رواية هي كده الفصل الرابع عشر14 بقلم ابتسام محمود الصيري

رواية هي كده الفصل الرابع عشر14 بقلم ابتسام محمود الصيري
شحب وجه رنا، وشعرت بأن الأرض تهتز تحت قدميها. قبضت على الهاتف بيد مرتجفة، ثم رفعت عينيها إلى أمين الشرطة، وقد اختنق صوتها بالخوف:
 طب هو فين؟!
أجابها الرجل بهدوء:
 هو هنا، اتمسك عشان تحليل مخدرات، وهو طلب مننا نتصل بيكي ونسلّمك كل حاجة تخصه. اتفضلي معايا، بس عايزك تأكدي له إنك استلمتي متعلقاته.

تحركت خلفه بخطوات متعثرة، وجسدها يرتجف، بينما سارة تسير إلى جوارها وتحاول طمأنتها. وبعد لحظات، أشار أمين الشرطة إلى أحد العساكر، الذي أحضر ميشو ووقف به خلف الباب الحديدي ذي القضبان.

ما إن وقعت عيناه على رنا حتى أشاح بوجهه بخجل.

قال أمين الشرطة:

— هي دي رنا؟

هز ميشو رأسه بالإيجاب، فالتفت الرجل إلى رنا وأخذ يعدد متعلقاته:

— إنتِ استلمتي حاجته: سلسلة وكاب، وتمانية آلاف جنيه، وساعة، واتنين آيفون 16؟

هزت رنا رأسها دون أن تنطق.

رفع أمين الشرطة صوته قليلًا:

— سمعتيه يا ماما؟ هي استلمت كل حاجتك.

— أيوه.

أشار الرجل إلى العسكري ليعيد ميشو إلى الداخل، ثم التفت إلى رنا:

— اتفضلي يا آنسة.

تحركت رنا مبتعدة عن المكان، وهي لا تعرف ماذا ينبغي لها أن تفعل. ظلت صامتة حتى خرجتا من القسم، ثم التفتت إلى سارة بحيرة:

— هنعمل إيه دلوقتي؟

تنهدت سارة.

— والله ما أعرف. أنا أول مرة أتحط في موقف زي ده، ومش عارفة المفروض نتصرف إزاي.

فكرت رنا قليلًا، ثم قالت:

— تعالي نروح لتبارك، يمكن تعرف تساعدنا.

— يلا، بس استني نتصل بيها الأول، ليكون أونكل هناك.

أخرجت هاتفها واتصلت بتبارك. جاءها صوتها هادئًا على نحو غريب، وكأن شيئًا من الحياة قد انسحب منه.

— أيوه يا سارة؟

— إنتِ فين يا تبارك؟ ينفع نيجي نقعد معاكي شوية؟

— تعالوا، أنا لوحدي.

بعد نصف ساعة، وصلتا إلى فيلا تبارك. فتحت لهما الباب، فاندفع هوكي نحوهما بفرحة، وأخذ يدور حولهما محاولًا لفت انتباههما.

انحنت سارة تربت على رأسه، ثم رفعت عينيها إلى تبارك.

كانت هناك أشياء كثيرة تغيرت فيها، رغم محاولتها إخفاء ذلك.

لم تعد تضحك بالطريقة التي اعتادتها سارة، ولم تعد تفتح هاتفها كلما أضاءت شاشته. بل كانت تنظر إليه للحظات، ثم تقلبه على وجهه فوق الطاولة، وكأنها تعاقبه لمجرد أنه رنّ برسالة جديدة.

جلست الفتيات في غرفة المعيشة، وبدأت رنا تحكي ما حدث لميشو منذ لحظة الاتصال وحتى استلام متعلقاته من القسم.

كانت تبارك تستمع إليها بصمت، لكن عينيها ظلتا شاردتين.

توقفت سارة عن متابعة حديث رنا، ثم لوحت بيدها أمام وجه تبارك.

— الووو... كوكب الأرض بيناديكي!

انتفضت تبارك بخفة، ثم التفتت إليها.

— نعم؟

تنهدت سارة.

— من ساعة ما جينا وإنتِ قاعدة معانا بجسمك، لكن عقلك في حتة تانية.

خفضت تبارك بصرها ولم تجب.

اقتربت سارة منها وأسندت ذقنها إلى كتفها.

— هو أنا زعلتك في حاجة؟

هزت تبارك رأسها بسرعة.

— لا والله.

— أمال مالك؟

صمتت تبارك لحظات، ثم حاولت التهرب من السؤال بابتسامة باهتة.

— يمكن ضغط الامتحانات.

ضيقت سارة عينيها، ثم انفجرت ضاحكة.

— يا شيخة! الامتحانات خلصت من كام يوم!

لم تستطع تبارك منع ابتسامة صغيرة من الظهور، فاستغلتها سارة فورًا، وربتت على يدها.

— أهو... دي الضحكة اللي كنت مستنياها.

رفعت تبارك رأسها، فوجدتها تنظر إليها بحنان.

قالت سارة بهدوء:

— بصي، أنا عمري ما هضغط عليكي عشان تحكي. لو فيه حاجة مضايقاكي ومش عايزة تتكلمي عنها، براحتك. بس أوعديني إنك متشيليش الدنيا كلها لوحدك.

شعرت تبارك بوخزة في صدرها. كم كانت تتمنى أن تخبرها بكل شيء، لكنها كانت تعرف أن الحقيقة أكبر من أن تُقال، وأخطر من أن تُسمع.

ضغطت على يد سارة، وابتسمت ابتسامة صغيرة.

— يا ستي أوعدك... بس ده لما يبقى فيه حاجة أصلًا. وعشان أثبتلك إني لسه معاكم على مجرة درب التبانة، عندي خبر: ميشو اتمسك عشان تحليل مخدرات.

نظرت إليها رنا باستغراب.

— أهو إنتِ معانا، أمال كنتِ ساكتة ليه؟

— عشان بفكر مثلًا!

— طيب، فكرتي في إيه؟

أجابت تبارك بجدية:

— آه. هو المفروض يتعرض على النيابة الصبح. هكلم محامي أعرفه، يروح معانا ويتصرف في الموضوع.

ابتسمت رنا بارتياح.

— شكرًا يا تبارك.

هزت تبارك رأسها وكأن الأمر لا يستحق الشكر.

— على إيه؟ هو في محنة ولازم نساعده. إحنا مش قليلات الأصل.

وقبل أن ترد رنا، رنّ أحد هاتفي ميشو اللذين كانت تحتفظ بهما، فالتفتت إليه فورًا.

نظرت إلى الشاشة، ثم قطبت حاجبيها.

— دي الأجنبية اللي كان بيكلمها وأنا معاه. نفسي أفتح وأشتمها!

التفتت تبارك إليها بسرعة.

— لا، أوعي بس!

توقفت رنا ونظرت إليها باستغراب.

— إيه؟!

ارتبكت تبارك للحظة، ثم تداركت نفسها:

— لا، خلاص، مفيش حاجة. قصدي بلاش تعملي مشكلة وإحنا لسه مش عارفين الموضوع هيوصل لفين.

مدت يدها نحو الهاتفين.

— سيبي تلفونات ميشو معايا.

عقدت رنا حاجبيها.

— ليه؟

— عشان خايفة على طنط منك. مش ناقصة تفتحي التليفون وتعملي مصيبة، وبعدين تلاقي نفسك إنتِ كمان في القسم!

ضحكت سارة، بينما ترددت رنا قليلًا قبل أن تسلمها الهاتفين. كانت تثق بتبارك، ولم تسألها عن السبب الحقيقي وراء رغبتها في الاحتفاظ بهما.

بعد قليل، نهضت سارة وهي تلتقط حقيبتها.

— يلا يا رنا، لازم نمشي.

التفتت إليهما تبارك.

— خليكوا، لسه بدري.

هزت سارة رأسها.

— صعب. ماما مبتعرفش تنام غير لما تتأكد إني في سريري.

ضحكت تبارك.

— طيب، أوعي تنسي تغسلي سنانك قبل ما تنامي.

وضعت سارة يدها على صدرها باعتراض مصطنع.

— بيحصل، وحياتك!

ضحكت الفتيات، ثم تحركت رنا مع سارة إلى الخارج.

وبمجرد أن أُغلق الباب، عادت تبارك إلى مكانها، وأخرجت الهاتفين من حقيبتها. نظرت إلى الشاشة التي أضاءت مجددًا، ثم أبعدت الهاتف قليلًا، كأنها تحاول اتخاذ قرار لم يحن وقته بعد.

في صباح اليوم التالي، اجتمعت الفتيات أمام مبنى النيابة العام، برفقة المحامي الذي تواصلت معه تبارك. دخل الرجل إلى الداخل لمتابعة إجراءات ميشو، بينما انتظرن في الخارج بقلق.

وبعد فترة، خرج إليهن وأخبرهن:

— هو هيطلع بكفالة تلاتة آلاف جنيه، وهيتعرض بالليل على طابور عرض للتأكد إذا كان عليه أي قضايا تانية. لو مفيش عليه أحكام أو قضايا، هيخرج.

سألته رنا بسرعة:

— ممكن حضرتك تيجي معايا بالليل؟

ابتسم المحامي مطمئنًا إياها:

— مش مستدعي الأمر. أنا سألته جوه إذا كان عليه أي قضايا أو أحكام، وأكد لي إن مفيش. وإن شاء الله الموضوع يخلص على خير.

تنفست رنا براحة، بينما تولت تبارك دفع المبلغ المطلوب وإنهاء الإجراءات.

وبعد أن انتهين، تحركن معًا بعيدًا عن القسم.

كانت سارة تراقب تبارك بطرف عينها منذ الصباح، وقد لاحظت أمرًا غريبًا: كلما أضاء هاتفها وظهر اسم عبدالله على الشاشة، كانت تقلبه سريعًا أو تخفيه دون أن ترد، وكأنها لم ترَ شيئًا.

لم تعلق سارة، لكنها احتفظت بملاحظتها في ذهنها، شاعرة بأن وراء صمت تبارك حكاية لم تحكها بعد.

______

في المساء، سألت سارة بضيق:

— برضه هتروحي القسم ليه؟

— يا سارة، لازم أروح عشان مفاتيحه وتليفوناته وحاجته اللي معايا.

تنهدت سارة باستسلام.

— دماغك ناشفة! اتفضلي، بس يا ريت متتأخريش.

أومأت رنا برأسها، وتحركت. وقبل ما تروح القسم، اشترت أكلًا لميشو، ثم وصلت وجلست في الاستراحة تنتظره. مرّت ساعة طويلة قبل ما يخرج، وكانت الساعة قد تجاوزت الواحدة صباحًا.
_______

كان عبدالله جالسًا على طرف سريره، ممسكًا بهاتفه، وعيناه معلقتان باسم تبارك الذي ظهر على الشاشة للمرة الثالثة خلال ساعة واحدة.

اتصل بها أكثر من مرة منذ الصباح، وفي كل مرة كان ينتظر أن تجيب، أن يسمع صوتها ولو لدقيقة واحدة، لكنه لم يتلقَّ سوى الصمت.

مرر يده على وجهه بتعب، ثم فتح محادثتهما. اشتاق إليها أكثر مما توقع؛ لضحكتها، ولحديثها العفوي، ولتفاصيل صغيرة لم يدرك قيمتها إلا حين أصبحت بعيدة عنه.

كتب:

«إنتِ كويسة يا تبارك؟»

ظل ينظر إلى الرسالة قليلًا قبل أن يتردد في إرسالها. ماذا لو كانت لا تريد سماع صوته؟ ماذا لو كانت محاولاته المتكررة تضايقها وتدفعها إلى الابتعاد أكثر؟

زفر بضيق، وأسند ظهره إلى الحائط. لم يكن نادمًا على حبه لها، لكنه ندم على استعجاله في الاعتراف به. لم يقصد أن يخيفها أو يضعها في موقف لا تريده، وكل ما أراده أن تعرف ما يشعر به تجاهها. أما الآن، فلم يعد يعرف كيف يتعامل مع المسافة التي نشأت بينهما فجأة.

عاد إلى المحادثة، وكتب:

«وحشتيني يا تبارك... نفسي أسمع صوتك، حتى لو لدقيقة واحدة.»

توقفت أصابعه فوق الشاشة. تخيلها تقرأ كلماته، ثم تتجاهلها كما تجاهلت مكالماته، فشعر بانقباض في صدره. لم يكن يريد أن يثقل عليها، لكنه لم يستطع أيضًا أن يتصرف وكأن غيابها لا يعني له شيئًا.

مسح الرسالة ببطء، وأغلق الهاتف، محاولًا مقاومة رغبته في التواصل معها مرة أخرى. لكنه لم يصمد طويلًا؛ فبعد دقائق، فتح المحادثة من جديد وكتب رسالة أخيرة:

«مش هضغط عليكي... بس يا رب متبعديش لدرجة إني مبقاش عارف أوصلك.»

أرسلها، ثم وضع الهاتف إلى جواره، محاولًا إقناع نفسه بأنه يستطيع الانتظار. ومع ذلك، لم تمر دقائق حتى امتدت يده إليه مجددًا، يتفقد الشاشة في صمت، متشبثًا بأمل أن يجد منها مكالمة فائتة، أو حتى رسالة واحدة تطمئنه أنها لم تغلق الباب في وجهه تمامًا.

كانت تبارك جالسة وحدها، تمسك هاتفها تتابع محاولات عبدالله على واتساب. رأت اسمه يظهر وهو يكتب، ثم يختفي، ويتكرر الأمر أكثر من مرة. كانت تراه يتردد، يكتب شيئًا ثم يتراجع عنه، حتى وصلت رسالته الأخيرة.

قرأت كلماتها من الإشعارات دون أن تفتح المحادثة، وشعرت بوخزة مؤلمة في قلبها.

لم تكن تتجاهله لأنها لا تبالي به، بل لأن اهتمامه بها صار يخيفها أكثر مما يسعدها. لقد اقترب منها بصدق، ومنحها شعورًا افتقدته طويلًا، لكنها لم تستطع أن تستقبل ذلك الشعور دون أن تتذكر كل ما تحاول الهرب منه.

كانت تتمنى لو استطاعت أن ترد عليه ببساطة، أن تخبره بأنها بخير، أو حتى أن تعتذر عن صمتها. لكن أي كلمة قد تمنحه أملًا لا تملك الشجاعة لتتمسك به، وأي خطوة نحوه قد تورطه في حياة لم تخترها لنفسها.

عادت تنظر إلى رسالته الأخيرة، وشعرت بالعجز أمام صدقه. لم تكن تعرف كيف تحميه منها دون أن تؤذيه، ولا كيف تبتعد عنه دون أن تؤلم نفسها معه.

أغلقت الهاتف أخيرًا، وأغمضت عينيها، لكن كلماته ظلت تتردد في ذهنها.

لم يكن عبدالله يطلب منها سوى فرصة ليطمئن عليها، بينما كانت تبارك تحاول إقناع نفسها بأن حرمانه منها هو الطريقة الوحيدة لحمايته.
______

خرج ميشو متظاهرًا باللامبالاة، وكأن شيئًا لم يحدث، وبدأ يتحدث وهو يمزح:

— إيه يا ستي، كل ده عشان شوية إجراءات؟

نظرت إليه رنا بقلق.

— حصل إيه معاك؟

— كنت رايح آكل، لقيت كمين تفتيش مخدرات، وعملوا تحليل.

— وطبعًا اتمسكت عشان بتشرب حشيش!

ابتسم بسخرية.

— يا بنتي، أنا لو كنت عملت مكالمة واحدة بس، مكنتش روحت معاهم أصلًا. الظابط خد مني الفون، وأنا عيلتي كلها في الداخلية.

— آه، عارفة، وعشان كده مستغربة إن ده حصل.

— مدانيش فرصة. ولما رحنا القسم، طلب مني رقم حد يتصل بيه عشان ييجي يستلم متعلقاتي.

هزت رنا رأسها بأسى.

— شفت بقى؟ لو كنت عايش في نفس بلد أهلك، مكنتش اتبهدلت بالشكل ده.

— في دي عندك حق.

ثم سألته بجدية:

— والمحامي قالك إيه؟

— قال إن العربية ممكن تطلع بكفالة، بس للأسف رخصتك هتفضل مسحوبة لحد ميعاد الجلسة. وبالنسبة للقضية، غالبًا هتنتهي ببراءة لو التحليل التاني طلع سلبي، ومش هيبقى فيه حكم يتسجل عليك.

تغيرت ملامحه قليلًا، واختفت ابتسامته للحظة.

— دي تبقى كارثة لو بقى ليا ملف! هحاول أكلم ناس يشوفوا حل للموضوع ده.

مدت رنا يدها إلى كيس الطعام.

— أنا جبتلك أكل. تعالى كل.

لكنه هز رأسه بضيق.

— تعالى نروح البيت. ماليش دماغ أشوف بشر أكتر من كده.

في التاكسي، أخرج ميشو هاتفه واتصل بأحد أقاربه، أحمد، الذي كان يعمل في جهة أمنية.

جاءه صوت أحمد غاضبًا:

— إنت اتعمل لك محضر تحليل مخدرات؟ إزاي متتصلش بيا في ساعتها؟ هما معرفوش إنت ابن مين؟

— الظابط شك إن ليا واسطة، فخد الفون مني ومارضيش يسيبني أتكلم.

— وإنت إزاي تسمح لهم ياخدوك القسم يا بني آدم؟!

تنهد ميشو بضيق.

— خلاص يا أحمد، اللي حصل حصل. دلوقتي ينفع المحضر يتمسح بدل وجع الدماغ ده، واللفة دي كلها؟

— لا طبعًا. إنت كده اسمك اتسجل في القضية، وليها رقم، ولو حد حاول يحذفها هيبان إن فيه تلاعب في المحاضر. الرقم اللي بين رقمين ممكن يبان إنه ناقص، وساعتها الموضوع هيبقى أكبر.

صمت ميشو، فتابع أحمد بنبرة أكثر هدوءًا:

— عمومًا، متقلقش. مش هتاخد حكم ولا هتتسجل، بس لازم تبطل القرف ده. في الجلسة ممكن يتعمل لك تحليل تاني، ولو النتيجة طلعت إيجابية، هتلبس. والموضوع ساعتها مش هيبقى هزار.

— يا عم هبطل، أنا مش مدمن يعني. كنت بشربها تفاريح وخلاص.

— زي الفل. أي حاجة تحصل، كلمني على طول.

— ماشي، بس بلاش تقول لأمي ولا لأخويا حاجة.

— طبعًا يا محمد، متقلقش.

أنهى ميشو المكالمة، وأسند رأسه إلى المقعد. ورغم محاولته إظهار اللامبالاة، كان القلق واضحًا في عينيه؛ فهو يعرف أن الأمر قد لا ينتهي بالسهولة التي يتظاهر بها.

في الوقت نفسه، كانت سارة تحاول الاتصال برنا مرارًا، لكن هاتفها ظل مغلقًا. بدأت تقلق عليها، خصوصًا أنها لم تكن مطمئنة إلى ذهابها وحدها مع ميشو.

وبعدما فقدت الأمل في الوصول إليها، اتصلت بتبارك.

ردت تبارك بصوت متعب، لكن ما إن عرفت أن الأمر يخص رنا حتى اعتدلت في جلستها، وفتحت حاسوبها المحمول.

— هو بيت ميشو في الكوثر؟

— آه.

— الدور الكام؟

— الرابع تقريبًا.

رفعت سارة حاجبيها بدهشة.

— عرفتي منين إنه ساكن في الكوثر؟

— لما أخدت تليفونات ميشو، فعلت خاصية تتبع موقعه، وظاهر عندي دلوقتي إنه هناك.

شهقت سارة بإعجاب.

— يا بت اللعيبة! عملتيها إزاي؟ ده آيفون!

ابتسمت تبارك ابتسامة صغيرة.

— لما تكبري هقولك.

— طب عدي عليّا، أروح معاكي. بلاش تروحي لوحدك.

— لا، خليكي مكانك. هتصرف.

أغلقت تبارك المكالمة، وتحركت على الفور. كانت المسافة إلى الكوثر تستغرق نحو نصف ساعة، لكنها لم تتردد.

بعد وصول ميشو إلى الشقة، لم يستغرق الأمر طويلًا حتى خرج من الحمام. جمع الملابس التي كان يرتديها في كيس، ثم ألقاها بعيدًا بضيق، وكأنه يريد التخلص من كل شيء لمس جسده في أثناء وجوده بالقسم.

جلس بجوار رنا، التي كانت قد رتبت الطعام على الطاولة، وقال بابتسامة هادئة:

— شكرًا على وقفتك جنبي. كنت متأكد إنك إنتِ الوحيدة اللي مش هتتأخري عليّا.

ابتسمت رنا بحب.

— ميشو، أنا عمري ما أتأخر عليك.

نظر إليها قليلًا، ثم قال بنبرة بدت أكثر صدقًا من المعتاد:

— رنا، إنتِ غالية عندي فعلًا. وصدقيني، أنا مش بعرف أعبّر عن مشاعري ولا أتكلم في الرومانسية. أنا اتولدت في أسرة كلها ظباط، ومسبتهمش من فراغ. لو أقدر أبعد أكتر من كده، هبعد. أنا مش بكرههم، بس تعبت من حياة كلها تحكمات وأوامر.

أصغت إليه رنا باهتمام، وكأنها كانت تنتظر منه هذه الكلمات منذ زمن.

— عارفة يا ميشو، وعشان كده مهما بتعمل، مش بزعل منك. بس كل اللي بطلبه إني أحس باهتمامك بيا، أحس إنك بتحبني.

هز رأسه مبتسمًا.

— يا ستي، أنا إظهار حبي بيكون بالأفعال، مش بعرف أتكلم بجد.

نظرت إليه بعتاب.

— أفعال؟ بتهزر، صح؟! ما كل أفعالك بتبين إنك مش بتحبني!

ضحك بخفة.

— لا، أفعالي غير اللي في دماغك.

تعلقت عيناها به، وسألته بلهفة:

— يعني إيه؟

اقترب منها قليلًا.

— تحبي تحسي بحبي ليكي؟

اتسعت ابتسامتها، وأومأت بسرعة.

— آه طبعًا.

أمسك يدها وقبّلها، ثم نظر إلى عينيها بابتسامة هادئة. احمر وجهها خجلًا حين طبع قبلة على وجنتها، فابتعد قليلًا يراقب ارتباكها، قبل أن يميل نحوها مرة أخرى ويقبّل شفتيها قبلة خفيفة.

أغمضت رنا عينيها للحظة، وقد غلبتها سعادتها. كانت تلك اللحظات كافية لتجعلها تتشبث بأملها فيه من جديد.

وصلت تبارك إلى العمارة بعد نصف ساعة تقريبًا. وقبل أن تدخل المصعد، استوقفها صوت رجل ضخم، يتحدث بلهجة صعيدية واضحة:

— رايحة فين يا آنسة؟

توترت للحظة، لكنها سرعان ما تماسكت وأجابته:

— أنا كوافيره، طالعة للدور الرابع عند مدام...

تظاهرت بأنها نسيت الاسم، فبادرها الرجل:

— مدام رباب ولا جوليا؟

ابتسمت تبارك وكأنها تذكرت:

— أيوه، جوليا! عليك نور.

أشار لها بالدخول؛

— ماشي، اتفضلي.

صعدت إلى الدور الرابع، وهناك وجدت أكثر من شقة، ولم تكن تعرف أين شقة ميشو. وقفت لحظة تفكر، ثم قررت الاعتماد على حاسة الشم؛ فقد اعتادت رائحة عطره، وتوقعت أن تميزها بسهولة.

اقتربت من أحد الأبواب، وحاولت تمييز الرائحة، لكنها سمعت صوت فتح الباب فجأة. ابتعدت قليلًا وتظاهرت بأنها تبحث عن رقم شقة، بينما خرج شاب طويل في أواخر الثلاثينيات.

نظر إليها مستغربًا.

— بتدوري على حد؟

— آه، معايا أوردر لشقة محمد حسن، بس الشقق هنا مش مترقمة.

أشار لها إلى شقة في نهاية الممر، ثم اتجه نحو المصعد.

انتظرت تبارك حتى اختفى صوته، ثم توجهت إلى الشقة التي أشار إليها. طرقت الباب مرة، وانتظرت، لكن لم يفتح أحدًا، طرقت مرة ثانية، وهذه المرة بقوة أكبر.

نهض ميشو متذمرًا، وراح يسبّ من خلف الباب. ارتدى بنطاله على عجل، ثم فتحه ليجد تبارك واقفة أمامه.

رمقها بضيق، فقالت بهدوء متعمد:

— أتمنى أكون مش أزعجتك. أنا عايزة رنا بعد اذنك.

— مش موجودة.

نظرت إليه بثبات.

— أنا عارفة إنها قد الكتكوت وممكن متاخدش بالك من وجودها، ادخل بس اتأكد، وهتلاقيها إن شاء الله.

قطّب حاجبيه.

— بقولك هي مش هنا!

— طيب، بدل الدوشة دي كلها، ناديها وخليها تخرج بنفسها.

وفي تلك اللحظة، ظهرت رنا خلفه، وقد ارتدت ملابسها على عجل.

— عايزة إيه يا تبارك؟

ابتسمت تبارك ابتسامة جانبية، ونظرت إلى ميشو.

— مش قلتلك مش هتحس بوجودها؟ أهي جوه أهو.

ثم قال ميشو بعصبية:
— إنتِ ولية أمها، وأنا معرفش. 

لم تجيبة ووجهت حديثها ل رنا:
- يلا يا رنا، تعالي.

تراجعت رنا خطوة.

— امشي يا تبارك، أنا هفضل هنا.

التفت ميشو إلى تبارك بحدة.

— سمعتي؟ يلا امشي.

رفعت تبارك حاجبيها.

— لا، للأسف مش بسمع الكلام ده.

ثم أخرجت هاتفها من حقيبتها، وقالت بنبرة هادئة:

— بس الموضوع سهل. أتصل بعمو وطنط، وبما إنهم أولياء أمرها، يقدروا ييجوا ياخدوها. وساعتها هيبقى عندهم أسئلة كتير، وممكن الموضوع يوصل لمحضر، والمرة دي مش هتخرج تشوف الشارع تاني.

تحمحم ميشو، وقد بدأ القلق يتسلل إلى ملامحه:

— لا، وعلى إيه؟ خديها.

ثم التفت إلى رنا بضيق.

— بقولك إيه، أنا مش ناقص وجع دماغ. روحي معاها يلا.

استدارت رنا نحوه بصدمة، لكنها لم تجد في وجهه ما يشير إلى أنه سيغير رأيه. مدت تبارك يدها إليها وسحبتها برفق، فحاولت رنا الاعتراض بصوت منخفض حتى لا يسمع الجيران.

— سيبيني يا تبارك!

لكن تبارك واصلت سيرها دون أن تدخل في جدال معها.

وصلت الفتاتان إلى منزل سارة، وما إن سمعت الأخيرة ما حدث حتى انتفضت من مكانها.

— عمل فيكي إيه يا رنا؟!

ردت رنا بعصبية:

— معملش حاجة والله! إنتوا مكبرين الموضوع ليه؟

نظرت إليها سارة بعدم تصديق.

— يا بنتي، هو مش بيحبك!

— المرة دي أنا واثقة مية في المية إنه بيحبني.

— يا بنتي، ده واحد واطي وبيضحك عليكي!

— لا، بيحبني!

تدخلت تبارك، وقد نفد صبرها من تكرار النقاش نفسه.

— بصي يا رنا، أنا مش هقعد أقولك بيعمل وبيعمل، لأنك مش هتصدقي. كل اللي هعمله إني هجيب لك دليل ملموس عليه، وساعتها هاخدك من إيدك وأوريكي الحقيقة بعينك.

التفتت رنا إليها بعناد:

— تبارك، اطلعي إنتِ بره الموضوع. مهما يعمل، أنا بحبه.

— مهما يعمل؟

— أيوه!

سكتت تبارك لحظة، ثم قالت:

— طيب، إنتِ تعرفي إنه بيساوم ستات قد جدتك، ويوهمهم بمشاريع واستثمارات، وبعدين يشترط إن اسمه يبقى موجود في عقود الشركات؟

ردت رنا بسرعة، وكأنها وجدت مبررًا جاهزًا:

— عارفة عشان الضرايب. لما الشركة تبقى باسم مصري، الضرايب بتكون عادية، مش زي الأجانب.

عضّت تبارك شفتها السفلى بغيظ، ثم قالت:

— ماشي يا رنا. الأيام بينا، وهأكد لك إنه بيستغلك زيهم بالضبط.

— يوووه! بيحبني، بقولك!

تنفست تبارك بعمق، ثم اكتفت بكلمة واحدة:

— ماشي.

التفتت نحو الباب، فبادرتها سارة بقلق:

— رايحة فين يا تبارك؟ خليكي معانا.

هزت تبارك رأسها.

— معلش، عايزة أبقى لوحدي شوية. خلي بالك منها، ولو حاولت تتحرك أو تروح له، كلميني.

— حاضر.

غادرت تبارك وهي تشعر بثقل المسؤولية على كتفيها. كانت رنا لا ترى من الدنيا سوى ميشو، ومستعدة لتبرير أي تصرف يصدر عنه، مهما كان مؤذيًا. أما تبارك، فلم تعد تستطيع الوقوف متفرجة وهي ترى صديقتها تسلّم نفسها لشخص يستغل حبها بهذه الطريقة.

عادت تبارك إلى منزلها، وأخرجت حاسوبها المحمول، بينما أخذ هوكي يدور حولها ويقفز بجوارها مطالبًا باهتمامها. مررت يدها على رأسه بابتسامة صغيرة، ثم جلست أمام شاشة الحاسوب. 

كانت تعرف أن قرارها بالاحتفاظ بهاتفي ميشو لم يكن عبثًا. فمنذ أن أصبحا معها، وهي تراقب المحادثات التي تصل إليهما، وتجمع ما يكفي من المعلومات لفهم حقيقته.

تنقلت بين المحادثات المفتوحة، فوجدت رسائل بينه وبين سيدات أجنبيات مسنات، يتحدث معهن عن مشروعات وصفقات، ثم انتقلت إلى محادثات أخرى مع فتيات، لم يكن أسلوبه معهن يحتمل كثيرًا من التأويل.

لكن إحدى المحادثات استوقفتها طويلًا.

توقفت أصابعها فوق لوحة المفاتيح، وأعادت قراءة الرسائل بتركيز. كانت تتعلق بحقيقة لم تكن رنا تعرفها؛ ميشو متزوج، ولديه أطفال يعيشون في بلده مع والدته، بينما يبرر غيابه عنهم بانشغاله بالعمل.

أغلقت تبارك إحدى النوافذ، ثم عادت إليها بعد لحظات.

كانت تعرف أن اكتشاف زواجه لن يكون كافيًا وحده لإقناع رنا بتركه. فالحب الذي تتمسك به صديقتها لم يعد مرتبطًا بما يفعله ميشو فعلًا، بل بالصورة التي رسمتها له في خيالها.

ولذلك، لم يكن أمام تبارك سوى أن تجمع أدلة لا يمكن لرنا أن تجد لها مبررًا.

مرّت الساعات، ورنا تحاول الاتصال بميشو مرة بعد أخرى، لكنه كان يتجاهل مكالماتها تمامًا. لم يرسل حتى رسالة يطمئنها بها، وكأن ذهابها مع تبارك كان إهانة لا يمكنه تجاوزها.

وفي النهاية، اتصلت بتبارك، وما إن ردت حتى انفجرت رنا في وجهها:

— عجبك كده؟ أهو مش بيكلمني! إنتِ واحدة أنانية ومغرورة، عايزة الكوكب كله يبقى محاط بيكي! أنا بكرهك!

لم ترد تبارك فورًا، وتركتها تفرغ غضبها، ثم قالت بهدوء:

— رنا، هعتبر نفسي مسمعتش حاجة. أنا مش هتخلى عنك، ووعدتك إني هخليكي تشوفي الحقيقة بعينك.

صرخت رنا بعا قائله بغل:

— إنتِ مستفزة! ابعدي عني! إنتِ ضيعتيني!

في تلك اللحظة، عادت سارة إلى الغرفة، فأسرعت نحوها بعدما سمعت صوتها المرتفع وهي تتحدث مع والدتها في بعض الأمور، أخذت الهاتف من يدها برفق، قبل أن تقول لتبارك:

— حقك عليّا يا تبارك، بالله عليكي ما تزعليش منها. هي زي اللي مخبوط على دماغه ومش عارف هو بيعمل إيه.

جاءها صوت تبارك هادئًا، لكنه كان يحمل جدية لم تعهدها سارة منها في حديثها عن رنا.

— سارة، رنا بقت مسؤوليتي من ساعة ما عرفت ميشو على حقيقته. في الأول كنت بسمع منها إنه مهمل معاها ومش بيديها اهتمام، لكن اللي عرفته دلوقتي أكبر بكتير. الموضوع مبقاش مجرد واحد مش بيحبها زي ما هي بتحبه.

سكتت لحظة، ثم أكملت:

— أنا مش هسيبها تضيع نفسها عشانه. هي أمانة في رقبتي ورقبتك، ولازم نساعدها تفوق قبل ما يأذيها أكتر.

نظرت سارة إلى رنا، التي كانت قد جلست على الأرض، تبكي بعجز وتتمسك بهاتفها في انتظار أن يتصل ميشو.
ولم تجد سارة ما تقوله. فقد أدركت أن إقناع رنا بالحقيقة أصعب بكثير من مجرد كشفها أمامها.
تعليقات



<>