
لم يتحمل "مراد" أكثر من ذلك؛ فبعد الليلة العصيبة
التي عاد فيها "زياد" مصاباً بكدمات وجرح في شفته إثر ضربة "فارس"، أدرك مراد أن الأمور خرجت عن السيطرة تماماً وأن حياة صديقه باتت محفوفة بمخاطر حقيقية. وبينما كان زياد غارقاً في أفكاره ومشاعره المتأججة تجاه "ماريا"، اتخذ مراد قراراً صعباً من وراء ظهره؛ فاتصل بوالد زياد، رجل الأعمال النافذ وذو السلطة الواسعة، وأخبره بالتفصيل بكل ما يجري، عن العشق الجنوني، والمولد، وتهديدات الغجر، وضربة فارس القاسية.
لم تمضِ سوى ساعات قليلة حتى هبطت أسطول من السيارات الفاخرة المفاجئة عند أطراف معسكر الغجر، يلفها جو من الهيبة والترهيب. ترجل والد زياد من سيارته بملامحه الصارمة وقامته الفارعة، وتحيط به نظرات حادة ومخيفة. تقدم بخطوات واثقة حتى توسط الخيام، وواجه "عطوة" كبير العشيرة و"فارس" الذي وقف مشدوهاً أمام هذه القوة المفاجئة.
صاح الأب بصوت رعدي وقبضة محكمة لا تترك مجالاً للنقاش:
اسمعوا جيداً يا أصحاب الخيام! ابني ليس لعبة لتعبثوا بها، ولن أسمح لأحد أن يعرض حياته للخطر في هذا المكان المنعزل. أمامكم ساعات معدودة لترحلوا عن هذه الأرض تماماً، وإن لم تفعلوا، فسأقلب عاليها سافلها، ولن أكتفي بطردكم بل سأخرق خيمكم وأمحو أثركم من هذه المنطقة بالكامل!
وقف "عطوة" بحكمته المعهودة يدرك حجم الكارثة؛ فمواجهة رجل بهذا النفوذ والثروة تعني هلاك القبيلة بأكملها. رغم الغضب الذي اشتعل في عيني "فارس"، ورغم رفضه الخضوع، إلا أن مصلحة العشيرة كانت هي الأولوية القصوى. أصدر عطوة أمره الصارم بفك الخيام والرحيل الفوري تحت جنح الظلمة قبل أن تشرق شمس اليوم التالي.
وفي تلك الأثناء، كان "زياد" قد استعاد بعض عافيته، واشتعل قلبه شوقاً لا يطاق للقاء "ماريا". ركض نحو المعسكر بلهفة العاشق، متجاهلًا كل آلام جسده، وكل ما يشغله هو رؤية عينيها الواسعتين من جديد.
لكنه تجمّد في مكانه من شدة الصدمة والذهول!
لم يجد أمامه شيئاً.. لا خيام، لا دفوف، ولا حتى أثر لخطواتهم. لم يبقَ سوى رماد الموقد البارد وبعض الحطام المبعثر على رمال الصحراء الصامتة. لقد رحلوا في الليل، واختفت ماريا كأنها لم تكن سوى طيف في حلم جميل.
سقطت أنفاس زياد بانهيار تام، وصرخ بصوت مزقه الفراغ:
ـ ماريا!.. أين ذهبتم؟!
ومن تلك اللحظة القاسية، انطلقت قصة جديدة؛ رحلة بحث شاقة ومجنونة قادها زياد بمفرده، يطارد السراب من قرية إلى قرية ومن صحراء إلى صحراء، عازماً على ألا يتوقف حتى يعثر على غجربيته، مهما كلفه الأمر من ثمن!
لم يكتفِ والد زياد بتهجير القبيلة ومحو أثرهم من الصحراء، بل قرر أن يغلق هذا الباب للأبد ويضع حداً لما أسماه "العبث والجنون". استغل نفوذه وقوته الجبرية، وضرب بعواطف ابنه ومشاعره الرقيقة عرض الحائط، غير مبالٍ بالنزيف الداخلي الذي يعيشه زياد.
في ليلة كئيبة داخل القصر الكبير، وقف الأب أمام زياد بملامح حادة وقاسية كالصخر، وقال بنبرة قاطعة لا تحتمل الجدال:
هذا الخبل انتهى يا زياد! لقد خطبتُ لك ابنة عمك، والعقد سينتهي قريباً جداً. لن أسمح لك أن تدمر اسم العائلة ومستقبلك ورائك من أجل فتاة غجرية لا أصل لها ولا مأوى! ستتزوج من ابنة عمك، ورأسك مرفوع، وسوف تنسى هذه الهلوسة رغماً عنك!
ثارت دماء زياد وشعر بمرارة تسري في حلقه، وصرخ بوجه والده وهو يمسك برأسه من شدة الألم:
تتحدث عن مستقبلي وكأنني دمية تحركها بأصابعك! أنت لا تحميني يا أبي، أنت تقتلني! أقسم لك أن قلبي لم ولن ينبض لغير ماريا، ولو أجبرتني على هذا الزواج فستأخذ جسداً بلا روح!
لكن الأب أدار ظهره ببرود شديد، مُعرباً عن صرامته التي لا تلين، وترك زياد محبوكاً بين جدران القصر الباردة، يسعى جاهداً لحياكة أي خيط يوصله إلى طريق غجريته المفقودة.
على الجانب الآخر، وفي أرض بعيدة جافة نزل فيها عرب القبيلة رحالهم بعد الليلة القاسية، كان الحزن يخيم كالغيمة السوداء على "ماريا".
كسر الرحيل المفاجئ كبرياءها وقسم قلبها نصفين. أصبحت تمشي كأنها طيف بلا روح؛ حتى عندما تضع الخلخال وتتوسط حلقة الرقص في الموالد الجديدة، كانت رقصاتها تفيض شجناً وحزناً يدمي القلوب. لم تعد تلك الغجرية
المتمردة التي تضحك عيناها وتطير مع الريح، بل أصبحت ترقص ودموعها المحبوسة تلمع تحت ضوء الشموع، وصوت الدفوف يتحول في أذنها إلى مرثية لحب مقتول في مهده.
وفي إحدى الليالي، بعد أن انتهت من رقصة مليئة بآلام الفراق، انزوت ماريا خلف إحدى الخيام تبكي بصوت خفيض.
اقترب منها "فارس" بخطوات ثقيلة، يملؤه المزيج السام من الغيرة الشديدة وشماتة الجريح. وقف فوقها بملامح خشنة، ونظر إليها بقسوة ونبرة يملؤها اللوم والتعالي، وقال كلماته الجارحة التي نزلَت عليها كالسياط:
تبكين عليه يا ماريا؟! على ابن الأكابر الذي ملأ عقلك بالحديث المعسول ثم تركك ورحل مع أول عاصفة؟! ألم أقل لكِ إنه كان يتسلى بكِ؟ ألم تحذريني وتصيحي في وجهي وتقولي إنه ليس من ثوبك؟ ها هو تركك وذهب لعالمه الثري ليتزوج من إحدى فتيات القصور، وأنتِ هنا تأكلين الندم!
ثم اقترب منها خطوة أخرى وسكب سمومه أكثر:
عشقتِ غريباً لا يعرف قدرك ولا يعرف أصولنا، وبعتِ ابن ثوبك وابن عشيرتك الذي كان مستعداً أن يموت لأجلك! أكلتِ العلقم يا ماريا، وصرتِ لبانة في أفواه الناس كما خفتِ تماماً.. وهذا هو ثمن عشق الغرباء!
رفعت ماريا رأسها الدامع، ونظرت إلى فارس بعينين تشتعلان ألماً وكبرياءً مكسوراً، ولم تنبس بكلمة واحدة، بل قامت بخطوات أليمة وتركت مكانها، تاركة صوت الخلخال يئن في الليل الكئيب، بينما تبدأ ألسنة الشوق والبحث تحترق في صدر زياد في مكان آخر...