رواية امرأة علي صفيح ساخن الفصل التاسع9 بقلم ملكة الروايات والحكايات ساحرة القلوب

رواية امرأة علي صفيح ساخن الفصل التاسع9 بقلم ملكة الروايات والحكايات ساحرة القلوب
​لم يكن أدهم قادراً على تجاهل الظرف الذي ألقت به روز على مكتبه؛ فمهما حاول التظاهر بالقوة والجمود، إلا أن اسم ابنه "إياد" كان الوتر الحساس الذي يهز كيانه من الأساس. وبعد أن اطمأن على استقرار الوضع حول عشق في القصر، قرر ألا ينتظر طويلاً، وألا يترك مصيره ومصير ابنه لخطط أخته الدنيئة. استقل سيارته بمفرده في منتصف الليل، منطلقاً بسرعة جنونية نحو تلك البلدة الساحلية النائية التي وُجد فيها أثر الماضي.

​على بعد أمتار قليلة، داخل منزل متواضع ومغلق بإحكام قرب الشاطئ، كانت الأجواء تغلي بنيران التوتر والخوف. كانت طليقة أدهم تعيش أيامها في جحيم من الندم والذعر بعد سنوات من الهروب، بينما كان عشيقها—الرجل الذي هربت معه وساقها إلى هذا الضياع—يراقب انهيارها بعينين تشتعلان بالشك والجنون.

​وقفت المرأة أمام عشيقها مكسورة، وقد أتعبها العيش في الخفاء، وقالت بصوت متهدج يملؤه اليأس:
​"لقد انتهى كل شيء... لا يمكنني الاستمرار هكذا أكثر من ذلك. لقد تعبت .. أعني أنني لم يعد بإمراة تحمل هذا العذاب، وإياد يستحق حياة أفضل، بعيداً عن هذا الرعب المستمر!"
​تفسرت كلمات التعاسة والندم في عقل العشيق المريض على أنها خيانة مطلقة وعزم أكيد على العودة إلى أدهم الراوي. اعتقد بجنون أنها تستغله، وأنها تخطط للعودة إلى زوجها الأول لتأخذ كل ما تستطيع وتتركه وحيداً. صرخ بوجهها بغضب أعمى وغلّ مخيف:

​"تريدين العودة إليه؟! بعد كل ما ضحينا به، تبتغين الركوع لأدهم الراوي؟! لن أسمح لكِ بذلك أبداً.. لن تكوني لغيري!"
​وقبل أن تستوعب كلماته، أو تنجح في الدفاع عن نفسها، فقد العشيق صوابه تماماً في لحظة طيش وجنون عمياء. سحب سلاحاً نارياً كان يخفيه، ووجهه نحوها بلا تردد، وضغط على الزناد لتخترق الرصاصة صدرها، وتتراجع إلى الخلف وتتهاوى على الأرض وسط بركة من الدماء الغزيرة، بينما كان الطفل الصغير "إياد" يصرخ برعب شديد، متسمراً مكانه غير مصدق لما يراه أمام عينيه.

​في تلك اللحظة بالذات، كانت سيارة أدهم الراوي تخترق شوارع البلدة الساحلية المظلمة، وتتوقف بعنف أمام المنزل المقصود. ترجل أدهم بخطوات سريعة، وما إن اقترب من الباب حتى سمع صوت صرخات طفل مرعوب، تلاها صمت مطبق ومحمل برائحة الموت.
​دفع أدهم الباب بقدمه ليتحطم ويدخل باحثاً عن الحقيقة، لكن المشهد الذي استقبله كان أقسى كابوس يمكن أن يراه إنسان؛ طليقته ملقاة على الأرض غارقة في دمائها، والعشيق يقف مذهولاً وبيده السلاح الملطخ بالدماء، والطفل الصغير يرتجف رعباً في الزاوية، باحثاً عن مكان يختبئ فيه.
​تجمد الدم في عروق أدهم، واتسعت عيناه بصدمة قاتلة وهو ينظر إلى الطفل الصغير، ليدرك في تلك اللحظة المروعة أنه... إياد! ابنه الذي فقد أثره لسنوات طويلة، يقف أمامه وجهاً لوجه، وسط بحر من الدماء ونهاية مأساوية لقصةايقن أنها انتهت بلا رجعة.

لم يترك أدهم للعشيق المجنون فرصة للهرب؛ ففي ثورة غضب عمياء وانتقام كالجمر، انقض عليه كالأسد الكاسر، وطرحه أرضاً بلكمات قاسية جعلته عاجزاً عن الحراك، قبل أن يصرخ بأعلى صوته على رجاله الذين اقتحموا المكان خلفه لتأمين المجرم وتقييده.
​في لحظات معدودة، كانت سيارات الشرطة والإسعاف تملأ المكان. حُملت طليقة أدهم بسرعة فائقة إلى داخل سيارة الإسعاف، بينما جذب أدهم ابنه الصغير "إياد" إلى صدره بقوة، ضاغطاً عليه ليخفي وجهه الصغير عن مشاهد الدم والذعر، وركب معه في سيارة الإسعاف وقلبه ينبض بجنون بين خوف الفقد وذهول اللقاء.

​داخل غرفة الطوارئ المعقمة في المستشفى، كانت الحياة تفارق جسد المرأة المضرّج بالدماء تدريجياً. الأجهزة الطبية تطلق أصواتاً متقطعة تنذر بالنهاية القريبة، بينما وقف أدهم بجوار السرير، ينظر إلى تلك المرأة التي مزقت حياته يوماً ما، ليراها الآن مكسورة، منتهية، وتحتضر بلا حيلة.
​فتحت عينيها المجهدتين ببطء شديد، ووجدت أدهم يقف أمامها. رأت الدموع الصامتة التي تجمعت في عينيه الصلبتين لأول مرة منذ سنوات طويلة. تحركت شفتاها ببطء و بصوت خافت بالكاد يخرج من حلقها المبحوح:
​"أدهم... هل جئت حقاً لتوديعي؟"

​انحنى أدهم نحوها بقليل من اللين الذي هزم قسوته، وقال بصوت متهدج:
​"أنا هنا... أنتِ بين يديّ الآن، اطمئني."
​جمعت آخر ما تبقى لها من طاقة، وانسابت دموع الندم حارقة على وجنتيها، فقالت بصوت يقطر أسى ووجعاً:
​"أرجوك... سامحني يا أدهم. غبائي وطمعي هما من قاداني إلى هذا الجحيم... دمرت حياتي وحياتك، وأنت... أنت كنت الضحية الأكبر."

​هز أدهم رأسه ببطء، وابتلع غصة مريرة في حلقه وقال بصوت عميق:
​"مسامحكِ يا أم إياد... ليغفر الله لنا جميعاً. ارتاحى الآن."
​التفتت بعينيها الباهتتين نحو الزاوية حيث كان الصغير إياد يقف مرعوباً وممسكاً بطرف معطف أحد المسعفين، ثم عادت تنظر إلى أدهم بتوسل أخير وقالت بكلماتها الأخيرة التي تقطع احاسيس القلوب:
​"إياد... ابننا... أمانة في رقبتك يا أدهم... لا تتركه، وعوضه عن كل لحظة خوف وقسوة عاناها... احفظه وحاول تنسيه اللي عملته معاك عشان ميطلعشي ناقم عليا..."
​صمتت... وتوقف نبض الأجهزة فجأة ليعلن صوت صفير متواصلاً. أغمضت عينيها للأبد، وانسدلت يدها على جانب السرير، تاركة خلفها رحلة طويلة من الخيانة والندم، ونهاية مأساوية أغلقت صفحة الماضي الأليم بدموع حارقة.
​وقف أدهم ساكناً كالتمثال الصخري، ثم التفت بخطوات ثقيلة نحو ابنه الصغير، وركع على ركبتيه أمامه، ليفتح له حضنه الدافئ لأول مرة منذ سنوات، هامساً بصوت مكسور وممتلئ بالمسؤولية:
​"تعال يا إياد... لقد عدتَ إلى بيتك، ولن يمسك سوء بعد اليوم أبداً."
 يتبع 

             الفصل العاشر من هنا

لقراءة باقي الفصول من هنا

تعليقات



<>