رواية امرأة علي صفيح ساخن الفصل الرابع4 بقلم ملكة الروايات والحكايات ساحرة القلوب

رواية امرأة علي صفيح ساخن الفصل الرابع4 بقلم ملكة الروايات والحكايات ساحرة القلوب
الفصل الرابع: 
​بينما كان أدهم الراوي غارقاً في همومه وصراعاته الداخلية حول حمايته لعشق، وتلك النيران الدفينة التي يوقظها السر الذي يحاول جاهداً الهروب حتى من تذكره، كانت عاصفة أخرى توشك على ضرب جدران عائلته من البوابة التجارية الكبرى.

​ترجلت روز، شقيقة أدهم، من سيارتها الفارهة بخطوات واثقة ومتعجرفة، متجهة نحو قصر أدهم مباشرة دون موعد مسبق. كانت روز تحمل في عينيها طموحاً جامحاً وبريقاً من الجشع للسيطرة؛ فقد أمضت السنوات الأخيرة ترقب من بعيد، وتتمنى اللحظة التي تتربع فيها على عرش "مجموعة شركات الراوي" كرئيسة لمجلس الإدارة، مستغلة غياب أخيها المتكرر وابتعاده عن إدارة التفاصيل اليومية للشركات. 
​فتحت لها الدادة هنية الباب بملامح يكسوها التوجس والخوف، وما إن دخلت روز القصر حتى بدأت تتجول بنظراتها الفاحصة، لتقول بحدة لا تخلو من الاستخفاف:
​"أين أدهم يا دادة؟ الشركة تموج بالمشاكل، وصفقات السوق المعلقة تصرخ، وهو هارب هنا يعزل نفسه عن العالم! إلى متى سيظل غائباً هكذا؟"
​قبل أن تجيبها الدادة هنية، ظهر أدهم من رواق الطابق العلوي، بملامحه الصخرية المعتادة، لكن عينيه كانتا تحكيان قصة إنسان ينهشه الإرهاق. نظر إلى أخته نظرة باردة وقال بصوت عميق:

​"منذ متى وأنتِ تقتحمي بيتي هكذا يا روز؟"
​تقدمت منه روز بخطوات سريعة، وقد بدت على وجهها علامات الغضب والانفعال، وقالت بصوت حاد:
​"اقتحمه؟! يا أدهم، الشركة تضيع من بين أيدينا! أنت غائب عن الواجهة تماماً، وكيان الشركة يهتز يوماً بعد يوم بسبب إهمالك المستمر وترددك! مخاوف انهيار الإمبراطورية أصبحت حقيقة، وكل هذا لأنك عاجز عن التركيز. بصفتي أختك ونائبتك، أطالب برئاسة مجلس الإدارة فوراً لإنقاذ ما يمكن إنقاذه قبل أن يضيع كل شيء!"

​توقف أدهم مكانـه، وابتسم ابتسامة ساخرة وباردة، تلك الابتسامة التي تنبئ عن بركان مكتوم. لقد كان كيانه بالفعل مهتزاً، ليس بسبب خسائر الشركة المادية كما توهمت روز، بل بسبب ذلك السر الأسود المدفون في قاع روحه، السر الذي يرفض حتى أن يتذكره أو يسمح لأحد بالاقتراب من دائرته المحرمة، والذي كان ينهش عقله وقلبه بصمت.
​قالت روز وهي تلاحظ شروده المفاجئ ونظراته الزائغة لثوانٍ معدودة:
​"أدهم... هل تستمع إليّ؟! ما الذي يشغلك عن إمبراطوريتنا؟ هل ما زلت عابداً لتلك الأسرار والماضي اللعين الذي..."
​قاطعها أدهم بصوت هادر اهتزت له جنبات القصر، وقد اشتعلت عيناه بشرر الغضب:

​"إياكِ يا روز أن تتجاوزي حدودكِ أو تفتحي سيرة لا تَعينها! كرسي الرئاسة الذي تلهثين خلفه لن يكون ملكاً لكِ، وما يدور في رأسي أو في هذه الشركة أكبر بكثير من طمعكِ الأعمى!"
​ارتجفت روز من حدة نبرته وقسوة عينيه، لكن الطمع والجشع في قلبها لم يهدآ؛ بينما كانت عشق تقف متخفية تتابع ما
 يحدث، مدركة أن أدهم يحمل فوق جبل حمايتها، جبالاً أخرى 
من الأسرار والعداوات التي تهدد بحرق كل من حوله!

​التوت شفتا روز بابتسامة قاسية، وقالت له بكل غل ودون رحمة:
​"طول عمرك انسان ضعيف تسيطر عليك عواطفك.. وشوف بقيت فين! حبيت واحدة دون مستواك، سرقتك، وأخذت ابنك وهربت مع عشيقها!"
​اشتعلت عينا أدهم بغضب أعمى وصرخ بصوت هز أرجاء المكان:
​"اخرسي! لا تنطقي بهذا الاسم مرة أخرى! أنا سأجلبها لو كانت في سابع أرض، ولن أرحمها.. وابني هيرجعلي، فهمتي؟ الكلام ده ما يطلعش تاني أبداً! والشركة أنا هدرها زي ما كنت زمان، أنا راجع يا روز، أنا لم أمُت.. روحي هي التي ماتت، لكنني عايش، ولن أسمح لكِ أن تتخطي حدودكِ معي!"
​أخذت روز حقيبتها ببرود متعجرف، وابتسمت ابتسامة ساخرة محملة بالشر:

​"هنشوف رجوعك للشركه هيعمل إيه.. إياك بس ما تغرقش في أفعالك واحزانك مره اخري! "
​خرجت روز من القصر وطرقت الباب خلفها بغل وحقد يقطر من كل حركة.
​ساد صمت ثقيل وموجع في المكان، حتى تقدمت الدادة هنية بخطوات بطيئة، وتربت على كتفه بحنان أموي قائلات بصوت دافئ:
​"لا تحزن يا ابني.. الغل بيقتل صاحبه، والنار التي في قلبها هي التي ستكويها وحدها في النهاية."

​في تلك اللحظة، خرجت عشق من مخبئها المؤقت، تفرك بيديها في خجل وتوتر شديدين، وقالت بصوت متهدج:
​"آسفة... أنا لم أقصد، لكنني سمعت كل شيء.. وأريد أن أقول..."
​قاطعها أدهم بحدّة جافة وعينين تشتعلان بألم الدفين:
​"لا أريد حديثاً من أحد.. اتركوني وحدي!"

انسحب صمت ثقيل ومحمل بالأوجاع على أرجاء القصر بعد مغادرة روز العاتبة والحاقدة. بقي أدهم واقفاً مكانه، كتمثال صخري هشمته رغبة دفينة في البكاء، لكن دموعه لا تسقط، بل تتحول إلى جمر يكتوي به صدره من الداخل. تلك الكلمات التي ألقتها روز في وجهه — "حبيت واحدة دون مستواك وسرقتك وأخذت ابنك وهربت" — كانت بمثابة خنجر مسموم أُعيد طعنه به في أعمق جرح لم يلتئم قط.

​على مقربة منه، كانت عشق تقف مسمّرة في مكانها، وقد شلّها هول ما سمعت. أخيرًا... انكشف جزء كبير من اللغز! أدهم الراوي، الرجل القوي الذي يبدو كالجبل المنيع، ليس سوى إنسان مكسور مزقته الغدر والخيانة، فقد طفله وزوجته التي سرقت قطعة من روحه. شعرت فجأة أن قسوته وجموده لم يكونا إلا درعاً يخفي تحته رماد إنسان احترق بنار الفقد.
​ترددت كلمات أدهم الحادة في رأسها: "اتركوني وحدي"، فتحركت الدادة هنية بحذر نحو مكان وقوف عشق، ووضعت كفها الدافئة بحنان على كتفها المرتجف، وقالت بصوت خافت يقطر أسى:
​"تعالي معي يا بنتي... اتركيه الآن. جراحه أقدم وأعمق مما تتصورين، وما شهدتهِ للتو هو جزء ضئيل من العاصفة التي تعصف بروحه كل يوم."
​أومأت عشق برأسها ببطء، وابتعدت بخطوات بطيئة نحو غرفتها، وعقلها لا يهدأ وقلبها ينبض بمشاعر متناقضة من الخوف والتعاطف الشديد مع هذا الرجل الذي يحميها رغم كل النيران التي تحيط به.
​وفي تلك الأثناء، داخل غرفته المظلمة، أغلق أدهم الباب على نفسه، وترك الحزن الدفين ينهش قلبه وهو ينظر إلى تلك الصورة القديمة التي أخفاها عن أعيُن الجميع، ليتمسّك بوعد قطعه على نفسه بصوت مكتوم وغاضب:
​"أقسم يا بني... لن أترك حقك، وسأعيدك إلى أحضاني مهما كانت التكلفة... حتى لو دفعت روحي ثمنًا لذلك!"
تعليقات



<>