
روايه المتمرده والطاغي البارت الخامس
اللهم صلي على سيدنا محمد وعلى اصحاب سيدنا محمد وعلى اتباع سيدنا محمد وسلم تسليماً كثيراً
بمجرد خروج قمر، التفتت سعاد إلى عواطف وقالت بذهول:
— "يا مّـا! إيه اللي عتقوله البت دي؟ وكيف تسكتي لها هكِذا وتخليها تتحدّاكي قدامنا؟ دي عتهددك عيني عينك!"
صاحت عواطف بحدة ممتزجة بالخوف والارتجاف لتداري رعبها:
— "أكتمي أنتي وهي! مش عايزة أسمع حس واصل! كل واحدة على شقتها تشوف وراها إيه.. همّي!"
قامت عواطف وذهبت مسرعة إلى غرفتها وهي تتنفس بصعوبة، وأغلقت الباب وقفلته بالمفتاح. جلست على السرير تمسك رأسها بيدين ترتعدان، وحدثت نفسها بهلع: *(البت دي مش عتسكت.. دي ناوية على خرابي وخراب السرايا! لو منصور عرف إني كنت عايزة أقتل البت وهي في اللفة، وإني اللي زورت الجوابات اللي خلت عبد الله يطلق مروة ويطردها.. منصور عيدفنّي صاحية! منصور في الحق ميعرفش أمه.. يارب سترِك، يارب اخلص منيها كيف!)*
---
من شرفة مكتبه المطلة على الحديقة الخلفية، كان منصور واقفاً يتابع قمر وهي تمشي بين الأشجار. كان يراقب حركاتها، كبرياءها المتجسد في مشيتها، وعنادها الواضح. لمح ملامح وجهها الشاحب والمليء بالحزن والدفء في آن واحد، فشعر بتلك الوخزة الغريبة مجدداً في صدره.
في تلك اللحظة، دخلت عواطف المكتب دون كعادتها، وكانت علامات الرعب واضحة عليها. التفت إليها منصور بحاجبين معقودين وسأل بجدية:
— "مالك يا مّـا؟ شكل الخوف واكلك ليه هكِذا بقالك يومين؟"
حاولت عواطف استغلال جبروت ابنها للتخلص من قمر، فقالت بنبرة تحريضية بائسة:
— "البت دي يا منصور.. البت دي حية وسامة! نزلت الحوش الحين وغلطت فيّا وفي حقك وقالت كلام واعر قوي.. دي عتقول إنها وافقت على الجواز عشان تكسر هيبتك وتدمر السرايا، وعتقول إنها مش عتعترف بيك كزوج واصل! يا ولدي البت دي عتخرب بيتك وعتطين هيبتك في البلد لو مكسرتش دماغها من الحين!"
تصلبت ملامح منصور، وتحولت عيناه إلى كتلتين من اللهب. تقدم نحو والدته، وضغط على حافة المكتب وقال بصوت كفحيح الأسد:
— "تكسر هيبة مين يا مّـا؟! إني منصور الهواري! البت دي لو فاكرة إنها عتدخل السرايا عشان تلعب بالنار، فإني اللي خلقت النار واصل! حديتها ده وعنادها عيقف عند حدّه بكره.. بكره لما يقفل علينا باب واحد، هتعرف إن الله حق، وهتعرف كيف يكون طوع بنان الكبير غصب عنيها وعن اللي جابوها!"
خرج منصور من المكتب يشتعل غضباً، هيبته الطاغية تسبقه، متوجهاً مباشرة نحو الحديقة حيث تقف قمر، وعازماً على أن يريها حدودها قبل ليلة الزفاف..
---
كانت قمر تقف تتأمل زهرة بيضاء، عندما شعرت بظل ضخم يغطيها وبحضور طاغٍ يحبس الأنفاس. التفتت ببطء لتجد منصور واقفاً أمامها وعيناه تشعان شرراً، وجسده القوي يبدو كالجبل.
لم تتراجع قمر خطوة واحدة، بل رفعت رأسها وتطلعت في عينيه مباشرة بتحدٍ.
قال منصور بصوت منخفض يحمل وعيداً يهتز له الشجر:
— "سمعت إن حسّك عِلي في الحوش على أمي يا بنت عمي.. وسمعت إنك جاية اهنا وعشامك تكسري هيبة الكبير؟"
ضحكت قمر بسخرية، وقالت بنبرة قوية:
— "أمك هي اللي بدأت يا منصور بيه.. وأنا مبسمحش لحد يقلل مني. أما عن هيبتك.. فالهيبة اللي بتتكسر من وجود بنت، متسمهاش هيبة.. اسمها ضعف!"
اقترب منصور منها خطوة سريعة حتى كادت أنفاسه الحارقة تلامس وجهها، وقال بجبروت مرعب:
— "إياكِ تفتكري إن طولة بالي عليكي الحين طيبة عاد.. إني سايبك عشان خاطر تربة أبوكي بس. لكن بكره.. بكره يا قمر، عتكوني مرتي.. وساعتها، الجبروت والتمرد ده كله عانكسره تحت رجلي، وعأعلمك كيف تتحدتي مع سيادك!"
لم يرمش جفن لقمر، بل اقتربت هي الأخرى خطوة، وقالت بصوت يملؤه التحدي الذي لا ينكسر:
— "بكره هتشوف يا منصور بيه.. إذا كنت أنت الطاغي اللي الصعيد كله بيخاف منه.. فأنا المتمردة اللي مش هتركعلك لو كانت آخر ليلة في عمرها.. والملعب بيننا واهلاً بيك في عش الدبابير!"
دارت نظرات منصور حول ملامحها القوية؛ تلك الملامح التي امتلأت بعنادٍ لم يعهده في امرأة قط. أحس ببركان غضب يغلي في عروقه، يود لو يطبق بيديه على هذا العنق الصغير ليخرس هذا اللسان الذي يقطر تحدياً، لكنه تراجع خطوة إلى الوراء، وأطلق ضحكة رجولية مكتومة حملت في طياتها الكثير من الوعيد الساخر.
أشار إليها بسبّابته وقال بصوت هادئ، لكنه أقوى من الهاوية:
— "زين قوي.. الحديت عاد ملوش عازة الحين يا بنت عمي. وفّري جهدك ده كله، وعنادك اللي عتتباهي بيه، لِـ ليلة بكره.. عشان ليلة بكره عتكون طويلة قوي، وعايريني ساعتها كيف هتقفي واصل قدام إعصار منصور الهواري."
استدار منصور بجسده الفارع، ومشى بخطواته الرزينة الواثقة التي تضرب الأرض بانتظام، تاركاً خلفه غبار التحدي يملأ الأجواء. أما قمر، فقد ظلت واقفة مكانها، تتنفس بعنف، وصدرها يعلو ويهبط كأنها كانت في معركة حامية الوطيس. نظرت إلى أثر خطاه وتمتمت بقهر يمتزج بالدموع المحبوسة:
— "والله ما هركعلك يا منصور.. لو هخسر دنيتي كلها، مش هخليك تكسرني ولا تحقق اللي في بالك!"
---
جاء يوم الجمعة المشهود، واكتست سرايا الهواري بحلة من الزينة لم تشهدها البلاد منذ سنوات. الذبائح تُنحر في الفناء، والموائد تُمد لآلاف المهنئين من كبار الصعيد وأعيانه الذين وفدوا لمباركة زواج "الكبير". الأصوات تعلو بـ "المرماح" وزغاريد النساء تدوي في جنبات القصر، لكن داخل الأسوار، كانت القلوب تغلي كالمراجل.
في الجناح العلوي، وتحديداً في غرفة "هنادي"، كانت الأجواء مشحونة للغاية. جلست هنادي أمام مرآتها الكبيرة تضع كحلها بعنف وعيناها تكاد تنطق بالشر، بينما كانت "سعاد" تروح وتجيء في الغرفة وهي تفرك يديها بغيظ:
— "سمعتِ يا هنادي؟ المأذون وصل عاد، والرجالة برا عيقولوا إن منصور كاتب مؤخر ودخلة للبت دي ميتسمعش بيه في بلدنا واصل! الكبير عيميزها علينا من قبل ما تعتب عتبة أوضته!"
التفتت إليها هنادي وحرقت شفتيها بغل وقالت:
— "يكتب اللي يكتبه يا سعاد! المؤخر والفلوس مش هما اللي عيعملوا قيمة للمرأة اهنا.. القيمة بالولد اللي شغال عيزيد في عز الهواري. إني أم عياله، ومكاني واعر ومحدش يطوله. البت دي داخلة اهنا برجليها لعش الدبابير، وخلي منصور الحين عيطبطب عليها عشان وصية عمه، بس بكره لما يشوف لسانها وعنادها، هو بنفسه عيكسر رقبتها وعيرميها لينا اهنا نربوها كيف ما عايزين."
دخلت عليهما "الحاجة عواطف" وهي ترتدي عباءتها الحريرية السوداء ومجوهراتها الذهبية الثقيلة، لكن وجهها كان شاحباً كالمرضى، والارتجاف لا يفارق أطرافها. نظرت إليهما وقالت بنبرة حادة ممتلئة بالخوف المكتوم:
— "أقفلوا الحديت ده واصل! منصور زمانه عيكتب الكتاب الحين. أنتي وهي، تطلعوا برا وتوجفوا تستقبلوا الحريم، ومش عايزة أي غلطة ولا أي كلمة تطلع منكم تخلي منصور يقلب علينا.. البت دي من الليلة هتبقى مرته، وإني مش عايزة مشاكل الحين لحد ما نشوف أخرتها معاها إيه."