رواية هروب في الظلام الفصل التاسع9الاخير بقلم ملكة الروايات والحكايات ساحرة القلوب

رواية هروب في الظلام الفصل التاسع9الاخير بقلم ملكة الروايات والحكايات ساحرة القلوب
​بينما كان "مروان" مذهولاً ومرعباً أمام تلك الأوراق التي نسفت أرضية غروره وواجهته بالحقيقة المرة، عادت بالذاكرة إلى الوراء.. وتحديداً إلى تلك الليلة التي دخلت فيها غرفة ابنتها "ليان" لتهدئتها وتنام بجانبها.
​في تلك الليلة، وبينما كانت ليان غارقة في نوم عميق ويدها الصغيرة تلتف حول أصابع والدتها، تجولت عينا "وسام" في أرجاء الغرفة التي طالما حنت إليها. لم تكن مجرد غرفة أطفال عادية، بل كانت المكان الذي احتفظت فيه ليان بأشيائها القديمة وذكرياتها البريئة.

​تكتنف الذاكرة لحظة هروبهم القديمة، وتحديداً تلك الليلة الحالكة التي فرت فيها وسام وابنتها قبل أن ياخذ ليان تذكّرت وسام فجأة الحقيبة الصغيرة المصنوعة من القماش المزين بالنجوم.. الحقيبة التي كانت ل ليان تتمسك بها باستماتة تلك الليلة، والتي أخفتها أو تركتها ليان في ركن خفي من دولابها القديم حين عادت  إلى القصر.
​بخطوات هادئة وحذرة، وبأصابع ترتجف من فرط الحنين والذكريات، فتحت وسام دولاب ليان القديم، وفتشت في الزاوية السرية التي كانت تخبئ فيها الطفلة ألعابها وأسرارها الصغيرة. وهناك.. وجدت الحقيبة الصغيرة المخبأة بعناية.
​فتحت وسام الحقيبة بقلب يخفق بعنف، لتجد بداخله ليس مجرد ألعاب أو ذكريات، بل مفتاح النجاة والانتقام: ذاكرة تخزين رقمية ومستندات ورقية أصلية كانت قد جمعتها وحفظتها في تلك الحقيبة خلال أيامها الأخيرة في القصر قبل أن تحاصرها عائلة التهامي، مستندات تثبت بالدليل القاطع كافة الجرائم، والصفقات المشبوهة، وتجارة الأعضاء، والأوراق المزورة التي أدارها مروان ووالدته خيرية في خفاء تام!
​حينها أدركت وسام أن القدر نفسه هو من أعاد تلك المستندات إلى بين يديها عبر براءة ابنتها، وكأن السماء أقسمت أن تنصر المظلوم وتكسر شوكة الظالمين.
​كيف ستكون الكلمة الأخيرة لمروان بعد أن علم أن ابنته البريئة كانت تحتفظ بأسلحة دمار إمبراطوريته دون أن تدري؟ ما مصير خيرية وقصر التهامي في اللحظات الأخيرة؟

​بقلم ملكة الروائع وساحرة القلوب M👑💕
​زلزال في قصر التهامي.. ليلة السقوط الكبير
​لم تكن تلك الأوراق التي وضعتها "وسام" أمام "مروان" مجرد مستندات عادية، بل كانت صاعقة دوت في أرجاء قصر التهامي فأحرقت ما تبقى من حصونه. قبل أن يستوعب مروان صدمة الحقيقة ويدرك أن المرأة التي يقابلها ويحاول كسب ودها هي زوجته التي ظن أنه أحرَقها، انقطع سكون الليل بصوت صفارات الإنذار المرعبة وقوات الشرطة الأمنية التي أحاطت بالقصر من كل جانب!
​اقتحمت قوات الأمن القصر في عملية واسعة النطاق، مدعومة بأوامر قضائية عاجلة استناداً إلى الملف الرقمي والمستندات الأصلية التي سلمتها وسام للجهات المختصة. تعالت صرخات "خيرية هانم" وهي ترى الحراس يُقادون بالأصفاد، وتصطدم برجال الأمن وهم يقتحمون مكتبها الفخم يصادرون دفاتر الحسابات والأدلة الدامغة على جرائم تجارة الأعضاء والفساد المالي.
​وقف مروان مذهولاً في وسط قاعة الطعام، عاجزاً عن الحراك، وعيناه الزائغتان تتبعان وسام التي نهضت من مقعدها ببطء وهيبة طاغية، نزعت عن وجهها نظرات الغموض، ووقفت أمامه مباشرة لتقول بصوت هادئ يقطر قوة وثباتاً:
​"انتهت المسرحية يا مروان.. من يحفر حفرة لأخيه، يقع فيها، ومن يظن أن النار تطهر جرائمه، ينسى أن الرماد ينجب بركاناً يحرقه."

​حاول مروان أن يمد يده نحوها بخور وانهيار، هاتفا بجنون:
​"وسام..! أرجوكِ.. كيف...؟"
​لكن الشرطة قاطعته وهي توضع الأصفاد في معصميه، بينما كانت والدته تُقتاد إلى الخارج وهي تصرخ بغضب وهيستيريا مطلقة. وفي تلك اللحظة بالذات، دخلت الصغيرة ليان على صوت الصراخ وهي تبكي بخوف، فركضت وسام نحوها واحتضنتها بقوة، وقالت بصوت متهدج يملؤه الحنان:
​"لا تخافي يا أميرتي.. لقد انتهى الكابوس للأبد، وأنا هنا معكِ ولن أترككِ أبداً."
​اعتراف تحت ضوء الفجر.. عندما ينطق القلب
​بعد ساعات طويلة من الفوضى العارمة وتأمين القصر وإعادة الحقوق لأصحابها، هدأ صخب المكان وحل هدوء الفجر العليل. كانت وسام تقف في حديقة القصر الواسعة، تتأمل شروق الشمس وكأنها ولدت من جديد مع أول خيوط النور، حين اقترب منها الدكتور أدهم المنيوي.
​ترجل أدهم خطوات هادئة، وبدت على ملامحه نظرة عميقة تخلت عن كل بروده المهني وأقنعته الطبية. وقف بجانبها، ونظر إليها بعينين تلمعان بمشاعر صادقة وجارفة، وقال بصوت عميق ودافئ:

​"لقد انتهت المعركة يا وسام.. وأسدلت الستارة على أقسى قصة عرفتها حياتي."
​التفتت وسام إليه بابتسامة امتنان، وقالت:
​"شكراً لك يا أدهم.. لولاك، لما استطعت أن أقف هنا اليوم كامرأة قوية قادرة على استرداد حقها وحق ابنتها. أنت لم تصنع لي وجهاً جديداً فحسب، بل أعدت لي روحي."
​هنا، خطى أدهم خطوة أخرى نحوها، وأخذ كفها بين كفيه بحنان بالغ، وقال بصوت يرتجف بصدق المشاعر:
​"أنا لم أساعدكِ لواجب مهني يا وسام.. بل لأنني منذ اللحظة الأولى التي رأيت فيها عكستيكِ المشتعلتين في تلك الغرفة المعقمة، وقعت في حبكِ. سحركِ، شجاعتكِ، وصلابتكِ... سرقوا عقلي وقلبي. أعلم أن الجراح التي في قلبكِ عميقة، لكنني أقسم أن أكون لكِ الدار والأمان وبداية العمر كله.. هل تقبلين أن نكمل هذه الحكاية معاً؟"
​نظرت وسام إلى أدهم بعينين غمرتهما الدموع الممزوجة بالسكينة، وابتسمت من صميم قلبها، وقالت بصوت ناعم:
​"لقد أشرقت الشمس من جديد يا أدهم.. وليكن معاً نبدأ الحكاية."

​النهاية في العتمة.. انتحار مروان داخل محبسه
​في تلك الأثناء، وفي إحدى زنازين الحراسة المشددة والعزل التام، كان مروان التهامي يواجه جحيم الحقيقة بمفرده.
​جلس على ركبتيه على أرضية الزانزين الباردة، تائه الذكرى والعقل. إمبراطوريته التي بناها والده تهاوت في رمشة عين، أمواله صودرت، أسراره كُشفت أمام العالم أجمع، وامرأة قلبه التي أحبها ودمرها... عادت من بين القبور لتكون هي سبب نهايته.
​غرق مروان في نوبة من الهستيريا والجنون المطبق؛ كان صدى صوت وسام وضحكات ابنته ليان يتردد في جدران الزنزانة المظلمة كالأشباح التي تطارده. شعر بأن الهواء ينفد من صدره، وأن عار الهزيمة والخزي أكبر بكثير من أن يتحمله غروره المتضخم.

​وفي منتصف الليل، وفي تلك العتمة التي لا يراى فيها أحد، لم تحمل روحه ثقل جرائمه وانكساره؛ فاستغل غياب الحراس للحظات، وأنهى حياته بنفسه، معلناً بـانتحاره داخل محبسه نهاية أبدية لأسطورة قصر التهامي المظلمة.
​ختام الملحمة.. شروق لا غروب بعده
​بعد أسابيع، هدأت العاصفة تماماً واستقرت الأمور. أصبحت "وسام" سيدة أعمال مستقلة، تدير أملاكها بحكمة، وعادت لتجتمع بابنتها ليان في جو يملؤه الدفء والحنان الحقيقي بعيداً عن جدران الخوف والقسوة.
​وفي يوم ربيعي مشرق، وتحت ضوء الشمس الهادئ، كانت وسام تقف في حديقة منزلها الجديد، تضحك بقلب صافٍ بينما ترتجف أصابعها فرحاً وهي ترتدي خاتم الخطبة في يدها، وبجانبها أدهم وليان التي كانت تصفق بسعادة بالغة معلنة بداية حياة جديدة، لا مكان فيها للظلم ولا للدموع.
​"بعض النهايات ليست سوى بدايات لعالم أجمل.. لمن يملكون الشجاعة للاحتراق ثم الولادة من جديد."
                    تمت بحمد الله 

تعليقات



<>