رواية هي كده الفصل الثالث عشر13 بقلم ابتسام محمود الصيري

رواية هي كده الفصل الثالث عشر13 بقلم ابتسام محمود الصيري
 بحبك.
تجمدت ملامحها للحظة، لم تعد تسمع صوت الأمواج، ولا تشعر بنسيم البحر الذي كان يلامس وجهها، بدا كل شيء حولها بعيدًا، بينما أخذت الكلمات تتردد في رأسها وكأنها تهديد لم تكن مستعدة لمواجهته، اتسعت عيناها، وارتجفت أصابعها. تراجعت خطوة، ثم أخرى، وهزت رأسها بعنف.

— أنا لازم أمشي...

حاول عبدالله أن يتحدث، لكنها تراجعت مجددًا:

— لا، لا...

انهمرت دموعها فجأة، وبدأ تنفسها يضطرب. لم تكن دموع فرح، ولم تكن رفضًا بسيطًا تستطيع شرحه؛ لقد باغتها الاعتراف وفتح داخلها بابًا كانت تبذل كل ما تستطيع لإبقائه مغلقًا.

تراجع عبدالله خطوة إلى الخلف فورًا، ورفع يديه قليلًا ليطمئنها أنه لن يقترب.

— تبارك، بصيلي... أنا آسف، والله آسف. أنا استعجلت، حقك عليّا.

لكنها لم تكن قادرة على استيعاب كلماته. كانت دموعها تنهمر بغزارة، وصدرها يعلو ويهبط مع أنفاس متقطعة.

— أنا... أنا مش...

لم تستطع إكمال جملتها. غطت فمها بيدها، ثم استدارت فجأة وركضت بعيدًا عنه.

ظل عبدالله مكانه للحظة، عاجزًا عن تصديق ما حدث. نظر إلى الطريق الذي سلكته، ثم مرر يده على وجهه بقهر.

— غبي... أنا غبي.

لم يكن نادمًا على حبه لها، لكنه ندم على أنه لم يدرك كم يمكن لكلماته أن تخيفها، مهما كانت صادقة.

أسرع خلفها، محافظًا على مسافة بينهما حتى لا يزيد ارتباكها. كانت تسير بخطوات مضطربة قرب الطريق، تمسح دموعها دون جدوى.

وحين اقتربت من حافة الشارع، لحق بها ووقف أمامها، دون أن يمد يده أو يحاول الإمساك بها:

— تبارك، استني... الطريق.

هزت رأسها وهي تبكي، وحاولت تجاوزه.

— سيبني أمشي.

ابتعد عن طريقها قليلًا، لكنه ظل قريبًا بما يكفي ليتحدث إليها.

— مش همنعك. بس اركبي أوصلك، أرجوكي. مش هفتح الموضوع تاني، ولا هطلب منك تردي عليّا. اعتبريني سواق، ومش هبصلك حتى. بس مش هسيبك تمشي لوحدك بالشكل ده.

نظرت إليه من بين دموعها. كان صوته هادئًا، ولم يحاول إجبارها على شيء، لكنه لم يستطع إخفاء القلق في عينيه.

ترددت طويلًا، ثم أومأت برأسها بصعوبة، فتح لها باب السيارة، فركبت وجلست بجوار النافذة، وأدارت وجهها بعيدًا عنه.

أغلق الباب بهدوء، ثم جلس خلف المقود وانطلق.

طوال الطريق، لم يسمع منها إلا شهقات متقطعة. لم يسألها عما حدث، ولم يحاول تبرير اعترافه أو انتزاع إجابة منها. اكتفى بقيادة السيارة بهدوء، فيما كان يختلس النظر إليها من المرآة بين الحين والآخر.

وفي كل مرة كان يراها تمسح دموعها، يشعر بأن شيئًا داخله ينكسر.

كان يتمنى لو استطاع أن يعيد الدقائق الماضية، لا ليتراجع عن حبه، بل ليمنحها وقتًا أطول كي تشعر بالأمان قبل أن يضع قلبه أمامها بهذه الصراحة.

أما تبارك، فظلت تنظر إلى الطريق المظلم خلف الزجاج، وتحاول أن تفهم لماذا أخافتها كلمات انتظرت طويلًا أن تسمع ما يشبهها من شخص آخر.

لم يكن عبدالله قد آذاها، ولم يرفع صوته عليها، ولم يقترب منها رغم انهيارها. ومع ذلك، كان قلبها يتصرف وكأنها على وشك خسارة كل شيء.

فهي لم تكن تخاف الحب قط...

بل كان لديها أسرار وحواجز تمنعها أن تقترب إلى هذا السلك الشائك.

توقفت السيارة أمام الفيلا.. وقبل أن تخطو نحو الباب... سبقها بخطوة.

وقال بصوت مثقل بالندم:

— بعتذر... وأتمنى تنسي اللي حصل، ونرجع أصحاب زي الأول، لأن في حاجة واحدة أنا متأكد منها... إن اللي يعرف تبارك... مستحيل يقدر يخسرها.

لم تستطع الرد، لكنها انتظرت لحظة تتطلع ملامحه بعينين حمراوين كادت أن تحفرها داخل عقلها.

اكتفت بإيماءة صغيرة، ثم دخلت فيلتها تاركة خلفها في ندمه.

أغلقت الباب وركضت مباشرة نحو هوكي، فتحته، فانطلق إليها، وارتمى بجوارها، وأخذ يلعق دموعها في صمت، جلست على الأرض.

ورفعت عينيها ببطء، لتستقر على تلك الصورة الكبيرة المعلقة على الجدار، ظلت تحدق فيها طويلًا، ودموعها لا تتوقف، ثم خرج صوتها مكسورًا:

— إيه اللي أنا عملت ده... إزاي سمحت لنفسي أفرح؟ إزاي قبلت أخرج معاه؟ إزاي صدقت إن ينفع يبقى ليا أصحاب عادي، ومن إمتى أصلًا بقتنع بصداقه بين بنت وراجل... إزاي اتمديت معاه لحد ما خليته يحبني؟

هزت رأسها بعنف، وأخذت تضرب كفيها ببعضهما:

— أنا اللي غلط... أنا اللي فتحت الباب لكل ده.

أنا لازم أبعد... لازم. أنا مش مكاني الحاجات دي، ولا ينفع أحب... ولا أتحب.

ثم أطلقت صرخة مزقت سكون الفيلا.

صرخة خرجت محملة بسنوات من الكبت والخوف والذنب... بينما ظل هوكي ملتصقًا بها... وكأنه يحاول أن يحمل عنها كل هذا الألم.

⸻

لم تتحمل رنا مزيدًا من الوجع. احتاجت إلى أمها، إلى حضن تختبئ فيه قليلًا، وتبكي دون أن تضطر إلى شرح ما يؤلمها. راحت تبحث عنها في أرجاء المنزل، لكنها لم تجدها.

أخرجت هاتفها واتصلت بها، ومسحت دموعها بطرف كمّها، محاولة أن تجعل صوتها طبيعيًا، لكن نبرة البكاء كانت تفضحها.

ألغت أمها المكالمة مرة، ثم مرة ثانية.

وبعد لحظات، وصلتها رسالة عبر واتساب:

أنا مسافرة مع بابا، عندنا ميتنج في القاهرة.

حدقت رنا في الرسالة، وشعرت بوحدة أثقل من قدرتها على الاحتمال. جلست على الأرض، وأسندت ظهرها إلى الحائط، ثم أجهشت بالبكاء.

لم تكن تريد حلولًا، ولا نصائح، ولا حتى أن يخبرها أحد بأنها تستحق الأفضل. كانت تريد فقط أن يحتضنها شخص تحبه، ويتركها تبكي حتى تهدأ.

وبينما كانت تمسح وجهها، خطرت سارة على بالها.

نهضت، وبدّلت ملابسها، ثم أرسلت إلى والدتها تخبرها بأنها ستذهب للإقامة مع سارة يومين، بما أنهما مسافران إلى القاهرة.

وبعد قليل، وصلت إلى منزل صديقتها.

استقبلتها والدة سارة بحفاوة، وما إن رأت عينيها المتورمتين حتى تبدلت ملامحها. اقتربت منها واحتضنتها بحنان، ثم راحت تربت على ظهرها وهي تسألها عما حدث:

— مالك يا حبيبتي؟ إنتِ بتعيطي ليه؟

حاولت رنا الابتسام، لكنها لم تستطع:

— مفيش يا طنط، أنا بس محتاجة أقعد مع سارة شوية.

لم تضغط عليها والدتها، واكتفت بأن مسحت على شعرها قائلة:

— براحتك يا حبيبتي، إنتِ في بيتك. يا أم كريم، ممكن تعمليلنا لمون بالنعناع؟

ثم التفتت إلى أعلى الدرج ونادت:

— سارة! يا سارة، انزلي، صاحبتك تحت.

لم يصلها رد، فتنهدت وهي تقول:

— البنت دي لو فضلنا ننادي عليها لحد بكرة، مش هتصحى.

ابتسمت رنا رغمًا عنها، بينما غمزت لها والدة سارة بخفة، وكأنها التقطت تلك الابتسامة الصغيرة وقررت ألا تدعها تختفي:

— تعالي يا حبيبتي، اقعدي لحد ما الست النائمة دي تتكرم علينا وتنزل.

وبعد دقائق، ظهرت سارة على الدرج، تسير بخطوات بطيئة وعيناها نصف مغلقتين، وشعرها منكوش من النوم.

— يا ماما، هو فيه إيه؟ إحنا في نص الليل ولا إيه؟!

لكنها ما إن وقعت عيناها على رنا حتى اختفى النعاس من وجهها. نزلت الدرج مسرعة، واتجهت إليها بقلق:

— رنا؟! إيه ده؟ مالك يا بنتي؟ حصل إيه؟!

جلست بجوارها واحتضنتها، ثم أبعدتها قليلًا لتتأمل وجهها:

— إنتِ كنتِ بتعيطي؟ طب مين زعلك؟ قوليلي بس مين، وأنا هتصرف معاه... حتى لو هضطر أزعله بالكلام، مع إني مش ضامنة نفسي وأنا لسه صاحية من النوم.

خرجت من رنا ضحكة صغيرة وسط دموعها، فتنفست سارة براحة، وكأنها حققت أول انتصار لها في معركة لم تعرف تفاصيلها بعد.

راقبتهما والدة سارة بابتسامة، ثم أشارت إلى أم كريم التي دخلت تحمل صينية العصير.

— تسلم إيدك يا أم كريم. تعالي بقى نقعد فوق شوية ونسيب البنات مع بعض.

كانت أم كريم تعمل في المنزل، لكن مكانتها فيه تجاوزت حدود العمل منذ سنوات. كانت والدة سارة تعاملها باعتبارها فردًا من الأسرة، وتعرف أن البيت لا يستقيم من دونها، بل كثيرًا ما كانت تقول إن أم كريم هي أكثر شخص يعرف كيف تسير أمور المنزل.

وضعت أم كريم الصينية على الطاولة، ثم تبعت والدة سارة إلى الطابق العلوي، بعدما اطمأنت إلى أن كل شيء أصبح في مكانه.

بقيت سارة إلى جوار رنا، تمرر يدها على ظهرها في هدوء، ولم تحاول استعجالها بالكلام. تركتها تبكي حتى هدأت شهقاتها قليلًا، ثم سألتها برفق:

— هو ميشو عمل إيه المرة دي؟

انكسرت ملامح رنا من جديد، وانخفض رأسها وهي تقول بصوت مخنوق:

— أنا بكره نفسي يا سارة... مش عارفة بحبه ليه. كل مرة يوجعني ويجرحني، وبرضه بضعف قدامه وبحن له.

تنهدت سارة، ثم نظرت إليها بجدية.

— هو مش بيحبك يا رنا.

رفعت رنا رأسها بسرعة، وكأنها تدافع عنه حتى وهي موجوعة منه.

— والله أبدًا! هو بيحبني، بس جاف في مشاعره. حتى مع أمه كده، بيسافر لها كل فترة.

— يا حبيبتي، ما يمكن هو فعلًا مش بيعرف يعبّر، بس ده مش معناه إنك تفضلي طول الوقت مستنية منه حاجة بسيطة تفرحك، وكل مرة ترجعي مكسورة.

سكتت رنا لحظة، ثم قالت بصوت خافت:

— ابعدي عني فكرة إني أسيبه، يا سارة. أنا عارفة إنك هتقوليلي أبعدي عشان أرتاح، بس أنا بحبه. بحس إنه دنيتي كلها. حتى سكوته بحبه... بحب أفضل جنبه، حتى لو مش هنتكلم.

ربتت سارة على يدها:

— ممكن عشان هو أول حب ليكي، فمتخيلة إنك مش هتعرفي تحبي بعده.

هزت رنا رأسها بضعف:

— مفتكرش هيكون بعده حب.

— يا بنتي، إنتِ لسه في أول الطريق! هتحبي، وهتلاقي اللي يحبك بجد، واللي لما تتصلي بيه يسأل عن صوتك لو متغير، مش يقفل في وشك ويكمل يومه عادي.

ابتسمت رنا ابتسامة حزينة:

— انسي يا سارة... مش قادرة.

سكتت سارة قليلًا، ثم مالت نحوها وقالت:

— طيب، فاكرة لما اختفى شهرين من غير سبب؟ وقبلها ما كانش فيه أي خلاف ما بينكم؟

رفعت رنا عينيها إليها، ثم أومأت برأسها.

— فاكرة.

— فاكرة إنتِ تعبتي إزاي؟ فضلتي سخنة، وحرفيًا كنتِ بتموتي عشانه، وهو كان بيستجم في شرم! وفي الآخر، مش هاين عليه حتى يرد عليكي أو يبعتلك رسالة. قال إيه؟ نفسيته مش أحسن حاجة! إنما إنتِ تموتي عادي، مش مشكلة، المهم هو نفسيته تبقى كويسة.

رغم حزنها، فتحت رنا فمها بدهشة، ثم قالت وسط دموعها:

— يا بنتي وطي صوتك! إنتِ هتفضحينا، هو مش موجود أصلًا.

— أهو كويس إنه مش موجود، عشان لو كان موجود كنت هقوله الكلام ده في وشه، وأخليه يراجع نفسه... مع إني غالبًا كنت هنسى أنا كنت بقول إيه في نص الخناقة، وأدخل في موضوع تاني.

خرجت من رنا ضحكة حقيقية هذه المرة، قصيرة لكنها واضحة.

رفعت سارة يدها في السماء:

— الحمد لله، أنه نسي ياخد كمان ضحكتك منك.. بس برضه الفضل يرجع ليا، دي موهبة.

مسحت رنا دموعها وهي تضحك رغمًا عنها.

— موهبة إيه؟ إنتِ محتاجة تتعالجي!

وضعت سارة يدها على صدرها، وتظاهرت بالصدمة.

— أنا؟! بعد كل الدعم النفسي اللي بقدمهولك؟ ده أنا المفروض آخد شهادة تقدير من وزارة الصحة.

ضحكت رنا أكثر، فابتسمت سارة في ارتياح، ثم احتضنتها مرة أخرى:

— اضحكي يا رنا، والله ما هسيبك تفضلي كده طول الليل. ولو لقيتك رجعتي تعيطي، هضطر أحكيلك نكت، وساعتها هتعيطي بجد من سوء النكت.

دفنت رنا وجهها في كتفها، وظلت تضحك قليلًا قبل أن تعود دموعها إلى الانهمار. لم تحاول سارة إيقافها هذه المرة، بل اكتفت باحتضانها حتى أخرجت ما في قلبها.

وبعد أن هدأت قليلًا، ابتعدت سارة عنها ومسحت دموعها بأطراف أصابعها.

— بصي، أنا مش هقولك انسيه دلوقتي، ولا هطلب منك تاخدي قرار وإنتِ بالحالة دي. بس اللي هطلبه منك إنك تبطلي تعاقبي نفسك على كل حاجة هو بيعملها. مش كل مرة يبعد فيها يبقى إنتِ السبب، ومش كل مرة يجرحك يبقى لازم تلاقي له عذر.

نظرت رنا إليها بعينين حمراوين، ولم تجب.

نهضت سارة فجأة، وكأنها تذكرت أمرًا بالغ الأهمية:

— استني هنا، أنا هرجع حالًا.

عادت بعد دقائق وهي تحمل هاتفها، ووقفت أمام رنا بجدية مصطنعة:

— عندي خطة إنقاذ عاجلة.

ضيقت رنا عينيها.

— خطة إيه تاني؟

— أولًا: هنطلب أكل. ثانيًا: هنتفرج على فيلم. ثالثًا: ممنوع تجيبي سيرة ميشو لمدة ساعة كاملة... أو لو مش هيكون فيها مني إساءة، اديني نهايتها لآخر اليوم.

فتحت رنا فمها للاعتراض، فقاطعتها سارة فورًا:

— لا، استني! رابعًا: لو خالفتي أي بند، هحكم عليكي بغرامة، والغرامة إنك تسمعي كل تسجيلات صوتي وأنا بغني... فاكرة هااا بتاعة ابتدائي، أيام ما كنت أمي الله يسامحها بتشجعني ومقوية قلبي إن صوتي حلو.

تراجعت رنا قليلًا وهي تمسح دموعها:

— لا، حرام عليكي، أنا لسه خارجة من أزمة، مش ناقصة أزمة سمعية كمان.

شهقت سارة، ثم ألقت نفسها على الأريكة متظاهرة بالإغماء:

— يا ناس! البنت بتتنمر على موهبتي الفنية، وأنا اللي كنت ناوية أضحي بحنجرتي عشانها.

ضحكت رنا من قلبها، هذه المرة دون أن تحاول كتم ضحكتها، بينما جلست سارة بجوارها وهي تبتسم برضا.

— أهو كده! نعرف نتفاهم.

ثم نادت أم كريم، وطلبت منها تحضير طعام سريع، قبل أن تأخذ رنا إلى غرفتها.

جلست رنا على السرير، بينما راحت سارة ترتب الوسائد وتبحث عن فيلم مناسب، ثم وضعت الطعام أمامها وأشارت إليه بحزم.

— يلا، كلي.

نظرت رنا إلى الطعام دون رغبة:

— مش جعانة.

جلست سارة أمامها، ورفعت حاجبيها.

— وأنا مش جعانة برضه، بس هآكل. عشان لو سبتك تاكلي لوحدك هتفتكري إنك في عزا، وأنا مش مستعدة ألبس أسود عشان طبق مكرونة.

ضحكت رنا وهي تهز رأسها.

— إنتِ مستحيلة!

— عارفة، ودي من أهم مميزاتي. يلا بقى، كلي قبل ما أقرر أكلك بإيدي، وساعتها هتبقي فضيحة قدام نفسك.

أخذت رنا بضع لقيمات، وظلت سارة تتحدث معها عن مواقف مضحكة حدثت لهما في المدرسة، وتبالغ في تقليد بعض المعلمات حتى اضطرت رنا إلى وضع يدها على فمها كي لا يعلو صوت ضحكها.

ومع مرور الوقت، بدأت ملامح رنا ترتخي قليلًا، وخفّ ثقل اللحظات التي قضتها وحدها. لم تختفِ مشاعرها تجاه ميشو، ولم تصبح قادرة على اتخاذ قرار بشأنه، لكنها وجدت إلى جوارها من يمنحها مساحة لتكون ضعيفة دون أن تشعر بالخجل، ومن يذكّرها، بطريقته المجنونة، بأن حياتها لا ينبغي أن تتوقف عند شخص واحد، وكأن هي علاجها عدم الوحدة قط.

أما سارة، فظلت تفتعل الحكايات والنكات، وتتعمد المبالغة في كل موقف، حتى تضمن أن تظل رنا تضحك ولو لدقائق.

ففي بعض الأحيان، لم يكن المطلوب أن تُحلّ كل الأوجاع في ليلة واحدة؛ كان يكفي أن تجد رنا كتفًا تتكئ عليه، وصديقة تعرف كيف تنتشلها من حزنها، ولو بضحكة صغيرة.

دخل عبدالله منزله وألقى بجسده على الأريكة بتعب، ثم رفع يده إلى رأسه محاولًا تخفيف الصداع الذي يفتك به. لكن صداعه لم يكن وحده ما يؤرقه؛ فضحكات تبارك ما زالت تتردد في أذنيه، وصورتها وهي تتصرف بعفوية الأطفال تمر أمام عينيه، حتى اللحظة التي انقلب فيها كل شيء وانتهى بدموعها.

نهض فجأة، واتجه إلى رخامة المطبخ، ثم هوى عليها بقبضته بعنف، فانشقت إلى نصفين.

ظل يحدق فيها لثوانٍ، قبل أن يسبّ نفسه ويلعنها، وقد اختنق صدره بالعجز والغضب. لم يكن يحتمل فكرة أنه ربما كان السبب في بكائها، ولا أنه لم يستطع فعل شيء يمنع ذلك.

همس من بين أسنانه، وكأنه يعاتب نفسه:

— ليه اتسرعت... ليه؟!

في مساء اليوم التالي

كانتا تجلسان في غرفة سارة عندما أضاء هاتف رنا باسم ميشو.

رفعت رنا عينيها إلى سارة، التي ما إن رأت الاسم حتى هزّت رأسها بحزم، وأشارت إليها أن تترك الهاتف يرن.

لكن رنا لم تستطع المقاومة طويلًا. ظلت تنظر إلى الشاشة بتردد، حتى نهضت فجأة وخطفت الهاتف، ثم أسرعت إلى الشرفة وأغلقت الباب خلفها، قبل أن تجيب:

— أيوه يا ميشو؟

جاءها صوت رجل غريب على الطرف الآخر:

— رنا معايا؟

قطبت حاجبيها، وأبعدت الهاتف عن أذنها للحظة لتتأكد من الرقم، ثم أعادته سريعًا:

— أيوه، مين حضرتك؟

— تعالي دلوقتي قسم أول.

تبدلت ملامحها في لحظة، وشعرت بقبضة باردة تعتصر قلبها:

— قسم أول؟! ليه؟ حصل إيه؟ هو ميشو كويس؟

— تعالي بسرعة، ولما توصلي هتعرفي كل حاجة.

— طب هو اتقبض عليه؟ ولا حصل له حاجة؟ يا باشا، رد عليّا!

لكن المكالمة انتهت قبل أن تحصل على إجابة.

ظلت رنا تحدق في الهاتف بذهول، ثم فتحت باب الشرفة وخرجت إلى الغرفة بخطوات مرتبكة.

رفعت سارة رأسها إليها، وما إن رأت وجهها حتى اعتدلت في جلستها.

— مالك؟ في إيه؟

— ميشو... ميشو في قسم أول، وواحد كلمني وبيقولي أروح له حالًا.

ساد الصمت لثوانٍ، قبل أن تسأل سارة بجدية:

— وإنتِ هتعملي إيه؟

— هروح.

أطلقت سارة زفرة طويلة، ثم مررت يدها على وجهها بضيق:

— وأنا المفروض أقولك إيه دلوقتي؟ أقولك ما تروحيش، وإنه ما يستاهلش؟ ولا أقولك روحي عشان إنتِ مش هترتاحي غير لما تطمني عليه؟

خفضت رنا عينيها، وقالت بصوت مرتبك:

— بصي، أنا عارفة إنك شايفة إن المفروض أرفض وأسيبه يواجه مشاكله لوحده، بس... هو في محنة يا سارة.

— وده المفروض منك إنتِ، مش مني أنا.

رفعت رنا عينيها إليها، وقد بدا عليها العجز.

— يعني إيه؟

— يعني إنتِ اللي كل مرة بتسامحيه، وإنتِ اللي بتجري عليه أول ما يناديكي، حتى بعد كل اللي عمله فيكي. أنا مش هقدر أمنعك، بس على الأقل عايزاكي تفكري في نفسك مرة.

هزت رنا رأسها، ثم التقطت حقيبتها.

— مش هقدر أسيبه في وقت زي ده، حتى لو هو سابني كتير.

نظرت إليها سارة طويلًا، ثم أشاحت بوجهها وهي تتمتم:

— آه، طبعًا. ما هو إحنا عندنا قلب زيادة في البيت، فبنوزعه على الناس ببلاش!

لم تبتسم رنا هذه المرة، فتنهدت سارة ونهضت من مكانها.

— طيب، يلا البسي. بس متفكريش إنك هتروحي لوحدك.

التفتت إليها رنا بدهشة.

— إنتِ جاية معايا؟

— لأ، جاية أتمشى في القسم وأتفرج على الديكور! أيوه يا بنتي، جاية معاكي. هو أنا هسيبك تروحي وإنتِ بالحالة دي؟

لم تجادلها رنا. أسرعت إلى غرفتها لتبدل ملابسها، بينما التقطت سارة هاتفها ومفاتيحها، ثم لحقت بها.

بعد وقت، توقفت سيارة الأجرة أمام قسم الشرطة.

نزلت رنا بسرعة، وتبعتها سارة، ثم اتجهتا إلى المدخل. حاولت رنا الدخول، لكن العسكري الواقف عند الباب اعترض طريقها.

— رايحة فين يا آنسة؟

— أنا جاية أقابل حد، اسمه ميشو. قالولي إنه هنا.

— استني بره لحد ما حد يطلعلك.

تراجعت رنا خطوة، وقد بدأ القلق يسيطر عليها مجددًا. أخرجت هاتفها واتصلت برقم ميشو، فرد عليها نفس الرجل الذي تحدث معها قبل قليل.

جاءها صوته بعد رنتين:

— وصلتي؟

— أيوه، أنا قدام القسم، بس العسكري مش راضي يدخلني.

— استني مكانك.

لم تمر سوى لحظات حتى ظهر رجل من الداخل، وأشار إلى العسكري عند الباب، ثم نادى عليه ليسمح لهما بالدخول.

تبادلت رنا وسارة نظرة سريعة قبل أن تتحركا إلى الداخل بخطوات مترددة.

قادتهما خطواتهما إلى مكتب صغير، حيث كان يجلس أمين شرطة. رفع رأسه نحوهما، ثم أشار إلى مقعدين أمامه.

— اتفضلوا.

جلست رنا على طرف المقعد، بينما بقيت سارة إلى جوارها، تراقب المكان بقلق.

فتح الرجل درج مكتبه وأخرج منه هاتفين من أحدث طرازات آيفون، ثم وضعهما أمام رنا، وأتبعهما بمبلغ مالي كبير، وحاسوب محمول وقبعة.

ظلت رنا تنظر إلى الأشياء الموضوعة أمامها دون أن تستوعب ما تراه.

ثم مدت يدها ببطء، والتقطت أحد الهاتفين، وعيناها تنتقلان بين بقية المتعلقات.

— دي... دي حاجات ميشو؟

أومأ الرجل.

— أيوه، دي كل متعلقاته اللي كانت معاه.

شحب وجه رنا، وشعرت بأن الأرض تهتز تحت قدميها. قبضت على الهاتف بيد مرتجفة، ثم رفعت عينيها إليه، وقد اختنق صوتها بالخوف:

— طب هو فين؟!

وقبل أن يجيبها الرجل، نهضت من مقعدها دفعة واحدة، وارتفع صوتها دون أن تشعر:

— ميشو فين؟! هو... هو مات؟!

تعليقات



<>