
كانت أنفاس "وسام" متسارعة، ويداها ترتجفان وهي تجمع تلك الأوراق الحساسة بسرعة وعناية فائقة. لم تكن تملك ترف الوقت؛ فالخطر يحيط بهم من كل جانب. وضعت الأوراق بحقيبة ابنتها الصغيرة "ليان" ذات الخمسة أعوام، والتي كانت تنظر إليها ببريق البراءة في عينيها الواسعتين.
اقتربت ليان برأسها المائل وسألت بصوتها الطفولي الهادئ:
"ماما... ما هذه الأوراق الكثيرة التي تضعينها في حقيبتي؟"
ابتسمت وسام وسط خوفها، وجثت على ركبتيها لتصبح بمستوى عيني طفلتها، وقالت بصوت هامس ومطمئن:
"هذه أوراق مهمة يا حبيبتي.. إنها سرّ بيني وبينكِ وحدنا، إياكِ أن تخبري بها أحداً، اتفقنا؟ والآن.. تعالي لألبسكِ معطفكِ الثقيل، الجو بارد جداً في الخارج."
ثم أضافت بابتسامة حانية محاولة تبديد خوف الصغار:
"سنخرج أنا وأنتِ الآن في مغامرة صغيرة لنرى نجوم الليل الساطعة التي حكيت لكِ عنها مراراً."
تهلل وجه ليان فرحاً، وصفقت بيديها الصغيرتين قائلة بحماس:
"ياااسلام! حقاً يا ماما؟ سنرى النجمة اللامعة معاً؟!"نعم ياحبيبتي.. سوف نراها،
أخذت وسام ابنتها بحذر شديد، وتسللتا بخطوات خفيفة وصامتة نحو الباب الخلفي للمنزل لتغادرا في عتمة الليل. لكن، لم تكن الأمور بهذه السهولة؛ فقد شعر "مروان التهامي" زوجها بحركة غير معتادة، وتحرك بسرعة ليلحق بهما ويثنيهما عما تفعلانه، لكن وسام كانت أسرع مما توقع.
أسرعت وسام بطفلتها نحو السيارة، وقادتها بسرعة جنونية تشبه طلقة رصاص وسط الظلام والعاصفة الخفيفة. لم تكد تبتعد كثيراً، حتى تفاجأت بسيارة مروان تظهر من بين الضباب وتقطع عليها الطريق تماماً لتتوقف أمامها بشكل مفاجئ.
رأته وسام من بعيد، فحاولت بحركة سريعة ومستميتة أن تتراجع للخلف وتغير اتجاهها، لكنه كان أسرع، وأحكم السيطرة على الموقف واوقفها قهراً. وقبل أن تستوعب ما يحدث، فتح باب السيارة وانتزع الطفلة ليان من بين أحضانها بقسوة. حاولت وسام الدفاع عن ابنتها والصراخ، لكنهالم تستطيع استغلت ثانية غفلة منه وتهدئته لليان لتفلت من قبضته، وتهتدي بركضها نحو مزرعة قريبة مظلمة تحتمي فيها بين الأشجار الكثيفة.
ظل مروان يبحث عنها في زوايا المزرعة المظلمة بكل عزم وغضب، لكنه لم يجد لها أثراً وكأن الأرض انشقت وبلعتها. اضطر في النهاية للعودة إلى المنزل وهو يحمل ليان المرتجفة والبائسة.
بمجرد وصوله إلى قصر العائلة، اشتعل الغضب في صدره، فجمع رجاله ووقف بينهم بصوت مرعب ومحذر:
"يجب أن تفتشوا عن وسام في كل مكان.. يجب أن تلاقوها ضروري، وإلا فلن أرحم أحداً منكم! أقسم أنني سأقتلكم جميعا!"
في تلك اللحظة، دخلت والدته "خيريه هانم" بخطوات واثقة ونظرات حادة، وقالت له بقسوة وهي تنظر إليه مباشرة:
"هل تبحث عنها؟ أتركت زوجتك تفعل هذا؟! لقد سرقت أوراقاً ومستندات في غاية الخطورة، أوراق تكشف حقيقتنا للناس وستدمر عيلتنا بالكامل وتأخذنا إلى الهلاك! يجب أن تلاقوها وتستعيدوا تلك الأوراق بأي ثمن."
نظر إليها مروان بصدمة، ورفض بعنف قائلاً:
"مستحيل! . وسام لا يمكن أن تفعل شيئاً من ذلك أبداً!"
لكن خيريه هانم لم تلتفت لإنكاره ولم تأخذ دفاعه عنها بعين الاعتبار. التفتت بوجه بارد نحو خادمتها الأمينة وقالت بنبرة أمر حاسمة:
"صفية.. شوفي شخصاً تثقين به تماماً، شخصاً يعرف كيف يخلصنا منها ومن شرها بدون أن يترك أي أثر خلفه.. عيلتنا ستتدمر تماماً لو وصلت تلك الأوراق إلى مباحث الاموال العامه"
ظلت "وسام" تجري في عتمة الليل وسط الأشجار الكثيفة في المزرعة، أنفاسها متسارعة وقلبها يكاد ينخلع من مكان من شدة الخوف والرعب، حتى لاحت في عينها بصيص وميض خافت لبيت قديم ومهجور. اقتربت بحذر شديد حتى وجدت كوخاً صغيراً مهجوراً، فتسللت إلى داخله واحتمت في زاويته المظلمة بعيداً عن الأعين ورجال مروان الذين كانوا يمشطون المكان بالخارج.
مرت ساعات الليل ثقيلة وباردة. ظلت جالسة في زاويتها ترتجف من البرد والخوف، وتحدث نفسها بصوت مهمس يملؤه القهر: "ماذا أفعل الآن؟ وكيف أتصرف؟"
، كانت الطامة الكبرى؛ فقد تبيّن لها أن الأوراق المهمة والخطيرة قد ضاعت منها وسقطت ربما أثناء هروبها السريع أو لحظة انتزاع مروان للطفلة، ولم يتبقَ معها سوى لعبة ابنتها الصغيرة التي تركتها لها كذكرى مؤلمة.
وسط التفكير والقهر، غلبها التعب والإرهاق الشديد وغفت عيناها رغماً عنها، لتوخزها خيوط الشمس الأولى مع إشراقة صباح اليوم التالي.
انتظرت حتى ههدأت حركة المكان تماماً، ثم تسللت بحرص شديد وخوف من أن يرصدها أحد، وخرجت تدريجياً حتى وصلت إلى الطريق العام تفتش عن الحقيبه ربما وقعت هناك لكن دون جدوي . التقطت هاتفها المحمول واتصلت بأخيها "عثمان"، وقصت عليه بصوت متهدج كل ما حدث معها وكيف طاردها مروان وسلب منها ليان والأوراق. وطلبت منه ألا يأتي إلا في جنح الظلام وتحت جنح الليل حتى لا يراها أحد، ووصفت له بدقة المكان والكوخ المهجور الذي تأوي فيه، ريثما تجد طريقة لاستعادة ابنتها والبحث عن الأوراق.
مرّ النهار بطيئاً ومخيفاً، وجاء الليل بعتمته الشديدة وبرده القارس.
وعلى موعدهما، ظهر عثمان أخوها بسيارته بخفاء، ومعه بعض الطعام الدافئ وبعض الملابس لتتقي بها برد الليل. بمجرد أن رآها حتى نظر إليها بعتاب وقلق، وسألها بلهفة:
"لماذا فعلتِ هذا يا وسام؟ كيف جازفتِ بحياتكِ وحياة الطفلة هكذا؟!"
أجابت بحرقة ودموعها تترقرق في عينيها:
"ليس لدي وقت لأشرح لك شيئاً الآن يا عثمان... أرجوك، كل ما أتمناه هو أن أكون في مكان آمن بعيداً عن أيديهم."
فكر عثمان قليلاً ثم قال مطمئناً إياها:
"لا تقلقي، يوجد غرفة فوق سطوح منزل صديقي.. إنه يريد تأجيرها وقد كلفني أنا بالبحث عن مستأجر وهو الآن مسافر ولن يعود قريباً."
سألته بقلق: "وهل هي آمنة يا عثمان؟ هل يجرؤ أحد على الوصول إلينا هناك؟"
أجابها بثقة: "نعم، آمنة تماماً، فهي بعيدة جداً عن أعينهم ولن يخطر ببال أحد أن يبحثي هناك."
أخذها عثمان معه وذهب بها إلى تلك الغرفة فوق السطوح. عاشت فيها بسلام وهدوء تام لبعض الوقت، تختبئ عن الأعين، بينما كان عقلها لا يتوقف عن التفكير: كيف ستستعيد ابنتها ليان؟
لم تكن "وسام" تقضي وقتها في الغرفة فوق السطوح عبثاً؛ فقد كانت تتابع أخبارهم وتترقب أي فرصة تقربها من ابنتها. وبالفعل، علمت أن عائلة التهامي ستقيم حفلاً ضخماً وراقيًا لافتتاح مستشفى جديد للتجميل، يحضره صفوة المجتمع ورجال الأعمال وأبرز الشخصيات.
وجدت فيها وسام فرصتها الوحيدة والخطيرة.
تحت جنح التخفي، تدبرت ملابس نادلات الحفل، وارتدت باروكة سمراء داكنة أخفت تماماً شعرها الذهبي المميز. وفوق صينية تقديم فضية، رتبت بعض الأكواب بخطوات ثابتة، ودخلت من باب خدمة الفندق الفخم حيث تقام الاحتفالية الصاخبة.
وسط الأنوار الباهرة والموسيقى الهادئة، تجولت ببصرها حتى رأت من بعيد طاولتهم الخاصة؛ كانت "ليان" تجلس ببراءتها، وبجانبها جدتها خيريه هانم، والخادمة الأمينة صفية، إلى جوار عمتها الشابة "سرين".
في تلك اللحظة، التفت الجميع نحو منصة الحفل لالتقاط الصور التذكارية، وانشغل "مروان" تماماً بالحديث مع الحضور وبعض الشخصيات البارزة، بينما انشغل باقي من حول الطاولة لبعض الوقت، فتركت ليان وحدها للحظات معدودة.
بدقات قلب تسابق الريح، اقتربت وسام بحذر شديد حتى أصبحت خلف ابنتها مباشرة، وانحنت لتهمس بحنان ممزوج بالدموع:
"ليان... حبيبتي، أنا أمكِ.. لا تتحركي من مكانكِ، وانتظريني عند باب الخروج الخلفي."
لكن... في جزء من الثانية، التفتت عينا مروان نحو الطاولة، وشعر بحدس غريب ومفاجئ تجاه تلك النادلة التي تقترب من ابنته. ترك المصورين فجأة، وترك الطبيب الشهير الذي كان يشرح للحاضرين براعته الاستثنائية في عمليات تغيير ملامح الوجوه المشوهة وإعادة هندستها، واندفع كالصاعقة نحو الطاولة!
رأته وسام قادماً من بعيد، فاشتعل الرعب في قلبها، وقبل أن يضع يده عليها، ألقت بالصينية وفرت هاربة بكل ما أوتيت من قوة وسط زحام الحفل والصدمة التي أصابت الحاضرين.
وفي خضم هذه الفوضى، وبينما كانت سرين تتابع ما يحدث بصدمة، التقت عيناها فجأة بعيني الطبيب الوسيم والمغرور الذي كان يشرح تفاصيل عملياته، والقت عليه نظرة اعجاب خاطفة وسط صخب المكان
أما وسام، فقد ركضت كالمجنونة تفر من مروان في ممرات الفندق المعقدة، تاركة خلفها صدى خطواته الغاضبة، حتى تمكنت في النهاية من الاختفاء تماماً عن أعينه وتوارَت عن الأنظار
يتبع