رواية تربنتينة الفصل السادس6الاخير بقلم ابتسام محمود الصيري

رواية تربنتينة 
الفصل السادس6الاخير
بقلم ابتسام محمود الصيري
ولا أقولك إعمل نفسك بتتاجر في آثار بلدك
فتح زين حدقته على وسعها وأمسك محمد من ثيابه قائلا له بذعر:
- أنت كده عايز تحبسني وش، هو أنا مكتوب عليا الحبس، لو مكنتش إرهابي، أبقى تاجر آثار.
حاول أن يخلص نفسه من قبضة يده التي تكاد أن تقبض روحه ويخبره:
- يا شيخ أفهم، وارحمني.
أجابه كالتائه في صحراء واسعة ولا يرى لها آخر :
- أفهم إيه ولا ايه! بقولك هتحبس... هتحبس يا مؤمن.
وليه متقولش إنها ممكن تطلب الطلاق.
قالها بثقه، نهض زين وعلى وجهه سعادة قد غابت عن وجهه من زمن:
- ده يبقى ليك الحلاوة، وطنية طبعاً مش هتقبل تعيش مع واحد بيتاجر في آثار بلده، للحظة صمت وفهم ما تفوه به، ضاق بؤبؤ عينه بهلع يبلغه:
- ما كده يافالح هتبلغ عليا، لما اطلقها.
- اولا هتبقى طليقتك فل.
- فل يا بيه.
- لما هتبلغ بقى، هيبقى بلاغ من واحده لسه مطلقة طازه وعايزة تنتقم.
-يعني مش هيتقبض عليا
-مش بالظبط.
-لا ركز كده الحاجات دي فيها يا اه يا لا
-أقصد أن مافيش مفر من القبض عليك،
بحلق زين عينه وفتح فاه، أكمل محمد
-لكن لما يشوفه الملف بتاع حضرتك ويعملوا شوية بحث من هنا وهنا هيتأكدوا إنه بلاغ كيدي، ومش بعيد هي اللي يتقبض عليها كمان
-أحسن أهو نرتاح من دماغها التربنتينة ديه
قالها وهو ينهض عازم التوجه إليها؛ حتى ينهي هذا الكابوس في أسرع وقت.
نزل استقل سيارتة وتحرك بسرعة جنونية ، حينما وصل إلى المنزل، صعد بعد أن وقف أمام مرآه، تمعن النظر على هيئته، لم يظهر عليه كما قال صديقه " سرسجي" ادخل القميص من الجنب الأيسر داخل بنطاله وأخرج باقيه، ورفع ياقته، وطوى كم قميصه،
وبعثر شعره، فتح باب منزله، وجد به دخان وضباب بكثرة لم توضح له الرؤية، أغلق الباب يحدث نفسه باستغراب:
- البت المجنونة ديه شكلها حرقت البيت؟!
ثم فتح مرة ثانية الباب بهدوء يستنشق الدخان، ثم اغلقه بفزع يقول:
- لا دي شكلها بتحضر جن يحل مشاكل البلد اللي هتحررها لوحدها.
ثم فتح للمرة الثالثة وتحمحم بقوة، لكنه وجد نفسه يُجر على الأرض من قفاه، رجفة تسري في أوصاله، لم يقدر على فعل شئ، أهو جان ممن يحضرونه أم ماذا؟
فسمع صوت من يمسكه يقول بصوت أجش:
-مسكت الراجل ده بيتسحب في الشقة.
قالها رجل عملاق البنية، ثم أردف قائلا:
- أنت بقى يا روح أمك بوليس، ولا تبع معلم حماصه الجعر؟
هز رأسه يمينا يسارا ينفي ما يقوله، فقالت فتاة تقف بجواره:
- وأنت بقى تطلع مين يادلعدي، وايه جابك هنا؟!
- أنا أنا ....
لم يكمل حديثه حتى خرجت فتاة من إحدى الغرف بالشقة، تهتز الأرض تحت أقدامها، لها هيبة بسبب حدة ملامحها؛ التي يرتسم عليها معانتها مع الزمان، حدق بعينه لهذه الفتاة؛ فهي ترتدي، عباءة فضفاضة وعلى رأسها عمه، تقول بصوتا جهوريا:
- سيبوه، ده المحروس جوزي.
- جوزك! وده إزاي وأمتى؟
عندما سمع حديثها، كادت أن تشل أركانه، فرفعت سبابتها تشير له بالإقتراب منها، و أرسلت له نظرة ذات معنى وتبلغه:
- تعالى ورايا.
مشى خلفها وهو يتلفت ينطر على من اقتحموا بيته،
دخلت غرفة نزعت العمة التي تضعها على رأسها، فتأكد أنها زوجته، شرد بعقله وقال لذاته، إنها تعمل ندوه داخل البيت، تذكر ما اتفق عليه هو وصديقه ، فقال بعد أن أخرج هاتفه يحدث صاحبه:
- معايا عروسة بترابها، لسه خارجة حالا من مقبرة.
أمسكت الهاتف منه، وأغلقته بوجه الذي يحدثه قائلة:
- أنت تاجر آثار؟
أجابها بغيظ واستشاطة؛ حتى ينتهي من كابوسه:
- اه أنا تاجر آثار وشكل كده طريقي غير طر....
قاطعته وهي تقول:
- الشيشه ياض فين؟
تذكر رائحة الدخان الذي اشتمه عندما فتح باب المنزل، تأكد الآن أنها رائحة مميزة بالنسبة له إنها رائحة حشيش لكن كيف يخطر على باله أن يدخل بيت الزوجية، رمقها بذهول وقال:
- بتحششي يا خديجة ، وهنا في البيت.
أخرجت دخان من أنفها وهي تبعد مبسم الشيشة من فاها، وترد بحده:
- خديجة مين ياعنيه؟!
قال بنفاذ صبر:
- متزعليش اوي، سامية.
- ولا سامية يا عنيه.
قالتها ثم أخذت مبسم الشيشه بين شفتيها تسحب منها دخانها، فقال بتساؤل ووجوم:
- وطبعا مش آيلا، أمال مين معايا حضرتك؟!
- آيلا؟
و تضحك بصوت مرتفع ثم تردف قائلة: معاك المعلمة فتكات يا راجل ينيلك أنت شارب حاجة مش عارف اسم مراتك؟
نطقتها وهي تضرب كتفه بعصا الشيشة، "ابتلع ريقه بصعوبه، فهي غيرت عباءة شخصيتها للمرة الثالثة على التوالي"
وتقول له بثقة :
- معاك كام حتة آثار، أنا عندى اللي يشيل.
لم ينطق ظل يتطلعها بوجوم واستياء، فهو تعب من هذه الأنثى التي لا تستقر على شخصية، فيحدث نفسه:
- أنا خلاص يأست، البت شبه التعبان مش عارف ليها ماسكه.
أردفت وهي تخرج دخانها على وجهه:
- بلعت لسانك يا عنيه... ما ترد يا حيلتها لما أكلمك، ولا تحب أجيبلك اللي ينطقك.
- أنا خلاص تعبت يا شيخه أنتى إيه مبتتهديش أبدًا .
تفوه بنبرة مرتفعة تحمل كل غيظه ومعناته منها، فقالت وهي تنهض بملامح غاضبة حادة:
- أنت بترفع صوتك على مين ياض؟!
كاد أن يخرج كل ما بداخله، لكنه استدار بوجهه لتقع على الرجال المحيطين به من كل اتجاه.
ابتلع ريقه وقال بتهرب:
- مقصدش يا معلمة، أنا رايح أشوفلك الآثار كام حته.
قال آخر جملة وهو يهم بالانصراف، فجلست هي تسحب دخانها، ثم أخرجته وهي تقول:
- غور من وشي.
ركض بسرعة صاروخ وترك المنزل يبحث عن هاتفه، وجده في جيب بنطاله أخرجه وكلم هذا المره والدتها، حتى يعرف كل شئ عن لخبطة حاله من أول لحظه، عندما وصل الرنين إلى هاتف والدتها، انتفضت هي وزوجها، يظهر عليها أنها كانت تنتظر هذه المكالة من وقت مضى، لكن أتتها على كل حال، تمسك الهاتف بيد مرتعشة تضغط على زر الإجابة تجيبه بصوت مضطرب:
- أيوه يا زين.
رد عليها بكل ما أوتي من قوة:
- أيوه إيه، وهباب إيه ؟!
تأكدت من معرفة حقيقة ابنتها، لطمت وجنتها وهرب الدماء منها، وأردفت بتلعثم وهي تدعي الغباء:
- خير ... يا زين؟
- خير! وهو ياجي الخير من فين؟ بنتك كل يوم أو يومين أدخل القيها بتتحول شبه الحربايه الدكر.
ثم روى عليها كل ما حدث.
فأردفت والدتها بخذلان وخجل:
- اصل البنت......
فلاش باك.....
كانت تجلس أيلا داخل اتوبيس المدرسة، وهي في سن الثالثة عشر، بوجه سعيد تلعب مع أترابها بمرح ومشاكسة؛ حتى وقفت سيارة أمام الأتوبيس، توقف الأتوبيس بصعوبة و كاد أن يرتطم في هذه السيارة، كل من داخل الأتوبيس أصابهم الفزع، وأكتمل خوفهم عندما صعد أربع شباب ملثمين، واحد منهم أمسك السائق، والثاني أمسك بالمشرفة، والأثنين الأخرين عيناهما تتفحص من يجلسون المنكمشين برعب؛ حتى أمسك أحدهم بفتاة وأخرجوا هاتفهم يصورونها وهم يعذبونها وبنهاية المطاف أردوها قتيلة رميا بالرصاص، كل الفتيات أصابهم الهزيان، فرفع الشاب الذي كان يمسك بالسائق سلاحه وقام بقتله برصاصة في رأسه وحمله ووضعه داخل سيارتهم، والشاب الذي كان يقيد حركات المشرفة بالنهاية كسر رأسها، والشابين اللذان كانا يعذبون الفتاة، أطلقا رصاص عشوائي على الفتيات وأصيب عدد منهمن بالجروح المميتة،وقال أحد منهم:
- اي حد هيقول اللي حصل مش هنرحمه، وهنجيبه هنجيبه؛ حتى لو في احلامه.
ثم ترجلوا من الأتوبيس صاعدين سيارتهم ورحلوا وتركوا خلفهم بئر دماء منفجر.
كل الفتيات أصابهم الخرس من ذهول الموقف، أما أيلا توقفت عيناها عن الحركة الإرادية، وجسدها متشنج، تظن أن مصيرها مثل مصير زميلتها التي تفترش جسدها يتصبب منها الدماء، وهي تلهث تخرج أخر أنفاسها.
.....باااك
وأكملت والدتها وهي تشهق من كثرة البكاء:
- لما الأتوبيس اتأخر أولياء الأمور كلموا المدرسة، واتضح أن السواق كان على اتفاق معاهم ، وغير اتجاه سير الباص عشان محدش يشوفهم وهما بيعملوا عملتهم السودة، وكانوا ضاربينه برصاص فشنك، آيلا فضلت شهرين في المستشفى مبتتحركش ولا بتتكلم من الصدمة، شهرين بحالهم مبتتكلمش اللي مكنتش تبطل كلام أبدا، لحد ما باباها صمم إنها ترجع البيت، بعد يومين لقتها طالعة عليا بتتكلم بأسلوب غير أسلوبها بتتكلم انجليزي؛ حتى شعرها عملته كرلي، لفت انتباه أختها أنها بنفس ملامح الشخصية اللي في الرواية اللي بتقرأها، بنت كانت عايشة بره ورجعت بلدها بسبب غضب ابوها عليها، ومش عاجبها أي حاجة، والمشكلة أنها عندها موهبة إنها تقدر تغير صوتها، وبتعمل ميك اب بنفس الملامح اللي ذكرها الكاتب، فهي بتتقمص الشخصية بإتقان.
ومن ساعتها وبقت كل ما تخلص رواية تحصلها حالة الصمت، لحد ما تقرأ رواية غيرها.
شرد زين بكتبه الذي اشتراها من فترة وهم "ريكلام"، "دمائي فدى بلدي"، "حارة المعلمة فتكات".
أفاق من شروده وهو يغمض عينه بقوة، أشفق عليها بشدة، أغلق الخط وهو في حالة عدم أتزان، كيف يتصرف معها، يطلقها ام يظل معاها، ويتقبل كل ما يصدر منها ويضغط على نفسه ويتقبلها، لكن كيف يتقبل شئ سيؤدي به هو ايضاً إلى الجنون، كيف يطلق فتاة ضحية، كيف يطلقها ويزيد من تعبها النفسي، جلس على الأرض يضع رأسه بين يده، يدعي ربه على توجيهه للقرار الرشيد، طرأت على ذهنه فكره، لكن من أين يبدأ، هل سينجح، لم ينتظر أجابة مقنعة لكل هذه الأسئلة، وقرر أن الأيام هي من ستصدر قرارها وحكمها.
على سلالم المنزل رأى كل من كانوا يجلسون معها يعدون النقود، وواضح أمام أعينه بأنهم يتقاسمون الحصص، هرول على السلالم دخل وجدها تجلس في نصف المنزل، تبكي بحرقة من كلمات الكاتب القاسية، فلقد حكم على بطلته في النهاية بالإعدام، وهذا مصير كل ظالم يفسد في الأرض، كانت آيلا تنتظر من يقبض روحها، وعلى وجهها ندم على كل ما فعلته بداخل أحداث الرواية، أقترب منها زين وتذكر كلام والدتها " لم تتغير حالتها غير أن تغرق داخل رواية أخرى"، لكنه لن يسمح أن يجعلها تكمل حياتها داخل طيات الورق، سيسحبها إلى عالمه الواقعي بالحب والعطف، وهي بالفعل طلبت منه من قبل، ألا يرفع صوته عليها، ضمها داخل حضنه بقوة جعلت رعشاتها وانتفاض جسدها تهدأ؛ حتى اغمضت عينها وذهبت إلى نوم عميق لا تجد به إلا ذاتها وزوجها، حملها ودخل بها إلى الغرفة، ثم وضعها على الفراش يمسح على شعرها ويتأمل ملامحها البريئة ظل ساعات كثيرة على نفس الحال.
فرحل القرص الأبيض، واشرق نور أمل جديد، نهض يفعل ما عليه فعله، وبدأ بالتخلص من كل الروايات خارج المنزل حتى لاتحصل عليهم في أي وقت، وعندما فتحت عيناها جلس بجوارها وأرسل إليها ابتسامة حنونة وهو يمسك يدها يقول:
- أخبار القمر إيه النهاردة؟
هزت رأسها بالحمد وبادلته بابتسامة رقيقة، ظل اليوم بأكمله بجانبها ودخلا المطبخ سويا يجربون أن يعدون طعام، وكل منهما يضيف مكون، وبعد الطهي كان الطعام مذاقه سيئ للغاية، نهض يطلب طعام، وانتظرا الطعام وهم يدخلون على مواقع اليوتيوب يتعلمون أصناف سهله حتى يعدونها غدا، كان زين يحاول شغل وقتها بدون أن تشعر بملل، بدأ يسرد لها حكاياته ومغمراته وهو وصغير، بدأت تسمعه وتتفاعل معاه وتضحك، وأخيرا ظلت تتناقش معه، كان أول مره يسمع نبرة صوتها الحقيقية، به بحه طفولة داخلها نشاط، سعد جدا بتخطيهم تلك المرحلة ، وظل يكمل فيما بدأ بحماس، حماس طالب يرى أمام عينه نجاحه بالثانوية بعد تعب طوال شهور، ذهب في يوم لعمله الذي أهمله، بعد مشاهدتها التلفزيون شعرت بملل، نهضت كالمدمنة تبحث على اي حبر مكتوب على ورق على الأرفف ومكتبة لم تجد بها ما يبل ريقها المذمئر عطشا، يرجع زين منزله، حينئذ فتح الباب ظلت تنهره وتخرج طاقة سخطها وغضبها عليه، يلمح حالتها وثورانها، لا يبالي ولا يسألها عن سبب هذه الحالة التي اعترتها، فعل شئ واحد فقط، أخذها في عناق يلمس شعرها ويقول:
- بعتذر ليكى يا حبيبتى عارف إني اتأخرت عليكى، وحشتينى أووي ، الثانية بقت في بعدك سنين.
كلماته جعلت جسدها ينتابه القشعريرة، ودخلت إلى قلبها من شدة صدقها، تقبلها قلبها الملهوف وجعلها تستسلم له بحب، وبعد وقت، غفل زين بالنوم، لكنه أستيقظ ينظر على من تستقر كتفه، لم يجدها فتح عينيه على وسعها يتأكد وبالفعل لم يجدها، فد نسى أن يغلق باب المنزل بالمفتاح، نهض بفزع وعندما وضع قدمه على الأرض دهس تحت أقدامه الكثير من البيض كشت ملامحه بدهشة وغضب بآن واحد، لكنه لمح فتاة يخرج من حنجرتها ضحكه مشاكسة، سحرته بضحكاتها الصافية والخالية من أي تمثيل، قام حتى يمسكها، لكنها صدمته بدلو دهان حوائط ينسكب فوق رأسه، رمقها بغيظ وهو يقول بفقدان أمل وحزن على ماتعب في فعله معها حتى تتحسن، وعندما أقتربت من الشفاء التام، صدمته بفعلتها الذي لا يعلم من أين أتت بها:
- وياترى قرأتي إيه تاني من ورايا يا أخرة صبري؟
ضمت عينها بمشاكسة وأقتربت منها تداعب أنفه:
- وأنا من أمتى يا حب عمري بحب القراءة.
- ااااه هي شكلها رواية عن واحدة مجنونة وهتجنيني معاكي يا خديجة.
قالها بتنهيدة، لكنها أجابته بذهول:
- خديجة!! أنا أيلا يا حبيبي سلامة الشوف، أوعى تكون بتخوني يا ز.....
صدره من الفرحة ظل يعلو ويهبط بسرعة برق وقال وهو يمسك ذراعيها بفرحة:
- حمدلله على سلامتك يا أيلا يا حياتي.
ينظرون لبعضهما ويضحكان حتى يحرك أنامله على شفتيها الكريز ويبتلع ضحكتها داخل ثغره.
  تمت بحمد الله
تعليقات



<>