
**(فلاش باك)**
افتكرت اليوم ده… يوم ما كانوا بيوقفوا العربية قدام البيت، ويفتحوا الباب الخلفي، ويطلعوه منها جثة هامدة. استوعبت بكل حواسها… وانتفضت من جواها وهي مش مستوعبة اللي شايفاه قدامها. كأنها اتخدت صفعة على وشها خرّستها. هبطت فورًا لتحت، واتأكدت إن الممدود قدامها هو جوزها سراج. بصت للرجالة… لقتهم ناكسين روسهم لتحت بحزن. جرت له مسرعة… استنتت سير أنفاسه. أتراه منقطع النفس؟ وجروح متناثرة في مقدمة راسه. بصت حواليها… لقت خطاب ابن عمه، ومعاه راجل باين من الأدوات اللي شايلها إنها أدوات التغسيل والتكفين. اتأكدت من الحقيقة… سراج مات فعليًا. رجعت بضهرها لتحت… وصعدت لأولادها بتنتحب… بتفتكر اللي حصل بينهم من يومين.
الزوجة التانية كانت خلفت صبي وبنت. وقبل الولادة بيومين… سراج سحب كل أرصدته من البنوك عشان يعمل مناقصة ثمنها مليونين. الفكرة الخبيثة لمعت في راس الزوجة التانية لما شافت الفلوس. نهضت بعد الولادة بيومين… سابت أولادها في الحضانة… وهربت مع عشيقها. أخدت كل فلوس سراج. لقى نفسه مع أولاده… من غير أم ومن غير فلوس. رجع لثريا. عارف طيبة قلبها المطلقة… وعارف إنها لسه في الإسكندرية. ما فكرش يوم يروح لها ويراضيها… ودلوقتي رايح بالطفلين.
هي كمان خلفت صبي وبنت توأم. كانت نايمة جنبهم. لما رن الجرس… انتفضت وفتحت بسرعة عشان ما يصحوش. لقيته قدامها شايل طفليه. بصت لفوق بخوف. هو كمان كان خايف من رد فعلها. دلّف قائلًا بخوف:
ـ ثريا إزيك؟ وحشتيني… إنتي مش كنتي قلتي لي إنك هتسافري؟
اتعصبت من جواها لحد ما الجرح ألمها… بس تحملت على نفسها:
ـ ما عرفتش أسافر يا سراج… حصل ظروف منعت السفر. بس مسافرة قريب جدًا… ويمكن ما أرجعش تاني إسكندرية.
ابتسمت بسخرية وهي باصصة للطفلين:
ـ ما عادش لي لازمة… إنتَ مش محتاجني.
شاف إنها مسلطة بصرها على الطفلين… وعتاب كبير بياخدها. أعليهم؟ ولا على عدم تواجده جنبها؟ رد:
ـ حقك عليا يا ثريا… أنا آخر مرة جرحتك كنت فكرت نفسي خلاص ربنا حقق حلمي.
تابع بمرارة:
ـ بس ربنا عاقبني. أولادي أمهم ولدتهم… وأخدت اللي ورايا واللي قدامي وهربت. تعالي نبدأ من جديد يا ثريا.
هزت ثريا راسها بأسف:
ـ مع الأسف يا سراج… فات الأوان.
اندهش سراج من قوتها ورفضها له ولأولاده:
ـ ليه كده بس يا ثريا؟ طيب بلاش علشاني… شوفي الواد القمر ده كأنه شبهك. سميته حليم زي ما كنتي عايزة.
حاول يستعطفها:
ـ مش كان نفسك تسميه على اسم عبد الحليم حافظ؟
سألته:
ـ هي اللي سابتك يا سراج؟ مش هي خلتك تسيبني عشان الأولاد دول؟
بعدين باستهجان:
ـ ليه إنتَ دلوقتي عايز ترجع وبتفرض عليا أربي أولاد غيري؟ أنا مش هرجع ليك… ولا هربيهم.
أغمض عينيه بمرارة:
ـ وأنا أعمل إيه بيهم يا ثريا؟ طيب بلاش ترجعي لي أنا… خديهم هما الأهم. مش دول حلم حياتك؟ خليهم هنا وأنا هبعد.
استطرد بيلوم نفسه:
ـ يا ريتني سمعت كلامك وما ضيعتش نفسي.
في اللحظة دي سمع صراخ الطفلين… بص لأولاده لقاهم صامتين. حدق في وش ثريا… ابتسمت بنصر:
ـ أنا قلت لك يا سراج… ربنا هيجبر بخاطري وهخلف ويبقى عندي أولاد.
صعد لفوق… حط إيده على مقبض الباب اللي فيه صوت الصغيرين. دلّف… وبص ليهم بدهشة. هما اتنين زي اللي معاه. بص ليها ببلادة:
ـ أنا استغربت إنتي جبتي القوة دي منين… وإزاي بترفضي حاجة كان نفسك فيها من زمان… وإنتي طيبة وقلبك كبير.
هز راسه بضياع:
ـ كنت عارف إن ربنا هيعاقبني… وهو فعلًا عاقبني. لما هي أخدت فلوسي ورمت لي العيال… بس ربنا زود عليا العقاب.
أشار بإصبعيه ناحية قلبها بضعف:
ـ زود العقاب لما قسى قلبك عليا أكتر. ثريا بلاش قسوة… أرجوكي يا ثريا.
كان عندها إحساس كويس إنه هيرجع. ما تعرفش الإحساس ده جه منين. باين إنه من الحوار اللي كان بينها وبين خطاب… لما هتف ليها بكل رغبة:
ـ ثريا اطلبي منه الطلاق… وصدقيني أنا هعوضك إنتي وأولادك عنه. ده ما يستحقش دمعة ولا تفكير منك. تعالي نتجوز يا ثريا وتبقى ضربة له.
هزت ثريا راسها برفض:
ـ أنا مش خاينة يا خطاب. لا يمكن أخد جوز صاحبتي اللي فتحت لي بيتها وراعتني أحسن رعاية. وثانيًا: أنا مش حابة أنتقم منه… ربنا موجود.
عرض عليها فكرته الخبيثة:
ـ طيب إيه رأيك إنتي وذكرى أصحاب؟ أعتقد مش هتمانع. أنا هقول لها إنك علشان من غير راجل… وأنا بحميكي وبحمي أولادك.
ابتسمت ثريا باستهزاء:
ـ أنا أقدر أحمي نفسي من أي راجل يا خطاب.
زفر خطاب بحنق:
ـ صدقيني إنتي هتفضلي طول عمرك ذليلة له… ويرجع لك بأولاده ويضحك عليكي. ولاء ملهاش أمان… عادي تخونه زي ما اتبلت عليا.
صوت ثريا تعالى بغضب:
ـ خطاب… تحب أتصل بسراج وأقوله على عمايلك دي؟ وأخبره يجي يصفي حسابه معاك؟
لوى خطاب فمه بسخرية:
ـ قريب هتلاقيه جاي زاحف.
**(عودة)**
بالأعلى عند نور وحليم… نور فضل يسأل حليم:
ـ أيوه يعني هي قالت لك وحشتني… وبعدين سرحت.
هز حليم راسه. نور استطرد:
ـ وقالت لك يا حبيبي كمان رغم خلافكم! يبقى أكيد افتكرت بابا… لأنها دايمًا تقول إنك شبهه.
زفر حليم بغضب:
ـ أوف… شكل أبويا ده هيعملي عقدة.
شرد نور:
ـ وإيه اللي زود الموضوع ده؟ ولا علشان زعلانة من مواجهتك ليها؟ إنتَ برضه زودتها يا حليم.
غضب حليم:
ـ عارف إني زودتها… بس أبوك عمل إيه خلاها تفتكرني بيه لما اتعصبت عليها؟ هو ده اللي مش فاهمه.
مط نور شفايفه:
ـ ولا أنا عارف.
حليم بنفس نبرة الغضب:
ـ يبقى أنا وإنتَ لازم نعرف يا نور… لأن أكيد الموضوع يخصك إنتَ كمان.
فرك نور جبهته:
ـ دي مخلفاني أنا وأختي قبلكم بأربعين يوم… يعني هو ما اتجوزش مامتك بدافع الخلفة.
استطرد:
ـ إيه هيكون سبب جوازه التاني؟
ضحك:
ـ يكونش واحد بحري والتاني قبلي؟!
اقترب منه حليم يخنقه على مرحه. نور تراجع بخوف:
ـ إيه؟ عيب كده يا حليم… أنا أكبر منك.
حليم بغضب:
ـ زيي زيك… يمكن المفروض أكون أنا الأكبر. إنتَ واخد جينات خالك وجدك يوناني أصيل… أنا بقى طالعة معايا نكد زي أبوك.
ضحكة نور علت:
ـ يا ريتك يوناني زينا.
ابتسم حليم بسخرية:
ـ إنتَ على فكرة بتحاول تضحك علشان تخليني أفك بس… لكن من جواك زعلان أكتر مني.
احتضنه نور:
ـ طب ممكن فعلًا تفك… وأنا أوعدك إني هدور معاك… بس من غير ما ماما تحس.
شرد بحزن:
ـ أنا أحيانًا بلاقيها بتكلم نفسها… ومفيش على لسانها غير سراج.
حليم بحزن:
ـ دي الحاجة اللي مزعلاني عليها. إزاي كل السنين دي ما تكلمتش عنه… وفجأة طيفه بيجي في بالها؟ نفسي ربنا يريح قلبها.
استطرد بعزيمة:
ـ والله لازم أعرف اللي حصل زمان علشان بس أعوضها… لأني واثق إنها اتظلمت.
جاء اتصال لنور من حنان… البنت المشاغبة صديقة شقيقته. ابتسم وابتعد عن حليم. حليم ابتسم بسخرية… بس سرعان ما تحولت ابتسامته لحزن بسبب تذكره لوئام.
نور هتف:
ـ وحشتيني يا حنون.
حنان زفرت بحنق:
ـ ما تشفش وحش.
ضحكة نور علت:
ـ مالك يا نون داخلة شمال فيا كده ليه؟
تنهدت بضيق:
ـ استنيت ساعة في النادي… وسيادتك ولا على بالك.
عض على شفايفه بخبث:
ـ ما كنتش أعرف… وبعدين أنا ما روحتش النادي النهارده.
صرخت بغضب:
ـ بتكدب عليا يا نور؟ أنا شفتك مع بنت تانية برة النادي… لما أخوك كان بيكلم وئام. إنتَ هتتظبط وتعقل إمتى؟ لو عايز نفركش أوك… إنما كده لااااا.
ابتسم نور ابتسامة حبور:
ـ أنا كنت جعان يا نون وعايز أروح لثريا تغديني… والبنت دي مسح زور. إنما إنتي الدسم كله. أوعدك أقابلك بكرة وبعد بكرة… بس طريها يا نون.
في الأسفل عملوا الأكل. حليم هبط… بص ليها وهي بتعد السفرة بكل احترافية. قرب منها وقبّل إيدها:
ـ الإيدين الحلوة دي ما عادتش تعمل حاجة. وبعدين فين البنات؟ أوعى تكوني طفشتيهم علشان تستفردي بيا.
ضحكت ثريا:
ـ لا ده إنتَ اتغيرت قوي.
غمزها حليم:
ـ ما هو مش معقول واحد أمه بالحلاوة دي وما يبقاش لسانه حلو. ما تيجي نرقص يوناني سوا… إنتي محترفة.
حطت إيدها على دقنه:
ـ بعد الغدا نرقص سوا.
نور هبط بمرح:
ـ إنتَ بتتحرش بأمي يا ولد؟ وإنتي يا ثريا كده عيب… هو البيت ده مافهوش راجل؟ ما تاخدي الواد وتهربوا بالمرة.
بص للأكل بشراهة:
ـ ولا أقولكم أكلوني الأول… لأحسن الواد زياد أكل كل الأكل.
رن جرس الباب… ودخل زياد ومعاه دفتر الحسابات. بص للأكل بشراهة هو كمان… كأنه ما أكلش طول اليوم. هلل:
ـ مش ممكن أكل! وكمان من إيد الشيف ثريا… يا سلام… ده الواحد على لحم بطنه من الصبح.
بص لنور بعتاب:
ـ إنتَ مش قلت لي يا نور إنكم مش طابخين النهارده؟
ضحكة ثريا وحليم علت. نور بص له بسخرية:
ـ لا ما هو إحنا طبخنا على آخر لحظة… إنتَ بركة. كل براحتك… أنا هخليهم يعملوا عشا تاني. وبعدين فين الحسابات؟
مد إيده بغضب:
ـ ما تجيبهم كده نشوفهم.
هبطت الجميلات ميارا وهاجر. ميارا ابتسمت لزياد:
ـ يا زياد إنتَ مش لسه قايل في التليفون إنك متغدي؟ نفسي أعرف الأكل ده بيروح فين؟ ده مش بعيد تاكل أكل أولادك لما تتجوز.
هاجر ضحكت:
ـ ولا مراته اللي ربنا يكون في عونها… يمكن تصحى تلاقي دراعات متاكلة منها.
نور قطب جبينه:
ـ والله كده أنا ابتديت أفهم يا حليم هي مين… بالذات بعد كلام هاجر. إنتَ هتخلص أكل إمتى يا زياد؟
زياد نهض ونفض هدومه ومسح فمه:
ـ خلصت… ده حتى الواحد مش عارف ياخد راحته في الأكل… اكمنه مش في بيته.
حليم باستهجان:
ـ لا والله كل ده ما أخدتش راحتك؟! أومال لو بقى بيتكم هتعمل فينا إيه؟ قوم يا أخويا لما نشوف هببت إيه النهارده.
زياد ابتسم ببلادة:
ـ أيوه بقى… حسسوني إني ابنكم وده بيتنا. والله نفسي أصحى من نومي ألاقيكم حواليا.
نور ضرب كف على كف:
ـ لا ده إنتَ لسعت. على فكرة لو إنتَ عايز اللي في بالك مش هتقعد هنا.
زياد بص ليها… نزلت وشها. اتكلم:
ـ إزاي؟ لا أنا عايز أعيش معاكم.
نور جزّ على سنانه:
ـ طيب والله ما هيحصل.
زياد حاول يرجع… حليم وقفه:
ـ خلاص بقى نشوف شغلنا لأنه الأهم. أما الحاجة التانية يا زياد… لا أنا ولا إنتوا لينا دخل فيها.
بص لثريا وابتسم:
ـ ماما ثريا هي اللي تقول مفهوم؟ كل اللي بيحصل ده كلام فاضي ولا إيه؟
نور زفر بحنق:
ـ ما هي ماما ثريا هتيجي في صفه يا حليم.
ثريا ابتسمت بفخر لحليم على تعظيمه ليها:
ـ على فكرة يا نور حليم معاه حق. أنا هنا اللي أقول… وده بعد رأي أختك ورغبتها. دي اللي هتتجوز مش إحنا.
وشوشة صدرت من ميارا لهاجر:
ـ هو الجواز تم؟
هاجر ابتسمت وهزت راسها. زياد بص ليها… فضلت صامتة. غيظها:
ـ ده حتى السكوت علامة الرضا.
ميارا حطت إيدها في خاصرتها:
ـ نعم؟! هي بنات الناس لعبة؟ دي حياة هنعيشها مع بعض وتبقى طويلة… مش سلق بيض.
زياد ابتسم:
ـ أفهم من كده إنك موافقة عليا يا ميارا؟ والله أوعدك هعيشك عيشة حلوة.
ميارا ابتسمت رغمًا عنها:
ـ هنشوف… مش المفروض تجيب عيلتك وتيجي تخطبني؟
هز راسه:
ـ آه طبعًا هجيبهم… بس قلت الأول آخد الموافقة منكم. بصراحة كنت خايف ترفضوني ومش عايز أهلي يتحرجوا.
ميارا ابتسمت:
ـ وأنا قلت لك… لا ماما ولا إخواتي هيعترضوا عليك.
فرح زياد:
ـ حيث كده بقى خير البر عاجله.
ضحكة ميارا علت:
ـ لا بالراحة يا زياد بالراحة… كل شيء بأوان.
زياد ابتسم:
ـ تعبت يا ميارا… وبعدين ما صدقت إنكم وافقتوا عليا. ده أنا كنت مرعوب.
نور رد بضيق:
ـ ما خلاص بقى… كل شوية "ما صدقت إنكم وافقتوا عليا". بلاش النبر ده… لأحسن نرجع في كلامنا وتقعد تولول زي الستات.
زياد بص له برعب:
ـ أنا والله ما هتكلم تاني… آسف اعتبرني واحد أهبل متاخدش على كلامي.
نور لوى شفايفه بضيق:
ـ لا أنا أساسًا شايفك مجنون.
ثريا تنهدت:
ـ مش نقعد ناكل بقى؟ وبعدين يا زياد مشكلتك اتحلت… عايزة تركيز في الشغل.
رفعت راسها بكل عزيمة:
ـ إحنا عايزين نكبر سلسلة المطاعم في الفترة الجاية… وعايزاك يا نور تهدى شوية على زياد.
نور ابتسم:
ـ أوامرك سنيورة ثريا… أحسن شيف في إسكندرية.
ثريا رفعت حاجبيها بفخر:
ـ الله أكبر عليا.
حليم صفق:
ـ أيوه بقى… إيه الجمال ده يا ثريا؟ ولا أجدعها ست مصرية.
نور ربت على كتفي حليم ممتنًا له… لأنه بيوصل مغازلاتها رغم علمه إنها مش والدته. همس في ودنه:
ـ حليم شكرًا ليك… إنتَ كلامك بيخلي مزاجها في السحاب.
حليم التفت له:
ـ إنتَ مفكر إني هعاملها وحش علشان هي مش أمي؟ يا نور ثريا أمي… وهتفضل أمي حتى لو كانت سارقاني من أمي الحقيقية.
ثريا تدخلت عايزة تعرف هما بيقولوا إيه. بصت ليهم بخبث:
ـ بتقولوا إيه؟ بتتكلموا عليا صح؟
حليم ابتسم:
ـ وعرفتي منين؟
نور زم شفايفه بضيق مصطنع:
ـ قلب الأم يا أخويا. المهم أنا وإخواتك البنات بنتوشوش كتير عمرها ما حست بينا… لكن إنتَ غيرنا… ليك وضع خاص.
حليم احتضنها وأغمض عينيه:
ـ وأنا كمان أكثر واحد بحس بيها.
دلّفوا مكتبهم بعد العشاء. نور اتكلم لحليم:
ـ أيوه هي سابتكم بعد يومين من ولادتكم وسافرت برة مصر… بس أهلها هنا اللي هما خالك وخالتك.
أسدل راسه بحزن:
ـ لأن أبوها وأمها بعد ما عرفوا إنها سابتكم ومشيت… ماتوا بحسرتهم. وده اللي خلى بابا يجيبكم إسكندرية لماما.
حليم تنهد بضيق:
ـ كان عندي إحساس إن ده الحوار كله.
نور حزن على وضع شقيقه:
ـ حليم احمد ربنا إن بابا جابك هنا لماما ثريا.
حليم ابتسم بسخرية:
ـ وإنتَ كنت عايزه يعمل فينا إيه؟
نور تنهد:
ـ إنتَ لو عرفت مكانها هتحاول توصل لها؟ إنتَ لو عملت كده وماما ثريا عرفت هتزعل يا حليم؟
حليم حط إيده على راسه من التفكير:
ـ ده اللي أنا شايل همه… مش عايزها تفهمني غلط. نفسي تفهم أنا عايز أوصلها ليه. نفسي أنتقم منها يا أخي.
جزّ على سنانه:
ـ انتقام ما بعده انتقام… ولازم أوصل ليها.
ثريا دلّفت عليهم وهي حاسة هما بيتكلموا في إيه. بصت لحليم:
ـ الصبر طيب يا حليم… أنا هجيبها لك لحد عندك.
حليم ابتلع ريقه:
ـ تجيبي مين؟ إنتي عارفة إحنا بنتكلم عن مين؟ ولا ده تخمين مش أكثر؟ وبعدين أيًا كان مين… أنا مش عايز أتعبك.
ثريا ابتسمت:
ـ أنا عارفة إنك بتدور على مامتك… بس أنا عايزة أقولك حاجة. إنتَ ابني أنا… وأنا سبب بداية مشوارك إنتَ وأختك.
حطت إيدها على صدرها بتملك وبقوة:
ـ إنتوا أولادي… يمكن تشوفني إني طماعة… بس إنتوا حقي أنا.
حليم ابتسم:
ـ وأنا مش شايفك طماعة… أنا شايف إن من نعمة ربنا علينا إن اتربينا على إيدك.
اقتربت منه:
ـ الله ينور عليك. مش بمزاجك… دي إرادة ربنا. أنا قلتها لباباك زمان… قلت إن ربنا هيسجيب دعاي ويجبر بخاطري.
ابتسمت بامتنان لربها:
ـ مش جبر بخاطري في أولادي بس… لا جبر بخاطري بيك إنتَ وأختك. أنا تعبت كتير يا حليم.
أغمضت عينيها واستسلمت لدموعها:
ـ تعبت قبل ما أشوفك إنتَ وإخواتك التلاتة… لكن لما شفتكم كبرتوا قدامي راح كل تعبي يا حليم. إنتَ ابني… وكلكم أولادي.
ضغطت على كتفيه بإصرار:
ـ غصبًا عنكم هتفضلوا معايا لحد ما أموت.
حليم احتضنها:
ـ صدقيني لو كانت رجعت في يوم من الأيام تاخدنا كنا رفضنا. أنا عايز أرجعها علشان أعرفها إحنا بقينا إيه.
مط شفايفه بلا مبالاة:
ـ لكن رجوعها مش هيغير حاجة.
نور تنهد:
ـ أنا كمان رأيي من رأي حليم.
رجعت بذكرياتها… شافت في الشابين الإصرار على الفعل زي والداهما.
**(فلاش باك)**
والد زياد (خطاب) بيحاول يفض الاشتباك بينهم:
ـ بقولك إيه يا سراج… إنتَ تسافر تسوي أمورك هناك… وتسيب الأولاد عندي. وبعدين لما ترجع كل شيء هيتحل.
أمال على ودنه بخبث:
ـ قربك منها هيخليها ترجع تحن عليك.
سراج بص ليها باستعطاف أخير:
ـ علشان خاطري يا ثريا خليهم معاكي.
ثريا انتفضت وصرخت:
ـ أنا عندي أولاد يا سراج… عاوزني كمان آخد دول؟ مش إنتَ بعدت عني وحرمتني منهم؟
أشارت ناحية خطاب بغضب وضيق:
ـ ما تفكرش إن كلامه هينفع. حتى لو بقيت ليل نهار معايا مش هرجع ليك. أنا هلتزم بتربية أولادي وهصرف عليهم.
صراخ الطفل حليم تعالى. انتفضت له:
ـ حليم مش شبعان حبيبي… إنتَ مش بتشربه لبن في ببرونة يا سراج؟!
سراج بص لطفليه بحزن. ذكرى أخدتهم ورحلت مع خطاب. بدأت ذكرى تشك فيه بيقين… خصوصًا لما هتف بخبث:
ـ اهتمي بيهم يا ذكرى كأنهم زياد… علشان ما يلجأش لثريا. هي فيها اللي مكفيها… مش ناقصة عيال غيرها. علشان هو يتربي ويعرف إن الله حق.
ذكرى عقدت ما بين حاجبيها:
ـ أنا مش هقدر يا خطاب. وبعدين أنا مش شايفة فيها مشكلة لما ثريا توافق ترجعله ويربوا الأولاد الأربعة في وسطهم.
خطاب انتفض بغضب:
ـ إيه الجنان ده؟ إنتي نسيتي هو رماها إزاي وكان عارف إنها حامل؟ وافرضي التانية رجعت… موقف ثريا هيبقى إيه؟ مش هيرميها تاني؟
ذكرى زفرت:
ـ حرام عليك… هو ما كانش يعرف. ساعدهم يرجعوا لبعض ينوبك ثواب.
خطاب بإصرار:
ـ مستحيل.
سألته بتوجس:
ـ ليه مستحيل؟ للدرجة دي صعبانة عليك؟
توتر وارتبك:
ـ أنا بحاول أنتقم منه علشان صدق ولاء لما قالت له إني اعتديت عليها.
ذكرى هزت راسها وتنهدت بتعب… وهي باصصة للطفلين… متمنية معجزة ترجع سراج وثريا.
هي كأوراق الشجر… ضعيفة وهشة. رغم رفضها للطفلين… رقت لحال الطفل حليم وهو بيعيط. ابتسم وبص ليها ووقف بكاءه للحظة لما لمسته. وقعت في حبه من النظرة دي… وكأن برؤيته تحقق حلمها في الإنجاب. بس لما عاودت تنظر لسراج اللي حطم فرحتها… تألم قلبها على الحلم ده اللي ضيع فرحته. سراج هو العائق بينها وبين أطفاله. ما إن رحل… تقبلتهم وبسعة صدر منها. ما تخيلتش يوم إنهما مش أشقاء لأولادها.
بعد رحيله بيوم… كانت بتبكي عليه رغم أفعاله. جت ذكرى صديقتها ووالدة زياد… اللي أخدت عندها الطفلين لحين عودته… بس ما رجعش. رجعت جثته بس. ثريا كانت بتبكي بحرقة على فقدانه… وسألت ذكرى:
ـ إنتي عندك الأولاد صح يا ذكرى؟ ليه ما جبتيهمش معاكي؟
ذكرى ربت على إيدها:
ـ هو ينفع يجوا في الظروف دي؟! إنتي في إيه ولا إيه؟ ده كفاية إنهم جابوه يتغسل عندك في قلب البيت.
بصت للطفلين (نور وهاجر) بحسرة:
ـ وولادك اللي كل حد فيهم على صرخة واحدة من ساعتها… زي ما يكونوا حاسين بموت أبوهم. وبعدين إنتي هتقدري على الأربعة يا ثريا؟
أشاحت بوشها:
ـ إنتي وأبوهم عايش رفضتيهم.
ثريا بغضب:
ـ إنتي اللي بتقولي الكلام ده يا ذكرى؟! كنتي عايزاني بعد اللي عمله أسامحه وأخدهم منه؟ أنا انجرحت منه يوم فرحتي.
بإصرار:
ـ بس أنا اللي هربي الأولاد… إنتي بس هاتيهم. ولي طلب… مش عايزة الأولاد يكبروا ويعرفوا اللي حصل. تمام ذكرى؟
هزت ذكرى راسها بالموافقة… وما أنكرتش إنها فرحت برجوع الطفلين لثريا. بس ده فتح مجال تاني لخطاب يتلاعب بثريا. خصوصًا لما أخدت الطفلين… حدثها:
ـ كنتي عايزاها تربيهم… آه هتربيهم آه.
ذكرى بصت ليهم بحزن:
ـ بس من غير أب.
ابتسم بخبث:
ـ مش يمكن تتجوز وتلاقي أب لأولادها؟
بصت له بضيق:
ـ يمكن.
ردها زاده سرورًا:
ـ بس المفروض ما تتجوزش أي حد زي سراج.
لوَت ذكرى ثغرها بسخرية:
ـ أومال تتجوز زيك؟
توتر خطاب:
ـ يا ريت تلاقي حد زيي.
**(عودة من الذكريات)**
حليم هزها عشان يخرجها من شرودها:
ـ إيه يا ثريا… هتفضلي في حضني كده كتير؟ إنتي كده مش هتخليني أرتبط بأي واحدة… تطلع بتغير من حركاتك دي.
ثريا خرجت من حضنه تبتسم بمرح:
ـ يبقى اللي يغير مننا يعمل زينا. وإنتَ لازم تطلع راجل مذوق وتغازل السنيورة بتاعتك حتى لو قدامي.
رفعت دقنه بأناملها:
ـ بص يا حليم… الحب أحلى شيء في الوجود… بس اللي يفهمه صح. أنا عايزاك تفهمه صح. الحب جنون.
حليم بص ليها بإعجاب:
ـ طيب نتعلم منك بقى إنتي وبابا… هو اللي كان مجنون بيكي.
راقص حاجبيه:
ـ ولا نقول إن ثريا اليونانية هي اللي اتجننت بسراج المصري؟
فاجأها بالسؤال… لمعت الدموع في عينيها:
ـ إنتَ ابن أبوك بصحيح… بتقول زي ما بيقول. بص… باباك كان مغروم بيا كتير وأنا كمان… بس مين أكتر مش هقول.
هز راسه بمرح من ذكائها وعقلها الصارم… اللي بيرفض يدي له أي أدلة أو براهين.
رجع بذاكرته مع عشقه وئام… وهو بيهاتفها في إحدى الليالي:
ـ أنا بحبك أكتر ما بتحبيني يا ويمي.
وئام برقة:
ـ لا يا حليم مستحيل.
سألها:
ـ ليه بتقولي كده؟
تنهدت:
ـ حاسة إن من كتر حبنا لبعض… الناس هتحسدنا وهيحصل حاجة ما بينا. بس إنتَ اللي هتسيبني.
رد بوعود العالم:
ـ ما أقدرش يا وئام.
ابتسمت:
ـ يعني ده وعد؟
بتأكيد:
ـ أكيد.
عض على أنامله بيلوم نفسه على تضييعها من بين إيديه. ما يعرفش هل اللي اقترفه في حقها عدل ولا ظلم.
بالأعلى… ميارا كانت بتحادث زياد… وبتعيط. صوته جه يهون عليها:
ـ يا ميارا أنا شايف إن مفيش فرق ما بينكم. إنتي عند ماما ثريا كأنك بنتها اللي جابتها من بطنها.
ميارا عندها القناعة بكل ده… بس لما عرفت إن ثريا مش والدتها… تولد عندها الخوف إن والدتها الحقيقية تظهر يوم وتاخدها. خصوصًا لما عرفت من هاجر إن حليم مصر يتعرف عليها. اتكلمت لزياد بخوف:
ـ نفسي أرتاح يا زياد من كتر التفكير. من ساعة ما عرفت وأنا مرعوبة… خايفة تظهر لينا من تحت الأرض.
بقلق:
ـ بخاف لما بيكون فيه حفلة وماما ثريا تُصر إن صور الحفلة تنزل في الجرايد والمجلات.
استطردت:
ـ زياد أنا خليتك تثقل العيار معاهم علشان أبقى مراتك… أحسن ما تظهر أمي الحقيقية في يوم وتنيل الدنيا.
زياد زفر بحنق:
ـ هي هترجع هترجع… مفيش مفر يا ميارا. أنا كمان حسيت إن ماما ثريا وحليم وافقوا على جوازنا لنفس الخوف اللي جواكي.
استطرد بحنق:
ـ بس نور… أجارك الله.
أنهت المكالمة. هاجر دلّفت… ولما شافت عينيها بتدمع ركضت تطمئن عليها:
ـ مالك يا ميارا؟ بتعيطي ليه؟
ميارا مسحت دموعها الرقيقة بطرف صوابعها:
ـ هي دي دموع الفرحة يا هاجر… عقبالك إنتِ كمان من فرحتك تعيطي.
هاجر ابتسمت ابتسامة خفيفة… بس نظراتها كانت شايلة شك. ليه بتعيط؟ ولازم تعرف السبب الرئيسي.
أما هاجر… فكانت بتيجي لها رسايل من حبيب مجهول… ما بيقولش غير حاجة واحدة:
ـ بحبك… وطمعان إنك تكوني ليا.
هاجر بتبتسم بسخرية:
ـ أنا مش لحد يا أسطى.
يرد عليها ذات يوم:
ـ عندك حبيب؟
تغيظه:
ـ أيوه عندي حبيب… وهنتخطب قريب وهعزمك.
يعبس ويبعت لها إيموشن:
ـ لو مش عن حب بلاش… أنا بحبك جدًا.
ترد باستهزاء:
ـ إنتَ عبيط؟ حب إيه بالرسايل دي؟ ليه مش بتظهر؟ إنتَ عفريت مثلًا؟
يرد:
ـ قريب هظهر… أنا أصلًا قريب منك… بس إنتي اللي مش حاسة بيا.
حليم صعد لنور اللي سبقه لغرفته… لقيه بيجوب الأوضة بعصبية:
ـ أظن اللي سمعته من ماما يا حليم يخليك تعدل عن تفكيرك؟
حليم بص له بذهول:
ـ لا والله… إنتَ يا ابني بتتحول؟ مش لسه قايل تحت إن ده حقي؟ هي نفسها قالت لي إنها هتجيبها لحد عندي… بس إزاي؟ مش عارف.
نور بضيق:
ـ هي سمعتنا يا حليم… وعلشان كده ما قدرتش تقولك لا.
حليم زفر:
ـ طب أعمل إيه أنا دلوقتي؟
نور بغضب:
ـ أنا اللي هقولك برضه؟ ما تشوف حالة ميارا… لأول مرة في حياتها مهزوزة وخايفة.
اقترب منه:
ـ عايزة تتجوز… علشان لما ترجع أمك تبقى ملهاش كلمة عليها.
حليم تنهد:
ـ حقكم عليا… بس أنا وافقت على زياد فعلًا لأني مقتنع بيه… وعارف إنه بيحب ميارا وميارا بتحبه.
هز راسه بعدم تصديق:
ـ مش في دماغي إني كده خايف عليها… أصلًا ما حدش يقدر يقرب منها.
نور زفر بحنق:
ـ النتيجة واحدة… هي خايفة.
حليم تنهد:
ـ خلاص أنا هحلها… بس مش ده اللي معصبك يا نور.
نور أشاح بوشه للجانب التاني. حليم اغتاظ:
ـ هو مفيش فايدة من العادة بتاعتك دي؟ أنا ميت مرة قلت لك بلاش الهروب بتاعك ده… واجهني.
نور بضيق:
ـ مش وقته يا حليم.
حليم هز راسه بيأس:
ـ برضه يا نور؟ هو إنتَ هتفضل طول عمرك كده؟
نور التفت له:
ـ كل شيء في وقته حلو.
حليم بقلة حيلة:
ـ تمام براحتك… بس كنت أتمنى أعرف.
نور زفر بحنق:
ـ تمام هقولك.
حليم ابتسم بسخرية:
ـ يا ترى هيطلع اللي بفكر فيه؟
نور بص له بحزن:
ـ أنا خايف أقولك إنها احتمال كبير تكون قربت توصل ليكم.
هتف بضيق:
ـ هي تقريبًا جمعت معلومات عنكم من الحفلات والصور اللي اتعمدت ماما تنزلها في المجلات.
حليم عقد ما بين حاجبيه:
ـ بس إحنا على طول بينزل لينا صور… إحنا ولا المشاهير؟
نور تنهد:
ـ إنتَ شايف الموضوع عادي… بس آخر مجلة ماما نزلت فيها أسامينا وتواريخ ميلادنا.
ابتسم بسخرية:
ـ طبعًا بالإضافة لكده… كل واحد خريج إيه وهوايته إيه ووظيفته. هي قصدت تذكر تواريخ ميلادنا.
حليم جحظ بعينيه:
ـ علشان كده بتقول لي اصبر… هي جاية جاية. إحنا داخلين على منعطف تاريخي بقى.
حط إيده على حافة مراية الزينة باصص لانعكاس صورته:
ـ لو خطة ماما ثريا فعلًا نجحت… يبقى الست دي بلعت الطعم. بس يمكن يكون حالها معدوم ولا بتقرا مجلات ولا حاجة.
التفت لنور:
ـ بس ماما ثريا مش عبيطة… يا ترى الست دي هتيجي إمتى؟
نور انتفض بقلق:
ـ ربنا يستر… الوضع مش مطمئن. ولا حتى نظرات ماما ليك إنتَ بالذات مش مريحاني. الموضوع كله مقلق.
حليم ابتسم يطمئنه:
ـ إيه اللي إنتَ بتقوله ده؟ مش أنا يا نور اللي يتخاف مني. نظرات ماما ليا كلها حب… وده شيء يريحك.
هز راسه بعزيمة:
ـ وأنا هقدر أجتاز خوفها اللي في عينيها… بس الخوف فعلًا على ميارا.
نور تنهد بضيق:
ـ فعلًا البنت عايزة تهرب من هنا… مش حابة تواجه حد.
حليم ابتسم:
ـ إنتَ عبيط؟ مين قال إن ميارا ما بتعرفش تواجه؟ تعرف إني متوقع إنها هتواجه الست دي أكتر مني.
بخبث:
ـ وهترجعها من مطرح ما جات ندمانة. أنا واثق من أختي جدًا… لأنها قوية من صغرها.
بفخر:
ـ وطبعًا الفضل كله يرجع لماما ثريا. كانت دايمًا تقول لها "ارفعي راسك يا ميارا إنتي بنت ثريا اليونانية". وعلشان كده ميارا زعلت إنها مش بنتها فعلًا.
بحزن:
ـ ومن يوم ما عرفت لغاية النهارده حاسة إنها في كابوس… وأنا كمان.
نور ابتسم وربت على كتف حليم:
ـ أنا عارف إن ماما ثريا عندك إنتَ بالذات حاجة تانية. دي دايمًا تقول إنك متسمي على اسم عبد الحليم حافظ.
لوى ثغره:
ـ تبقى مزعلها… وأول ما تقولها إزيك تبقى طايرة من السعادة. المهم أنا معاك لغاية ما ربنا يريح قلبك.
حليم تنهد:
ـ يا ريت يا نور… نفسي فعلًا أرتاح.
كان بيراود نور القلق… بس رد يطمئنه:
ـ إن شاء الله قريب.
**(فلاش باك)**
لما حملت ثريا حليم… سراج بص ليها ولحليم باندهاش. حليم صمت في حضنها. سراج قال:
ـ سكت في إيدك.
ثريا بصت له ودمعت عينيها:
ـ هتعمل إيه يا سراج كل مرة علشان تسكته؟
سراج تنهد:
ـ ممكن يفضل معاكي هو وميارا؟
أدته الطفل تاني:
ـ بلاش تستغل عاطفتي ناحيته يا سراج… أنا هربي أولادي بس.
سراج أغمض عينيه بمرارة:
ـ يا ثريا علشان خاطري… وبعدين ما أنا كمان المفروض أبقى جنب أولادي التانيين. إحنا مهمين في حياة بعض.
حاول يفهمها إنها مش هتقدر تربيهم لوحدها. حاول يحسها بالعجز:
ـ فيه حاجات إنتي لوحدك مش هتقدري عليها… لكن وأنا معاكي هنقدر سوا.
جاهدت ما تنزلش دموعها… بس من غير فايدة. انتحبت:
ـ ولو هي رجعت ظهرت وطلبت أولادها؟ ولو إنتَ جيت قلت لي لا مؤاخذة يا ثريا دول أولادها… هتاخدهم مني؟
بوجع:
ـ وإنتَ عارف كويس أنا ببقى إزاي لما بتعلق بحد… ولا هتفكر في نفسك وبس ساعتها وتقول دول حقها؟
سراج تنهد بتعب:
ـ استحالة… أنا ممكن أعمل أي حاجة تريحك. أنا ممكن أكتبهم باسمك… والله أقدر.
ثريا رفعت سبابتها:
ـ سراج أوعى تعمل كده… ده حرام. لو خالفت شرع ربنا والقانون أنا مش هخالفه علشانك… حتى ولو هشهد ضدك.
سراج بص ليها بقلة حيلة:
ـ أنا نفسي أضمن لكي وليهم عيشة بعيدة عنها… علشان لما أموت وهي تظهر ما تبقيش في صراع معاها.
حط إيده على صدره بحسرة:
ـ زي ما أنا بقيت في صراع بين حبي لكي وحملها… خيرتني بينها وبينك من لحظة ما حملت.
هز راسه بضياع:
ـ وما رضيتش إن الأولاد يبقوا بينك وبينها… أنا غبي وقلت حقها.
ضم حليم وقبّله بحزن:
ـ فهمت غلط يا ثريا… أنا كنت مفكر إن لما هشيل عيل مني هرتاح ومش هتعب وأدفع تمن غلطي معاكي.
انسابت دموعه:
ـ نفسي أعرف إزاي قدرت تكون بالجبروت ده وتهرب بعد ما ولدتهم.
ثريا استكملت بكاءها:
ـ إنتَ السبب يا سراج… لما كانت قالت الكلام ده وخيرتك بينها وبيني كان ممكن ما تسيبنيش وتجيني من وراها… بس إنتَ ما صدقت تخلص مني.
بحزن:
ـ لما جيت هنا آخر مرة أنا كنت طايرة من السعادة… وكان نفسي أقولك إن أخرة صبري جبر.
سراج بأسف:
ـ آسف… آسف يا ثريا. لو رجع بيا الزمن همسك فيكي بإيديا واسناني.
ثريا تؤنبه:
ـ إنتَ أناني يا سراج.
هز راسه يوافقها:
ـ معاكي حق… ما فكرتش غير في نفسي. بس اديني فرصة تانية أرجوكي… دول طفلين يا ثريا.
ثريا بصت له… بعدين للأطفال. رق قلبها:
ـ اديني وقت… جايز أنا بنفسي أطلب منك كده. بس ما تضغطش عليا الفترة دي.
سراج تنهد:
ـ حاضر… بس خديهم عندك على بال ما أروح أجيب كل اللي يخصني في القاهرة وأظبط حياتي هنا.
هزت راسها برفض… بتعتقد إنها حيلة منه يلزق الأطفال ويهرب:
ـ لا يا سراج مش هقدر… إنتَ ممكن تفضل هنا وبعدين تجيب الحاجات من القاهرة.
سراج ابتسم بسخرية:
ـ مش عايزة تاخديهم أسبوع عندك؟ ويا ترى مش هتحبيهم زي أولادنا؟
بصت له بلوم وعتاب:
ـ يا ريتك يومها اديتني فرصة للكلام زي ما بتسمعني دلوقتي. يا ريتني أنا وقفت وقلت إني حامل… يمكن كنت فضلت في حياتك وكانت اتغيرت حاجات كتير.
بصت للأطفال:
ـ لو شاء القدر وبقيت أنا الماما بتاعتهم هيكونوا عندي زي أولادي وأكتر… بس لغاية اليوم ده سيبني على راحتي يا سراج.
تنهدت بتعب:
ـ أنا تعبانة جدًا.
سراج تنهد بهدوء:
ـ خلاص يا ثريا… بس علشان خاطري ما تتأخريش عليا. إنتي قلبك كبير… وقلتي لي قبل كده إنك مش بتحبي تزعلي حد منك كتير.
بنبرة استعطاف:
ـ يا ريت ما يهونش عليكي الأولاد… ما ينفعش تاخديهم بذنبي. أيوه يا ثريا أنا فيا عيوب… بس أنا وأولادي محتاجين لكي.
استطرد:
ـ لكن لو عايزة الأولاد وأنا بلاش مش مشكلة. أنا بعتك وده حقك. ثريا خلي بالك من أولادنا كلهم… أنا حاسس إن أجلي قرب.
تنهد بتعب:
ـ أنا عايز أموت مرتاح. اللي جبتيهم واللي غيرك جابتهم… إنتي هتربيهم كلهم. وده أنا واثق منه. إحنا حقك يا ثريا.
ابتسم:
ـ وبعدين هما محظوظين إن إنتي اللي هتربيهم.
ثريا تنهدت:
ـ أيوه كل مرة نفس الكلام مش بتتغير يا سراج… قلت من سنة إنك خايف تموت.
سراج حزن واتضايق من ردها:
ـ عايز أقولك حاجة يا ثريا… يمكن ما رضيتش أحرجك بيها. إنتي لما طلبتي من والدك يحول فلوس العملية التانية… كلمني وهزقني.
ابتلع غصة:
ـ عارفة كان إيه إحساسي ساعتها؟
ثريا قطبت جبينها:
ـ إيه اللي بتقوله ده يا سراج؟
زفر بحنق:
ـ قال لي إنتَ هتكبرني يا سراج… أنا مش عايز أبقى جد. وإن كان على نفسية ثريا… هناخدها عندنا سنة ترتاح.
ابتسم بسخرية:
ـ بس أنا اتمسكت بيكي… وفي نفس الوقت كرامتي وجعتني. كانوا مفكريني بشحت منهم. مسكت نفسي بالعافية… بس صممت أرجع كرامتي قدامه.
حملها الذنب:
ـ ولما جيت لك وقلتي لي إنك هتسافري عند والدك… حسيت زي ما يكون بتصدقي على كلامه.
ثريا بلوم وعتاب:
ـ لا يا سراج… إنتَ كنت جاي حاسم قرارك. أنا سهلت عليك الموضوع… وأنا غلطانة إني طلبت من بابا فلوس.
بحب:
ـ بس كنت بحبك وعايزة منك أولاد.
سراج بسخرية:
ـ كنتي! فين الجنون في الحب اللي اتفقنا عليه؟
حاول يقترب… بس بعدت عنه.
ـ أوعدك إن سراج يرجعك لنقطة الجنون تاني.
زمت شفايفها:
ـ إنتَ متفائل قوي… قول يا رب.
تنهد بحنان:
ـ بقول والله… مش بكل ولا بمل.
أغمضت عينيها بمرارة:
ـ امشي بقى يا سراج.
تنهد:
ـ حاضر… رغم إني مش قادر. من أول ما شفتك واطمنت إنك ما سافرتيش وأنا مرتاح… كأني هنام النومة الأخيرة.
ثريا كانت بتسترجع ذكريات اليوم ده وهي في أوضتها. كان بينتابها الخوف… وتعتقد إنها آخر مرة هتشوفه فيها. وبالفعل حصل اللي توقعته. وقبل ما يحصل… عزمت أمرها إنه لو رجع بالطفلين… هتاخدهم منه. بل فكرت تروح لذكرى تاخدهم وترعاهم.