رواية حب خلق بدايه الفصل السادس6 بقلم مروه البطراوي

رواية حب خلق بدايه الفصل السادس6 بقلم مروه البطراوي
أباحت بسرها قدام ابنها الحقيقي… ويا ريتها ما باحت. حتى عاتبت نفسها لما سمعته وهو يكاد يفلت السر من بين طيات لسانه. قالت لنفسها:

ـ كده حليم هيفتكر إني مش بحبه… وإن تربيته كانت شفقة.

توقفت دقات قلبها لما حليم سأله عن السر ده. لعنت حظها… واتمنت توقف الزمن… ترجع لذكرى اليوم ده وتقبله هو وشقيقته. بصت لإيدها اللي حملته بيها… وبصقت فيها… لأنها ما تمسكتش بيه. مرت سنين على الحدث ده… بس العواصف في قلبها ما هديتش. هي ما كانتش تبغضه… بس كانت عايزة تأدب والده في شخصه. كانت خايفة من رجوع الست اللي دمرت حياتها.

وهي شاردة… اتفاجأت بمن بيربت على ضهرها بحنان. استدارت وشهقت من رؤيته. ابتسم ابتسامة خبيثة… دلالة إنه سمع كل اللي دار جواها من صراعات. هددها:

ـ قلت لك بلاش تقولي لحد يا ثريا… وكنتي خايفة مني؟ شفتي بقى أنا أحسن من أولادك اللي رفضتيني علشانهم إزاي؟

كان الخطاب لخطاب. بس هي ما خافتوش. ردت بكل ثقة:

ـ أنا صحيح شفت… بس شفت إني كنت صح لما اخترت أترهبن علشان أولادي.

لوى شفايفه:

ـ بس خلاص… إنتي دلوقتي ما عادش ليكي لازمة في حياتهم.

سخرت منه:

ـ وليَّ لازمة في حياتك يا خطاب؟

رد بثقة:

ـ طبعًا يا حبيبتي.

رفعت سبابتها وحذرته:

ـ بلاش أسمعك تاني تقول الكلمة دي يا خطاب… علشان ما أزعلش… وأهلي اللي هما أولادي وابنك يزعلوا هما كمان.

بصت له باشمئزاز… ورحلت من محيطه اللعين.

استكمالًا لحديث قدري وزياد… زياد سأله عما دار بينه وبين هاجر. قدري تنهد بسعادة:

ـ أنا قلت كل اللي في قلبي ليها. ما هو ما ينفعش أفضل كاتم في نفسي كل ده وأقدم نفسي بطريقة تقليدية. كان احتمال كبير ترفضني.

شرد في رسايله:

ـ وده اللي حسيته.

زياد هز راسه متفهم:

ـ هو ده الصح يا قدري. على الأقل لتفهمكم ده هتكملوا… مش العصبية اللي أنا هتجوزها. صحيح هما إخوات… بس مختلفين في كل حاجة.

تنهد بتعب:

ـ لو بس تتعلم تعيش بطناش زيي… كنا أنا وهي هنبقى فلة… وما كناش نتخانق على الفاضية والمليانة. فعلشان كده عملت بنصيحتك.

قدري ابتسم:

ـ إنتَ برضه يا زياد هدي اللعب معاها شوية. يعني طلبت منك حاجة… إيه المشكلة؟ واتكلم معاها دايمًا حتى لو في أمور قديمة.

رفع إيده بثقة:

ـ ولو حست في يوم إنك بتسايسها… هي نفسها هتخف.

بتأكيد:

ـ لا دي هتتحرج… لأنك هتبقى كبير في نظرها… وهتبقى واحد بيريحها علشان بيحبها.

زياد اندهش:

ـ أول مرة أسمع كلام حلو كده… ومن دكتور! الطبيعي الدكاترة عمليين… وكل حياتهم هات وخد. بس إنتَ إيه ما شاء الله عليك… زي ما تكون اتولدت شاعر.

رجع زياد وهاتف محبوبته ميارا. ردت بصوت حنون. ابتسم:

ـ بحبك يا ميارا.

اندهشت وابتسمت:

ـ مش قد حبي ليك يا زياد.

ـ قولي لي بقى هنخلص بقية حاجاتنا إمتى؟

بشغف:

ـ في أقرب وقت.

هز راسه بذهول… كان ظان إنها هتماطل. باين إن كلام قدري مجدي فعلًا. تنهد بعشق:

ـ ما تتصورش أنا فرحان قد إيه يا ميارا.

ابتسمت بدموع الفرحة:

ـ للدرجة دي بتحبني يا زياد؟

بحب:

ـ جدًا. والأيام اللي كنا متخاصمين فيها كنت مخنوق… ونفسي أخنق نفسي بزيادة وأموت وأرتاح. أرجوكي أنا وإنتي بلاش نتخاصم تاني.

المكالمة خلصت بموافقة ميارا على طلب زياد. تأكدت إنه داعم رابع ليها بعد ثريا وإخواتها.

بعد يومين… حليم كان في حجرة مكتبه. ثريا عايزة تعرف هل علم من نور الأمر ولا لأ… لأنها اضطرت ترحل بسبب خطاب وتهديده. دلّفت المكتب مبتسمة كعادتها. رفع نظارته من على عينيه واتكلم بهدوء… فحست بالارتياح… خصوصًا لما ردد:

ـ أنا مبسوط إن هاجر وافقت على قدري.

انفرجت أساريرها:

ـ عقبالك يا حبيبي… عايزاك تحن على وئام بقى.

تنهد بتعب وأرجع ضهره لتحت:

ـ أنا عايز أتطمن على إخواتي الأول… أما أنا لسه بدري.

كانت هترد… لولا مجيء قدري وزياد… كانوا على موعد معاه. رحب بيهم ترحيب حار. قدري قعد متوتر:

ـ حليم… إنتَ قلت عايزني… خير؟

ابتسم بخبث:

ـ هو يعني علشان قلت لك تعالى يبقى فيه حاجة؟ لو فيه حاجة يبقى هاجر موافقة.

قدري زفر بارتياح. زياد ضحك ببلاهة:

ـ الحمد لله… وربنا مش هو دكتور؟ بس قلبه وقع في رجليه.

الكل ابتسم… ورتبوا واتفقوا فيما بينهم. حليم زي اسمه… رؤوف بحالة قدري المادية. عرض عليه يعيشوا معاهم في بيت العيلة. بعد ما مشوا… بص لثريا… لقى وشه تكسوه السعادة. ابتسم:

ـ إنتي ليه دايمًا بتحبيني أنا اللي أتفق مع العرسان في كل حاجة؟ إيه… ناسية إن نور أكبر مني؟ وحتى هاجر مش شقيقتي.

هزت راسها بالسلب:

ـ لا مش ناسية. وبعدين مش معنى إنها مش شقيقة ليك ما تبقاش كبيرها. والله ده طلب نور… وأنا بصراحة شايفة إنه عنده حق.

استطردت:

ـ ونور لو في مكانك هيتعصب على أي واحد فيهم. أنا بحب طريقتك وأسلوبك.

ابتسم بأمان:

ـ إيه الإحراج ده؟ طيب خدي قلبي يا ثريا… وأنا أعيش من غيره. ده حتى قليل عليكي.

قرب منها وقبل إيدها بحنان:

ـ وأنا كمان بحبك جدًا… وبحب طريقتك وأسلوبك.

ابتسمت… وكادت ترقص من الفرح. مسحت على شعره بحنان:

ـ بالنسبة لقلبك فأنا أخدته من زمان يا حليم. طيب إنتَ تخلي إيه لوئام حبيبتك؟ إنتَ بتخلص كلامك الحلو معايا.

رفع راسه وهزها بلا مبالاة:

ـ لا سيبك إنتي… أنا حتى مش بحبها أكتر منك.

افتكرت كلمات سراج لما أكد ليها إنه مش هيعشق غيرها. بصت لعينيه:

ـ هيحصل يا حليم… بس ارجع ليها.

نهض وحاول يخرج من الموضوع:

ـ تعالي نخرج مع بعض… نروح أنا وإنتي أي مكان حلو زيك.

نهضت خاضعة لطلبه. ما قدرتش يوم ترفض طلب ليه. وتناست أمر السر… اللي لو عرفه ممكن يحول حديثه المعسول لثورة بركان.

راحوا الشاطئ… حيث الهدوء. نعمت بنسمات الهوا… والشعر الذهبي التصق بوشها. حليم حطه خلف ودنها… باصص لعينيه بعمق:

ـ ما تقلقيش… هو غلط لما سابك من غير ما يسمعك. وردة فعلك كانت طبيعية… وأنا مش زعلان منك أبدًا. إيه يعني… ده حقك.

امتلك وشه بكفيه… بيكلمها بحنان:

ـ إنتي اتحرمتي منه في أكتر وقت كنتي محتاجاه فيه. إنتي ولدتي إخواتي وإنتي لوحدك.

انهارت بدموعها واحتضنته:

ـ كنت خايفة لا تزعل مني يا حبيبي. والله كان نفسي ما تفارقش حضني أبدًا ساعتها.

شد على حضنها:

ـ ماما… إنتي جميلة قوي… إنتي وإخواتي. هو بس اسمي في السجلات اللي فارق بيني وبينك. غير كده مفيش.

طلعت من حضنه تمسح دموعها:

ـ يلا يا حليم… كل حاجة نصيب. خد اللي عمله أبوك معايا عظة… وحطها دايمًا في دماغك.

بوعد:

ـ وأنا طول ما أنا عايشة عمري ما هخليكم تغلطوا غلطته ولا غلطتي. أنا كمان غلطت لأني ما قولتش لسراج إني حامل.

احتضنها تاني:

ـ هو يعني كان سأل عليكي طول فترة حملها فينا؟ وطبعًا هي السبب.

نور عرف إنهم خرجوا سوا. أشفق عليها إن حليم يهاجمها… خصوصًا إن حليم ما وضحش لنور لو الأمر أزعجه ولا لأ. هرع للشاطئ… عارف إن ثريا وحليم بيعشقوا المكان ده حتى في الشتاء. لما وصل… اتفاجأ بيها في حضنه. عمل عرض مسرحي:

ـ لاااا… خياااانة!

ضحكة ثريا علت. حليم أخرجها من حضنه ولكزه في دراعته:

ـ آه خيانة… إنتَ مالك؟

نور لوى شفايفه بحزن مصطنع:

ـ دي أمي.

حليم أحاطها بدراعته:

ـ أنا كمان ابنها والمقرب كمان. علشان كده من حقي أقعد أنا وهي في مكان ومحدش يزعجنا. أنا بغير عليها منكم… وهي كمان بتغير عليا.

رفع ذقنها بإيده:

ـ مش إنتي كمان بتبقي حابة نكون لوحدنا يا ثريا؟

تنهدت بسعادة:

ـ الله! ثريا… والله ما حد بيقول اسمي بالجمال ده غيرك يا حليم. ما إنتَ متسمي على اسم عبد الحليم صاحب الأغاني الحلوة.

بحب:

ـ علشان كده كنت عاوزة أسمي حليم… وكنت مش عارفة يا ترى سراج هيسمي حد حليم ولا لأ.

بصت لنور… لقت الغيرة تملكته فعلًا. ابتسمت بخبث:

ـ إيه يا نور؟ إنتَ بتغير من أخوك؟

هز راسه بثقة:

ـ لا… عمري ما غيرت. بس خفوا شوية. إنتي ما عندكيش غير حليم؟ ولا علشان شبه حبيب القلب سراج؟

عبست بوشها… لدرجة إن حليم استشعر وجعها المستمر عند ذكر اسم والده. بص لنور:

ـ لا يا خفيف… ده علشان أنا بفكر زيها ومش أهبل زيك. لا بخبط كلام ولا بتعصب. أنا راجل موزون. وبعدين هوينا.

ثريا عرفت إن حليم بيحاول يخفف عنها. ابتسمت:

ـ فعلًا كلام حليم صح يا نور… زي ما تقول كده عنده حكمة في الأمور.

حليم أخرج لسانه لنور يغيظه. نور اتذمر بطفولة:

ـ شايفة يا ماما؟ بيغيظني. يا ابني بلاش تخليني أحطك في دماغي. أنا هجوزك وئام وأخلص منك.

أشار ناحية ثريا:

ـ يا ثريا… الواد ده من بكرة تروحي تخطبي له وئام. هو اللي عليه الدور بعد البنات.

بمرح:

ـ وأنا بقى أرجع على الحجر تاني. مش هتجوز ومش هدخل حد منهم البيت… ولا هخرجك. هحبسك يا ثريا.

ضحكة حليم علت:

ـ الواد اتهبل. ده أنا اللي من النهارده هروح أخطبلك حنان. أنا عايز أخلص منك خالص… وإنتَ عارف ليه طبعًا.

استطرد:

ـ بقيت بسترخمك قوي يا نور. يعني مش كفاية 23 سنة؟ يا ماما أنا زهقت منه. أنا عايز أبرطع في الأوضة لوحدي.

رفع أكتافه بثقة:

ـ ولا سلطان زماني.

ضحكة ثريا علت. نور ابتسم بسخرية:

ـ إحنا الاتنين حتى لو اتجوزنا… هنعيش مع ماما ثريا. مش صح يا ماما؟ إنتي ما تقدريش تستغني عننا… اتعودتي على وجودنا.

بفخر:

ـ إحنا مش أي عيلة. إحنا عيلة اتعودنا نبص في وشوش بعض كل يوم. أنا حتى بفكر أراجع ميارا في قرارها… وقدري في قراره.

ابتسمت وهزت راسها بموافقة وتشجيع لرأيه.

بعد ما سابهم نور… قرر يروح لمضحكته اللذيذة… يعلي هرمون السعادة عنده. راح النادي… لقاها من لحظة دلوفه بتفتعل حاجات تعلمه إنها مشغولة. لدرجة وقفت مع مدرب التنس بتتضاحك معاه… تثير الغيرة عند نور. ابتسم بخبث وراح ليها… ضربها بخفة على مؤخرة راسها بحجة إنه بيرتب القبعة:

ـ أنا جيت.

زمجرت من الغضب… باصصة للمدرب… ما عايرة نور اهتمام:

ـ ماشي يا كابتن… مضطرة ما ألعبش النهارده… عن إذنك.

المدرب عقد ما بين حاجبيه… كانت بتقوله عايزة تخوض مباراة معاه لوحده. ترى إيه اللي غير رأيها؟ نور على طول استأذن منه. المدرب فرغ فاه… عرف إنه وقع في فخ المراهقين… خصوصًا لما شاف نور يعدو بخطوات سريعة يلحق بحنان اللي بتركض كمن بتهرب منه. لما وصل ليها… أمسكها من دراعاتها ووجهها ناحيته… وهو بتنهد:

ـ على فين يا نون؟

هزت رجلها بعصبية:

ـ مروحة… قراية فاتحتي النهارده.

رفع حاجبيه بدهشة مصطنعة… عارف إنها بتكذب. رد بمكر:

ـ ما بلاش يا حنان… استنيني هتجوز اليونانية وأرجع.

النيران اشتعلت في صدرها أكتر. رفعت قدميها وإطاحته لتحت:

ـ إنتَ مين علشان أستناك؟

حط إيده على صدره بحركة درامية… وبيراقص حاجبيه:

ـ أنا نور قلب نون… حبيبتي يا حنان.

شدت على شعرها… زفرت… وسابته راحلة.

هناك روح ترقد في قبرها. لو كانت على قيد الحياة كانت هتسامح ثريا على أفعالها. بس مش كل ما يتمنى المرء يدركه. أعجب بيها في الإسكندرية من أول ما وطأتها أقدامها. تعلق بيها وقاوم كل الظروف… لحد ما بقت مراته. والدها رفض زواجه بيها… عايزها تتجوز يوناني زيها. بس في الآخر وافق على مضض. ودومًا كان بيحط ليهم العراقيل عن طريق خطاب… يسد ما بينهم. بس مش دي أسبابه بس. ثريا كانت كبيرة أولاده… وكانت بتتحمل المسؤولية من صغرها. كانت بتشتغل في مطعم بسيط وتجني فلوس تصرفها عليه وعلى إخواتها. بس هي عشقت… وتمنت تكون محبوبة سراج. تناست كل حاجة وانجرفت بعشقها وحلمها في الارتباط بيه. وما هديش بالها إلا بعد ما اتعلنت مراته قدام الله ورسوله.

في المساء… ثريا دلّفت في خلسة لحجرة الذكريات. تلمست صورة سراج وبصت ليها مطولًا:

ـ تعالى يا سراج… تعالى وشوف بنفسك. أنا عملت حاجات كتير علشان أولادنا… حاجات إنتَ لا يمكن تتخيلها. أوعى تفكر إني كنت مضطرة.

هزت راسها بالسلب:

ـ لااااا… أوعى تفكر إني منيت عليك يا سراج. أنا كنت هعملك مفاجأة… بحيث ترجع تلاقي الأولاد في حضني. بس إنتَ اللي مت.

حطت إيدها على صدرها بتوجع… وبتبكي:

ـ إنتَ حسبتها غلط لما فكرت تجيب لي أولاد. بس أنا كمان ما اتحملتش إن جوزي يبقى لواحدة غيري.

شهقت بألم:

ـ اتمنيت تسمعني في اليوم اللي بعت أشوفك فيه.

هبطت على الفراش… نامت تحتضن صورته:

ـ ومن اللحظة دي وأنا مش بحبك ومش بكرهك… زي اللي مش عارف يسامح ولا لأ.

باصصة لسقف الغرفة بشرود:

ـ ولما رجعت بأولادك حسيت بأنانيتك أكتر… زي أنانيتك في يوم ما قررت تتجوز. هيجي اليوم وأقابلك يا سراج… بس وأنا خلصت كل الديون اللي عليا ليك ولربنا. إنتَ مديون لي بسنة من عمري… قسيت عليا فيها. وهفضل عايزة السنة دي ترجع عشان تصلح غلطتك. أيوه ده شرع ربنا… وأنا فاهمة كويس.

بحسرة:

ـ بس ربنا أمرنا بالعدل. بس إنتَ سابتني وحيدة… ما خفتش عليا زي أي راجل بيخاف على مراته. هفضل فاكرة لما سمعت إن خطاب بيغريها ودافعت عنها… رغم إن اللحظة دي أكبر كدبة حصلت. كنت سايب خطاب يدخل ويخرج عندي بكيفه.

سخرت:

ـ وعامل نفسك مش فاهم ليه خطاب كان بيهددك لو مت هيورثك هو. إنتَ كنت مغفل يا سراج. إنتَ ما حستش للحظة إن خطاب عينه مني ومراته عارفة. إنتَ صدقته لما قالك سيب العيال عندي وروح سوي أمورك وارجع صالحني. بس هو ما كانش في نيته إنك تصالحني. أنا حاسة إنه السبب في موتك.

هزت راسها بقلة حيلة:

ـ لكن ما قدرتش أتهمه… لأن التشخيص بيقول موتك بسبب سكتة قلبية. ولو اتهمته هيقولوا فين الدليل. حتى سألت عن العربية… قالوا لي باظت.

تمسح دموعها:

ـ وبعدين ما كنتش شايفة قدامي وقتها. مش قادرة أستحمل الصدمة فيك. كل اللي كان عليا إني أقول لذكرى هاتولي الأولاد… علشان أنا خلاص بقيت أبوهم وأمهم.

تنهدت مطولًا:

ـ أنا نسيت ساعتها كل حاجة. قفلت عليا بابي أنا وهما… زي ما كنت ناوية أقفل بابي عليا أنا ونور وهاجر بس. سراج… حتى لو كنت أخدت الأولاد ما كانش هيبقى ليك مكان في حياتي. وكنت هعمل زي ما عملت… فضلت أشتغل من مطعم لمطعم.

بوجع:

ـ وأخدت الأولاد معايا في كل شغل. تعبت كتير. ومن مكان لمكان بقى معايا فلوس. وكان كل مرة خطاب يعرض عليا الجواز أقوله لا.

بحسرة:

ـ إنتَ ضيعت كل حاجة قبل ما تموت. كنت سيب لينا أي حاجة تنفع للزمن. بقيت بشتغل كتير علشان الأولاد ياكلوا ويشربوا ويلبسوا ويتعلموا.

ابتسمت:

ـ كل حاجة كان نفسهم فيها كان لازم تيجي. إنتَ بس اللي ما قدرتش أرجعك ليهم. كنت بفرح كتير وهما بيبتسموا.

ذرفت دموعها:

ـ بس برجع أزعل وأقول… ليه عملت فينا كده يا سراج؟

نهضت تمسح دموعها:

ـ إنتَ لو كنت مسافر كانوا هيعشوا على أمل إنك ترجع… ولو حتى كنت مسافر سنين عمرهم. بيبقى فيه أمل. بس أنا فهمتهم من يوم ما سألوا عنك إنك مت… علشان يعيشوا الواقع. خبيت كتير موضوع اسم الأم. وعارفة إن لو إنتَ عايش كنت هتكتبهم باسمي.

بحزم:

ـ بس ده كان هيبقى حرام. يعني أنا كان نفسي… بس مش هقدر. ما قدرش أغضب ربنا… لأنه هو اللي جبرني.

انتهى حوارها مع نفسها… أو الأدق مع سراج… بدلوف حليم باصص ليها باستغراب:

ـ لا مش معقول! أنا عمري ما شفتك هنا في الأوضة. حتى بحس إنك بتضايقي لما بدخلها.

بصدق:

ـ أنا بجي هنا لما بحس إني عايز أتكلم معاه… ومن غير ما حد يحس زيك… علشان بخاف تزعلي مني.

بحنو بالغ:

ـ وتفكري إني بفضل ذكرياته عليكي.

أشاحت وشه بحزن. أسرع قعد جنبها… ربت على كتفها:

ـ حقك عليا… ما قصدتش. أنا ما عادش هدخل هنا تاني يا ماما. بس ما تزعليش مني. أنا والله بحبك قوي… وبحبه هو كمان.

باعتراف:

ـ ده أبويا سبب وجودي… مهما كان عمل أبويا.

جحظت بعينيها وابتلعت ريقها:

ـ حليم… إنتَ ممكن تقول نفس الكلام ده عليها؟

عقد ما بين حاجبيه:

ـ أنا قلت إيه؟ قصدي إنه مهما عمل فهو أبويا. ومين دي اللي هقول عليها نفس الكلام؟ قصدك أمي؟

صوته ارتفع قدامها:

ـ لو ده إحساسي ما كنتش هتردد لحظة إني أقوله. أنا صريح جدًا… ومش بخاف. اتربيت على الصراحة منك. علشان كده قلت لكي أنا عايز الصراحة في كل حاجة. أنا لما دخلت الأوضة دي كنت عايز أقوله إنه سابنا في إيد ست أمينة.

بوضوح:

ـ ست عافرت لغاية ما وصلنا كلنا. أنا اتخلقت بدايتي على إيدك. حققتي لي كل اللي كنت عاوزه.

زم شفايفه باستهزاء:

ـ أنا لو كنت اتربيت على إيدها… يمكن عمري ما كنت فلحت.

اعتصر قلبه لبكائها. حط كفيه على وشه:

ـ إنتي اللي مهما عملتي هتفضلي أمي وتاج راسي. أوعى تشكي في ده في يوم من الأيام… ولو إيه حصل.

رفع كفيه يبص ليها:

ـ عمري ما أبدلك بأي واحدة تانية.

توقفت عن البكاء عند الجملة دي. بصت له بحب:

ـ حليم… اللي سمعته منك صح؟ قولي لي صح. إنتَ بالكلمة دي عطتني عمر جديد وحياة. إنتَ ابني بجد.

برجاء:

ـ وسامحني إني فهمتك غلط. أنا بس بخاف دايمًا أفقدكم… خصوصًا إنتَ. إنتَ يا حليم بالذات. بس مش معنى كده إني مش بخاف أفقد إخواتك. أنا بس عندي في قلبي لكل واحد فيكم مكان.

وضحت له:

ـ عارف إزاي؟ يعني إنتَ ممكن يكون مكانك محفور قوي… ومعزتك غالية قوي. عارف الكل بيبص علينا ويحسدنا وإحنا مترابطين.

بسخرية:

ـ مفكرين إني لازم أفرق بينكم. أنا ما قدرتش. سراج كان خايف مني… وقال إحنا لازم نرجع لبعض علشانكم… ومش هقدر عليكم لوحدي.

بثقة:

ـ بس لا… أنا قدرت. وإنتَ كمان لما كبرت ساعدتني كتير. فاكر؟ إنتَ كنت بتشتغل معايا وإنتَ في إعدادي.

ابتسم:

ـ أيوه فاكر.

افتكرت:

ـ كنت بتبقى راجع من المدرسة… تعمل كل اللي قلت لك عليه… وما تقولش لأ. إنتَ ريحتني كتير.

بابتسامة امتنان:

ـ ولسه مريحني. نفسي بس ضحكتك ترجع زي الأول.

اتسعت ابتسامته:

ـ حاضر يا ستي. أنا هضحك علشانك بس. تصدقي… وحشني جدي اليوناني.

ضحكتها علت:

ـ كده إنتَ رجعت تضحك تاني… وتضحكني معاك.

بلهجة آمرة مرحة:

ـ عايزاك تفضل مبسوط على طول. إنتَ تستحق تبقى مبسوط. هناخد من الدنيا؟ كلنا هنموت. إنتَ فاكر الجملة دي؟ إنتَ علمتهالي.

ضحكة حليم علت… وما قدرش يتكلم… لأنها أهلكته من الضحك. لقاها باصصة له بخبث:

ـ وبعدين تعالى هنا… إيه حكاية إنك مش عايز تتجوز وئام؟ دي ربنا بيحبها إنها هتتجوزك. وأنا نفسي أشوفك عريس. قولي لي بقى… وئام ست قوية ولا ضعيفة؟

عبرت عن رأيها:

ـ أنا مش بحب الاتنين.

تمنت:

ـ مش عايزاها لا قوية قوي ولا ضعيفة قوي. خايفة عليك… وإنتَ ممكن تتعصب. بس حاسة إن ويمي شبهك.

فضل صامت وشارد فيها وهي بتتكلم. ضربته على ركبته:

ـ يلا يا باير… روح اخطبها بكرة… وغير في النسل. وئام سمراء النيل… مش عايزة بحر العسل المصفي. فاهم؟

ما قدرش يسيطر على نفسه من الضحك:

ـ ماشي يا ثريا. أنا هعمل اللي إنتي عايزاه. أنا تحت أمرك. وبصراحة أنا بحب النوع الضعيف… بس مش لدرجة الهبل.

لوى شفايفه:

ـ عمومًا الضعيفة بتستقوى بعد الجواز… بس أحسن ما تكون مستقوية وترجع تستقوى أكتر… وأقتلها على إيدي.

ابتسمت:

ـ لا يا حبيبي… تفكيرك غلط. أبوك اختارني علشان شافني قوية.

بشرود:

ـ حتى رجعلي لأنه عرف إني قوية وهقدر. وأنا حاولت أظهر له ضعفي… ما بقاش يقتنع. يلا… أهي القوة دي نفعت بعدين.

ابتسم:

ـ أحلى قوة.

راحت أوضتها. هو خد هاتفه… لقاها ما ردتوش… بل وبتقفل الخط. راسلها:

ـ وحشتيني.

ردت بارتباك:

ـ ما عادش ينفع تكلمني في وقت متأخر.

بخبث:

ـ ليه؟

برياء:

ـ لأني مخطوبة.

ابتسم بخبث:

ـ لا ما هو قدري جه خطب هاجر.

هاتفها. ابتسم ورد. الغضب تعالى عندها:

ـ يعني إنتَ عارف إني كنت بكدب عليك… وبتتصل تتمسخر عليا؟

تنهد بعشق جارف:

ـ بتصل أقولك إني لازم أقابلك قريب ونتكلم… وأعتذر عن اللي عملته معاكي. أسف يا ويمي يا حبيبتي.

ما ردتوش… وقفلت التليفون. رغم إنها حست بسعادة طفيفة… إلا إنها خافت من تقلبه المزاجي بعد انجراف مشاعرها معاه.

في الصباح كانت قاعدة بتفطر. نور هبط وتناول معاها بخبث:

ـ هو حليم بات فين امبارح؟

ابتسمت:

ـ طلع ينام فوق السطوح. أصل الهوا فوق بيرد الروح. وبعدين ما تسيبه في حاله.

زفر بحنق:

ـ ما تلفيش عليا يا ثريا. هروح أجيبه من السطح يعني؟ وبعدين إيه أسيبه دي؟

تنهد:

ـ أنا ميهداش لي جفن إلا لما يكون جنبي على السرير التاني.

ضحكت:

ـ يا نور أنا فهمتك كويس. معلش بقى… أخوك وإنتَ عارف كويس إنه بيحب يبات في أوضة الذكريات. فسيبه على راحته.

تنهد:

ـ ما قدرش أسيبه. إحنا عاملين زي التؤام. إنتي تعرفي إن نفسه في الأوضة حياة بالنسبة ليا.

زفر:

ـ بس مسيره أنا وهو نتجوز… وكل واحد فينا يبقى له أوضة.

بص لفوق بيأس:

ـ حليم مش هتفرق معاه زيي. بدليل إن برجع متأخر بلاقيه نايم… ما شاء الله ولا على باله.

استنى لحد ما يهبط… بس اتأخر. نهض وراح المطعم لوحده. أثناء دلوفها للمطعم… لقاها قاعدة على ترابيزة مع شاب. باين له الأمر إنه فعلًا جدي… وإنها هتتخطب له. توجه ليهم يعمل دور النادل:

ـ تحت أمركم.

جحظت بعينيها وابتلعت ريقها:

ـ لا شكرًا… إحنا طلبنا.

الضيف بص له:

ـ مش إنتَ نور ابن الشيف ثريا؟ إنتَ مش فاكرني؟ أنا جاسر أخو حنان في الرضاعة… ابن جارتهم سناء. وحشتني يا نور.

ضحكة نور علت… خصوصًا لما حنان لعنت جاسر:

ـ الله يحرقك… بوظت الدنيا!

ابتسم بخبث:

ـ معلش… ما أخدتش بالي. افتكرتك خطيب حنان.

أدلت شفايفها لتحت. جاسر بص ليها:

ـ الله! مش إنتي قلتي إنك اتخطبتي لنور؟

نهضت وأمسكت معطفها:

ـ حسبي الله… حنان هتهج بسببكم. أوعوا من وشي.

رحلت. نور ضحكاته علت… وجاسر مش فاهم حاجة.

في المطعم… حليم جالهم متأخر. نور هتف بضيق:

ـ إيه يا أخويا؟ ناموسيتك كحلي. فيه شحنة لازم نستلمها. إيه… هتلغيها هي كمان؟ بس المرة دي تقول لي السبب بصراحة.

عبس:

ـ مالك يا نور متعصب ليه؟ هو أنا لغيت شحنة من غير سبب؟ لا طبعًا… وعمري ما هخبي حاجة زي دي عنك.

زفر:

ـ لا بجد زعلتني. أنا بس صحيت متأخر وجيت براحتي… ورايق أهو زي ما بتحبوا تشوفوني. ولا عايزين واحد تاني بقى ما بيضحكش؟ ده أنا نفسي ما كنتش مرتاح لمنظري الفترة الأخيرة.

عاتب نفسه:

ـ حتى ماما ثريا كانت بتزعل علشاني.

وضح له:

ـ يا ابني أنا بحاول أخرج من اللي أنا فيه وبتعلم منك… تقوم تكسر بخاطري؟ والنهارده بالذات؟ ولا إنتَ مش واخد بالك واللي حصل نساك؟ تموت في العكننة أقسم بالله… إنتَ وميارا. أقسم بالله الواد زياد خسارة فيها… بنت قوية ومستقوية.

لوى شفايفه:

ـ تلاقيها بتكسر بخاطره هي كمان بسبب تفكيرها في الماضي… اللي هو أبوه جزء منه. أنا بدأت أنسى… وأتخيل إن كل اللي حصل ده ما حصلش.

يعاتبه:

ـ يبقى إنتَ بنكدك ده تفكرني؟ أنا عايز أنسى الوجع كله بعد ما كنت عايز أنبش فيه.

بحب:

ـ لأن ماما ثريا عايزة حد ينسيها ويقويها… وأنا هبقى الحد ده. عمري ما هخليها تشحت ضحكة حد.

ـ هي مش هاينة عليا ولا إنتوا كمان. إنتوا حياتي اللي فخور بيها. مش عايز حد فيكم يزعل بسببي.

حط إيده على صدره بندم:

ـ إنتَ عارف يا نور إن أنا كنت مصدر زعلكم الفترة اللي فاتت. كل الزعل كان بسببي. أنا لازم أصلح غلطي معاكم.

بحب:

ـ أيوه غلطي.

ابتسم:

ـ كان لازم ساعتها أقول… وإيه يعني لما يبقى اسمي بأم تانية؟ وأقول مش عايز أعرف هي مين.

بلا مبالاة:

ـ وفيها إيه؟ ما كتير ممكن يتعرض للموقف ده. أنا يعني هنقي قدري على مزاجي؟ يا نور أنا غلطت.

بحب:

ـ وعارف إن إنتَ بتتعصب عليا كعقاب.

ـ ليه بقى بعد ما بدأت أصلح كل ده إنتَ زعلان مني؟ اللي ببدأ أعمله إني همسح الماضي.

حط إيده في إيد نور:

ـ وإنتَ هتساعدني يا نور. أنا عايز أريحكم. الزعل وحش قوي. سامحني يا نور أرجوك… وكل سنة وإنتَ طيب.

نور جحظ بعينيه وبص لهاتفه… لقى إن النهارده يوم ميلاده. انتفض واحتضنه:

ـ وإنتَ طيب. إنتَ اللي المفروض تسامحني. على طول بفتكر وإنتَ بتنسى… المرة دي العكس.

ابتسم:

ـ إنتَ فعلًا بتتغير. فين أيام ما كنت بجبلك هدية وإنتَ مش بتعبرني؟

ابتسم:

ـ حقك. أنا هجبلك هدية السنة دي عروسة بتنور في الضلمة… علشان ما تبقاش تخاف تنام لوحدك.

ضحكة نور علت:

ـ إنتَ مصيبة. أنا فعلًا بخاف أنام لوحدي.

رفع كتافه بقلة حيلة:

ـ بس أعمل إيه في واحد غتت بيحب ينام مع الذكريات؟ لو عليا مش عايزك تتجوز إنتَ كمان.

ـ بس لازم تتجوز… علشان ماما ثريا تفرح يا أخويا.

بمرح:

ـ عارف لو ما سميتش أول عيل سواء ولد أو بنت نور… هعمل فيك إيه؟ علشان أنا عمهم وليَّ حق عليهم. هكسر أي لعبة تجيبها ليهم. ولو مراتك رفضت… أنا هروح أسجله. أول طفل ده بتاعي. بعد كده إن شاء الله تسموهم عتمة عادي.

أكد:

ـ حتى هاجر نخليها تعمل كده… وميارا كمان. بس لا… ميارا أبوك قال لها تسمي سراج. ليه كده يا حاج سراج؟ أنا كنت هخلي كل العيلة نور.

ضحكة حليم علت. نور بمرح:

ـ اسمع كلامي يا ولد… أنا أخوك الكبير. إنتَ أصغر مني بأربعين يوم. إنتَ هتقعد تضحك كده كتير؟ يلا يا أخويا نلم أصحابنا ونحتفل. كنت قلت لزياد وقدري… بس قدري حياته كلها في العيادة.

بسخرية:

ـ ما بيعرفش ياخد أجازة. وشكله مش هيعرف يخرج أختك. دايمًا مشغول. بعد الجواز هتيجي هاجر تلزق عندنا. علشان كده أنا واجهته وقلت له يتجوز عندنا.

بارتياح:

ـ وفعلًا غير قراره واقتنع يبقى معانا. مش فاضل غير ميارا.

بحنق:

ـ آه لو تبطل عند. كل ما أفتح الموضوع معاها تقول لي لأ. إنتَ كلمها يا حليم. عرفها إنها لازم تكون معانا يا حليم… علشان خاطري. خليها ترجع عن قرارها أرجوك. لو على خوفها طمنها. إنتَ أخوها. شوف إنتَ رجعت تضحك إزاي… ورجعلها ضحكتها بنفس الطريقة.

شرد:

ـ مش عارف ليه ماما ثريا مطنشاها؟ ساعات بفكر علشان هي مش بنتها. ألاقيها بتعمل كده مع هاجر. بس هي نفسها بتقول لي ميارا محتاجة اهتمام أكتر وتركيز… لأنها حساسة زيادة عن اللزوم. كانت وإحنا صغيرين خزان أحزان. زياد جه النهارده الصبح يصبح عليها… لوت بوزها في وشه.

بسخرية:

ـ وتقولي زياد معكنن عليا! دي فظيعة. محدش فيهم طلع لثريا. والله أنا نفسي أتجوز واحدة زيها.

حليم بخبث:

ـ عندك حق. بس هي بقى عايزانا نتجوز سمراء النيل… وأنا مش مقتنع.

نور بص بسرعة لشكله في المراية:

ـ الجمال ده يتجوز سمراء النيل؟ خلينا نعنس أحسن. أنا هخلع.

ضحكة حليم علت:

ـ يا ابني سمراء مش سوداء… وربنا دول عسليات.

نور فضل باصص للمراية ببلاهة. حليم انفجر من الضحك:

ـ يخرب عقلك… إنتَ هتتجنن؟

هز أكتافه:

ـ لا أنا اتجننت خلاص. ده أنا شعري أصفر… على كده هخلف عيال إيه؟ رمادي.

داعب خصلات شعره بمرح:

ـ أما أمرن نفسي على سمراء النيل من دلوقتي… وأصبغ شعري أسود.

ضحك:

ـ آه يا ريت. إنتَ الوحيد فينا اللي شعره أصفر. أنا بصراحة بنفسن منك.

ضحكة نور علت:

ـ إلا شعري ده كله شعر ثريا. هو فيه في جماله؟ مفيش حد أخد حلاوة ثريا غيري. إنتَ غيران مني.

ضحكة حليم علت:

ـ أيوووووه… الله! ما هي مامتي برضه. إنتَ عايزاها لوحدك… بس أنا مش هديك الفرصة.

نور ضربه على كتافه بغضب مصطنع:

ـ لا دي بتاعتي لوحدي. إنتَ هتشقط المزة مني.

انفجرت ضحكات حليم… ما عادش يقدر يسيطر على حاله:

ـ ياااه… هي وصلت للشقط! آه هشقطها… ما تدخلش ما بينا إلهي يسترك.

نور كمان ما تمالكش نفسه من الضحك:

ـ إن شاء الله… أيوه يا أخويا ادعي لي بالستر دايمًا. أهم حاجة سترة الواحد.

لطم على خديه بخفة:

ـ وبعدين أنا لو اتفضحت في مرة هجرك معايا. أينعم محدش هيصدق لأن وشك نكد… بس برضه هتلبس معايا.

بعد ما خلصت وصلة الضحك… حليم التقط أنفاسه:

ـ ماليش في الليالي بتاعتك. نور كفاية بقى… وتفضل تبيع كلام للبنات… وفي اللحظة الأخيرة بتهرب.

يحثه:

ـ لو تحط بس واحدة من إخواتك مكان البنات دي… ما كنتش هتعمل كده.

عبس. حليم ربت على كتافه:

ـ وإنتَ مش محتاج أصلًا تضحك عليهم. هتستفاد إيه؟

هز راسه متفهم:

ـ ماشي يا حليم. أوعدك مش هرجع للموضوع العيالي ده تاني.

ابتسم:

ـ خد بالك كمان… أي حركة منك فيها إساءة سمعة لينا… وإنتَ ما يرضيكش اللي عملته ثريا يتهد في ثانية.

نور ربت على إيده يطمئنه:

ـ ما يرضنيش طبعًا. ده كان طيش شباب وراح لحاله.

في اللحظة دي زياد دلّف مبتسم… وشايل في إيده باقة زهور:

ـ أنا جايب ورد مخصوص علشان أقولكم كل سنة وإنتوا طيبين.

ضحك حليم:

ـ تعالى يا جوز أختي.

لوى شفايفه:

ـ دي لوت بوزها في وشي النهارده الصبح… رغم إني كنت جاي أقولها كل سنة وهي طيبة.

حليم بسخرية:

ـ مش كنت تاخد ليها الورد ده أحسن؟ يمكن كانت فهمت… أو يمكن لقت الزيارة عادية فقامت قلبت وشها.

تنهد بتعب:

ـ يا ترى يا ميارا إنتي كمان هتبطلي نكد إمتى؟ إنتَ مش عارف تضحك عليها بكلمتين؟

زفر زياد:

ـ كل ما أكلمها هما تلاتة أيام… وترجع ريما لعادتها القديمة.

حليم بخبث:

ـ أنا عندي الحل… وأوعدك هما تلاتة أيام وهتبقي زي الساعة.

تلهف:

ـ الحقني بيه.

حليم بص لنور وغمز له:

ـ هقولك… تتجاهلها تمامًا وتسهر معانا أنا ونور… ونخربها الليلة.

كاد زياد يرفض… لولا إن حليم سحبه من إيده. ضحكة نور علت من خلفهم وهو بيتبعهم… لحد ما ثريا استوقفته باصصة له بخبث. ابتسم:

ـ بقى كده يا ثريا! إنتي ما قولتيش لي كل سنة وإنتَ طيب ليه؟ دي أهم حاجة بالنسبة ليا. هو يعني علشان أنا أكبر من إخواتي بأربعين يوم تقوليها لي يومها والنهارده لأ؟

سلط ودنيه بمرح ناحية شفايفها:

ـ أنا عايز أسمعها منك دايمًا. بس بجد بشكرك… علشان رجعتي حليم زي الأول. أنا مبسوط بيه قوي… هو نفسه مبسوط من نفسه.

انفجر بسعادة:

ـ مبسوط إنه بقى كويس… علشان هو أخ عظيم. كده لو رجعت أمه أعتقد مفيش مكان للخوف.

ـ علشان خاطري أوعى تسعي إنها ترجع تاني. سيبيه يفرح… بلاش يشوفها. وأنا كمان مش حابب أشوفها. كفاية اللي عملته زمان في الكل. وخدي بالك من خطاب يا ماما… هو ممكن يكون عارف مكانها.

بضيق:

ـ وإنتي بعد كل اللي عمله مشغلاه معاكي. بس خلاص زياد كبر ويقدر يمسك مكانه.

ـ هو كان عايز يسيب المطعم من فترة… سيبيه يمشي. وبعدين يا ستي نديه فلوس زي المعاش.

ثريا شافت في رأي نور الصواب. ابتسمت:

ـ اللي تشوفوه… بس مش أنا اللي هقول له ماشي؟ دي مهمتك.

ابتسم بثقة:

ـ طبعًا. قولي لي… قدري عارف إن النهارده عيد ميلاد هاجر؟

بحنق:

ـ عارف إن هاجر مش فارق معاها… بس برضه لازم قدري على الأقل يتصل بيها.

ثريا بخبث:

ـ قدري جه أخد هاجر وميارا… وهيحصلكم على مكان السهرة. قولي لحليم سلم على الشهداء اللي معاك.

ضحكة نور علت على تخطيط والدته الخبيث في سبيل إشعال نار الغيرة عند ميارا على زياد.

ثريا قعدت بعد خروج نور… باصصة لآخر صورة التقطتها مع أولادها… واللي نشرتها في المجلات لجلب زوجة سراج التانية (ولاء). أرجعت ضهرها لتحت… وافتكرت لما حست بالتعب وروحت للدكتور… عمل ليها التحاليل وأخبرها بحملها… والخبر الأسعد إنها حامل في توأم. تطايرت من السعادة… وتناست أمرها فين… وأخذت تهتف:

**(فلاش باك)**

ـ الحمد لله… أحمدك وأشكر فضلك يا رب. أنا كنت عارفة إنك هتجبر بخاطري… وفي الوقت ده بالذات. أنا عايشة لوحدي من يوم جوازه.

بحزن:

ـ بيجي… مش بيبات عندي. شكرًا يا رب. يا رب ديمها عليا نعمة. إنتَ كريم قوي يا ربنا. يا رب فرح قلبي وخليه يرجع يقعد معايا.

وبالفعل هاتفته أول ما طلعت من المستشفى. جالها من القاهرة على مضض. استقبلته بالحضن… فنفر منها:

ـ إنتي مش عارفة إني مشغول يا ثريا؟ إنتي ليه جيباني على ملى وشي؟

حزنت… بس التمست له العذر:

ـ سراج… إنتَ وحشتني. ليه مش بتيجي تتطمن عليا؟ وليه بتقول جيباني على ملى وشك؟

أشارت للبيت:

ـ مش ده بيتك وإنتَ بترتاح فيه؟ وأنا كزوجة ليَّ حقوق عليك.

ابتسم بسخرية:

ـ إيه يا ثريا؟ يعني عايزاني علشان حقوقك؟ هو ده اللي جيباني علشانه؟ أنا مشغول والشغل فوق راسي كله.

هنا قررت ثريا تخفي عنه خبر حملها. قالت له إنها هتسافر لليونان… وإنها جابته لأنها هتفتقده كتير. رد بجفاء:

ـ هتوحشيني يا ثريا… تروحي وترجعي بالسلامة.

ابتلعت مرارة ريقها:

ـ إنتَ كمان يا سراج.

بص لساعته بيفتقدها بتوتر:

ـ معلش يا ثريا… اعذريني. أنا عندي ميعاد في القاهرة بالليل.

كادت تسيبه… بس حاجة في قلبها حثتها تسأله عن الموعد ده وتفاصيله… أو بالأحرى عايزة تعرف هل مراته التانية حامل ولا لأ. سألته بتوجس:

ـ إنتَ عندك ميعاد مع مين؟ هو مش إنتَ بقى شغلك لوحدك يا سراج؟ إنتَ شاركت حد تاني؟ إنتَ وقفت شغل مع خطاب.

استطردت:

ـ وهو اللي طلب كده؟ هو اشمعني بعد ما إنتَ اتجوزت؟ أنا سمعت من ذكرى.

استوقفها بإيده:

ـ بس يا ثريا. المفروض إن أنا وهو كنا فضينا الشراكة من زمان. ولا ما كنتيش عايزاني أفوق وأستقل بنفسي؟

هزت راسها تنفي اعتقاده:

ـ لا بالعكس.

ابتسم بسخرية:

ـ إيه؟ هو اشتكى لمراته زي العيال؟ ولا اشتكى لكي وإنتي بتلزقيها لذكرى؟

اتصدمت من اتهامه. ردت بحزن:

ـ هو أنا عمري كدبت عليك؟ أنا دايمًا بقول الحقيقة.

زفر بحنق:

ـ ماشي.

بص تاني لساعته:

ـ أشوفك على خير يا ثريا. خلي بالك من نفسك يا حبيبتي.

لأول مرة في حياتها معاه حست بكلمة «حبيبتي» كأنها كلمة بتنطق بشكل تقليدي. اهتزت وردت:

ـ حاضر يا سراج.

توجه ناحية الباب. قطب جبينه على برودها وعدم ترجيها له يودعها قبل السفر. عاود ليها:

ـ إنتي هتسافري إمتى؟ وكل أوراقك جاهزة ولا محتاجة مساعدة؟

كانت عايزة تصرخ وتبوح بكل اللي عندها… بس كتمت مشاعرها:

ـ لو في حاجة هتصل عليك. بس ما تقولش جبتني على ملى وشك. أنا بتصل فعلًا لما بكون محتاجة ليك.

استوقفته:

ـ سراج… أنا احتمال أطول في سفري. لما تحتاجني أرجع… اتصل إنتَ.

ما يعرفش… أيحزن لبعدها ولا ده كويس عشان يلتزم بحياته الأسرية الجديدة؟ بس قال ليها بكل ثقة:

ـ أنا عارف إنك مش هتقدري تبعدي كتير… ولا إيه؟

ابتسمت بسخرية:

ـ عمري ما كنت عايزة أبعد زي دلوقتي.

حدق في وشه… وحس إنها هتبعد فعلًا. ابتلع ريقه:

ـ هتبعدي علشان أنا اتجوزت. إنتي ليه بتعملي كده؟ كل ده علشان نفسي في حتة عيل؟

همست بخيبة أمل:

ـ كده أنا عرفت.

هتف بغضب:

ـ من وقت ما اتجوزت وأنا هناك معاها… وجالك إحساس إني هسيبك؟

ردت بأضعاف غضبه:

ـ إنتَ شايف عندي الإحساس ده… ليه سايبني؟

زفر بحنق:

ـ معلش… مش هينفع أكون معاكي الفترة الجاية. مفيش عندي حل غير ده. ولا أقدر أتشحطط بينك وبينها.

فكرت في أضيق الحلول عشان ما تقطعش معاه نهائيًا:

ـ طب ممكن تجيبها تقعد معانا ونفضل هنا… مش تخليني لوحدي؟

ارتبك:

ـ وهو إنتي فاضية أساسًا يا ثريا؟ وبعدين ما نفعش في الأول… هينفع دلوقتي؟ بس هقول ليها… رغم إني عارف إنها هترفض.

وبعد مرور شهور الحمل… وهروب والدة حليم وميارا… رجع سراج للبيت اللي عمل فيه أحزان ثريا. اندهش من وجودها… لأنه طول الشهور دي ما حادثهاش. بعد عرضه… لفظت له كلمة ألجمته:

ـ بكرهك.

حدق في وشه مطولًا. ما استوعبش وصول الحال بيها للدرجة دي. ردد:

ـ إنتي بتحبيني يا ثريا. إنتي بتقولي كده من زعلك مني.

هزت راسها بالسلب:

ـ لا يا سراج… أنا فعلًا بكرهك. وأنا عايزة أتطلق. أنا عايزة أربي أولادي وحدي.

ذهل:

ـ لا يا ثريا. أنا عايز نربيهم سوا. كفاية إني طلعت قاسي… مش هتبقي إنتي كمان. إحنا ننسى اللي فات… ونعيش نربي أولادنا.

يوعدها:

ـ وأنا والله ما هدور عليها. أنا يكفيني إنتي والأولاد. إنتي أكتر واحدة هتقدري تربيهم… وأكتر واحدة هتفهمي يعني إيه أم.

بصت له بلوم وعتاب:

ـ إنتَ بتعايرني؟ هو مش ربنا جبرني خلاص؟

تنهد:

ـ لا يا ثريا. أنا بس عارف قد إيه إنتي كنت مستنية حاجة زي دي. علشان كده إنتي أكتر واحدة هتقدري الموقف اللي هما فيه.

بتعب:

ـ كمان أنا حاسس إني تعبان… ومش هتطمن إلا لو أخدتيهم.

زفرت:

ـ تمام… موافقة. بس بشرط نتطلق.

برجاء:

ـ لا أرجوكي. أنا هبقى معاكم بس مظهر مش أكتر. ريحي قلبي يا ثريا… وإنتي مش هيرضيكي تعبي ومرمطتي.

بيأس:

ـ إنتي عارفة بقيت على الحديدة… ومش معايا قرش.

هزت راسها برفض:

ـ لا يا سراج… هما بس اللي يحتاجوا الفلوس.

اندهش لجبروتها:

ـ ثريا… لو على الفلوس نشتغل… بس خلينا مع بعض.

نفخت بضيق:

ـ اشتغل بس بعيد عني… والأولاد هتعاملهم أحسن معاملة.

هز راسه باستسلام:

ـ عمومًا أنا هروح أخلص اللي ورايا في القاهرة… وأعمل بنصيحة خطاب وهسيبك دلوقتي. والأولاد عنده… جايز أرجع ألاقيهم عندك.

بقلة حيلة:

ـ ولو ما حصلش… هحاول معاكي لآخر نفس.

سابها ورحل… ليكون ده اللقاء الأخير بينهم.

**(عودة)**

أتاها اتصال من غير رقم. ردت بنبرة صوت جميلة… خلت الطرف التاني يثور غيظًا:

ـ سي سينيور… أو سينيوريتا.

الست التانية جزت على سنانها:

ـ إنتي لسه بترطمي يوناني يا ثريا؟

قطبت جبينها:

ـ مين معايا؟

ضحكة خليعة:

ـ أنا ولاء… ضرتك يا ثريا. إيه… نسيتيني يا يونانية؟

اتسعت حدقة عيني ثريا… وبصت قدامها. افتكرت كل حاجة من جديد. النيران اندلعت في صدرها. إزاي وصلت لرقم هاتفها الخاص؟ وليها ظهرت من جديد… في اليوم ده بالذات… عيد ميلادهم؟!

تعليقات



<>