
كشف الظل الرابع خلف الستار!!
ساد صمت مطبق في الغرفة المظلمة حين وقعت عينا العقيد مراد الألفي على شاشة هاتفه. كانت الرسالة الواردة من رئيس المعمل الجنائي تجزم بتحليل الخيط الحريري:
"عُثر على جزيئات حيوية متناهية الصغر ممتزجة بمسحوق الحرير المقاوم للقطع... البصمة الوراثية لا تعود لطارق الزيني ولا لسيد متولي ولا لنادين الشاذلي، بل تعود لامرأة، ولكنها صمغية المطابقة بنسبة 50% مع نورهان الشاذلي نفسها!"
عقد مراد حاجبيه بحدة، والتفت نحو النقيب حسام الذي كان يراقب ملامحه بقلق.
"صلة قرابة مباشرة من الدرجة الأولى..." قال مراد بنبرة خفيضة تحبس الأنفاس. "والدة نورهان متوفاة منذ سنوات، وليس لها شقيقة أخرى سوى نادين... إذن كيف تكون البصمة مطابقة جزئياً لنورهان؟"
انطلقت شرارة الفهم في عيني حسام:
"العينات الحيوية للشعر أو خلايا الجلد قد تتماثل بهذه النسبة بين الأقارب من الدرجة الأولى... أو أن هناك شخصاً آخراً من دمهما لم يُذكر في السجلات الرسمية!"
التفت مراد فوراً نحو نادين الشاذلي، التي كانت ما زالت تجلس بجمود وثبات مرعب على كرسيها.
"وهمست ('فريدة الشاذلي) 'من هذه يا نادين؟" سأل مراد فجأة، حاطاً بيده على الطاولة بقوة.
انقضت ملامح نادين الشاحبة، وشحب وجهها حتى بدا كالطبشور، وتراجعت بظهرها بانتفاضة خائفة:
لكن كيف؟! فريدة في المصحة منذ ثلاث سنوات!"قال مراد وهو ينظر اليها بنقم شديد،
و صاح بصوت كالرعد. "تكلمي فوراً وبلا تلفيق، القصة وصلت إلى منتهاها!"
السر العائلي المدفون ان له ان ينكشف قولي ماعندك،
انهارت نادين بالبكاء، وغطت وجهها بكفيها المرتجفتين وهي تسرد السر الذي أخفته العائلة لسنوات طوال:
"فريدة هي أختنا التوأم المجهولة لنورهان... خُلقت بتشوهات وبمرض نفسي نادر يجعلها اندفاعية وعنيفة عند الأزمات. والدنا رحمه الله أخفاها عن عيون المجتمع والوسط الفني والإعلامي خوفاً على سمعة نورهان وصعودها الإعلامي. أدخلناها مصحة خاصة في أطراف الجيزة تحت اسم مستعار."
"وماذا حدث بعد ذلك؟" استفسر حسام بلهفة.
"قبل شهر واحد..." تابعت نادين بصوت مخنوق تقطعه العبرات، "اكتشفت فريدة عبر التلفاز في المصحة أن نورهان ستتزوج من طارق الزيني، طارق نفسه الذى كانت تحبه فريدة قبل أن يتركها ويختار نورهان للواجهة الشهرة والعروض المالية!لكن علمت ان فريدة هربت من المصحة بمساعدة شخص من داخل الفندق قبل أيام قليلة من الزفاف... وكانت تجوب الفندق كالظل، تبحث عن الانتقام من الاثنين!"
لم يضع مراد ثانية واحدة. أخرج جهازه اللاسلكي وأصدر أوامره لكافة الوحدات:
"إغلاق جميع منافذ الفندق! تفنيش الموظفين وعمال النظافة والخدمة العاملين في الطوابق الممتدة من السابع إلى العاشر! نُفتش عن امرأة في الثلاثينيات، تشبه الضحية نورهان الشاذلي بدرجة كبيرة، وتضع حجاباً أو تنكراً وظيفياً!"
في تلك الأثناء، صعد حسام برفقة قوة خاصة لإعادة تفتيش غرف الصيانة والمستودعات السفلية للفندق.
أثناء تمشيط الممر الخلفي لمستودع المنسوجات بالطابق السفلي، لاحظ حسام باباً حديدياً مغلقاً بقفل حديث العهد، ينبعث من أسفله خيط هواء بارد ورائحة عطر "الصندل والبخور" ذاته الذي غمر جناح نورهان ليلة مقتلها.
رفع حسام سلاحه ووجهه نحو القفل:
"افتحوا الباب فوراً!"
حين كُسر القفل ودخل الضباط، وجدوا الغرفة مظلمة وتضم سرير صيانة مؤقتاً، وعلبة مكياج مفتوحة، وفستاناً أسود داكن ملقىً على الأرض. وعلى الطاولة الخشبية الصغير، كانت هناك مفاجأة هزت أركان التحقيق بأكمله:
صورة تجمع فريدة التوأم... مع مصممة الأزياء سيرين عبد الباقي!
أسرع حسام بالصورة إلى مراد.
"سيرين عبد الباقي لم تكن مجرد مصممة فستان نورهان يا سيدي العقيد..." قال حسام وهو يلهث. "سيرين هي الخالة الحقيقية لفريدة ونورهان من الأم! هي من كانت تصرف على مصحة فريدة طوال السنوات الماضية، وهي من هربتها وأدخلتها الفندق ببطاقة عمل رسمية لتقوم بالمهمة!"
وقف العقيد مراد الألفي، ونظر باتجاه الشرفة المطلة على الحديقة الخارجية، حيث كانت أمطار الخريف الخفيفة تسقط ببطء، وتغسل أوراق الأشجار.
"إذن التحالف كان بين سيرين وفريدة..." قال مراد وهو يرتدي معطفه. "سيرين أمدت فريدة بالخيط الحريري من دار أزيائها، وفريدة استغلت شل حركة نورهان بسبب مخدر طارق... ودخلت الجناح لتجهز عليها وتأخذ ثأر سنوات من الإخفاء والظلم!"
وفجأة، قطعت إشارة اللاسلكي صوت الهدوء:
"سيدي العقيد! شوهدت سيرين عبد الباقي تتجه نحو السطح الأعلى للفندق برفقة امرأة ترتدي زي موظفات الاستقبال... وهما تحملان حقيبة سوداء وتتجهان نحو مهبط الطائرات المروحية!"
انطلق مراد وحسام بسلاحيهما نحو السلالم الموصلة للسطح، والمعركة الأخيرة فوق القمة على وشك أن تبدأ تحت رذاذ المطر والظلام.
ركض العقيد مراد الألفي والنقيب حسام صعوداً عبر الدرج الحلزوني المؤدي إلى سطح الفندق. كانت النسمات الباردة محملة برذاذ المطر الهادئ الذي يعكس أضواء القاهرة البعيدة، وصوت محرك مروحية طوارئ بدأ يشتعل في الأفق البعيد، ملقياً بظلاله وشفراته الدوارة على مهبط الطائرات.
عند زاوية السطح المظلمة، كانت سيرين عبد الباقي تقف بجوار حاجز الرؤية الرخامي، وتتساند عليها امرأة ترتدي معطفاً أسود واسعاً وقبعة تغطي نصف وجهها... فريدة الشاذلي.
"توقفا مكانكما! السطح محاصر بالكامل!" صاح مراد بصوت حاسم وهو يوجه سلاحه نحو سيرين.
التفتت سيرين ببطء، وكانت ملامحها تشي بيأس مطلق امتزج بحزن عميق، بينما احتضنت فريدة بين يديها كأم تحمي طفلها الوحيد من عاصفة هوجاء.
"تأخرتم كثيراً يا حضرة العقيد..." قالت سيرين بصوت مرجف تحفه الخيبة. "هذه الفتاة عانت طوال حياتها لمجرد أنها وُلدت بظروف لم تخترها، بينما نورهان أخذت الشهرة، والمال، والأضواء، وحب الناس... بل وحتى الرجل الذي أحبته فريدة يوماً ما!"
خطا حسام خطوة بحذر للأمام وقال:
"لكن الانتقام بدم بارد ليس حلاً يا مدام سيرين! فريدة ارتكبت جريمة قتل عمد، وأنتِ شاركتِ في التغطية والتسهيل!"
صرخت فريدة فجأة بصوت بحاح ينازع الهواء، ورفعت رأسها لتكشف عن وجه يشبه وجه نورهان بدرجة مرعبة، لكن عينين غائمتين بالحقد والألم كانت تجعلانها تبدو كطيف من أطياف الماضي:
"نورهان هي من قتلتني أولاً! قتلتني يوم أن وُضعت في مصحة ظالمة وسُرق اسمي وحياتي! وفي ليلة زفافها، حين دخلت عليها الجناح وهي مخدرة لا تستطيع الحركة... نظرت في عيني ولم تبكِ، بل ابتسمت بسخرية! أخذت الخيط الحريري وزفرتُ فيه كل سنوات قهري!"وحرماني من الحياة
"وفريدة لم تكن وحدها من خططت..." اعترفت سيرين بدموع تتساقط على وجنتيها. "أنا من أمددتها ببطاقة الدخول والخيط الحريري، لأن نورهان هددتني بتدمير دار أزيائي وبفضحي للإعلام فور زفافها طمعاً في التغطية على جرائم طارق وسيد متولي!"
تقدم مراد بخطوات ثقيلة وهادئة، دون أن يخفض سلاحه:
"المأساة انتهت يا سيرين... فريدة ستحصل على الرعاية الطبية والعلاج النفسي اللازم، لكن القصاص للعدالة لا مفر منه."
ألقت سيرين بالحقيبة التي كانت تحملها على الأرض، والتي انفتحت ليتناثر منها باقي المفكرة الحمراء وأوراق ووثائق تخص حسابات مشبوهة. سقطت سيرين على ركبتيها منهارة، بينما استسلمت فريدة بين يدي ضباط المباحث الذين تقدموا لتكبيل يديهما بهدوء تحت تساقط المطر.
مع شروق شمس الصباح الجديد، كانت سيارات الشرطة تغادر فندق "اللوتس" محملة بكافة أطراف هذه الشبكة المعقدة:
طارق الزيني: بتهمة التآمر وتسهيل إعطاء المادة المخدرة والتغطية على الحوادث القديمة.
سيد متولي: بتهمة الرشوة وتزوير المحاضر الرسمية والتستر.
سيرين عبد الباقي وفريدة الشاذلي: بتهمة القتل العمد والتخطيط للجريمة.
نادين الشاذلي: بتهمة التستر والشروع في سرقة الأدلة.
وقف العقيد مراد الألفي في بهو الفندق الفارغ إلا من بقايا الورد الأبيض المتناثر على السجاد، ونظر إلى ملصق الزفاف الكرتوني للعروسين الشابين.
قال حسام وهو يغلق دفتر الملاحظات:
"الجريمة أُغلقت يا سيدي العقيد... القاتل الحقيقي بات خلف الأسوار."
تنهد مراد وارتدى نظارته الشمسية وقال بنبرة تحمل حكمة الخبرة وسنوات التحقيق:
"القا*تل المباشر سقط يا حسام... لكن 'هذه الطبقة الفاخرة لا يقتلون بالخيوط والسموم فقط، بل يقتلون بالطمع والأنانية والصمت عن الحق. الجريمة لم تبدأ في الجناح (804)... بل بدأت منذ خمس سنوات حين بيع الضمير أول مرة."
يتبع