
مرت الأيام على عرب الغجر كأنها دهور، وجفت الفرحة في الموالد والساحات. أصبحت "ماريا" كزهرة طازجة قطفها جفاء الفراق فذبلت أوراقها ببطء شديد. لم يعد الجسد المنهك يحتمل مرارة الخيبة ولا ثقل النظرات الشامتة؛ فسقطت ماريا صريعة الحمى والفراش داخل خيمتها الصغيرة.
كان جسدها يشتعل حرارة، وجهها شاحب كالبدر في ليلة غائمة، وتتمتم وهي في أوج الهذيان باسم واحد لا غير: "زياد.. زياد..".
أمام هذا المشهد المؤلم، خيم الرعب على قلب "مكاسب". كانت تجلس بجوارها تمسح جبينها بالماء البارد والدموع تتساقط من عينيها العجوزين على خدها المجعد. تشعر بأن روح ماريا تنسلت منها ببطء، وأن الأعشاب والطب الشعبي لم يعد ينفع مع مرض مصدره "العشق الحارق". والقلب الملتاع"
وفي خارج الخيمة، كان "فارس" يذرع الأرض جيئة وذهاباً كالمجنون. غضبه وقسوته اللذان ظهر بهما سابقاً استُبدلا بانهيار كامل وشحوب قاتل. كان يضرب رأسه بقبضته، ويصيح بلوعة تجرح القلوب:
ما الذي يحدث لكِ يا ماريا؟! قومي واصرخي في وجهي! اضربيني! لكن لا تموتي وتتركيني في هذا العذاب!
أدرك فارس في تلك اللحظات العصيبة أن كل تهديداته وقوته لم تزد ماريا إلا بعداً عنه، وأن قلبه الغليظ وانتقامه كانا سبب دماره ودمار الفتاة التي أحبها طوال عمره. تنحى فارس جانباً، وانطوى على نفسه عند سفح التل، يداري انكساره ودموعه العاجزة أمام هذا الحب الجارف الذي لم يعترف بحدود القبيلة ولا ببطش القوة.
خرجت مكاسب من الخيمة، ونظرت إلى فارس المكسور، ثم اتخذت قراراً لا يجرؤ عليه أحد في العشيرة. حزمت أمرها وشدت شالها، وقالت بصوت متهدج ولكن بثبات يملؤه الإصرار:
إن بقيت هنا فستلتحق بأهلهاقريباً..وياخذها الموت، لن أقف مكتوفة الأيدي وأشاهد ابنتي تموت أمام عيني من أجل كبرياء فارغ. سأذهب إليه، سأذهب إلى الشاب الثري وأحضر الشفاء لابنتي ولو كان في فم الأسد!
تسللت مكاسب في الظلام وقطعت المسافات الطويلة نحو المدينة الكبيرة، تسأل هنا وهناك وتتحدى كل الصعاب حتى وصلت إلى أسوار القصر الكبير، في الليالي التي كانت تُعد فيها الترتيبات الأخيرة لإقامة زفاف "زياد" على ابنة عمه رغماً عنه.
كان القصر يتلألأ بالأنوار والزينات الفاخرة، والموسيقى تعزف في أرجائه، بينما كان "زياد" يقف في غرفته بالدور العلوي كالميت لا حياة بقلبه . يرتدي بدلة الزفاف السوداء الفاخرة، وعيناه غائبتان تماماً عن العالم، لا يرى الزينة ولا يسمع التهاني. كان يشعر بحبل المشنقة يلتف حول عنقه مع كل دقيقة تقترب من لحظة عقد القران.
في هذه الأثناء، استطاعت مكاسب الوصول إلى حدائق القصر، واستنجدت بـ "مراد" الذي كان يقف في الخفاء متأثراً بحال صديقه. عندما رأى مراد المرأة العجوز المنهكة، ذهل من جراءتها، واستمع إلى كلماتها المرتجفة وهي تقول:
يا بني.. ماريا بتموت في الخيمة من الحمى ولوعة الشوق! إن لم يرَها زياد الليلة فستكون آخر ليلة لها في هذه الدنيا! نحن نزلنا في أرض الكثبان عند بئر السدرة البعيد.. أخبره أن يلحق بها إن كان يعشقها حقاً!
لم يتردد مراد؛ بل تسلل سريعاً إلى غرفة زياد وأغلق الباب خلفه، ونقل له كلمات مكاسب بالحرف الواحد.
وما إن سمع زياد اسم "ماريا" وعلم بأمر مرضها ووصول الموت إلى أطراف خيمتها، حتى حدث الزلزال داخل صدره! زالت أوهام الخوف، وتحطم كبرياء والده وقراراته القاسية في لحظة واحدة. نظر زياد إلى بدلة الزفاف ثم خلع البدله الفاخرة ورماها على الأرض بقسوة، وقام بنزع جشعه الاجتماعي وعقد أمره على الهروب!
قال لمراد بنبرة نارية قاطعة:
إن كانت ماريا تموت هناك، فإن حياتي تنتهي هنا! لن أتزوج أحداً، ولن يملكني أحد سوى الفتاة التي احتلت روحي!
في الليلة الموعودة، وبينما كان الحفل في أوج صخبه والضيوف ينتظرون نزول العريس ووالده يبتسم بفخر أمام الجمع، تسلل زياد من الباب الخلفي للقصر، وقفز إلى سيارته وانطلق بها كاالسهم المجنون في قلب الليل والظلام، ضارباً بعرض الحائط كل تهديدات والده ورغبته، ومخلفاً وراءه صدمة وفضيحة كبرى هزت أركان العائلة.
كان يعتصر المقود بيديه، ودموعه تتساقط وهو يضغط على دواسة البنزين بكل قوته، ويصرخ في عتمة الطريق:
اصمدي يا ماريا.. اصمدي يا حبيبتي! أنا قادم إليكِ ولن يدعنا الموت نفترق!
انطلق زياد نحو الصحراء البعيدة، حيث بئر السدرة، يخوض رحلة إنقاذ نارية بين حياة محبوبته وموتها، لتصل القصة إلى ذروة اشتعالها المشوق!
شقت سيارة "زياد" عباب الصحراء المظلمة كالسهم المتهور، متجاهلة وعورة الطريق وظلمة الليل البهيم. لم تكن أمامه سوى وجهة واحدة نقشها في قلبه وعقله: خيم البدو عند بئر السدرة. كانت دقات قلبه تتسارع مع كل كيلومتر يقطعه، وكأن روحه تسبق الجسد خوفاً من أن يدرك الموت محبوبه قبل أن يصل.
بعد ساعات من القيادة الجنونية، ظهرت في أفق الصحراء الخيام البعيدة والمتناثرة تحت ضوء القمر الخافت. توقف زياد بسيارته وفتح الباب بقوة، ونزل منها بخطوات متثاقلة ومضطربة، ليتجه مباشرة بخطوات مرجفة نحو خيمة "مكاسب".
كان السكون يلف المكان، وما إن اقترب زياد من مدخل الخيمة حتى خرجت "مكاسب"، وقد خط الزمان على وجهها تعب الساعات الطويلة والقلق الدفين. رأت أمامها الشاب الأنيق وقد مزق الغبار وسفر الليل هندامه، وظهرت على وجهه علامات الإرهاق والذعر، فعرفت فوراً أنه لبى النداء.
قالت مكاسب بصوت متهدج يملؤه الامتنان والرجاء:
لقد جئت في الميعاد يا بني.. ماريا داخل الخيمة، الحمى تنهش جسدها ولم يعد يبقيها سوى خيط رفيع من الأمل ورؤيتك.
لم ينتظر زياد ثانية واحدة؛ دفع الستر بخفة ودخل الخيمة.
كانت "ماريا" ملقاة على فراشها البسيط، وجهها شاحب كالبدر المنفطر، وجسدها يرتجف من شدة الحرارة، وتتمتم بهذيان خفيض باسمه: "زياد.. لماذا تركتني؟"
ركع زياد على ركبتيه بجوار الفراش بلا تردد، ومد يديه المرتجفتين ليحتضن كفيها الباردتين بحنان جارف، ودموعه التي طال حبسها تسقط على وجنتيه. اقترب منها وهمس بصوت يمزقه العشق والرجاء:
أنا هنا يا ماريا.. لقد جئت ولن أتركك أبداً! افتحي عينيكِ وانظري إليَّ، أنا هنا لكِ وحدكِ!
فتحت ماريا عينيها ببطء شديد، وكأنها غير مصدقة ما تسمع؛ هل هو طيف آخر من أضغاث أحلام الهذيان، أم أنه هو حقيقةً؟ عندما التقت عيناهما، وسرت دفئ أنفاسه وقربه في جسدها المنهك، كأن معجزة إلهية هبطت من السماء. تحسست وجهه بوهن وقالت بصوت متهدج يكاد يختفي:
أتيت حقاً يا زياد.. تركت كل شيء وأتيت؟
تركت الدنيا وما فيها لأجلكِ! أقسم أنني لن أسمح للموت أن يسرقكِ مني، روحي ملك لكِ وحدكِ!
وفي تلك اللحظة بالذات، وكأن شعلة الحياة عادت تتدفق في عروق ماريا من جديد، بدأت حرارتها تنخفض تدريجياً، واحتضنت كفه بكل ما أوتيت من قوة، لتعلن أن الحب الأسطوري قد انتصر على الموت وعتمة الفراق.
انكسار فارس وسلام الوداع
على بعد خطوات من الخيمة، كان "فارس" واقفاً في الظل، يتابع بصمت مكسور كل ما حدث. رأى اندفاع زياد، وسامع كلمات العشق الصادقة التي هزت أركان المكان، ورأى كيف عادت الروح إلى عيني ماريا بوجوده.
في تلك اللحظة، انكسر كبرياء فارس. أدرك بمرارة ويقين تام أن القوة، والتهديد، والانتماء القبلي، وكل عصبيات الصحراء لا تستطيع أن تقف في وجه قلب نبض بحب حقيقي لا يعرف القيود. سقطت عصاه من يده على الرمال، وابتسم بابتسامة مريرة حزينة، ثم استدار في صمت، تاركاً خلفه معركة خسرها بشرف، ومسلماً الأمر للقدر الذي جمع بين قلبين أبيا إلا أن يعيشا معاً.
أما "مكاسب"، فوقفت عند مدخل الخيمة تفرك يديها بفرحة مدمعة، مدركة أن العاصفة قد هدأت، وأن النور قد عاد ليضيء عتمة الخيام.