
أوجيني
بعد مرور شهر… جاء موعد الزفاف المنتظر.
ثريا أصرت إن الفرح يبقى في نفس البيت اللي دخلته عروسة من تلاتين سنة. والكل رحب بفكرتها. أخدت الترتيبات على عاتقها… بس لاحظت حاجة غريبة.
بتشوف سراج في كل حتة.
افتكرت حلمها… وطلبه العفو منها هي بس… مش من حد تاني. حاولت مرة ورا التانية تسامحه… بس بتتذكر دايمًا وعوده… وتحليقه بيها في سابع سما… عشان يرجع بيها لسابع أرض… وتتبخر كل وعوده. تفضل ثريا هي ثريا… تسامح… وهو يرجع لأخطائه.
بدأت تتهرب من أوضة لأوضة عشان ما تشوفوش… بس من غير فايدة. أيقنت إن حلمها بيه هيفضل يطاردها زي الكابوس… لحد ما تعفو عنه.
راحت المطبخ… تفتكر شغلها القديم. قررت ترجع له في اللحظة دي… وتساعد… رغم اعتراض الطباخ. أصرت تساعد عشان تلهي نفسها. رفعت عينيها… لقت سراج زي الشبح. السكينة جرحت إيدها… والدماء سالت… وهي ما حستش بيها إلا لما الطباخ انتفض يصرخ. شهقت… وراحت الحمام تغسلها.
وهي في الحمام… شافته وراها في المراية. انتفضت. حطت إيدها على صدرها… وتنهدت ببطء. بعدين ركضت لفوق… ودخلت أوضة من الأوض. انتبهت إن فيها حنان. حنان طهّرت الجرح وهي صامتة. بعدين خرجت… لقت حليم قدامها. بصت حواليها… ما لقتش سراج. كأنه ما بيظهرش وأولادها حواليها.
عايزت تخرج من الموقف… وابتسمت:
ـ ما تتصورش أنا فرحانة قد إيه يا حليم.
كانت واقفة على باب الأوضة… والباب مورب… بيظهر منه ست لابسة فستان عرس بس. حليم اقتحم معتقدًا إنها وئام… وقال بلهفة وهي مدية له ضهرها:
ـ أيوه بقى يا ويمي… إيه الجمال والرقة والنعومة دي؟
حنان حجزت ما بين حاجبيها… والتفتت ليه وهي بتبرق بعينيها:
ـ أنا حنان. ركز بالله عليك. المفروض أنا اللي أتلخبط بينك وبين نور… مش إنتَ اللي تتلخبط.
حليم ابتلع ريقه بحرج… ونزل نظره لتحت:
ـ ما خدتش بالي. افتكرتك وئام لما لقيت ماما ثريا خارجة من عندك.
ثريا ابتسمت:
ـ تحب تشوف وئام يا حليم؟
هز راسه بالإيجاب:
ـ يا ريت.
حنان لوت شفايفها:
ـ بس بلاش تتلخبط وتقول لها يا حنان. العملية مش ناقصة.
ضحك وخرج من الأوضة… وثريا تبعته بتبتسم وهو بيقول:
ـ هي البنت دي لاسعة كده ليه؟
ربتت على كتافه:
ـ هي دي اللي تنفع نور.
كاد يرد… بس لاحظوا شجار بين خطاب وذكرى. خطاب بيتكلم بعنجهية:
ـ لا مش هطلقك يا ذكرى.
ذكرت بصت له باستهزاء:
ـ هتقبل تعيش عالة عليا؟ وبعدين تعالى هنا… إنتَ مين دعاك تيجي الفرح؟
زياد تنهد:
ـ أنا يا ماما.
حجزت بعينيها:
ـ مش معقول! ثريا وميارا وحليم لو شافوه مش هيتقبلوه.
خطاب أشاح بإيده:
ـ يعني هيعمل إيه يعني؟ أعلى ما في خيلهم يركبوه. وبعدين إنتي مفكرة ابني هيسكت ليهم؟
زياد ابتسم بخبث:
ـ آه هسكت. أنا جبتك النهارده علشان أولًا: تقدم ليهم اعتذار. وتانيًا: المأذون اللي هيجوز إخوات ميارا… هيطلق أمي منك.
بحقد:
ـ إيه رأيك بقى في المفاجأة دي؟
خطاب جحظ بعينيه:
ـ لااا… إنتَ مش ابني! إنتَ واحد تاني.
زياد زفر:
ـ عايزني أعملك إيه بعد اللي عملته؟
خطاب برجاء وبمظهر يثير الشفقة:
ـ عايزك تسامحني يا ابني.
هز راسه بالسلب:
ـ لا مش هقدر.
خطاب بص له بذهول… بعدين أدار وشه لذكرى:
ـ كده إنتي مرضية؟
تنهدت براحة:
ـ تمام الرضى.
هنا لاحت صورة سراج تاني قدام ثريا… رغم وجود ناس في المحيط. بس في اللحظة دي… لسانه نطق وقال ليها بصوت ما يسمعهوش غيرها:
ـ هو ما يستحقش حد يسامحه… لكن أنا أستحق.
قدري أخرجهم من كل ده وهو بيهتف بفرحة:
ـ فين عروستي؟
ميارا خرجت من أوضتها وابتسمت له:
ـ أنا هنا يا قدري.
سُر لرؤيتها وهي عروسة. اتجه ليها… واحتضنها… وحملها ودار بيها. بعدين أنزلها بسعادة:
ـ ما تتصورش فرحان بيكي قد إيه يا ميارا.
زياد قاطعهم بغيرة:
ـ ليه إن شاء الله يا أخويا؟ كانت مراتك؟ ولا كانت مراتك؟
قدري لكزه في كتافه:
ـ دي أختي يا أهبل.
زياد بص لحليم:
ـ ما هو ده أخوها برضه… ما عملش زيك أهو… واقف محترم نفسه.
حليم تعالى صوته:
ـ زياااد… تحب أجيب نور ونعملها معاك… ونبيتك برة البيت… وأختنا تنام في حضننا؟
ميارا تلهفت:
ـ آه يا ريت يا حليم… ويبقى جو خطف بقى… ويطلع فوق الشجرة ويقع على ضهره. الله… دي تبقى حفلة.
هاجر خرجت من أوضتها وأبهرت الكل. بصت لميارا بتذمر طفولي:
ـ ميارا… أنا مش هتجوز لوحدي.
قدري بص ليها برومانسية:
ـ وأهون عليكي؟
ابتسمت بخجل وهزت راسها بالسلب. ميارا جحظت من مظهرها وضحكت:
ـ شوفوا البنت اتسهوكت على آخر الزمن. عشنا وشفنا هاجر (الطائر المهاجر) عقل وحب ووقع.
نور خرج من أوضته… كان مهتم بترتيب هيئته الليلة دي… بعكس حليم وزياد وقدري. وصل للنص ووقف زي عارضي الأزياء:
ـ إيه رأيكم؟ أنا مز صح؟ شكرًا شكرًا… أخجلتم تواضعنا.
ضحك الكل… عدا حليم. قلبه كان مشتاق يشوف وئام. كان قلقان عليها… لحد ما خرجت من أوضتها وهي بتتقدم خطوة وتتراجع خطوة. بصت ليهم بارتياب:
ـ آسفة إني اتأخرت. أصل عندي ضيفة في الأوضة مصممة تحضر الفرح.
حليم عقد حاجبيه. ولاء ظهرت من خلفها وأزاحتها:
ـ لا… أنا مش ضيفة يا وئام. عيب تقولي كده على حماتك. أنا أكتر واحدة لي حق أحضر الفرح ده.
ثريا انتفضت:
ـ أي حق؟
ولاء ابتسمت بخبث:
ـ أنا أم تلاتة هيتجوزوا النهارده.
كادت ترد بعصبية… بس حليم أوقفها:
ـ الموضوع ده مات واندفن من شهر.
عايزت ترد عليه… بس حنان خرجت من أوضتها متذمرة لتأخر نور عنها. أول ما شافت ولاء قدامها… شهقت:
ـ مش ممكن! مش معقول! ما توقعتش البجاحة توصل بيكي لهنا… وتيجي عايزة تبوظي لي فرحي.
نور عقد ما بين حاجبيه:
ـ إنتي تعرفيها يا حنان؟
هزت راسها:
ـ أيوه طبعًا أعرفها. دي جات وكان معاها واد ملزق يطلبوني للجواز… وكانت مصممة إني أتجوزه. وقال إيه؟ هسافر تركيا.
رفعت إيدها بضيق:
ـ قلت ليها: يا ست أنا مخطوبة. لكن أبدًا ما سابتنيش. وفضلت تقول عليك إنك لقيط… مش ابن طنط ثريا… وشككت بابا في كل حاجة.
نور جحظ بعينيه:
ـ لااا… ده إنتي عديتي. أنا ساكت من ساعة ما رجعتي… ومحترم إن إخواتي أولادك. وإنتي شغالة تلقحي بالكلام على أمي وشرفها.
بص لخطاب بحقارة:
ـ بس توصل بيكي إنك تطعني في نسبي؟! الحق مش عليكي… الحق على اللي جابك تدمرينا.
خطاب تذمر:
ـ تقصد مين؟
ذكرت ردت:
ـ أكيد يقصدك إنتَ. وأكيد إنتَ اللي خليتها تيجي النهارده. إنتَ السبب في كل حاجة حصلت من 23 سنة يا خطاب. روح يا شيخ… منك لله.
زياد بص لخطاب بحزن:
ـ أظن إن بعد اللي حصل ده… مالكش مكان ما بينا.
هنا ظهرت صورة سراج من جديد قدام ثريا. بيبص للكل… وما حدش بيشوفه غيرها. بص ليها تاني وقال:
ـ شفتي… هما اللي عملوا ده كله. ليه لسه أخداني بذنبهم؟
قدري ارتفع صوته وهو بيبص لولاء بحقد:
ـ إنتي رجعتي علشان اتنين… اللي هما مش أولادك. دول ولاد ثريا. إنما أنا مخفي بالنسبة لكي. فيا ريت ما تقوليش تلاتة من أولادك.
ميارا تبعته:
ـ ولا تقولي اتنين… فاهمة؟ إنتي هنا مالكيش حد. إنتي هنا صفر على الشمال… ملوش قيمة.
ولاء بصت ليها بسخرية:
ـ طيب والعمل دلوقتي في القرار اللي أخدته وئام؟
هاجر عقدت ما بين حاجبيها:
ـ قرار إيه؟
ابتسمت بخبث:
ـ وأنا مالي… خليها هي تقول قدامكم. إيه يا حلوة؟ هتقولي… ولا أقول أنا؟
نور أدرك إن عند ولاء خطة خبيثة… هو ما يعرفهاش. بس بص لوئام نظرة بيحثها تقول الحقيقة وما تكدبش… وهو هيساعدها. قال:
ـ قولي يا وئام… خلينا نخلص.
حليم توجس منها… يكون قرارها البعد عنه. وئام غمضت عينيها وهتفت بحزن:
ـ مفيش أي قرار.
ولاء حطت إيدها في خصرها وصرخت فيها:
ـ نعم يا أختي! مش إنتي قلتي هتسيبيه… يا إما أنا هفضحه وأقول إنه مش ابن سراج؟
حليم جحظ بعينيه وبص لثريا. ثريا ضحكت ضحكة عالية… وقالت من بين ضحكاتها:
ـ هتفضلي طول عمرك ولاء… المتآمرة الغبية.
ولاء التفتت ليها وبصت بحقد وغل. حليم هز راسه بيأس:
ـ مش ممكن… الحاجة اللي كنت بهرب منها… إنتي تيجي عايزة تثبتيها… وبالكدب كمان! للدرجة دي أنا هونت عليكي؟
بضيق:
ـ إيه… ما توجعتيش وإنتي شايلاني في بطنك؟ ولا الوجع خلاكي توجعيني أكتر؟
حنان راحت لنور وهمست في ودنه:
ـ إنتَ عرفت منين إنها هتخليها تكدب؟
بص ليها بكبرياء وثقة:
ـ قدرات خاصة بقى… هبقى أعلمك.
خطاب بص لولاء وهتف بمرارة:
ـ يلا يا ولاء… تعالي نروح ندفع تمن اللي عملناه زمان.
ذكرت ابتسمت بسخرية:
ـ مش قبل ما تطلقني يا خطاب.
التفت ليها:
ـ إنتي طالق يا ذكرى.
زياد أوقفه:
ـ والبيت والعربية؟
خطاب باستسلام:
ـ حقكم.
في اللحظة دي ظهر سراج من جديد… بس باين عليه الاستعجال. عايز يلحق بخطاب. باين إن فيه تصفية حساب بينهم. وقف للمرة الأخيرة وقال ليها:
ـ هتسامحيني بقى يا ثريا؟
لقت اللحظة حانت. بكت… وقالت بهمس مرير:
ـ أيوه.
وهنا… اختفى سراج بلا رجعة.
قدري بص لولاء:
ـ وإنتي كمان… كفاية بقى امشي.
بس هي لسه واقفة مكانها. ميارا صرخت في وشها:
ـ لسه واقفة هنا؟ عايزة إيه تاني؟
هاجر ربتت على كتاف ميارا وأخدتها في أحضانها:
ـ اهدي يا ميارا.
نور راح ناحية ولاء وبص ليها باستهزاء:
ـ ما فاضلش غير إني أجيب لك الحرس يرموكي برة.
فعلًا اتصل بالحرس. في الأثناء دي وئام راحت لحليم وسألته بخوف:
ـ خفت مني؟
رد بصدق:
ـ بصراحة… آه.
ابتسمت له بحب:
ـ وأنا قلت لك بلاش تخاف.
قبل جبينها:
ـ ربنا ما يحرمني منك.
الحراس صعدوا ووقفوا قدام نور. بس هو تمهل:
ـ هااا؟ هتمشي بكرامتك… ولا الحراس يشيلوكي ويرموكي؟
نفضت إيديها عنهم:
ـ ابعدوا… أنا ماشية. أنا ماشية يا ثريا… بس لينا ميعاد تاني.
ثريا بصقت على الأرض:
ـ روحة بلا رجعة.
وكأنه كان نداء للسماء من ثريا. فعلًا خرجت ولاء… لقت خطاب مستنيها. أخدته بعربيتها ورحلا. بس المرة دي… رحلا للعالم التاني… بنفس الطريقة اللي رحل بيها سراج. كأن روح سراج كانت على عجلة من أمرها… وراحت وراهم. ماتوا… وخبر وفاتهم ما وصلش لأولادهم إلا بعد أسبوع… لأنهم تفحموا جوا العربية بعد ما انفجرت.
***
بعد مرور خمس سنين…
حليم ووئام رزقوا بولد وبنت (نور وتقى)… ليتحقق طلب نور في تسمية البنت أو الولد باسم نور.
حنان ونور رزقوا بولد وبنت (حليم ونورسين)… وهنا نور أراد يعطي ابنه اسم حليم… لحبه لأخوه.
زياد وميارا رزقوا بولدين (نور ومالك).
قدري وهاجر رزقوا ببنتين (نورين وميارا).
بقى عند ثريا تمانية من الأحفاد… بعد ما كان عندها أربعة أولاد. أو بالأحرى… كان عندها اتنين بس من الأولاد.
وكل ده بالصبر اللي وراه الجبر… والحب اللي ملأ قلبها لما قررت تربي أولاد جوزها بكل حب… وتنشلهم من الضياع.
تمت بحمد الله