
كانت ساعات الظهيرة تمر بثقل بطيء داخل مكاتب "مجموعة شركات الراوي". كان أدهم جالساً خلف مكتبه الفسيح، يراجع التقارير المالية بحنكة وتركيز شديدين، مستعيداً السيطرة الكاملة على مفاصل الشركة بعد محاولة أخته الفاشلة لإزاحته. ورغم الهدوء المهيب الذي فرضه، إلا أن شيئاً غريباً كان يعبث بداخل صدره؛ شعور خفي بالقبض والتوتر، وكأن هدوء ما قبل العاصفة يحيط به من كل جانب.
وفي تلك اللحظة، فتح باب مكتبه الخاص بهدوء، ودخلت روز بخطوات مترددة ظاهرياً، لكن عينيها كانتا تبرقان بنظرات شيطانية ومكار خفي. وقفت أمام مكتبه، وابتسمت ابتسامة صفراء ساخرة وقالت بصوت يقطر سمّاً:
"يبدو أنك منشغل جداً يا أدهم بتأمين حصونك الجديدة.. لكن هل تركت لنفسك وقتاً لتتذكر حصونك القديمة التي تهدمت بفعل فاعل؟
رفع أدهم رأسه ببطء، ورمقها بنظرة حارقة وباردة كالصقيع، وقال بصوت عميق:
"إن لم يكن لديكِ عمل حقيقي داخل هذه الشركة يا روز، فأنصحكِ بالخروج فوراً قبل أن أنسى أنكِ أختي!"
توسعت ابتسامة روز، وأخرجت من حقيبتها ظرفاً ورقياً كبيراً وألقته بعنف على مكتبه، وقالت بصوت متهدج محمل بالتشفي:
"لا داعي للغضب.. أنا جئت لأقدم لك هدية لن تجد لها مثيلاً. افتح هذا الظرف.. ستجد فيه العنوان ورقم الهاتف الدقيق لتلك المرأة التي سرقت قلبك، ومعها... طفلك الذي غاب عن حضنك لسنوات! نعم يا أدهم، لقد عثرت عليهما!"
تجمد الدم في عروق أدهم. انقبض قلبه بعنف وكأن صاعقة قد ضربت صدره المنهك. اتسعت عيناه بصدمة قاتلة، وارتجفت يداه للمرة الأولى وهو يمدها ليمسك بالظرف، وكأنه يلمس جمرة من النار. كل جراح الماضي، وكل صرخات الحزن التي دفنها تحت أطنان من الجليد والقسوة، انفجرت دفعة واحدة في وجهه.
صاح أدهم بصوت مهتز ومفزع، وهو ينهض بقوة حتى كاد يقلب كرسيه:
"ماذا قلتِ؟! أين وجدتهما؟! من أين لكِ بهذا الكلام اللعين؟!"
ردت روز ببرود قاسي وهي تستدير نحو الباب:
"اسأل نفسك.. وابحث بنفسك إن تجرأت! لكن اعلم أن الماضي لا يموت يا أدهم، وهو عائد ليحرق ما تبقى منك ومن إمبراطوريتك!"
خرجت روز وتركت أخواها غارقاً في بحر من النيران المشتعلة؛ فقد نجحت في زرع القنبلة الأكثر دموية في عقل أدهم، لتشتت تركيزه وتسقطه في فخ الجنون والشتات.
على الجانب الآخر، وفي قصر أدهم، كانت عشق جالسة في غرفتها، تحرك بملل صفحات كتاب قديم، لكن عقلها كان معلقاً بانتظار عودته. كانت تحصي الساعات وتتذكر كلماته، وكلما تذكرت وعده بالطلاق بعد أن تهدأ الأمور، شعرت بغصة حارقة تمزق قلبها بصمت.
اقتربت الدادة هنية من الغرفة، وفتحت الباب ببطء وبدت على ملامحها علامات القلق والخوف الواضح. اقتربت من عشق وقالت بصوت خفيض:
"يا بنتي عشق.. يبدو أن هناك خطباً ما في الخارج. الحراس في الشارع الخلفي يتحدثون عن حركة مريبة، وأنا أخشى أن يكون فهد أو رجاله يعدون لمصيبة جديدة."
انتفضت عشق من مكانها، وشحب وجهها تماماً، وقالت بصوت مرتعش:
"فهد؟! ألم ينتهِ من تهديداتنا بعد؟ ماذا يريد منا أكثر من ذلك؟!"
قالت الدادة هنية وهي تمسك بيدها لتهدئتها:
"أدهم في الشركة، وعلينا أن نتوخى الحذر.. فالأجواء تحيط بها العواصف من كل اتجاه."
ولم تكن تعلم عشق، ولا الدادة هنية، أن العاصفة الكبرى لم تعد في الخارج فحسب، بل اقتحمت عقل أدهم وقلبه عبر سموم روز، لتصبح حياتهم جميعاً على صفيح ساخن يوشك على الانفجار الشامل!
كان الرعب يلتهم أعماق عشق وهي ترى نظرات القلق والخوف ترتسم بوضوح على وجه الدادة هنية، خصوصاً بعد حديث الحراس عن تحركات مريبة لرجال فهد تحوم حول أسوار القصر الخلفية. لم تتردد لحظة واحدة؛ فألتقطت هاتفها بيدين ترتجفان بشدة، وبحثت عن رقمه لتتصل به، وكأن صوت أدهم هو طوق النجاة الوحيد وسط بحر من المخاوف المظلمة.
في تلك اللحظة، كان أدهم جالساً خلف مكتبه في الشركة، لا يزال غارقاً في صدمة الظرف الذي ألقته روز أمامه، وعقله يتمزق بين أشباح الماضي وصورة ابنه الغائب. وفجأة، صدح رنين هاتفه معلناً عن اتصال منها. أجاب بصوت محشور ومجهد:
"عشق؟ هل حدث شيء؟!"
جاءه صوتها متهدجاً، تحبسه شهقات الخوف والدموع:
"أدهم... أرجوك.. تعال إلى القصر حالاً! أنا خائفة.. الحراس يشعرون بحركة غريبة في الخارج، وأخشى أن يكون فهد قد نفذ تهديده واقترب منا! أرجوك لا تتاخر!"
لم يكمل أدهم الجملة؛ فما إن سمع نبرة الخلع والانهيار في صوتها حتى نسى أمر الظرف، ونسى سموم روز، ونسى العالم بأسره. انتفض من مقعده كالمجنون، وأمسك بمعطفه، واندفع خارج الشركة سيراً على أجنحة السرعة والجنون، مستقلاً سيارته ليخترق الشوارع بأقصى سرعة ممكنة.
لم تمر سوى دقائق معدودة حتى كانت سيارة أدهم تقتحم بوابة القصر بقوة. ترجل منها بخطوات واسعة، وفتح الباب ودخل البهو بخطوات سريعة متسائلة، ليجد عشق تقف في منتصف الصالة بوجه شاحب وعينين دامعتين.
وما إن رأت طيفه يقترب، حتى هربت كل الكلمات من صدرها، وهرعت نحوه كمن تجد بر الامان بعد غرق محتم، لترتمي في أحضانه بلا تردد.
ضمها أدهم إلى صدره بقوة وقسوة حانية، محيطاً إياها بذراعيه القويتين كأنه يريد أن يدخلها بين ضلوعه ليحميها من خطر العالم أجمع، واضعاً يده الأخرى على شعرها ليهدئ من روعة رجفتها، وهو يردد بصوت دافئ ومبحوح قرب أذنها:
"لا تخافي يا عشق... أنا هنا، ولن يجرؤ كائن من كان على الوصول إليكِ طالما أنا علي وجه الحياة."
رفعت عشق وجهها قليلاً لتنظر إلى عينيه الغارقتين في قلق حقيقي، وتلاقت أعينهما في مساحة ضيقة وخالية من أي حواجز أو قوانين. في تلك اللحظة، وفي غفلة من الزمن ومن كل الوعود بالطلاق والابتعاد، غلبهما الشوق الجارف واللهفة التي طال كتمانها خلف جدران الصمت والغموض.
مال أدهم برأسه ببطء، وتسمرت عيناه على شفتيها المرتجفتين، وقبل أن تدرك عقلها ما يحدث، انحنى ليطبق بشفتيه على شفتيها بقبلة عميقة، دافئة، وعاصفة، محت كل الخوف والمسافات. شعرت عشق بأنفاسه الساخنة، فبادلته الشوق بذات اللهفة، ذائبة بين أحضانه في لحظة أبدية سرقت أنفاسهما معاً،
وأعلنت بتمرد سقوط كل الحصون والأقنعة!
وذاب في حضانها كانه يتمرد علي الماضي والحاضر
بعد ماهدأ التمرد وافاقت عشق مماحدث"
فجأة، وكأن صاعقة من الوعي الحاد قد أصابت قلبها وسط دفء تلك اللحظة، تراجعت عشق إلى الخلف بخطوات مرتعشة. اشتعلت وجنتاها بحمرة الخجل الشديد وكأن النار اندلعت في وجهها، فرفعت كفيها لتغطي بهما وجهها المحترق من شدة الارتباك. لم تستطع تحمل نظراته المباشرة، فالتفتت برأسها إلى الجانب الآخر وهي تلهث بأنفاس متقطعة، وقلبها يكاد ينفجر من مكانه بين خفقات الهلع، والندم، واللهفة المشتعلة.
أدركت فجأة هول ما حدث؛ فهما ليسا سوى زوجين على الورق، ووعد الطلاق يلوح في الأفق كظل ثقيل، فكيف استسلمت هكذا وبهذه السهولة؟!
قالت بصوت متهدج ومتقطع، تكاد الحروف تختفي من حلقها وهي تحاول تدارك الموقف وإخفاء ارتباكها الفاضح:
"أنا... أنا آسفة... لم أكن أقصد... أعني، شكراً لأنك حضرت بهذه السرعة لإنقاذي من خوفي... و... وكيف هي الأمور في الخارج؟ هل هدأ كل شيء حقاً؟"
وقف أدهم مكانه، وقد تملكه الذهول من جراء ما اقترفته يداه ومشاعره. استدرك بدوره فجأة وعيه، وتذكر بمرارة اتفاقهما وتلك القيود الوهمية التي تفصل بينهما، فحاول كبح تلك اللمعة العاطفية المشتعلة في عينيه، واستعاد بسرعة قناعه الصارم وحصونه الباردة.
مرر يده على شعره بتوتر خفي، وتنحنح ليخفي بحة صوته، ثم قال بصوت هادئ يحاول اصطناع الجمود:
"لا تقلقي... الحراس أمنوا محيط القصر بالكامل، ولا يوجد أي أثر لرجال فهد الآن. يبدو أنهم تراجعوا بعد أن تأكدوا من وجودي."
أومأت عشق برأسها بسرعة دون أن تجرؤ على رفع عينيها نحوه، وهي تلعن ضعفها وخجلها الطاغي، بينما تحرك أدهم بخطوات ثقيلة ليبتعد عنها نحو النافذة، وفي صدره معركة طاحنة بين شبح الماضي الذي عاد ليطارد عقله، وتلك الفتاة التي باتت تقتحم أسوار قلبه دون استئذان!