
تنفست "وسام" الصعداء وهي تغلق باب الغرفة الصغيرة فوق السطوح بعنف، وكاتمت أنفاسها المرتجفة بيديها، بينما الدموع تنحدر على وجنتيها بغزارة. لقد فشلت في خطتها الجريئة؛ كادت أن تضم ابنتها "ليان" إلى صدرها لو لم يتدخل ذلك الحدس المرعب لمروان في اللحظة الأخيرة. أسندت ظهرها إلى الباب الجداري البارد وجلست على الأرض منهارة، تحدث نفسها بحرقة:
"كنتُ على بعد خطوة واحدة منها... يا رب، إلى متى سيظل الخوف يطاردني هكذا؟!"
في تلك الأثناء، كان قصر عائلة التهامي يشتعل بنيران الغضب العارم. كان "مروان" يكسر كل ما تطاله يداه في صالون القصر الكبير، وعروق وجهه بارزة من شدة الغيظ والتوتر. وقف أمام والدته "خيريه هانم" بصوت يملؤه الوعيد:
"لقد تجرأت وظهرت في وسط حفلنا! هذا يثبت أنها لا تهاب شيئاً، ولن تستسلم حتى تدمرنا."
نظرت إليه خيريه هانم بنظرات حادة مليئة بالسم، وقالت بنبرة أمر صارمة:
"ألم أقل لك من البداية؟ وسام لم تعد تلك الزوجة الوديعة؛ إنها تحمل سلاحاً مدمراً في رأسها، وإن لم نتخلص منها سريعاً، فسنكون جميعاً في قاع السجن أو على مفرق الهاوية. هل اتصلت بصفية لتنفذ ما طلبتُه؟"
أجابها مروان بتردد وغضب، محاولاً مقاومة شيطانية الخطة:
"أمي... القتل ليس حلاً، أنا أريـد ابنتي والأوراق فقط!"وانا احب وسام لا اقدر علي ازيتها انها من امتلك قلبي وعوضتني عن قسوتك الا تتذكرين ماذا كنتي تفعلي بي
وانا صغير
تذكرت وهو طفل كانت تحبسه بالغرفه مظلمه وكان يبكي ويصرخ امي لا تتركيني.
اخاف من الظلام
نظر اليها نظره دامعه كنتي تقولين لي انت معاقب وتتركيني للخوف والوحده تتذكرين ياامي انت لم تكوني اما ككل الامهات كنتي قاسيه لدرجه اني طلعت مثلك كنت اعاقبها كما كنتي تعاقبيني
كنت وغدا معاها وان لها الهروب واخذت الاوراق سلاح ضدى
عرفتي ياامي ايه اللي عملتيه
انتي ضيعتيني من زمان
والان انا ضايع بضياع زوجتي وام ابنتي
اياك..... اياك..... ان تؤذيها باي شكل من الاشكال
لكن يا ابني هتدمرنا مسح اطراف عينه وقال هلاقيها وهحبسها تاني زي ماكنت بعمل حتي تنسي اي شئ تريد ان تفعله
قاطعتْه خيريه بقسوة بالغة:
"الأوراق إن وصلت لمباحث الأموال العامة ستنهي إمبراطورية التهامي التي بنيناها طوال عمرنا! لا وقت للعاطفة يا مروان."
انا قلت اوامري واياك ان تفعلي شئ لااريده ""
وفي مكان آخر بالمدينة، بعيداً عن صخب قصر التهامي وأجواء الرعب التي تعيشها وسام، كانت "سرين" شقيقة مروان تجلس في غرفتها بالفندق تفكر فيما جرى. لم تكن تفكر في هروب وسام ولا في فوضى الحفل، بل كانت عقلها منشغلاً بتلك النظرة الخاطفة التي تبادلتها مع ذلك الطبيب الوسيم والمغرور الذي أسر الأنظار في الحفل.
كان الدكتور "أدهم المنيوي" - جراح التجميل النابغة الذي أذهل الحاضرين بقدرته الفائقة وابتكاراته المعجزة في إعادة هندسة الوجوه وتغيير ملامحها تماماً لإخفاء التشوهات - شخصية غامضة وجذابة. شعرت سرين بفضول قاتل نحوه، متساءلة عما إذا كانت ستراه مجدداً أم أن تلك النظرة العابرة ستتبخر في الهواء.
أما في الغرفه العلويه البسيطه، فقد قضت وسام ليلتها مقطوعة الأنفاس حتى أشرق صباح اليوم التالي. كان عقلها يعمل بألف طاقة؛ فهي تعلم أن مروان لن يقف مكتوف الأيدي بعد ظهورها الجريء في الحفل. وفجأة، رن هاتفها المحمول برعشة خفيفة؛ كان المتصل أخيها "عثمان".
رفعت الهاتف بلهفة وخوف سائلتاً بصوت منقبض:
"عثمان! هل حدث مكروه؟ هل عرفوا مكاني؟"
جاء صوت عثمان متقطعاً ومحملاً بأنفاس متسارعة، ليحمل لها النبأ الأثقل وزناً:
"يا وسام... اسمعيني جيداً ولا تنصدمي؛ لقد سمعتُ بعض رجال مروان في السوق يتحدثون، ويبدو أنهم وجدوا طرف خيط يؤدي إلى المزرعة القديمة التي اختبأتِ فيها أول مرة، وهناك وجدوا شيئاً خاصاً بكِ... وجدوا شيئاً سيكشف تحركاتكِ القادمة كلها!"
شعر قلب وسام وكأن توقف عن النبض للحظات. سألت بصوت مخنوق:
"ماذا... ماذا وجدوا يا عثمان؟!"
أجابها بصوت جاد ومحذر:
"وجدوا... اللعبة التي تركتها لابنتكِ ليان، ومعها دليل صغير ألقيتِه دون أن تعلمي، وهم الآن يضيقون الخناق حول الدائرة التي تحيط بنا... يجب أن نتحرك فوراً قبل فوات الأوان!"
فُزعت وسام من مكانها، وأدركت أن الخناق يضيق أكثر فأكثر، وأن البقاء في هذا المكان أصبح مجازفة مميتة. لكن وسط هذا الرعب كله، تبلورت في عقلها فكرة مجنونة وخطيرة جداً... فكرة قد تضعها وجهاً لوجه أمام عرين الأسد بطريقة لم يتوقعها أحد!
يتبع