رواية كش ملك
الفصل الرابع4الاخير
بقلم ياره علاء الدين
"كنت فاكر إني بدوّر على قـ.ــاتل... لحد ما اكتشفت إن القـــ.ـاتل كان بيدوّر عليّا من عشر سنين."
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
فضلت أنا وإياد متسمّرين مكاننا... بنبص للورقة وللاسم اللي حواليه الدائرة الحمرا.
كلمة القــ.ــاتل كانت لسه بترن في ودني زي الصدى: "اسمه قدامك."
إياد سجل اسمه وقالي:
ـ أنا هجيب عنوانه ومكانه حالاً يا فندم!
لكن أنا... مكنتش مركز في الاسم قد ما كنت مركز في الدائرة الحمرا نفسها!
مسكت الورقة وقربتها من عيني.
طريقة رسم الدائرة... الانحناءة اللي في آخر الحرف...
جالي إحساس غريب قشعر في جسمي كله.
الطريقة دي أنا شوفتها قبل كده!
إياد رفع عينه وقال باستغراب بعد ماعمل مكالماته :
ـ غريبة أوي يا فندم... الاسم ده لمهندس اسمه "طاهر"، ده اللي مـ.ـات في المشروع من عشر سنين والقضـ.ـية اتسجلت قضاء وقدر!
ماسمعتش باقي كلمته.
أنا كنت باصص على الهامش السفلي للورقة... كان فيه رمز صغير مرسوم باللون الأسود الباهت: حرف (آ) مكتوب بالمد بطريقة معينة!
في اللحظة دي... الدنيا لفّت بيا.
الرمز ده توقيعي الشخصي!
التوقيع اللي كنت بكتبه زمان وأنا طالب في الكلية وعلى ورقي الخاص!
إياد لاحظ شحوب وشي وقال بقلق:
ـ آدم بيه؟ أنت كويس؟
مسكت رأسي بإيديا الاتنين.
ذاكرتي بدأت تفتح أبواب كانت مقفولة بقالها عشر سنين...
من عشر سنين، لما كنت ظابط جديد ومتحمس، كان عندي شغف في الكتابة من زمان.. قعدت في أوضتي وكتبت "سيناريو فيلم جريمة"، قصة جنـ.ـائية حبكتها عن قـ.ـاتل محترف بيلعب شطرنج مع الشرطة، ويبعت رسايل للظابط اللي بيحقق عن كل جريـ.ـمة قبل ماتحصل.
سحبت نفسي بالعافية وقولت لإياد بصوت مبحوح:
ـ إياد... خليك هنا ومتتحركش.
سيبت المكتب وجريت زي المجنون.
ـ يا فندم رايح فين؟ القوة جاهزة تتحرك على بيت طاهر ده!
صرخت فيه وأنا نازل على السلم:
ـ محدش يتحرك غير لما أكلمك!
ركبت عربيتي، ودوست بنزين بأقصى سرعة.
مكنتش رايح لمسرح جريـ.ـمة... ولا رايح بيت الضـ.ـحية...
كنت رايح لشقتي القديمة... شقة والدي الله يرحمه اللي مقفولة ومحدش بيدخلها غيري.
طول الطريق، الأفكار كانت بتتكاثر في عقلي من غير اجابات:
"مستحيل... ده مجرد تشابه! سيناريو خيالي كتبته في كشكول وركّنته في الدرج ومحدش قراه أصلًا... إزاي يتنفذ في الحقيقة؟!"
وصلت العمارة، طلعت السلم ونفسي مقطوع.
فتحت باب الشقة المقفولة بقالها سنين. الريحة كانت تراب وسكون.
دخلت الأوضة القديمة، اتحركت مباشرة للمكتب الخشبي بتاعي:
نزلت على ركبي، وفتحت الدرج اللي تحت, الدرج اللي رميت فيه أوراقي القديمة وشغفي القديم ونسيته.
قعدت أفتش بين الأوراق والمجلات المتربة بلهفة ورعب.
أنا بدور على حاجة واحدة بس...
كشكول جلد أزرق... كشكول السيناريو!
فتشت الدرج كله...
الدرج كان فاضي!
الكشكول الأزرق... اختفى!
وقفت مكاني وأنا حاسس اني دايخ
كل التفاصيل اتجمعت في عقلي في ثانية واحدة زي الصاعقة:
* "النقلة الأولى" و"النقلة الثانية"...
* القناع الأبيض...
* طريقة القتـ.ـل بنفس الزاوية والحرص...
* الضحـ.ـية الأولى... والضحـ.ـية الثانية
* الرسائل المصورة الموجّهة ليّ بالاسم...
القـ.ـاتل مش بيلعب معايا شطرنج بخطط جديدة...
القاتـ.ــل بيمشي حرفيًا على خطوط سيناريو فيلم أنا اللي كتبته !
قعدت على الكرسي القديم وأنا بحاول أتنفس.
مين اللي قدر يوصل لدرج مكتبي في شقة مقفولة؟
وليه بيطبق الجرائـ.ـم دي بالذات في الواقع؟
وعرف منين كل ده؟
فجأة رن موبايلي.
كان إياد.
رديت بصوت مجهد:
ـ أيوة يا إياد...
ـ يا فندم أنت فين؟ أنا دورت ورا المهندس طاهر ده ولقيت حاجة غريبة!
ـ إيه هي؟
-كان فيه بلاغ بيطالب بالتحقيق مع محمود الرفاعي (المقاول) وشريف عزام (المدير المالي) بتهمة التلاعب في التسليح والخامات, واللي كان ماسك القضـ.ـية دي وقتها... سيادة اللواء السيوفي... والد حضرتك الله يرحمه!
غمضت عيني بعنف... والذكريات رجعت تضرب في دماغي زي السيل!
افتكرت كل حاجة!
من عشر سنين... أبويا رجع البيت يومها وهو في قمة غضبه وقهره. كان بيحقق في مـ.ـوت المهندس الشاب "طاهر"، وكان متأكد إن محمود وشريف هما السبب في الفساد اللي أدى لموته...
بس مكنش فيه أي دليل عليهم وقتها والقضية اتقفلت واتقيدت قضاء وقدر.
والدي مـ.ـات بعدها بفترة قريبة وهو حاسس بالعجز... وأنا وقتها، كشاب في بداية حياتي متأثر بمـ.ـوت والده، أخدت تفاصيل القضيـ.ــة دي وقعدت في أوضتي وكتبت السيناريو الخيالي ده...
سيناريو ينتـ.ــقم فيه قا تـ.ـل مجهول للمهندس طاهر، ويقـ.ـتل محمود وشريف بنفس الطرق اللي بتحصل دلوقتي!
أنا مكنتش بحقق في القضية... أنا كنت بس بحاول أحقق العدالة لوالدي على الورق!
سألت إياد بصوت مرعوب:
ـ طاهر... كان عنده إخوات؟
إياد سكت ثواني وهو بيقلب في الورق، وبعدين قال:
ـ أيوة يا فندم... كان عنده أخ أصغر منه... اسمه "ياسين".
قفلت مع إياد وأنا بحاول أربط الخيوط ببعض !
وفي عز صدمتي وتوهاني... الموبايل في إيدي اتهز.
إشعار رسالة صوتية جديدة على الواتساب من رقم مجهول.
فتحت الرسالة بإيد بتترعش وشغلتها...
المرة دي مكنش فيه جهاز تغيير صوت... كان صوت شاب هادي، طبيعي جداً، بس نبرته كانت باردة وواثقة.
قال:
"بتدور على الكشكول الأزرق يا آدم بيه؟"
قلبي دق بعنف كأنه هيقف... والصوت كمل:
"أكيد بتسأل نفسك أنا دخلت الشقة دي إزاي ووصلتله منين...
افتكر كده من كام شهر، لما جيت شقة والدك، ولقيت شاب قاعد أدام العمارة... وقالك ياريت تسيبلي المفتاح عشان فيه حاجات في السباكة هتتغير؟
أول ما سمعت الجملة دي... المشهد ضرب في دماغي زي الصـ.ـاعقة!
افتكرت اليوم ده بالتفصيل..
افتكرت الشاب الهادي اللي كان قاعد مكان البواب، وافتكرت إني من كتر استعجالي وضغط الشغل، طلعت نسخة المفتاح الاحتياطية وادتهاله عشان يتابع الموضوع ده لاني مش فاضي .
الصوت كمل من الموبايل وهو بيفسرلي الكابوس اللي أنا عايش فيه:
"أنا بقى الشاب ده يا سيادة المقدم, أنا وصلتلك بعد كتيير أوي بس المهم إني وصلت, دخلت الشقة كنت بدور في الورق على أي دليل يفتح قضـ.ـية أخويا اللي مـ.ـات ظلم... بس بدل ما ألاقي دليل، لقيت كشكولك الأزرق!
سكت ثانية في الفويس... وبعدين كمل بنبرة كلها تحدي:
أنا مش بدمــ.ـر نفسي ولا بلعب معاك... أنا بكمل لوحتك!
أنت اللي رسمت العدالة على الورق لما القانون عجز عن حمايتنا...
وأنا مجرد المخرج اللي بينفذ إخراجك في الواقع! تقدر تتحرك دلوقتي على المكان اللي كاتب فيه النهاية في الصفحة الأخيرة, عشان تشوف المشهد الأخير!
انتهت الرسالة الصوتية... ورجع السكون يخيم على الشقة المظلمة، وأنا واقف مكانى حاسس إن الأرض بتتسحب من تحت رجلي!
مسكت الموبايل بقوة وقولت:
أنا عارف كويس المشهد الأخير فين!
جريت على عربيتي. بلغت إياد بالقوة تحاصـ.ـر المكان ووصلت للمكان اللي المفروض كان هيكمل فيه المشروع بس اتوقف عشان مكنش فيه سيولة أو ده اللي اتقال وقتها, وحاليًا هو مبنى مهجور
.
دخلت بسـ.ــلاحي المرفوع، كشاف موبايلي بينور الضلمة.
صوت خطواتي كان عالي أوي في سكون المكان.
وفجأة... شوفته.
واقف في نص المكان، لابس نفس الهدوم السودا، وماسك القناع الأبيض في إيده. وجنبه كان فيه شخص مربوط على كرسي ومكمم وفاقد الوعي أو ميـ.ــت مش متأكد!
قربت الكشاف... الشخص المربوط كان رئيس المباحث القديم! اللي قفل قضية طاهر من عشر سنين!
قولتله بثبات:
ـ نزل السلاح يا ياسين! الموضوع انتهى، الشـ.ــرطة محـ.ـاصرة المكان كله!
ابتسم ياسين ابتسامة باهتة وحزينة وهو بيستوعب كلامي، وقال:
ـ عارف... بس أنت نسيت أهم صفحة في السيناريو بتاعك يا آدم.
سكت لحظة وكمل:
ـ في صفحة 249 من كشكولك الأزرق... أنت كتبت إن القـ.ـاتل لما بيخلص مهمته وينفذ العدالة... مش بيسيب الشرطة تقبـ.ـض عليه.
عقلي اتجمد...
افتكرت الصفحة الأخيرة اللي كتبتها .
كتبت إن القـ.ـاتل بيضـ.ـحي بنفسه في النهاية عشان ينهي اللعبة بشروطه هو!
صرخت:
ـ لا يا ياسين! ده كان مجرد كلام على ورق! مجرد قصة خيالية كتبتها! أنا ممكن ......
ياسين رفع إيده كان ماسك ولاعة وبصيت تحت رجليه لقيت سائل مغرق المكان كان واضح أوي إنه بنزين... بصلي وقال:
ـ القصة مكانتش خيال يا آدم بيه... أنت كتبت الحقيقة اللي الكل خاف ينطقها. وأنا خليتك تحل القضية اللي أبوك عجز عنها من سنين, هتلاقي وصل مكتبك كل الأوراق اللي تثبت إن أخويا اتقتـ.ــل , وفيه الاعترافات بالأدلة من المجرميـ.ـن دول!
وقبل ما أتحرك خطوة واحدة ناحيته...
رمى الولاعة وهو بيبصلى وبيبتسم وقال:
(كش ملك)!
انفجـ.ــار ضخم هز المكان، القوة بتاعته دفعتني للوراء.
إياد والقوات اللي وصلت في نفس اللحظة بعدوني عن المكان بسرعة.
بعد اسبوع...
كنت قاعد في مكتبي
السبورة فاضية. القضيـ.ـة اتقفلت رسمياً.
محمود وشريف والرئيس القديم للمباحث... الكل أخد عقابه، وإن كان خارج إطار القانون, الأدلة اللي وصلتني إن طاهر اتقتـ.ــل دلوقتي مكنش ليها اي لازمة بعد ما المجرمـ.ـين راحوا!
إياد دخل عليا، وحط طرد جايلي:
ـ يا فندم... ده جه لحضرتك في البوستة النهاردة. مفيش اسم راسل.
فتحت الظرف بحذر.
جواه... كان فيه فلاشة أخيرة.
ركبت الفلاشة في الجهاز اللي أدامي.
ظهر فيديو قصير لياسين... متسجل قبل الأحداث الأخيرة .
كان باصص للكاميرا وبيبتسم هدوء، وقال:
"كنت فاكر إني لما أنفذ السيناريو بتاعك هحس بالراحة يا آدم... كنت فاكر إن الدم هيطفي النـ.ــار اللي قادت في قلبي من يوم مـ.ـوت أخويا.
بس الحقيقة؟ أنا محستش بأي راحة... أنا بس اتحولت لمسخ، لقـ.ـاتل زيهم بالظبط...
السيناريو اللي أنت كتبته في لحظة غضب كان خيال، بس لما أنا حولته لواقع، اكتشفت إن الانتقام مبيجيبش عدالة يا آدم... الانتقام بس بيصنع ظالم جديد من مجني عليه قديم.
عايزك تفتكر دايمًا إن الخط الفاصل بين الحق والباطل، هو إنك متبقاش زي اللي ظلموك."
الشاشة اسودت، وانتهى الفيديو.
قفلت اللاب توب ببطء... وبصيت للكشكول اللي قدامي، اللي محركتوش من المكتب من يوم ما لقيته..
كلام ياسين كان صح ... الانتقـ.ــام مش عدالة، ده لعنة بتشوه كل حاجة تلمسها، حتى أصحاب الحق.
أنا كتبت السيناريو ده زمان عشان أهرب من عجزي، بس ياسين دفع تمنه من روحه.
سحبت الكشكول الأزرق، رميته أدامي وولعت فيه .وقفت أتفرج على النار وهي بتاكل الورق، بتاكل "النقلة الأولى" و"الثانية"، وبتاكل معاه غضب قديم كان هيحرقني أنا كمان.
بصيت للسماء من شباك مكتبي، وأنا عارف إن الجريمة دي... هتفضل أعمق وأصعب قضية حققتها في حياتي...
لأني كنت فيها المحقق... والقـــاتل اللي كتب كل كلمة!
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
فضلت أنا وإياد متسمّرين مكاننا... بنبص للورقة وللاسم اللي حواليه الدائرة الحمرا.
كلمة القــ.ــاتل كانت لسه بترن في ودني زي الصدى: "اسمه قدامك."
إياد سجل اسمه وقالي:
ـ أنا هجيب عنوانه ومكانه حالاً يا فندم!
لكن أنا... مكنتش مركز في الاسم قد ما كنت مركز في الدائرة الحمرا نفسها!
مسكت الورقة وقربتها من عيني.
طريقة رسم الدائرة... الانحناءة اللي في آخر الحرف...
جالي إحساس غريب قشعر في جسمي كله.
الطريقة دي أنا شوفتها قبل كده!
إياد رفع عينه وقال باستغراب بعد ماعمل مكالماته :
ـ غريبة أوي يا فندم... الاسم ده لمهندس اسمه "طاهر"، ده اللي مـ.ـات في المشروع من عشر سنين والقضـ.ـية اتسجلت قضاء وقدر!
ماسمعتش باقي كلمته.
أنا كنت باصص على الهامش السفلي للورقة... كان فيه رمز صغير مرسوم باللون الأسود الباهت: حرف (آ) مكتوب بالمد بطريقة معينة!
في اللحظة دي... الدنيا لفّت بيا.
الرمز ده توقيعي الشخصي!
التوقيع اللي كنت بكتبه زمان وأنا طالب في الكلية وعلى ورقي الخاص!
إياد لاحظ شحوب وشي وقال بقلق:
ـ آدم بيه؟ أنت كويس؟
مسكت رأسي بإيديا الاتنين.
ذاكرتي بدأت تفتح أبواب كانت مقفولة بقالها عشر سنين...
من عشر سنين، لما كنت ظابط جديد ومتحمس، كان عندي شغف في الكتابة من زمان.. قعدت في أوضتي وكتبت "سيناريو فيلم جريمة"، قصة جنـ.ـائية حبكتها عن قـ.ـاتل محترف بيلعب شطرنج مع الشرطة، ويبعت رسايل للظابط اللي بيحقق عن كل جريـ.ـمة قبل ماتحصل.
سحبت نفسي بالعافية وقولت لإياد بصوت مبحوح:
ـ إياد... خليك هنا ومتتحركش.
سيبت المكتب وجريت زي المجنون.
ـ يا فندم رايح فين؟ القوة جاهزة تتحرك على بيت طاهر ده!
صرخت فيه وأنا نازل على السلم:
ـ محدش يتحرك غير لما أكلمك!
ركبت عربيتي، ودوست بنزين بأقصى سرعة.
مكنتش رايح لمسرح جريـ.ـمة... ولا رايح بيت الضـ.ـحية...
كنت رايح لشقتي القديمة... شقة والدي الله يرحمه اللي مقفولة ومحدش بيدخلها غيري.
طول الطريق، الأفكار كانت بتتكاثر في عقلي من غير اجابات:
"مستحيل... ده مجرد تشابه! سيناريو خيالي كتبته في كشكول وركّنته في الدرج ومحدش قراه أصلًا... إزاي يتنفذ في الحقيقة؟!"
وصلت العمارة، طلعت السلم ونفسي مقطوع.
فتحت باب الشقة المقفولة بقالها سنين. الريحة كانت تراب وسكون.
دخلت الأوضة القديمة، اتحركت مباشرة للمكتب الخشبي بتاعي:
نزلت على ركبي، وفتحت الدرج اللي تحت, الدرج اللي رميت فيه أوراقي القديمة وشغفي القديم ونسيته.
قعدت أفتش بين الأوراق والمجلات المتربة بلهفة ورعب.
أنا بدور على حاجة واحدة بس...
كشكول جلد أزرق... كشكول السيناريو!
فتشت الدرج كله...
الدرج كان فاضي!
الكشكول الأزرق... اختفى!
وقفت مكاني وأنا حاسس اني دايخ
كل التفاصيل اتجمعت في عقلي في ثانية واحدة زي الصاعقة:
* "النقلة الأولى" و"النقلة الثانية"...
* القناع الأبيض...
* طريقة القتـ.ـل بنفس الزاوية والحرص...
* الضحـ.ـية الأولى... والضحـ.ـية الثانية
* الرسائل المصورة الموجّهة ليّ بالاسم...
القـ.ـاتل مش بيلعب معايا شطرنج بخطط جديدة...
القاتـ.ــل بيمشي حرفيًا على خطوط سيناريو فيلم أنا اللي كتبته !
قعدت على الكرسي القديم وأنا بحاول أتنفس.
مين اللي قدر يوصل لدرج مكتبي في شقة مقفولة؟
وليه بيطبق الجرائـ.ـم دي بالذات في الواقع؟
وعرف منين كل ده؟
فجأة رن موبايلي.
كان إياد.
رديت بصوت مجهد:
ـ أيوة يا إياد...
ـ يا فندم أنت فين؟ أنا دورت ورا المهندس طاهر ده ولقيت حاجة غريبة!
ـ إيه هي؟
-كان فيه بلاغ بيطالب بالتحقيق مع محمود الرفاعي (المقاول) وشريف عزام (المدير المالي) بتهمة التلاعب في التسليح والخامات, واللي كان ماسك القضـ.ـية دي وقتها... سيادة اللواء السيوفي... والد حضرتك الله يرحمه!
غمضت عيني بعنف... والذكريات رجعت تضرب في دماغي زي السيل!
افتكرت كل حاجة!
من عشر سنين... أبويا رجع البيت يومها وهو في قمة غضبه وقهره. كان بيحقق في مـ.ـوت المهندس الشاب "طاهر"، وكان متأكد إن محمود وشريف هما السبب في الفساد اللي أدى لموته...
بس مكنش فيه أي دليل عليهم وقتها والقضية اتقفلت واتقيدت قضاء وقدر.
والدي مـ.ـات بعدها بفترة قريبة وهو حاسس بالعجز... وأنا وقتها، كشاب في بداية حياتي متأثر بمـ.ـوت والده، أخدت تفاصيل القضيـ.ــة دي وقعدت في أوضتي وكتبت السيناريو الخيالي ده...
سيناريو ينتـ.ــقم فيه قا تـ.ـل مجهول للمهندس طاهر، ويقـ.ـتل محمود وشريف بنفس الطرق اللي بتحصل دلوقتي!
أنا مكنتش بحقق في القضية... أنا كنت بس بحاول أحقق العدالة لوالدي على الورق!
سألت إياد بصوت مرعوب:
ـ طاهر... كان عنده إخوات؟
إياد سكت ثواني وهو بيقلب في الورق، وبعدين قال:
ـ أيوة يا فندم... كان عنده أخ أصغر منه... اسمه "ياسين".
قفلت مع إياد وأنا بحاول أربط الخيوط ببعض !
وفي عز صدمتي وتوهاني... الموبايل في إيدي اتهز.
إشعار رسالة صوتية جديدة على الواتساب من رقم مجهول.
فتحت الرسالة بإيد بتترعش وشغلتها...
المرة دي مكنش فيه جهاز تغيير صوت... كان صوت شاب هادي، طبيعي جداً، بس نبرته كانت باردة وواثقة.
قال:
"بتدور على الكشكول الأزرق يا آدم بيه؟"
قلبي دق بعنف كأنه هيقف... والصوت كمل:
"أكيد بتسأل نفسك أنا دخلت الشقة دي إزاي ووصلتله منين...
افتكر كده من كام شهر، لما جيت شقة والدك، ولقيت شاب قاعد أدام العمارة... وقالك ياريت تسيبلي المفتاح عشان فيه حاجات في السباكة هتتغير؟
أول ما سمعت الجملة دي... المشهد ضرب في دماغي زي الصـ.ـاعقة!
افتكرت اليوم ده بالتفصيل..
افتكرت الشاب الهادي اللي كان قاعد مكان البواب، وافتكرت إني من كتر استعجالي وضغط الشغل، طلعت نسخة المفتاح الاحتياطية وادتهاله عشان يتابع الموضوع ده لاني مش فاضي .
الصوت كمل من الموبايل وهو بيفسرلي الكابوس اللي أنا عايش فيه:
"أنا بقى الشاب ده يا سيادة المقدم, أنا وصلتلك بعد كتيير أوي بس المهم إني وصلت, دخلت الشقة كنت بدور في الورق على أي دليل يفتح قضـ.ـية أخويا اللي مـ.ـات ظلم... بس بدل ما ألاقي دليل، لقيت كشكولك الأزرق!
سكت ثانية في الفويس... وبعدين كمل بنبرة كلها تحدي:
أنا مش بدمــ.ـر نفسي ولا بلعب معاك... أنا بكمل لوحتك!
أنت اللي رسمت العدالة على الورق لما القانون عجز عن حمايتنا...
وأنا مجرد المخرج اللي بينفذ إخراجك في الواقع! تقدر تتحرك دلوقتي على المكان اللي كاتب فيه النهاية في الصفحة الأخيرة, عشان تشوف المشهد الأخير!
انتهت الرسالة الصوتية... ورجع السكون يخيم على الشقة المظلمة، وأنا واقف مكانى حاسس إن الأرض بتتسحب من تحت رجلي!
مسكت الموبايل بقوة وقولت:
أنا عارف كويس المشهد الأخير فين!
جريت على عربيتي. بلغت إياد بالقوة تحاصـ.ـر المكان ووصلت للمكان اللي المفروض كان هيكمل فيه المشروع بس اتوقف عشان مكنش فيه سيولة أو ده اللي اتقال وقتها, وحاليًا هو مبنى مهجور
.
دخلت بسـ.ــلاحي المرفوع، كشاف موبايلي بينور الضلمة.
صوت خطواتي كان عالي أوي في سكون المكان.
وفجأة... شوفته.
واقف في نص المكان، لابس نفس الهدوم السودا، وماسك القناع الأبيض في إيده. وجنبه كان فيه شخص مربوط على كرسي ومكمم وفاقد الوعي أو ميـ.ــت مش متأكد!
قربت الكشاف... الشخص المربوط كان رئيس المباحث القديم! اللي قفل قضية طاهر من عشر سنين!
قولتله بثبات:
ـ نزل السلاح يا ياسين! الموضوع انتهى، الشـ.ــرطة محـ.ـاصرة المكان كله!
ابتسم ياسين ابتسامة باهتة وحزينة وهو بيستوعب كلامي، وقال:
ـ عارف... بس أنت نسيت أهم صفحة في السيناريو بتاعك يا آدم.
سكت لحظة وكمل:
ـ في صفحة 249 من كشكولك الأزرق... أنت كتبت إن القـ.ـاتل لما بيخلص مهمته وينفذ العدالة... مش بيسيب الشرطة تقبـ.ـض عليه.
عقلي اتجمد...
افتكرت الصفحة الأخيرة اللي كتبتها .
كتبت إن القـ.ـاتل بيضـ.ـحي بنفسه في النهاية عشان ينهي اللعبة بشروطه هو!
صرخت:
ـ لا يا ياسين! ده كان مجرد كلام على ورق! مجرد قصة خيالية كتبتها! أنا ممكن ......
ياسين رفع إيده كان ماسك ولاعة وبصيت تحت رجليه لقيت سائل مغرق المكان كان واضح أوي إنه بنزين... بصلي وقال:
ـ القصة مكانتش خيال يا آدم بيه... أنت كتبت الحقيقة اللي الكل خاف ينطقها. وأنا خليتك تحل القضية اللي أبوك عجز عنها من سنين, هتلاقي وصل مكتبك كل الأوراق اللي تثبت إن أخويا اتقتـ.ــل , وفيه الاعترافات بالأدلة من المجرميـ.ـن دول!
وقبل ما أتحرك خطوة واحدة ناحيته...
رمى الولاعة وهو بيبصلى وبيبتسم وقال:
(كش ملك)!
انفجـ.ــار ضخم هز المكان، القوة بتاعته دفعتني للوراء.
إياد والقوات اللي وصلت في نفس اللحظة بعدوني عن المكان بسرعة.
بعد اسبوع...
كنت قاعد في مكتبي
السبورة فاضية. القضيـ.ـة اتقفلت رسمياً.
محمود وشريف والرئيس القديم للمباحث... الكل أخد عقابه، وإن كان خارج إطار القانون, الأدلة اللي وصلتني إن طاهر اتقتـ.ــل دلوقتي مكنش ليها اي لازمة بعد ما المجرمـ.ـين راحوا!
إياد دخل عليا، وحط طرد جايلي:
ـ يا فندم... ده جه لحضرتك في البوستة النهاردة. مفيش اسم راسل.
فتحت الظرف بحذر.
جواه... كان فيه فلاشة أخيرة.
ركبت الفلاشة في الجهاز اللي أدامي.
ظهر فيديو قصير لياسين... متسجل قبل الأحداث الأخيرة .
كان باصص للكاميرا وبيبتسم هدوء، وقال:
"كنت فاكر إني لما أنفذ السيناريو بتاعك هحس بالراحة يا آدم... كنت فاكر إن الدم هيطفي النـ.ــار اللي قادت في قلبي من يوم مـ.ـوت أخويا.
بس الحقيقة؟ أنا محستش بأي راحة... أنا بس اتحولت لمسخ، لقـ.ـاتل زيهم بالظبط...
السيناريو اللي أنت كتبته في لحظة غضب كان خيال، بس لما أنا حولته لواقع، اكتشفت إن الانتقام مبيجيبش عدالة يا آدم... الانتقام بس بيصنع ظالم جديد من مجني عليه قديم.
عايزك تفتكر دايمًا إن الخط الفاصل بين الحق والباطل، هو إنك متبقاش زي اللي ظلموك."
الشاشة اسودت، وانتهى الفيديو.
قفلت اللاب توب ببطء... وبصيت للكشكول اللي قدامي، اللي محركتوش من المكتب من يوم ما لقيته..
كلام ياسين كان صح ... الانتقـ.ــام مش عدالة، ده لعنة بتشوه كل حاجة تلمسها، حتى أصحاب الحق.
أنا كتبت السيناريو ده زمان عشان أهرب من عجزي، بس ياسين دفع تمنه من روحه.
سحبت الكشكول الأزرق، رميته أدامي وولعت فيه .وقفت أتفرج على النار وهي بتاكل الورق، بتاكل "النقلة الأولى" و"الثانية"، وبتاكل معاه غضب قديم كان هيحرقني أنا كمان.
بصيت للسماء من شباك مكتبي، وأنا عارف إن الجريمة دي... هتفضل أعمق وأصعب قضية حققتها في حياتي...
لأني كنت فيها المحقق... والقـــاتل اللي كتب كل كلمة!
تمت بحمد الله
