رواية المتمردة والطاغي الفصل السادس6 بقلم فادية النجار

رواية المتمردة والطاغي الفصل السادس6 بقلم فادية النجار
روايه المتمرده والطاغي البارت السادس
في المندرة الكبيرة التي غصت بكبار رجال الصعيد، كان "الحاج عبد الرحمن الهواري" يجلس وعلى وجهه ملامح الجدية والوقار، وبجواره ولده "منصور" الذي بدا كالملك في جلبابه الصعيدي الفاخر وعباءته المقصبة بالذهب. وضع منصور يده في يد عمه "عبد الرحمن" (كوكيل عن قمر)، وبينهما المأذون الشرعي.
ردد المأذون الكلمات المعتادة، وسط إنصات الجميع، وعندما قال: "بارك الله لكما وبارك عليكما وجمع بينكما في خير"، انطلقت الأعيرة النارية في الخارج كالمطر، واهتزت السرايا بأصوات الزغاريد والطبول.

غمض منصور عينيه للحظة، ومرت أمامه ملامح عمه عبد الله وهو على فراش الموت يلتقط أنفاسه الأخيرة ويقول: *(دي وصيتي يا كبير.. اتجوزها وكون ليها السند).* فتح منصور عينيه اللتين امتدت فيهما نظرة حاسمة، وقال في سره: *(نفذت الوعد يا عمي.. وبنتك بقت مرتي وعلي ذمتي، ومن الليلة عتبدأ ربيتها على يدي).*

انتهى الصخب الخارجي مع انتصاف الليل، وهدأت الحركة في السرايا تدريجياً حتى ساد صمت مطبق يحمل في طياته الكثير من الترقب.

كانت قمر تجلس في غرفتها الجديدة، الجناح الخاص بزوجة الكبير. كانت ترتدي فستاناً أبيض بسيطاً، لا يشبه فساتين الزفاف التقليدية، بل كان يعكس كبرياءها وهدوءها القاتل. خلعت طرحتها وتركت شعرها الأسود الطويل ينسدل بحرية على كتفيها، وجلست على مقعد خشبي واضعة قدماً فوق الأخرى، وعيناها مثبتتان على الباب بانتظار العاصفة.

انفتح الباب بقوة ودخل منصور. كان يفوح منه عطر قوي ومزيج من هيبة هائلة تملأ الفراغ. أغلق الباب خلفه بالمفتاح ببطء، والتفت ليرى زوجته الجديدة.

توقع منصور أن يجدها باكية، أو مرتعشة في زاوية السرير كبقية النساء في مثل هذه الليلة، لكنه تفاجأ بها تجلس بكبرياء وثقة، تنظر إليه مباشرة دون خوف أو وجل.

خطا خطوات بطيئة نحوها، وخلع عباءته الثقيلة ورماها على المقعد، ثم وقف أمامها مباشرة، وعيناه تتأملان جمالها الحاد وثباتها. قال بنبرة رخيمة ومنخفضة تحمل جبروتاً دفيناً:
- "مبروك يا مدام منصور الهواري.. الحين قفل علينا باب واحد، وبقيتي مرتي رسمي قدام ربنا والبلد كلها عاد."

نهضت قمر ببطء حتى أصبحت واقفة أمامه، ورغم فارق الطول والبنية بينهما، إلا أن عينيها كانت تشعان بقوة لا تقل عن قوته، وقالت بنبرة باردة كالثلج:
- "مبروك عليك تنفيذ وصية عمك يا منصور بيه.. أنت عملت اللي عليك ورضيت ضميرك قدام والدك والناس. لكن أوعى تفتكر للحظة إن الباب المقفول ده هيغير حاجة في الحقيقة."

ضيق منصور عينيه واقترب منها خطوة أطاحت بالمسافة بينهما، وقال وهو يضغط على حروف كلماته:
- "وحقيقة إيه دي عاد يا بنت عمي؟"

ردت قمر وهي ترفع رأسها لتنظر في عينيه بثبات زلزل هدوءه:
- "الحقيقة إن الجواز ده على الورق بس.. أنت اتجوزتني عشان تحميني وتنفذ الوصية، وأنا وافقت عشان في حسابات قديمة في البيت ده لازم تخلص.. يعني من الآخر كده، أنت ليك مكانتك بره الأوضة دي، وجوه الأوضة دي.. أنا قمر عبد الله الهواري، ومحدش يملك يلمس شعرة مني غصب عني.. ولا حتى أنت!"

طارت شرارات الغضب من عيني منصور، وامتدت يده القوية بسرعة لتقبض على ذراعها بقوة أحست بها عظامها، وجذبها نحوه حتى التقت أنفاسهما الثائرة، وقال بجبروت طاغٍ هز أركان الغرفة:
- "إنتي واجفة قدام 'كبير الهواري' يا قمر! إني اللي بأمر وأنهي في البلاد دي بحالها، ومفيش مرأة على وجه الأرض عتقولي لاه ولا عتحط لي شروط في غرفتي! تمردك ده وعنادك عتدوس عليه رجلي الحين.. وإني اللي عأحدد كيف عتكون العيشة اهنا، وغصب عن عينك عتكوني مرتي في كل شيء.. فاهمة ولا لاه؟!"

لم تنزل دموعة واحدة من عيني قمر رغم الألم الذي شعرت به في ذراعها من قبضته، بل ابتسمت بجرأة وتحدٍ وقالت بصوت مسموع:
- "مش فاهمة.. وريني هتعمل إيه يا منصور بيه! اكسر دراعي.. اقتلني.. بس أقسم لك بالله، لو مديت إيدك عليا أو حاولت تكسرني، لتشوف مني وش عمر الصعيد كله ما شافه.. والملعب لسه في أوله!"

اشتدت قبضة منصور على ذراعها حتى ابيضت عظام أصابعه، ونظر إلى عينيها اللتين لم تلمح فيهما ذرة تراجع أو انكسار. كان صمت الغرفة ثقيلاً، لا يقطعه سوى أنفاسهما المتلاحقة الثائرة كأمواج البحر. طاف الغضب في عروق منصور، فجبروت "كبير الهواري" لم يُوضع يوماً في موضع اختبار ك هذا، ولم تجرؤ امرأة قط على شق طاعته.

قرّبها إليه أكثر حتى باتت جبهتها تكاد تلامس جبهته، وقال بنبرة منخفضة مهددة، كفحيح الأفعى قبل اللدغ:
- "عتقوليلي وريني هتعمل إيه؟ إنتي عتتحدي إعصار يا بنت عبد الله! إني لو ركبت راسي الحين، مفيش قوة على الأرض عتقدر تخلصك من يدي، وعأخد حقي الشرعي منكِ غصب عن تمردك وعنادك ده كله، والبلد كلها عاتقول حاضر ونعم للكبير!"

لم تهتز قمر، بل ثبتت نظراتها الحادة كالشفرة في عينيه، ورغم الألم الذي بدأ يسري في ذراعها، إلا أن صوتها خرج قوياً متحشداً بكل قهر السنين الماضية:
- "أنا عارفة إنك تقدر تعملها يا منصور بيه.. وعارفة إنك قوي وجلاد والكل بيخاف منك، بس ساعتها هتأكدلي إنك مجرد طاغية بيمشي كلامه بقوة دراعه مش برجولته! عايز تاخد جسمي غصب؟ خده.. السرير قدامك أهو، بس أقسم لك بالله العلي العظيم، هتاخد جثة بلا روح، وأول ما النهار يطلع، هتلاقي خبر فضيحة 'كبير الهواري' اللي اغتصب بنت عمه المكسورة الميتمة في ليلة دخلتها على كل لسان في الصعيد وبحري.. ساعتها وريني هيبتك دي هتداري وِشها فين وسط الرجالة!"

---

وقعت الكلمات على مَسامع منصور كالسياط. تجمعت الدماء في عروق وجهه وغلت الدماء في رأسه، لكن عقله الصارم والذكاء الذي يدير به عائلة بحجم الهواري لجم غضبه في اللحظة الأخيرة. نظر إلى شفتيها المرتجفتين بعناد، وإلى عينيها اللتين تلمع فيهما دموع تأبى السقوط كبرياءً.

فجأة، وبحركة عنيفة، ترك ذراعها فارتدت إلى الخلف خطوتين، وتنفست الصعداء وهي تمسك معصمها الأحمر. التفت منصور عنها وهو يزفر نفساً حاراً كالجمر، ومشى نحو النافذة الكبيرة المطلة على ظلام الصعيد، ووضع يديه خلف ظهره وقال بجبروت عاد ليتملك نبرته:
- "إني مش عأخد حاجة غصب يا بنت عمي.. منصور الهواري الحريم عتحفي عشان نظرة من عينه، ومش إني اللي عيغصب مرأة على حالها واصل.. إني سبتك الحين عشان تربة عمي وعشان الدم اللي بيننا، بس إياكِ تفتكري إنك كسبتي الجولة.. السرايا دي سجنك الحين، ورجلك مش عتخطي عتبتها واصل من غير إذن مني، وغصب عن عينك عتعيشي اهنا طوع بناني، والزمن بيننا يا قمر.. عانشوفوا مين اللي عيضحك في الآخر."

التفتت إليه قمر، وعادت ملامح التحدي ترتسم على وجهها بعدما شعرت بنصر مؤقت:
- "وأنا قعدتي في السرايا دي بمزاجي يا منصور بيه.. عشان قولتلك، في حسابات قديمة وتار بايت لازم يخلص، وأول ما يخلص.. أنا اللي مش هقبل أقعد في مكان أنت فيه ثانية واحدة!"

مشى منصور نحو الفراش الآخر الصغير الموجود في زاوية الجناح (الديوان)، واستلقى عليه بكامل ثيابه الصعيدية، ووضع يده تحت رأسه وعيناه معلقتان بالسقف وقال ببرود:
- "اطفي النور عاد.. الحديت انقضى، وإني عندي مشاغل من نجمة الفجر."

---

أشرقت شمس الصباح على سرايا الهواري، ومع خيوط الفجر الأولى كانت السرايا قد دبت فيها الحركة. في المطبخ الكبير، كانت "سعاد" و"هنادي" تقفان وتشرفان على إعداد صينية "الصباحية" الفاخرة التي تُقدم للعرسان.

قالت سعاد وهي تضع السمن البلدي بغيظ:
- "تفتكري يا هنادي البت دي نامت ليلتها كيف؟ تلاقي منصور الحين كسر مناخيرها وعلمها الأدب الصعيدي على أصوله.. منصور مبيحبش اللواعة واصل."

ردت هنادي وهي ترتب الأطباق بنبرة يملؤها السواد والغيرة:
- "يا ريت يا سعاد.. إني منمتش طول الليل وأنا عافكر في شكل عينيه وهو عيبص لها.. البت دي حية، وإني خايفة ليكون منصور لان معها.. بس لاه، منصور شديد وعارف الأصول، والحين عانشوفوا لما ينزلوا."

في تلك الأثناء، خرجت "الحاجة عواطف" من غرفتها، ووجهها لا يزال يحمل آثار القلق والخوف من تهديد قمر لها في اليوم السابق. اقتربت من زوجات ابنها وقالت بحدة:
- "خلصتوا الصينية ولا لاه؟ يلا همّوا.. اطلعي يا هنادي أنتي وسعاد، وودوا الصينية لجناح الكبير، واصحوا وعينكم في وسط راسكم.. شوفوا ملامح البت وشكل منصور عاد كيف الحين."

---

صعدت سعاد وهنادي وبأيديهما الصينية الكبيرة الثقيلة المليئة بالخيرات. وقفتا أمام باب الجناح، وطرقت هنادي الباب طرقتين خفيفتين وتنفست بعمق.

داخل الجناح، كانت قمر قد استيقظت منذ فترة، ولم تنم طوال الليل سوى سويعات قليلة خشية غدر الطاغي، لكنها وجدت منصور قد نهض قبلها وارتدى جلبابه وعباءته وهيبته تسبقه. فتح منصور الباب ببرود حاد، ليجد زوجتيه أمامه.

نظرت هنادي وسعاد سريعاً إلى داخل الغرفة؛ ففوجئتا بأن السرير الكبير مرتب تماماً وكأن أحداً لم ينم عليه، بينما غطاء "الديوان" الصغير في الزاوية كان مبعثراً! تبادلت الزوجتان نظرات صاعقة ومبتهجة في آن واحد.. *(منصور منامش معها في سرير واحد!)*.

لاحظ منصور نظراتهما الفضولية، فضيق عينيه بهيبة أرعبتهما وقال بصوت جهوري:
- "حطوا الصينية اهنا.. وغوروا من وشي الحين!"

وضعت هنادي الصينية بسرعة وهي تحاول إخفاء ابتسامة النصر، وقالت بدلال مزيف:
- "صباحية مباركة يا سيد الناس.. السرايا كلها عتفرح بيك."

خرجت الزوجتان مسرعتين، ونزلتا السلالم كأنهما طائرتان من الفرحة. ارتمت سعاد في حضن هنادي في الممر السفلي وقالت بهمس لاهث:
- "شفتِ؟! السرير واجف زي ما هو! منصور نام على الديوان الصغير! منصور ملمسهاش واصل يا هنادي! البت دي شكلها مغضوب عليها من أول ليلة!"

ضحكت هنادي بشماتة وغل:
- "قولتلك!.. قولتلك منصور ميعجبوش اللبس الماسخ ولا الحريم بتاعة بحري.. البت دي كرتها حرق من أول ليلة، والحين السرايا دي عتبقى جحيم فوق راسها!"

تعليقات



<>