
أغلقَت "وسام" الخط مع أخيها عثمان وأنفاسها تتسارع كأنها تفر من بين ضلوعها. الخناق يضيق، والأسوار تسقط واحداً تلو الآخر، والرجال يفتشون في كل زاوية. لكن، في وسط تلك العاصفة الهوجاء، لم تتحول دموعها إلى استسلام، بل تحولت إلى وقود حارق لبركان من الشجاعة والجنون.
حدقت وسام إلى انعكاس صورتها في المرآة المهشمة بالغرفة العلوية، وقالت بصوت يملؤه التحدي:
"إن كانوا يبحثون عن وسام القديمة... فسأمنحهم شبحاً لا يطالونه أبداً!"لا بد ان امحي وسام للابد" ويظلو يبحثون عن شبح لن يروه حتي في احلامهم"
في تلك الأثناء، وفي إحدى أرقى عيادات التجميل الخاصة بالدكتور "أدهم المنيوي"، كانت الأنوار خافتة، وكانت "سرين" شقيقة مروان تجلس في غرفة الانتظار متعللة بموعد وهمي، وكل همها هو إيجاد فرصة للحديث مع ذلك الجراح النابغة الذي أسر عقلها في الحفل. دخلت مكتبه مستخدمة ذكاءها ودلالها، وقالت بنبرة ساحرة:
"لم أكن أتوقع أن أجد جراحاً بهذا العبقرية يمتلك هذا الحضور الطاغي يا دكتور أدهم... ألا تفضل أحياناً الهروب من نظرات الإعجاب هذه؟"
نظر إليها أدهم بنظرات هادئة وثاقبة، وابتسم ببرود محترف، مردداً بصوت عميق:
"آنسة سرين، أنا أعيد هندسة الوجوه، لكنني أرى بوضوح ما خلف الملامح.. والإعجاب المؤقت لا يغذي عقلي. إذا لم يكن لديكِ جراحة حقيقية لإجرائها، فالعيادة مليئة بالمرضى الذين ينتظرون."
شعرَت سرين بالحرج الممزوج بفضول أكبر؛ فهذا الرجل لا يشبه أي شخص عرفته طوال حياتها!
ابتسمت ابتسامه باهته ونظرت بعينه وقالت انت واثق من نفسك جدا يادكتور وبتعرف تقرا ماخلف السطور.!!
اعاد لها نفس الابتسامه الباهته وكال من يجمل الوجوه عليه قرائه مابالعقول انسه سرين شرفتيني واسف عندي شغل
اخذت حقيبتها اليدويه ونظرت اليه بحمق وقالت سوف تاتي يوما عندي يادكتور تطلب رضايا، تركته ينظر الي خطواتها وهو يتعجب لاسلوبها الاحمق.
بعيداً عن أضواء العيادة الفاخرة، كانت وسام قد اتخذت قرارها الأوحد والأكثر خطورة في حياتها. تذكرت اسم ذلك الجراح العبقري "أدهم المنيوي" الذي ترددت سيرته في الأوساط الطبية بأنه قادر على إحداث تغييرات جذرية ومذهلة في ملامح الوجوه لإخفاء التشوهات أو خلق هويات بصرية جديدة تماماً.
قالت في نفسها بعزم لا يلين:
"طريقي الوحيد للوصول إلى ابنتي، وإلى الأوراق التي ستدمر حصون التهامي، هو أن أموت رسمياً.. وأولد من جديد كامرأة أخرى لا يعرفها أحد!"
في منتصف الليل، وتحديداً في مدخل الطوارئ الخلفي للعيادة الكبرى حيث يباشر الدكتور أدهم عملياته السرية والخاصة، تسللت وسام بهدوء رغم المخاطر المحيطة بها. بفضل مساعدة بسيطة من شخص قديم يثق به عثمان، نجحت في الوصول إلى غرفة تعقيم الأدوات حيث كان أدهم يهم بالمغادرة بمفرده.
انفتح الباب ببطء شديد، ووقفت أمامه امرأة مرتدية عباءة سوداء وغطاء وجه يخفي ملامحها، وبصوت خافت يخترقه الارتجاف الممزوج بإصرار حديدي، قالت:
"أحتاج إلى مساعدتك يا دكتور.. وجهي القديم أصبح لعنة تلاحقني، وأنا مستعدة لدفع أي ثمن.. حتى لو كان عمري كله.. هل تعيد تشكيل ملامحي بالكامل قبل أن يقتلوني؟!"
تسمر أدهم مكانه لبرهة، محدقاً في تلك الأعين الغارقة في الدموع والتي تشتعل في الوقت ذاته بقوة نارية نادرة. تساءل في نفسه عن سر هذه المرأة التي تقف على حافة الهاوية.
في تلك الغرفة المعقمة ذات الإضاءة الساطعة والباردة، وقف الدكتور "أدهم المنيوي" متأملاً تلك المرأة التي تقف على الخطر. لم تكن مجرد مريضة تطلب تجميلاً أو تحسين ملامح، بل كانت عاصفة متجمدة تبحث عن نجاة مستحيلة.
حدق أدهم في عينيها الدامعتين واللتين تشتعلان بإصرار مرعب، وسألها بصوته العميق الهادئ:
"أتعرفين جيداً ما تفعلينه يا أنسة...؟ تغيير الملامح كلياً ليس مجرد عملية جراحية، بل هو محو كامل لهويتكِ، دفنٌ رسمي لكِ وأنتِ على قيد الحياة. إنها تذكرة ذهاب بلا عودة إلى العالم القديم... هل أنتِ مستعدة لكل هذا الثمن؟"
أجابت "وسام" بصوت ثابت يخترقه الفولاذ، رغم الارتجاف الطفيف في شفتيها:
"الثمن الوحيد الذي لا أستطيع دفعه هو أن أستسلم، أو أن أترك ابنتي لقمة سائغة في ذئاب قصر التهامي! أنا مستعدة للموت وألف مرة أكثر، المهم أن يولد من هذا الرماد وجه لا يعرفه مروان، ولا تصله أيديهم الملطخة بالشر." وقصت عليه
ماتعرفه عن اعمالهم المشبوهه وتجاره الاعضاء لكن دون دليل معها فقد ضاع الدليل من يدها وانها لابد تغير ملامحها حتي تنجو بنفسها وابنتها.
نظر إليها أدهم مطولاً، وشعر لأول مرة بتلك الرعشة الخفية في قلبه؛ فهذا التحدي والصلابة أيقظا بداخله شيئاً الدفينه. ابتسم بابتسامة خفيفة وغمام الغموض يلف ملامحه، وقال:
"إذاً.. لتكن اللعبة بحرُها عميق يا وسام التهامي.. سأصنع لكِ وجهاً جديداً، وهيكلاً بـصرياً لا يجرؤ أقوى محقق على كشفه."
على الجانب الآخر، كانت "سرين" شقيقة مروان عائدة إلى غرفتها بالفندق بعد زيارتها الفاشلة لعيادة أدهم. كانت عقلها منشغلاً بشكل جنوني بذلك الجراح الوسيم والغرور الذي رفض خضوعها لدلالها بسهولة.
أمسكت بهاتفها، وبدأت تبحث في كل سجلاته وأبحاثه الطبية، وقالت لنفسها بابتسامة ماكرة:
"لا يوجد مستحيل أمام سرين التهامي.. سأجعل ذلك الغامض ينحني إجلالاً، وسأكتشف سره الأكبر قريباً!
في قصر التهامي، كان التوتر يقطع أنفاس المكان. دخل رئيس الحرس الخاص بخيريه هانم إلى مكتبها بخطوات سريعة ومرتجفة، وهمس بصوت خفيض:
"هانم... لقد وجدنا السيارة التي كانت تستقلها وسام في طريقها للهروب خارج المدينة، وانقلبت في أحد الطرق الوعرة.. وقد وجدناهامحترقه تماما ، ولم نجد لها أثراً.. الأرجح أنها سقطت في الهاوية و لقيت حتفها!"
اتسعت عينا خيريه هانم بابتسامة شيطانية تشوبها المنتصرة، وقالت بصوت خفيت تملؤه السعادة:
"وأخيراً.. انتهى الكابوس! لا داعي لإخبار مروان بالتفاصيل الكاملة، دعوه يعتقد أنها هربت بعيداً، حتى لا يجن جنونه أكثر من ذلك.. المهم أن الورقة الخطيرة احترقت وانتهى أمرها!"
لكن، عندما وصل الخبر إلى "مروان"، لم يشعر بالراحة كما كانت تتوقع والدته؛ بل شعر بصدره يضيق وكأن نصف روحه قد انتُزعت نهائياً. صرخ في وجه الحراس بجنون:
"تبحثون عنها ميته أو حيه! إن لم تجدوا جثتها بأعينكم، فأنا لا أصدق حرفاً مما تقولونه!"
مرت أسابيع كالدهر. داخل غرفة سرية مظلمة ومؤمنة تماماً تابعة لأدهم المنيوي، كانت وسام تنظر إلى المرآة لأول مرة بعد إزالة الضمادات.
تسمرت في مكانها بذهول تام؛ لم تعد تلك الزوجة المكسورة ولا الفتاة الوديعة التي كانت تبكي في الزوايا. لقد أبدع أدهم في رسم ملامح جديدة كلياً؛ عينان ببريق مختلف، رسمة وجه حادة وساحرة، وهوية بصرية واسم جديد كلياً في الأوراق المستعارة: "نازلي العطار"، سيدة أعمال غامضة قادمة من الخارج للاستثمار في مشروعات كبرى.
نظر إليها أدهم من خلفها في المرآة، وقال بابتسامة واثقة:
"الآن.. أنتِ جاهزة للعودة إلى عرين الأسد.. لكن بصفتكِ العدو الألد له!"
أشرقت في عيني وسام نظرة انتقام لا تبقي ولا تذر، وقالت بصوت هادى قبل هبوب العاصفه.
"إذاً.. لنبدأ الحفل الكبير!"