يد منصور كفت لسانه، فأمر رجاله قائلاً بحسم لا تقبل النقاش: "خذوه لبيت الجبل جنب سته هناك ، ومن الليلة ملوش عيش بينا ولا في البلد دي واصل، ومبروك عليه الذل اللي اختارته لنفسه!"
في تلك اللحظة، كانت قمر قد استيقظت، وفتحت عينيها لتجد الغرفة هادئة ودافئة، فجلست على حافة الفراش وأخذت تستنشق الهواء بعمق، وشعرت لأول مرة أن الهواء الذي تدخله رئتاها ليس فيه طعم القهر والغربة. ارتدت عباءتها السوداء ببطء، ومشيت بخطوات ثابتة نحو شرفة الجناح لتنظر إلى فناء السرايا، ورأت منصور وهو يدير الأمور بحزم وعدل، وهو يأمر الخدم والعمال بإعادة ترتيب شؤون السرايا وتطهيرها من آثار الماضي البغيض. رفعت رأسها إلى السماء، ودمعة خفيفة حارة نزلت على خدها، لكنها لم تكن دمعة قهر هذه المرة، بل كانت دمعة راحة واعتزاز بأن حق أمها قد عاد كاملاً على يد الرجل الذي ظنته عدوها الأبدي.
رفع منصور عينه فجأة نحو الشرفة، فرأى قمر واقفة بشموخها المعهود وعينيها البرّاقتين ترمقانه من بعيد. لم يتردد ثانية واحدة، فترك كل من حوله وصعد الدرج طيراناً حتى فتح باب الجناح ودخل عليها، ووقف أمامها مباشرة وفي عينيه لهفة العاشق وسؤال المحب الخائف من رد فعلها. اقترب منها ببطء، وابتسم ابتسامة دافئة وقال بنبرة تفيض بالحنان: "صح النوم يا قلب منصور.. كنت عتراقبيني ولا كنتِ خايفة أكون ظلمت حد تاني في غيابك؟"
نظرت إليه قمر بعينين قويتين لا تهابان شيئاً، وقالت بصوت هادئ يحمل طيات التحدي العذب: "كنت بشوف رجولتك الحقيقية يا منصور بيه.. وكنت بتأكد إذا كنت هقدر أأمنلك على قلبي اللي اتكسر زمان، ولا هتطلع طاغية زي ما كنت مفكرة."
اقترب منها أكثر حتى أصبحت أنفاسهما تختلط ببعضها، ولمس كفها البارد برفق وقال بصوت يزلزل وجدانها: "من الليلة دي.. الطاغية ده ما بقاش ليه وجود إلا وهو حارس لعيونك، وأنا كُلي تحت أمرك يا قمر، واعتبري اللي جاي كله عوض من رب العالمين على كل دمعة نزلت منك."
مرت الشهور وكأنها نسمات ربيع هادئة داوت جراح السرايا ومسحت غبار القهر اللي كان عشعش فيها سنين طويلة. مابقاش اسم منصور الهواري مرتبط بالجبروت والقسوة زي زمان، بل بقى رمز للعدل والحنية، خصوصاً بعد ما لقى في عيون قمر مرآة لروحه ودفء عمره.

 كانت قمر قد أخذت مكانتها الحقيقية في السرايا، مش بس كزوجة لكبيرها، بعدما طلق منصور زوجاته وأعطاهم حقوقهم كامله  بل كست البيت الآمرة الناهية اللي بتمسح دموع كل مظلوم وترد الحقوق لأصحابها، وكأنها بوجودها الحكيم وقوتها حولت القصر المظلم لجنّة دافية تملأها المحبة والرضا والسلام.ولقد تم عقد قران عاليا ابنت عمتها هنا ومروان في أجواء عائلية جميله وكانت قمر سعيده بصحبه عاليا 

وفي ليلة صيفية دافية، كان الهوا العليل بيلاعب شرفات السرايا، وكانت النجوم منورة السما بصافيها الجميل. كان الحاج عبد الرحمن قاعد في البهو الكبير، تكسو وجهه ابتسامة رضا عميقة وهو شايف ابنه منصور واقف جنبه، مرتاح البال ومتهني بالدنيا جنب مراته البصيرة القوية اللي قدرت تروض قلبه القاسي وتخليه ألين من الحرير. رفع الحاج عصاه المعتادة وضرب بيها الأرض بخفة وقال بصوت كله بركة وفرح: "الحمد لله اللي أذن بجمع الشمل ورد الحق لأصحابه، السرايا رجعت روحها فيها يا ولدي، وحق مروة الله يرحمها ارتاح في تربتها وعوضها في بتها أطهر عوض."
وعلى بعد خطوات، كان منصور واقف مع قمر في جنينة السرايا الواسعة، وسط شجر الرمان والنخيل اللي عمت بركته المكان. كانت قمر لابسة عباءة أنيقة مطرزة بخيوط فضية رقيقة، وشعرها الأسود الطويل منسدل برقة على كتفيها، وعيونها بتلمع بلمعة الفرح والأمان اللي ما فارقتهاش من يوم ما فتحت قلبها للراجل اللي حارب الدنيا وعاداتها عشانه. بص لها منصور بعيون تفيض عشق وهيام، وقرب منها خطوة ومد يده الكبيرة لمس كفها الناعم بحنان طاغٍ وقال بصوت هادئ يملأه الدفء والامتنان: "لسه شايلة في قلبك حاجة ناحيتي يا ست الكل.. ولا الطاغية قدر يمحى كل جرح قديم بقلبه اللي اتعلق بيكي ومستعد يفدي عيونك بروحه؟"
رفعت قمر عيونها البراقة فيه، وابتسمت ابتسامة ساحرة هزت فؤاده وأسرت عقله، وقالت بصوت عذب يقطر دلال وحب صادق: "الطاغية زمان مات يا منصور.. ومبقاش في قلبي غير راجل واحد.. راجل حارب الدنيا كلها عشان يمسح دمعتي، وبقى هو سندي وأماني في الدنيا دي كلها. أنا سامحتك يا ابن عمي، بل حبيتك باللي كنت فيه واللي صرت عليه، ومبقاش يهمني من الدنيا دي غير إنك تفضل ضلّي وحبيبي العمر كله."
ضحك منصور ضحكة عميقة نابعة من قلبه، ضحكة ما ضحكهاش من سنين طويلة، وفتح ذراعيه العريضين وضمها لصدره بقوة، كأنه بيخبيها جوه روحه عشان ماتبعدش عنه أبداً. حس بأنفاسها الدافية وضربات قلبها اللي بتدق بانتظام مع دقات قلبه، وعاشوا الاتنين في سعادة أبدية غلبت كل قسوة السنين ومرارة الماضي، وتوجت قصة المتمردة والطاغي بأجمل نهاية تجمع بين الحب الحقيقي والعدل الوافي
                   تمت بحمد الله 

تعليقات



<>