
روايه المتمرده والطاغي
الجزء الرابع
اللهم صلي علي سيدنا محمد وعلى أصحاب سيدنا محمد وسلم تسليماً كثيراً
استدارت قمر ودخلت غرفتها وأغلقت الباب بعنف أصدر صوتاً دوى في أرجاء المكان، تاركة منصور في حالة من الغليان الصامت؛ فرغم غضبه من لسانها السليط وتحديها له أمام زوجاته، إلا أن هناك خيطاً خفياً من الإعجاب بقوتها بدأ يتسلل إلى أعماقه، وهو الذي اعتاد على نساء يخفضن رؤوسهن بمجرد سماع حفيف ثوبه.
--
التفت منصور بوجهه الصارم نحو "سعاد" و"هنادي" اللتين كانتا تتابعانه بأعين متسعة من الصدمة والغيرة. هدر فيهما بصوت حازم:
- "وأنتي وهي.. واقفي عتبصوا على إيه؟ كل واحدة على أوضتها الحين، والحركة دي مش عايز أشوفها واصل.. همّي أنتي وهي!"
هرولت سعاد وهنادي سريعاً باتجاه الجناح الخاص بهما خوفاً من بطشه وغضبه الذي تشتعل نيرانه في عينه. وما إن أغلقتا باب الغرفة المشتركة حتى انفجرت هنادي بالغيظ:
- "شفتي؟ شفتي عينيه كانت عليها كيف؟ البت عتتحدّاه عيني عينك وهو واجف عيتأمل فيها! منصور اللي بيقطع الرقاب ساكت لها وعيمشي لها كلامها!"
ضربت سعاد على صدرها بقهر وقالت:
- "إني قولتلك من الأول يا هنادي.. البت دي مش جاية تعيش في حالها، دي جاية تقعد مكاننا وتطردنا كلنا. أنتي شفتي كيف كسرت عين الحاجة عواطف؟ عواطف اللي بتخوف بلد بحالها، كانت واجفة زي الفرخة المبلولة قدامها!"
قرصت هنادي على أسنانها بغل وقالت:
- "والله ما عيكون واصل.. السرايا دي حقي وحق عيالي، وإذا كانت فاكرة إنها بجمالها ده عتاكل عقل منصور، يبقى لسه معرفتش مين هي هنادي الهواري.. إحنا لازم نخطط ونعرف البت دي وراها إيه بالظبط، وعواطف خافت منها ليه هكِذا!"
---
في جناحها الخاص، كانت عواطف تجلس على فراشها وجسدها كله يرتجف بعنف. الكلمات التي همست بها قمر في أذنها كانت كافية لإيقاظ كوابيس ظنت أنها دُفنت تحت التراب منذ عشرين عاماً.
دخلت عليها "هنا" بخطوات بطيئة، وأغلقت الباب خلفها، ثم نظرت إلى عواطف بملامح جامدة وقالت بنبرة عتاب حاسمة:
- "شفتي عاد عمايلك القديمة جابتلنا إيه يا عواطف؟ البت كبرت وعرفت كل حاجة.. عرفت إنك كنتي عايزة تقتليها وهي عيلة صغيرة في اللفة، وعرفت إنك اللي طفشتي أمها مروة وخليتي عبد الله يطلقها ويخسر دنيته بسبك!"
صاحت عواطف بصوت مرتجف وهي تحاول استعادة جبروتها المزيف:
- "أنتي عتقولي إيه يا هنا؟! البت دي كدابة.. ومروة أمها كانت حية وبسبع ترواح، وهي اللي خطفت البت وهربت بيها على مصر!"
قاطعتها هنا بحدة:
- "لا يا عواطف.. متكدبيش على روحك، إني كنت واجفة وشاهدة على كل حاجة زمان، وسكت عشان خاطر أخوي عبد الرحمن وعشان البيت ميتخربش. البت دي شايلة جبروت أبوها وأمها مع بعض، وواضح إنها مش عتعدي اللي عملتيه واصل.. فإياكِ تقربي منها أو تدبري لها كيد، لأن المرة دي منصور مش عيرحمك لو عرف إنك السبب في عذاب عمه وبنته السنين دي كلها!"
خرجت هنا وتركت عواطف تأكل في أصابعها رعباً؛ فمنصور رغم برّه الشديد بأمه، إلا أنه في الحق لا يعرف غريباً ولا قريباً، وإذا علم بالماضي الأسود الذي تسببت فيه، فسينتهي كل شيء.
---
في المندرة الكبيرة، كان "الحاج عبد الرحمن" يجلس يسبّح بمسبحته الكهرمان، ودخل عليه منصور ووجهه يحمل غيوماً من الأفكار. جلس منصور باحترام أمام والده، ووضع عصاه جانباً.
نظر إليه الشيخ الجليل وقال بنبرة هادئة:
- "سمعت حديتك مع البنية يا ولدي.. وسمعت موافقتها."
تنهد منصور وقال بضيق:
- "البنية عنيدة قوي يا بوي، ولسانها حاد ومش عتعرف الأصول ولا هيبة الكبير واصل.. إني وافقت عشان وصية عمي وعشان خاطرك أنت، بس البت دي عتتعبني قوي في ترويضها."
ابتسم عبد الرحمن ابتسامة خفيفة، ووضع يده على ركبة ابنه وقال بحكمة السنين:
- "الفرس الأصيلة يا ولدي عتكون عنيدة وصعبة في أولها.. ومبتسلمش لجامها غير للخيّال اللي يعرف قيمتها ويحس بحزنها. قمر مكسورة يا منصور.. خسرت أمها وخسرت أبوها، وجاية لبلد غريبة وناس غراب عنها. شدتك وجبروتك مع برة السرايا، لكن مع البنية دي.. عايزك تكون الضهر والسند. املك قلبها الأول يا ولدي، وساعتها عتشوف كيف عتكون طوع بنانك.. البت دي أمانة عمك، وأمانة عبد الله غالية قوي يا منصور."
أطرق منصور رأسه مفكراً في كلمات والده، وشعر بحجم الحمل الثقيل الذي أُلقي على عاتقه؛ فالأمر لم يعد مجرد زواج لتربيةفتاة متمردة، بل أصبح صراعاً بين جبروته كـ "طاغٍ" وبين كسر قلب "متمردة" تحمل جراح الماضي بين ضلوعها..
انقضت الأيام القليلة التي سبقت ليلة الجمعة الموعودة كأنها دهور. كانت السرايا تغلي على صفيح ساخن؛ الأجواء مشحونة، والهمسات لا تنقطع في الممرات. منصور يواصل إدارة أعمال العائلة بجبروت أشد ليداري خلفه انشغال عقله التام بتلك الفتاة التي تجرأت عليه، وعواطف قابعة في غرفتها تلتهمها الظنون والخوف، بينما استمرت قمر في غرفتها، تجمع شتات نفسها وترتب أوراق قوتها لمواجهة "عش الدبابير".
---
في صباح يوم الخميس، أي قبل ليلة واحدة من كتب الكتاب، قررت قمر ألا تظل حبيسة غرفتها. نزلت إلى بهو السرايا الواسع بخطوات واثقة، تلبس عباءة سوداء بسيطة لكنها بدت فيها كالملكة. لم تكن تضع أي مساحيق، لكن جمالها الطبيعي الحاد وعينيها الواثقتين كانا كفيلين بإنارة المكان.
كانت عواطف تجلس في الفناء مع زوجتي منصور، سعاد وهنادي، يرتشفن القهوة ويوجهن الخدم بحدة. ما إن ظهرت قمر، حتى ساد الصمت.
نظرت عواطف إليها بتوجس، وحاولت استعادة هيبتها أمام زوجات ابنها، فقالت بنبرة جافة:
- "أهو صحي البدري عاد.. زين اللي نزلتِ من أوضتك يا ست قمر، عشان تعرفي أصول البيت ده، اهنا الحريم بيصحوا مع الأذان يخدموا السرايا، مش بيقعدوا لضهرية كيف حريم بحري!"
التفتت قمر إليها ببطء، ونظرت في عينيها مباشرة بنظرة جعلت عواطف تشعر بوخزة في ركبتيها. ابتسمت قمر ابتسامة باردة تحمل خلفها وعيداً ملموساً، وتقدمت حتى وقفت أمام طاولة عواطف، وقالت بنبرة هادئة لكنها حادة ومسموعة:
- "أصول البيت ده أنا عارفاها كويس أوي يا طنط عواطف.. وعارفة كمان الأصول القديمة اللي اتدفنت هنا من عشرين سنة. أنا مش خادمة، أنا قمر عبد الله الهواري، يعني صاحبة مكان في السرايا دي زيي زي ابنك الكبير بالظبط.. أما بخصوص الصحام بدري، فأنا صاحية من الفجر، بس كنت بقرأ ورق يخص بابا.. ورق قديم أوي، فيه حكايات وتواريخ.. تفتكري التواريخ دي ممكن تهم منصور بيه لو قراها؟"
شحب وجه عواطف في ثانية واحدة، وارتجفت يدها وهي تضع فنجان القهوة الذي كاد يسقط منها. نظرت إليها برعب حقيقي حاولت مواراته، وقالت بتلعثم:
- "ان.. انتي عتقولي إيه؟ ورق إيه وحديت ماسخ إيه ده؟"
تابعت قمر وهي تنحني قليلاً نحوها، وتهمس بنبرة تقطر تحدياً:
- "أنتي عارفة كويس ورق إيه.. عشان كده، نصيحة مني، طول ما أنتي عايشة في السرايا دي، تجتنبي طريقي تماماً.. لأن بركان قمر لو انطلق، مش هيحرق غيرك أنتي الأول."
استقامت قمر في وقفتها، ونظرت إلى سعاد وهنادي اللتين كانتا تتابعن المشهد بأفواه مفتوحة وصدمة عارمة، ثم أدارت ظهرها وخرجت نحو حديقة السرايا بكل كبرياء.