
لم تهبط سكينة الليل على أطراف القرية بسهولة كما اعتاد أهلها، فقد كانت نيران المولد قد انطفأت، لكن نيران الصدور كانت تشتعل ببطء.
في استراحة فاخرة بمدينة السويس القريبة، كان "زياد" جالساً على الشرفة المجاورة لغرفته، يرتشف قهوته بهدوء ظاهري بينما عقله لا يفارق تلك اللحظة التي التقت فيها عيناه بعيني "ماريا". كان انعكاس ضوء القمر على النهر يماثل بريق خلخالها الفضي في عينيه.
اقترب "مراد" وهو يلوح بقطعة قماش أو منشفة صغيرة، وقال بنبرة مليئة بالاستهجان والتحذير:
يا ابني، فوق من هذه الهلوسة! أنت لا تعرف مع من تعبث. ذلك الشاب الذي اسمه "فارس" كان يرمقنا بنظرات تكفي لإشعال حرب أهلية. ألم تهزك طريقته الخشنة؟ لماذا تصر على العودة إلى هناك غداً؟
ابتسم زياد بابتسامة ثقيلة ومتحفزة، ووضع فنجان القهوة ببطء على الطاولة قبل أن يقول بصوت يملؤه الإصرار:
يا مراد، الحياة في المدن تشبه مرآة مكسورة؛ كل شيء فيها مكرر وممل. أما هناك.. خلف خيام الغجر، فهناك حياة تنبض بالدم الحقيقي. ماريا لم تكن مجرد راقصة عادية؛ رأيت في عينيها عزة نفس وكبرياء لا تجدهما في بنات القصور. وأنا.. حين أضع شيئاً في رأسي، أصل إليه مهما كانت التكلفة.
على الجانب الآخر، وفي قلب معسكر الغجر الهادئ، كان الجو مشحوناً بالتوتر. داخل خيمة واسعة مزخرفة بالسجاد اليدوي البسيط، كانت "مكاسب" تجلس بجوار الموقد الصغير تطبخ شيئاً، بينما يقف "فارس" عريض المنكبين يتوسط الخيمة، يضرب بقبضته على عصاه الغليظة بغضب مكتوم.
صرخ فارس بصوت هز أرجاء المكان:
لن أسمح لذلك الأنيق ابن المدن بأن يطأ أرضنا مرة أخرى! لقد رأيت نظرته الخبيثة وهي تطارد ماريا. هم اعتادوا على شراء كل شيء بأموالهم، لكنهم يجهلون أننا لسنا للبيع!
دخلت "ماريا" إلى الخيمة بخطوات ثابتة وممشوقة، ولم تظهر على محياها أي علامات خوف. كانت تحمل على كتفها شالاً مطرزاً، رفعت رأسها بشموخ وقالت بصوت قوي:
ومين قال لك أنني سمحت له أصلاً يا فارس؟ ولماذا تتحدث نيابة عني وكأنني جارية في ملكك؟ أنا أعرف جيداً كيف أحفظ طولي وعزتي وسط أي مكان، ولا أستحق هذا الصراخ الأجوف.
التفت إليها فارس وعيناه تقدحان شراراً، وتقدم منها ببطء حتى أصبح على مسافة خطوات قليلة، وهمس بنبرة حارقة:
أنا أخاف عليك يا ماريا.. أخاف من هذا الغريب الذي يأتي من عالم آخر ليخطفك منا، لكي يلهو بك ثم يتركك خلفه حطاماً. عالمهم ليس عالمنا، وأنتِ أثمن من أن تكوني لعبة في يد لص من لصوص المدن!
تدخلت "مكاسب" بوقارها وخبرتها الطويلة في الحياة، وقفت بينهما ومدت يدها بحنو، وقالت بصوت هادئ يحمل حكمة السنين:
اهدأ يا بني.. الصراخ لا يحل مشكلة، والعقل هو سلاحنا الوحيد. وماريا ليست طفلة لتخاف عليها، لكن كلامك فيه جزء من الصحة يا فارس؛ العيون الغريبة فعلاً تحوم حولنا، وعلينا أن نكون أكثر حذراً في الأيام القادمة. وعطوة، كبير العشيرة، لن يقف مكتوف الأيدي إذا تجرأ أحد وتجاوز الحدود.
تنهدت ماريا بعمق، وانعكست أضواء الشموع على وجهها وقالت بهدوء يحمل تحدياً خفياً:
ـ لا تقلقى يا خالتي.. ولا تقلق يا فارس. لن يستطيع كائن من كان أن ينال مني شيئاً لا أريده.
في صباح اليوم التالي: اللقاء المرتقب
مع إشراقة شمس اليوم التالي، وفي السوق الشعبي المزدحم بالقرب من أطراف القرية، كانت ماريا تشتري بعض المؤن واللوازم برفقة فتاة صغيرة من القبيلة. كانت ترتدي ثوباً شعبياً بسيطاً يزيده جمالها تألقاً، وعيناها الواسعتان تتابعان حركة الباعة والمشترين.
وفي نفس اللحظة، كان "زياد" يقف متخفياً بعض الشيء بملابس أبسط من تلك التي ارتداها في الليلة الماضية، يراقب المكان من خلف إحدى بسطات الخضروات، ومعه "مراد" الذي تذمر قائلاً:
أقسم لك أن هذه جنون مطلق.. إذا رأانا فارس أو أحد رجال العشيرة، فلن يرحمونا!
لم يلتفت زياد لحديث مراد، بل راقب ماريا وهي تنفصل مؤقتاً عن الفتاة الصغيرة لتفقد بعض الأعشاب الطبية العطرية. استغل زياد الفرصة، وتقدم بخطوات سريعة وهادئة حتى أصبح خلفها مباشرة، وقال بصوت منخفض يحمل نبرة دافئة ومبتسمة:
صباح الخير يا سيدة المولد.. يبدو أن الجمال لا يحتاج إلى أضواء صاخبة لكي يظهر، بل يكفيه ضوء النهار ليكشف عن سحره الحقيقي.
انتفضت ماريا في مكانها بذهول، والتفتت بسرعة لترى زياد يقف أمامها بمقربة شديدة. تراجع قلبها لخفقات سريعة، لكنها استرجعت رباطة جأشها فوراً، وعقدت ذراعيها أمام صدرها ونظرت إليه بتحدٍ وقالت بحدة:
أنت؟! يظهر أنك لم تفهم تحذير الأمس.. ما الذي أتى بك إلى هنا؟ ألا تدرك أنك تلعب بالنار؟
ابتسم زياد بثقة، وتقدم خطوة أخرى غير مبالٍ بنظراتها الحادة، وقال بصوت عميق:
النار التي تتحدثين عنها هي ما تبحث عنها روحي منذ زمن طويل يا ماريا.. أنا لست هنا لألعب، بل لأفهم.. لماذا ترقصين بكل هذا الحزن والبهجة معاً؟ ولماذا ظلت صورتك عالقة في ذهني منذ اللحظة الأولى؟
قبل أن تتمكن ماريا من الرد، وقبل أن تكمل كلماتها اللاذعة، لمعت في الأفق وميض عاصفة لا تحمد عقباها؛ إذ ظهر "فارس" فجأة من خلف زحام السوق، عيناه تحترقان غضباً، وعروقه بارزة، وهو يصرخ بصوت رعدي هز أركان المكان:
يا ابن المدن.. لقد تجاوزت حدك كثيراً.. واليوم لن تنفعك كلماتك المعسولة!
توقف المارة في السوق وذهلت الحشود، بينما اشتعلت شرارة المعركة الحقيقية بين ثراء المدينة وعزة الصحراء والغجر..
اندفع "فارس" نحو زياد كالعاصفة، وكادت قبضته الفولاذية أن تلامس وجه زياد لولا أن اعترضت طريقه "ماريا" بسرعة ببديهة وشجاعة نادرة، فوقفت بينهما ومدت ذراعيها لتبعد فارس وهي تصيح بصوت حاد يقطعه التوتر:
ا قف مكانك يا فارس! إياك أن تمد يدك.. لا أحد يملك الحق في إحداث فوضى هنا بسببي، ولست طفلة تحتاجك لكي تحميها!
تجمّد فارس في مكانه، وابتلع غضبه بصعوبة بالغة وعيناه تقدحان شراراً لا يهدأ، وهو ينظر إلى ماريا ثم إلى زياد بوعيد شديد، وقال بصوت مكتوم يهتز من شدة الغيظ:
ـ تدافعين عنه يا ماريا؟! تدافعين عن غريب جاء من خلف الأسوار ليعبث بأمننا؟ اتساع عينيك له ليس سوى بداية لنهاية غير سارة لكليهما!
أما "زياد"، فلم يرتجف ولم يتراجع، بل وقف بكل غرور وثقة، مستنداً إلى هدوئه المستفز، ونظر إلى فارس بنصف ابتسامة وقال بصوت هادئ:
العزة والكرامة ليستا حكراً على أحد يا ابن الصحراء.. والجرأة أن تواجه الحقيقة لا أن تختبئ خلف التهديدات. وماريا ليست ملكية خاصة لأحد، هي حرة في مكانها وحديثها.
قبل أن تشتعل نيران الحرب بينهما تماماً، وصل "مراد" مهرولاً وهو يلهث، وجذب ذراع زياد بقوة بالغة، وقال بصوت مرتجف من الخوف:
أقسم لك يا زياد إن لم تتحرك معي الآن فستكون هذه آخر لحظة نراها في حياتنا! انظر حولك، لقد تجمع أهل السوق كله وهم على وشك الفتك بنا!
وفي تلك اللحظة بالذات، ظهر "عطوة"، كبير الغجر، بعصاه الغليظة وهيبته المخيفة، فتقدم بخطوات بطيئة وثقيلة حتى وقف بين الجميع، وساد صمت رهيب في السوق. نظر عطوة إلى زياد نظرة فاحصة مليئة بالتحذير، ثم قال بصوت غليظ وحازم:
سوقنا له أصول وحرمة، والغريب الذي لا يراعي أصول الضيافة ولا يحترم قوانيننا، لن يجد منا سوى الوجه الآخر الذي لا يروقه.. اترك المكان الآن يا ابن المدن، واعتبر هذا الإنذار الأول والأخير!
ألقى زياد نظرة أخيرة طويلة وعميقة نحو ماريا، التي كانت تقف شامخة بعينيها الواسعتين تتابع الموقف بصمت وذهول، فرسم على شفتيه ابتسامة خفيفة تحمل وعداً خفياً، ثم استدار ببطء برفقة مراد المرتعش، وابتعدا عن الأنظار تحت أنظار الحشد المشحونة بالترقب والعداء.
بقيت ماريا واقفة في مكانها، وقلبها ينبض بعنف غير مسبوق، وأصداء كلمات زياد ونظراته الجريئة تتردد في ذهنها مراراً وتكراراً، بينما بدأ الشك والخوف يمزقان صدر فارس الذي تململ بغضب وقال بصوت محذر لمكاسب:
أقسم يا مكاسب أن هذا الشخص سيجلب لنا الطامة الكبرى.. لن أترك الأمر يمر هكذا أبداً!
وبهذا التوتر المتأجج والمشاعر المتضاربة، يُسدل الستر على الفصل الثاني، لتشتعل شرارة صراع جديد لا تحمد عقباه بين سحر العادات وقوة الحب المستحيل.