
روايه المتمرده والطاغي البارت الثامن
مرّت الساعات ثقيلة على سرايا الهواري، كأنها الدقائق التي تسبق العاصفة. منصور غادر السرايا متوجهاً إلى الأراضي الزراعية لمتابعة أعمال العصبة، لكن عقله وقلبه ظلا معلقين هناك.. فوق ذلك الدرج حيث تركت قمر نظرتها الحادة المتمردة.
في هذه الأثناء، كانت الحاجة عواطف تجلس في مربوعتها الخاصة، وقد أغلقت النوافذ لتبقي الغرفة في ظلام دامس يناسب السواد الذي يملأ قلبها. لم تكن سعاد وهنادي كافيتين لتنفيذ خطتها الواعرة؛ فكيد النساء يحتاج إلى يد رجل قوية تنفذ في الخفاء دون أن تترك أثراً يدل عليها. التفتت عواطف نحو الباب الخلفي للمربوعة، والذي ينفتح على ممر الخدم الضيق، ودخل منه بخطوات ثعلبية حذرة "صابر".. ذراعها اليمين في السرايا، ورجل المهام القذرة الذي اشترته بمالها وذهبها منذ سنوات طويلة، وكان شاهداً على جزء من مؤامراتها القديمة.
وقف صابر ومنحنى باحترام مصطنع وقال بصوت خفيض:
— "الحاجة عواطف عاد عتطلبني في الوقت ده بالذات؟ خير يا ست الناس، عساكِ تكوني بخير وعسا المقادير تكون طوع يدكِ؟"
نظرت إليه عواطف بعينين تلمعان بغل وقالت وهي تطبق بيدها المرتجفة على مسند المقعد:
— "مفيش خير يا صابر واصل! السرايا عتضيع من يدي، والبت المدعوقة اللي منصور اتجوزها فوق عتقلب ولدِ عليا.. مروان سافر مصر الحين بطلب من منصور عشان يقلب في دفاتر قديّمة، ولو عاود بالورق اللي اهناك.. رقبتي ورقبتك عاتكون تحت سيف الكبير! منصور في الحق ميعرفش لولا أمه ولولا غيره.. فاهم يا صابر؟"
شحب وجه صابر وضاقت عيناه وقال بفزع:
— "يا مري! ورق إيه ده يا حاجة؟ وكيف مروان يوصل له؟ إحنا دافنين الماضي ده بيدنا من عشرين سنة!"
اقتربت عواطف منه حتى بات فحيح أنفاسها مسموعاً، وقالت بجرأة وخبث:
— "البت لازم تغلط غلطة عمرها الليلة.. قبل ما مروان يعاود بكره. إني اتفقت مع هنادي وسعاد، بس الحريم عقلهم صغير وعيخافوا من منصور.. أنتي عاد الخطة في يدك. في شوال (أكياس) دهب قديّم مدفون تحت جرن السرايا، دهب تخص عيلة الهواري وإني شايلاه للزمن.. هتاخد المفتاح النسخة من جناح قمر الحين، وتطلع في غفلة من الحريم وتحط الذهب ده وسط أغراضها وهدومها في الدولاب! وكمان.. عايزة الجواب ده (أخرجت ورقة قديمة مصفرة من جيبها) يتحط مع الذهب.. جواب مكتوب فيه كلام عشق لواحد من بحري، عشان لما منصور يقلب الأوضة بيده، يلاقي شرفها وأمانتها ملوّثين في دقيقة واحدة.. وساعتها، منصور بنفسه عيغسل عاره بيده وعيرمي جثتها للكلاب من غير ما يسمع منها حرف واصل!"
اتسعت عينا صابر من هول الخطة وجرأتها، لكن بريق المال أعمى بصيرته عندما رمت عواطف أمامه كيسًا قماشياً ثقيلاً يملؤه الذهب، وقالت: "ده عربونك الحين.. والباقي لما البت تطلع من السرايا على الترب (المقابر)!" هز صابر رأسه بحسم وأخفى الكيس والرسالة في جلبابه وقال: "اعتبريه حصل يا ست الناس.. الليلة السرايا عتشهد على أخر ليلة في عمر بنت مروة."
في الطابق العلوي، كانت قمر تجلس على طرف فراشها الكنعاني الكبير، تجمع شتات نفسها. لم تكن تعلم بالشر الذي يُطبخ لها في سراديب السرايا، لكن حدسها الأنثوي كان يخبرها بأن الهدوء الحالي هو الهدوء الذي يسبق الإعصار. قامت وفتحت دولاب ملابسها لترتب بعض أشيائها، فتأملت الفراغ الذي يحيط بها وتمتمت بقهر: "والله يا أمي ما هسيب حقك.. لو كان منصور الهواري هو السد اللي واجف في طريقي، عاهدِم السد ده على راس الكل!"
ومع حلول الليل وغياب الشمس وراء تلال الصعيد، عاد منصور إلى السرايا. كان الإرهاق بادياً على وجهه، لكن عينيه الصقريتين كانتا تبحثان عن شيء واحد. دخل البهو الكبير فوجد أمه عواطف تجلس وعلى وجهها هدوء مريب، وبجوارها سعاد وهنادي يتبادلن نظرات غامضة.
تنحنح منصور وضرب بعصاه الأرض، فنهضت عواطف وقالت بنبرة مصطنعة من القلق:
— "حمد الله على السلامة يا كبير الصعيد.. عساك تكون ارتحت؟ بس إني عاد يا ولدي قلبي واكلني، السرايا من العصر فيها حركة غريبة.. وهنادي عتقول إنها شافت البت قمر عتتسلل للمخزن القديم بتاع السرايا وشايلة في يدها قماش أسود.. إحنا خايفين على حاجتك يا ولدي، السرايا فيها أمانات وذهب العيلة، والبت دي غريبة ومش طايقة حد فينا واصل."
ضيق منصور عينيه بشك قاتل، والتفت نحو هنادي التي تقدمت بخبث ودلال مصطنع وقالت:
— "أيوه يا سيد الناس.. إني شوفتها بعيني، ولما طلعت وراها جناحها، لقتها عتقفل الدولاب بتاعها بخوف وارتبكت قوي أول ما شافتني.. إحنا مش عانأمنوا لبت بحري في وسطنا يا كبير."
اشتعلت النيران في صدر منصور؛ فرغم شكه في أمه، إلا أن حديث الأمانة والذهب لم يكن يمر عليه مرور الكرام. خطى خطوات واسعة وهادرة نحو السلالم، وعواطف وسعاد وهنادي يتبعونه بخطوات لاهثة وابتسامات النصر الخبيثة ترتسم على وجوههن في الظلام.
دفع منصور باب الجناح بقوة وعنف، لتنتفض قمر واقفة من مكانها وعيناها تتسعان بصدمة. دخل منصور كالإعصار المدمر، ووقف أمامها وجسده الفارع يهتز غضباً، وقال بصوت هز جدران السرايا:
— "قمر!! إني قولتلك إنك اهنا في حمايتي.. بس الظاهر إنك فاكرة طيبتي معاكي لغاية ما مروان يعاود قلة حيلة! الحريم عيقولوا إنك كنتِ عتتسللي للمخازن.. انطقي، كنتِ عتعملي إيه اهناك وعشامك إيه من السرايا دي واصل؟!"
نظرت إليه قمر بكبرياء متمرد ولم تتراجع خطوة، وقالت بصوت حاد:
— "أنا مروحتش مخازن ولا أعرف مكانها فين يا منصور بيه! حريمك دول كذابين ونيتهم وسخة زي عمايلهم.. أنا مخرجتش من أوضتي من وقت ما أنت مشيت!"
صرخت عواطف من خلف منصور بخبث:
— "كدابة يا ولدي! فتش أوضتها الحين.. فتش دولابها وشوف عيونها كيف عترتجف!"
التفت منصور بملامح جامدة كالمرمر نحو الدولاب الكبير، وبحركة سريعة وعنيفة فتح الضفتين، وبدأ يلقي بالملابس يميناً ويساراً وسط ترقب قاتل من الحاضرين. وفجأة، سقطت من بين الثياب صرة قماشية ثقيلة، انفتحت على الأرض لتتناثر منها ليرات الذهب القديمة الخاصة بعائلة الهواري، وسقطت معها ورقة مطوية مصفرة!
شهقت هنادي وسعاد بصدمة مصطنعة، وتقدمت عواطف وقالت بشماتة وغل: "شفت يا ولدي؟! شفت الأمانة؟! سرقت ذهب العيلة وعاد عايزة تخرب بيتنا!"
أما قمر، فقد تجمعت الدماء في رأسها ونظرت إلى الذهب بذهول حقيقي، ثم رفعت عينيها نحو عواطف وصامت للحظة قبل أن تفهم اللعبة القذرة التي حيكت ضدها. لكن منصور لم ينتظر؛ انحنى والتقط الرسالة المطوية، وفتحها بملامح مرعبة، وبدأ يقرأ الكلمات المكتوبة فيها.. كلمات العشق والغرام المنسوبة لقمر من شخص غريب.
تحولت عينا منصور إلى كتلتين من الجمر القاتل، وتصلبت عروق عنقه وجسده كله بات ينتفض بغضب هائل لم تشهده السرايا من قبل. التفت نحو قمر ببطء شديد، وتقدم نحوها بخطوات مرعبة كخطوات ملك الموت، وقبض على ذراعها بقوة هائلة جعلتها تطلق آهة ألم مكتومة، وجذبها إليه بعنف طاغٍ حتى تلاقت أنفاسهما الثائرة، ورفع الرسالة والذهب في وجهها وهدر بصوت زلزل أركان السرايا بحالها:
— "ده إيه يا بنت عبد الله؟! الذهب وسرقتيه.. قولت ماشي وعنقولوا بنت عمي وطمعت! لكن الشرف والوساخة دي؟! جواب عشق مكتوب ليكي من صايع في بحري وعتقابليه في الضلمة؟! أنتي عتلوثي اسم منصور الهواري في البلاد؟! وِش الجبروت والتمرد اللي كنتِ واجفة بيه قدامي عاد وين الحين؟! انطقي واصل قبل ما دمك يسيح على أرض السرايا الليلة!"
رغم رعب المشهد وقوة قبضته التي كادت تكسر عظامها، ورغم الشماتة الواضحة في عيون عواطف والزوجات، إلا أن قمر رفعت رأسها بعناد أسطوري، ونظرت في عمق عينيه المشتعلتين بالشر، وقالت بصوت مسموع، لاهث، ولكنه يقطر تمردًا وثقة هزت كيانه الداخلي:
— "مش أنا اللي أسرق، ومش أنا اللي ألوث شرفي يا منصور بيه! اللعبة دي رخيصة أوي ومكشوفة.. وبدل ما تصرخ عليا وتعمل فيها كبير، بص وراك وشوف الأفعى اللي واجفة وراك (مشيرة لعواطف) هي وكلابها اللي في السرايا.. هما اللي حطوا الذهب والجواب ده هنا! وأنا مش هركعلك ولا هخاف من سيفك.. والورق اللي مع مروان هو اللي هيثبت مين فينا الشريف ومين الحرامي الخاين في البيت ده!"
لم تنزل من عيني قمر دمعة انكسار واحدة، بل ظلّت حدقتاها المتحديتان تخترقان حصون الغضب في عيني منصور. ساد صمت رهيب في الغرفة كأن على الرؤوس الطير، ولم يكن يُسمع سوى أنفاس منصور الحارقة والمتلاحقة وهو يطبق على معصمها، والرسالة المزورة تهتز بين أصابعه الأخرى كجمرة من نار تحرق هيبة وعار السرايا.
على عتبة الجناح، كانت عواطف تتبادل نظرات النصر الخبيث مع سعاد وهنادي، وظن الثلاثة أن رقبة قمر باتت قاب قوسين أو أدنى من حد السيف. ولكن، قبل أن ينطق منصور بكلمة واحدة أو يتحرك غضبه المكبوت إلى فعل لا يُحمد عقباه، دوت في الرواق الخارجي خطوات متسارعة وجلبة قلبت الموازين.
انفتح الباب بالكامل، ودخلت "العمة هنا" وبجوارها ابنتها الشابة "عالية"، وكان يتقدمهما بخطواته الوقورة الممتلئة بحكمة السنين "الحاج عبد الرحمن الهواري" والد منصور وكبير العائلة الحقيقي. كان الشيخ الجليل يستند على عصاه، وعيناه تحملان نظرة عتاب صارمة لولده منصور، بينما كان يسير خلفهم ابنا منصور الصغيران من زوجتيه؛ "محمود" (١٢ سنة) و"محمد" (١٠ سنوات)، واللذان بدت على وجوههما علامات الخوف والارتباك.
ضرب الحاج عبد الرحمن بعصاه الغليظة الأرض ضربة قوية جعلت منصور يجفل غريزياً، وصاح الشيخ بصوت جهوري وهادئ في آن واحد:
— "اترك يد البنية يا منصور! اتركها عاد واصل.. إياك تنسى إنك واجف في بيت عبد الرحمن الهواري، وإني لساتني حي وبطولي في الدنيا!"
أرخى منصور قبضته ببطء عن ذراع قمر، لكن عينيه لم تفارقا وجهها، والتفت نحو والده وقال بصوت يرتجف من شدة الغل المكتوم:
— "يا بوي.. الحديت عاد عِدي حدود العناد والتمرد! البنية سرقت ذهب العيلة من المخازن القديمة، والأوعر من كدِه.. شوف الورقة دي فيها إيه! دي ورقة عشق وغرام من صايع في بحري.. البت عتلوث شرفنا واسم عمي عبد الله في الترب!"
تقدمت العمة هنا بسرعة، وجذبت قمر وراء ظهرها لتحميها بجسدها، ونظرت إلى عواطف التي انكمشت فجأة وقالت بحدة:
— "شرف مين اللي عتتحدت عنه يا منصور؟! البنية دي قمر عبد الله الهواري، وإني اللي مربية أمها زمان وعارفة أصلها وفصلها.. البت دي متعملش الدنية واصل! فتش ورا العمايل دي كويس وشوف مين اللي دخل الأوضة اهنا في غيابنا!"
في تلك اللحظة، تحركت "عالية" ابنة العمة هنا، وكانت فتاة ذكية وتراقب السرايا بدقة. نظرت إلى ابني منصور "محمود ومحمد" اللذين كانا يقفان يرتجفان عند الباب، واقتربت منهما وقالت بنبرة حنونة ومطمئنة:
— "محمود.. محمد.. تعالوا اهنا يا حبايب عمتكم. أنتوا كنتوا عتلعبوا في الممر العصر صح؟ شوفتوا حد دخل أوضة عمّتكم قمر وهي مش اهنا؟"
ارتبكت هنادي (والدة محمد) وصرخت بحدة تداري بها رعبها:
— "جرى إيه يا عالية؟! عتحققي مع عيال صغيرة عشان تداري على فِعلة البت دي؟! عيالي ميعرفوش حاجة واصل!"
لكن الحاج عبد الرحمن رفع يده بحسم ألجم هنادي تماماً، ونظر إلى حفيده الأكبر "محمود" وقال بوقار الأجداد:
— "اتحدت يا محمود يا ولدي.. ومتخافش من حد واصل، طول ما جدك واجف بطوله اهنا. شوفت إيه العصر يا ولدي؟"
بلع محمود ريقه بنظر إلى والده منصور المهيب، ثم قال بصوت مرتعش:
— "يا جدي.. إني ومحمد كنا عانلعبوا بالملوان (البلية) في الممر ورا أوضة عمة قمر.. وشوفنا عمي صابر (مساعد عواطف) طالع وهو عيتلفت حواليه، وكان شايل في يده صرة قماش كحلي وجواها حاجة تقيلة، ودخل أوضة عمة قمر بالمفتاح النسخة.. ولما شافنا، زعق فينا وقالنا غوروا من اهنا ومتجولوش لمنصور بيه على حاجة واصل عشان ميحبسكمش!"
وقعت كلمات الطفل كالصاعقة على رؤوس الجميع. شحب وجه عواطف حتى صار كوجه الموتى، وسقطت سعاد وهنادي في صمت مرعب. التفتت قمر من خلف عمتها هنا، ونظرت إلى منصور بابتسامة ساخرة مليئة بالشموخ والنصر، وقالت بنبرة تقطر تحدياً:
— "سمعت يا كبير؟ سمعت أولادك بنفسهم بيقولوا إيه؟ تفتكري صابر بتاعكم ده دخل أوضتي من نفسه عشان يحط الذهب ورسالة العشق؟ ولا في حية كبيرة هي اللي أمرته عشان تخلص مني ومن حكاوي الماضي قبل ما مروان يرجع بالورق من مصر؟!"
التفت منصور ببطء نحو والدته عواطف، وتحولت عيناه إلى جمرتين تشتعلان بنيران الجحيم. تقدم نحوها بخطوات مرعبة اهتزت لها السرايا، بينما تراجعت عواطف للخلف وهي تبكي بذعر حقيقي وتصرخ:
— "لا يا ولدي!.. منصور يا قلب أمك متصدقش العيال.. العيال عتخرف وتكدب!"
وقف الحاج عبد الرحمن أمام ابنه منصور، ووضع يده على صدره ليلجم ثورته، وقال بحكمة وصرامة بالغة:
— "الحديث انقضى يا منصور.. واللعبة الحين بقت مكشوفة للكل. صابر عانحطوه في المخزن تحت الحرس لغاية ما مروان يعاود بكره بالورق.. وساعتها، كل حساب قديم وجديد عيتصفى قدامي إني الأول! وأنتي (ملتفتاً لعواطف وسعاد وهنادي) كل واحدة على غرفتها، وحِسكم مسمعهوش في السرايا دي واصل لغاية الصبح!"
خرجت عواطف وهنادي وسعاد يجررن أذيال الخيبة والرعب القاتل؛ فالأمر لم يعد مجرد كيد نساء، بل أصبح مواجهة علنية أمام كبير العائلة بأكمله.
التفت منصور نحو قمر، وكان جسده الفارع لا يزال يتنفس بعنف وغيظ ممزوج بشعور غريب بالذنب والذهول من براءتها وكبريائها الذي لم ينحنِ أمام عاصفته. نظرت إليه قمر برأس مرفوع وعينين حادتين كالشفرة، وقالت بصوت منخفض دافئ يملؤه التحدي الذي لا يلين:
— "قولتلك يا منصور بيه.. الملعب لسه في أوله، وقمر الهواري مش هي اللي تتركع بحركات رخيصة.. بكره أخوك يرجع، وساعتها هتعرف مين فينا اللي هيبته هتتكسر قدام التاني!"
ظل منصور واقفاً في مكانه كالصنم، تتقاذفه أمواج عاتية من المشاعر المتضاربة التي لم يعهدها طوال حياته. يده التي كانت منذ ثوانٍ تقبض بقسوة على ذراع قمر بدأت ترتخي تماماً، ونظراته الصقرية التي كانت تشع بالموت تحولت إلى نظرات حائرة، يمتزج فيها الغيظ العارم بشعور جارف بالذنب والخزي أمام هذا الشموخ الأنثوي الذي لم يره في امرأة من قبل. كان صدره العريض يعلو ويهبط بعنف، يتأمل وجهها الشاحب، وعينيها اللتين تلمعان بنور الحق والتحدي، وشعرها الأسود الذي تناثر على كتفيها بعشوائية زادتها مهابة وجلالاً.
انسحب الحاج عبد الرحمن بخطواته الوقورة، ساحباً معه العمة هنا وابنتها عالية والطفلين، ليتركا الجناح غارقاً في صمت ثقيل، غلفته عتمة الغرفة التي لم يعد يضيئها سوى نور القمر المنعكس على ليرات الذهب المتناثرة على الأرض كشاهد حي على المؤامرة الدنيئة.
خطت قمر خطوة واحدة نحو منصور، ولم تبالِ بفرق البنية والجسد بينهما. رفعت يدها ببطء، وأشارت إلى معصمها النحيل الذي ترك فيه منصور علامات حمراء بارزة من شدة قبضته، وقالت بنبرة صوت دافئة، مخنوقة بعبرات تأبى أن تنزل، لكنها كانت حادة كالشفرة أصابت نياط قلبه:
— "شفت الوجع ده يا كبير؟ شفت العلامات دي؟ دي مش علامات على جسمي.. دي طعنة في رجولتك أنت! كنت واجف وعيناك عتطلع شرار ومستعد تقتلني لمجرد حِكاية ألفوها حريم السرايا.. مكلفتش نفسك للحظة تفتكر وصية عمك، ولا سألت حالك كيف لبنت عاشت عمرها كله في الشرف تصنع عِملة واطية كيف دي؟ أنت مش كبير يا منصور.. أنت طاغية، والطاغية عيعميه غشاوة الجبروت عن شوف الحق واصل!"
وقعت كلماتها على قلبه كالجمر الحامي. لأول مرة في حياته، يشعر منصور الهواري بالصغر أمام امرأة. تقدم نحوها خطوة لاهثة، وحاول أن يتحدث بنبرته الصارمة الحازمة، لكن صوته خرج متحشجاً، مثقلاً بمشاعر قوية غريبة عنه:
— "إني.. إني منصور الهواري يا قمر! السرايا دي عيمشي فيها الكلمة بالحق، والذهب اللي كان على الأرض والجواب كان كفيل يطير فيها رقاب! إني مش طاغية.. إني راجل عيحمي عرضه واسمه، والشك واعر.. الشك في بلادنا عيخلي الدم يغلي في النفوخ ويوصل للعمى!"
ضحكت قمر ضحكة حزينة، انسابت من بين شفتيها كالفحيح الجريح، واقتربت منه أكثر حتى كادت أنفاسها المرتجفة تلامس صدره العريض، وقالت والدموع تترقرق في عينيها بكبرياء أسطوري:
— "والعمى ده مبيجيش غير على الغلابة اللي زيي يا ابن عمي! لو كانت أمك عواطف هي اللي في مكاني الحين، كنت عتعمل فيها هكِذا؟ كنت عتمسك يدها وعتقولها هقتلك بيدي؟ لاه.. أنت جيت عليا عشان أنا ماليش ضهر في السرايا دي، وعشان جيت من بحري غريبة ووحيدة.. بس أقسم لك بالله يا منصور، الوجع اللي في دراعي ده، والكسرة اللي كنت عايز تكسرهالي الليلة، لتدفع تمنها غالي قوي.. مش بالدم، لاه.. عأخليك تتمنى نظرة رضا واحدة من عيني، ومش عتطولها واصل!"
شعر منصور برغبة جارفة، لم يفهم مطلعها، في أن يمد يده ويتحسس معصمها الأحمر، في أن يضم هذا الجسد النحيل الثائر إلى صدره ويخفيها عن شرور السرايا وعن كيد أمه وزوجاته، لكن كبرياءه كـ "كبير" ألجمه. تراجع خطوة إلى الوراء، وأدار وجهه عنها وهو يزفر زفيراً حارقاً، وقال بنبرة انكسرت فيها حدة الطغيان وظهر فيها وجع دفين:
— "نامي يا قمر.. نامي الحين، ووِفري حديتك الواعر ده لبكره.. بكره لما مروان يعاود، وكل شيء يبان.. الحساب عيكون كبير قوي، وإني بنفسي عأجبلك حقك من كل حد ظلمك في البيت ده.. حتى لو كان الحد ده من دمي وإني منصور الهواري!"
مشى منصور نحو الديوان في زاوية الغرفة، وجلس وجسده يرتجف ببطء من فرط المشاعر المتناقضة؛ غضب من أمه، غيرة مستعرة من مجرد فكرة وجود جواب عشق (حتى لو كان مزوراً)، وإعجاب جارف تغلغل في أركان قلبه بهذه المتمردة التي قلبت موازين حياته في ليلتين.
وفي الطابق الأرضي، كانت الأجواء في جناح عواطف تماثل الجحيم. كانت تجلس على الأرض وتبكي بنحيب مرير ممتزج بالغل والخوف، وبجوارها سعاد وهنادي يرتجفن ذعراً.
قالت هنادي وهي تلطم خديها بخفة:
— "يامرّي يا خراب بيتنا! الواد محمود ودا نا في داهية! منصور مش عيرحمنا واصل يا مّـا.. منصور لو مروان جه بكره بالورق، عيطردنا برة السرايا وعيهملنا!"
التفتت إليها عواطف بعينين جاحظتين من شدة الرعب وقالت بنبرة تقطر سماً خائفاً:
— "اكتمي أنتي وهي! صابر الحين في المخزن تحت الحرس، ولو صابر اعترف عليا قدام منصور والحاج عبد الرحمن، عانروحوا كلنا في فطيس! لازم صابر ده ميتحدثش واصل.. لازم نلاقوا طريقة نطلعوه من المخزن ويهرب من البلد قبل ما الشمس تطلع، وإلا هدم السرايا عيقع فوق رؤوسنا كلنا!"
انقضت ليلة الجمعة، وجاء صباح يوم السبت يحمل معه خيوط شمس لاهبة، وتهب معها رياح الحسم والشر المستطير في أنحاء قصر الهواري. استيقظت قمر ووجدت الفراش الصغير فارغاً؛ فقد خرج منصور مع أذان الفجر ليرى بنفسه حراسة المخزن ويشرف على احتجاز صابر.
وقفت قمر أمام المرآة، نظرت إلى معصمها الذي بدأ يميل إلى الزرقة، ولمست بأصابعها موضع قبضة منصور. شعرت بقشعريرة غريبة تسري في جسدها، فبالرغم من قسوته وجبروته، إلا أنها لمحت في عينيه ليلة أمس، ولأول مرة، نظرة خوف عليها وخوف من أن تكون الحقيقة مؤلمة لقلبه.. نظرة رجل بدأ يقع أسير عيون متمردة جاءت لتهدم حصونه