رواية تربنتينة الفصل الرابع4 بقلم ابتسام محمود الصيري

رواية تربنتينة 
الفصل الرابع4
بقلم ابتسام محمود الصيري
وحينما انتهى من اللعب، التفت ينظر على وجهها بابتسامة:
- مش مصدق عيني، والله بقالي نص ساعة بكذب نفسي، وبقول استحالة إن القمر يطلع الصبح.
قلعت نظارتها الشمسية التي تكاد أن تبتلع نصف وجهها، ثم وضعت يدها اليسرى على خصره ترمقه بعينها لتصيب عينه، وتجيبه بإنهاك:
- طب وكده صدقت.
ركز ببصره يتفحص تلك الملامح الكامنة تحت ستائر مساحيق التجميل، يكذب الصوت الذي تسمعه أذنه، إنه صوت زوجته التي لم يراها دون الحجاب من قبل وفي تلك اللحظة ضم حاجبيه بدهشة، وانهار جبل ثقته بها، أمسك يدها بضيق، ثم هاج بها صارخا:
- أنتى إزاي تنزلي كده بالزفت اللي لابساه ده من الأوضة؟!
- بيبي مقدرتش على زعلك، نزلت أصالحك بيه.
قالتها بدلع وهي تضع يداها حول رقبته، كان برودها مثل الحطب الذي يزيد تأجج النار داخله، فيقول وهو بنفس حالته:
- تصالحينى! طب أنا اللي هقولك كلمتك، أنتى شكلك تعبانه في نفوخك، في واحدة محترمة ترفض تلبس لجوزها وهما لوحدهم وتقول أنت بتقول كلام قليل الأدب، وتنزل عادي قدام الخلق تعرض جسمها، راح فين إلتزامك اللي كان من ساعة؟ اللي هو برضو كان غلط.
- هو أنت مش بيعجبك حاجة خالص.
أبلغته الجملة بعصبية مفرطة، وتركته وذهبت إلى غرفتهما.
صعد ورائها كالبركان الذي انفجر للتو، ظلا ينهرون بعضهما البعض وكل منهما يرمي اللوم والعتاب على الآخر، حتى أنهى حديثه بقول:
- أعملي حسابك هنرجع القاهرة بكره.
ثم أنصرف من أمامها، وترجل يجلس في كافيتيريا الفندق يخرج هاتفه من جيب بنطاله يحدث صاحبه، يسرد عليه ماحدث، أجابه برزانه وهدوء:
- مش ممكن تكون خام أووي ومش عارفة تتصرف إزاي وعملت كده عشان ترضيك.
رد عليه بصوت مبحوح حزين، لا يرغب في البقاء معها بعد إنهيار كل شئ داخله، حتى آماله وأحلامه، غرقت في قاع البحار المظلمة، فتتهد وقال بنبره يغلفها الحزن واليأس :
- كنت فاكر حياتي هيتصلح حالها بعد الجواز... الظاهر كده اللي عملته زمان بيطلع عليا.
- ما أنا قولتلك يا صاحبي، خاف من دعوة مظلوم وكنت بتستهر، وبصراحة أنت عملت كتير وتستاهل اللي بيجرالك.
- عايز أطلقها.
نطقها بأندفاع شديد، وقلبه ينفطر داخله، أردف صاحبه ساخراً من فعلته:
- تطلق! وأنت معاك ياللي تنشك في لسانك عشرين مليون جنيه؟
أهدى كده وفكر بالعقل، جرب أتكلم معاها، واهو تاخد عليها ثواب، وربنا يغفرلك شوية من ذنوبك الأطنان.

وضع يده يمررها علي رأسه، حتى يهدأ الثوران الذي يشتعل بداخله، ثم زفر انفاساً عاليه وقال بضيق ونبره مخنوقه :
- يا محمد أصعب حاجة الواحد يتعامل مع واحدة غشيمة.
- عارف بس جرب.
- طب لو محصلش.
- ندخل على الخطة التانية.
- واللي هي أية ياناصح؟
- هتعرفها في وقتها.
******
كانت تجلس خديجة على أرضية الشرفة، تنظر إلى القمر الذي كان يسحب خيوط ضوئه، عندما انتهت من آخر سطور روايتها "إلى الله أقرب" أمسكت الهاتف تحدث زوجها تسأل عنه، لكنه لم يجيبها وألقى الهاتف بغضب فور ظهور إسمها على الشاشة، نهضت تصلي فرضها قبل شروق الشمس، وظلت تجلس على سجادتها تدعو الله وتستغفره.
نظر زين على الساعة وجده الوقت المناسب للصعود إليها؛ حتى يرحلون من هذا المكان الذي تلفت فيه أخلاق زوجته الملتزمة، فتح باب الغرفة وجدها ترتدي ملابسها الفضفاضة وتجلس تدعو الله لها و له، دخل قلبه السرور والحب من جديد، وجلس بجوارها يقول بهدوء والدموع تلمع بعينيه:
- إوعي تعملي كده تاني.
نظرت إليه باستحياء قائلة:
- وأنت إوعى تزعقلي كده تاني، فهمني غلطي بشويش.
- معلش يا قلبى والله مقدرتش أمسك نفسي.
- خلاص إنسى، صافي؟
- صافي مين دي كمان؟!
ضحكت بصوتها الرنان، ضحكتها؛ التي سحرته، وقالت :
- صافي يالبن، مش عارفها.
- اااه، حليب ياقشطة أنت.
قالها وهو يضع يده حول خصرها مبتسما، ثم يمسك حقيبتهما، ورحلا من المكان، عقب وصولهما المنزل، أدخلها البيت واطمئن عليها ونزل ليلاقي صديقه، لم تجد شيئا تفعله فتذكرت الرواية ؛ التي أخذتها من على أرفف مكتبه، قامت بالبحث عنها داخل حقيبتها وبدأت في قراءتها بصوتها جهرًا حتى تستمتع بقراءتها أكثر، الجمل التي تتكون عقب الكلمات التي تخرج من ثغرها بمثابة رصاصات حية من سلاح حديث، تخرج تعرف لتصيب الهدف بدقة بالغة، تصيب قلبها المستهدف بقوة، لم تأخذ وقت طويل في قراءتها ونهضت تحدث زوجها لتعرف مكانه، أجابها بدون تردد وانتظرها حتى تصل، واندمج في الحديث مع صديقه، لفت إنتباه محمد فتاة ممشوقة القوام ترتدي ثياب جلدي يبرز تفاصيل جسدها، تضع مساحيق التجميل بكثرة، تحمحم أثناء اقترابها منهما، استدار زين يشاهد ما تتطلع عليه عيون صديقه، فوجدها كالنهر الذي يفيض من كثرة ماءه، نعم هي تفيض أنهار أنثوتها الطاغية على أعين الناظرين جميعهم، سحبت كرسي لتجلس عليه، لتصبح ثلاثتهم على نفس الطاولة، تقول وهي تمضغ علكة وتلف خصلة من شعرها حول سبابتها اليمنى، وترفع حاجبها:
- شكلنا مابقيناش قد المقام.
- لو إنتى مش قد المقام، يا قمر هيكون مين؟
رد عليها وهو يأكلها بعينة العسلية، إقتربت بنصفها العلوي عليه تخبره:
- كل بعقلي حلاوة يا ولا، أمال بتبص على غيري، وبتتجوز ليه؟
قالت آخر جملة وهي تهز كتفيها بحركة لا إرادية جعلت نهديها يهتزان على إثرها، فنظر زين عليهما، فوضعت أناملها تحت ذقنه تبلغه وهي ترفع وجهه إلى وجهها:
- عينك ياعينا لمها شويه، هتتخرق جوه، بصلي كده ورد أتجوزت عليا ليه؟
- عين فارغة وهبل.
قالها وهو يركز النظر على ساقها الأيمن، لكن فجأة قام مفزوعا، كالذي لدغته أفعى سامة، أمسك ذراعها لتنهض ويجرها خلفه وعلى وجهه ضجر، قالت وهي تتألم بدلع ودلال:
- آه آه إيدي.
إلتفت إليها بأنفاس متقاطعة، و صفعها على وجهها؛ حتى يخرسها ولا ينفجر أمام الجميع، كان محمد يجري خلفه حتى يخلص المسكينة من براثن الوحش، لكن زين منعه أن يقترب ونهره بقوة عندما رفض الابتعاد، صعد سيارته بعد أن ألقاها داخلها، عدلت جلستها وهي تظبط هندامها الذي أصبح مبعثرا، رمقها بنظرات حارقة وهو يتحرك بالسيارة، لم تبالي لهيئته العصبية، وأخرجت قلم أحمر شفاه تمرره على شفتيها المثيرة، جعلت بركان غضبه ينفجر، فأمسك هذا القلم وألقاه خارج السيارة، نظرت عليه شزرا وأخرجت علبة لتزيين الخدود "رچاچو" تكيل منه وتضع على وجنتيها، أخذها منها بضيق، فأخرجت مسحوق يوضع فوق الجفون "ايشادو"، لكن هذا المرة أخذ حقيبتها وهو يقول بحده:
- إيه الشنطة منفدة على التسريحة؟!
وضعت أناملها على صدره تحركهم بإغراء:
- مكنتش عصبي كده يا زيزو، حصلك إيه من بعد الجواز؟!
رمقها بذهول وأردف من بين أسنانه:
- يا بنت الهرمة، اللي حصلي كله من تحت راسك.
تشير على نفسها وتمط شفتها السفلى للأمام تجيبه:
أنا ! ده حتى أنا الوحيدة اللي مقدرش على زعلك ابدا يا زيزو.
ضحك بسخرية وهو يضرب كف على كف:
- هو إنتى هتقوليلي يا طاهرة.
- حياتي أحبك وأنت حافظني، هات بوسة بقى.
قالتها وهو يقف أمام منزل الزوجية، ترجل من سيارته ثم فتح لها باب السيارة وأمسك يدها وهو يرمقها بتعجب شديد وأردف بنبرة جنونية:
- بت أنتى هتجنيني.
داخلا المنزل فتقول وهي تلوح يدها:
- ولا أجننك ولا تجنني يا دلعدي، وانجز بقى قبل ما مراتك تطب علينا.
فتح عينه كينبوع قد انفجر لتوه، ورد عليها بنبرة جديدة خالية من الهدوء:
- لا ده أنتى شكلك تربنتينة على الآخر.
- أي حاجه تطلع من شفايفك العسل دي أحبها، تعالى بقى.
قالت كلماتها وهي تقترب إليه بجرأة شديدة لم يرها حتى على أحط واحدة ممن عرفهم أو عليها من قبل، صدها عنه وقال بصوت حاد:
- إنتى واعية ومركزة، للي بتقوليه ولا شاربة حاجة؛ عشان أفهم في اليوم الملون ده.
تضحك بميوعه وتقترب منه مرة أخرى وتضع كف يدها على وجنته اليسرى تتحسس لحيته الخفيفة:
- طبعا شاربة.
- أنا بقول كده برضو.
قالها وهو يسحبها إلى المرحاض، فترد عليه وهي تسحب يدها، وتقاوم المشي معه:
- شاربة من نار حبك، ما تيجي ياولا أعرفك على المنهج الجديد.
- لا أنا حافظه وزي الفل، بس شكلك إنتي اللي هتندمي أول ما تفوقي من اللي بتقوليه.
دوت رنين ضحكاتها المكان قائلة:
- طيب يالا ونندم إحنا الإتنين سوا.
أغمض عينيه بنفاد صبر ثم رد بتهكم:
- خديجة فوقي؛ لأني مش هينفع أتكلم معاكي وانتي بالحالة دى.
أردفت بصوت "غازية" حاد تنتوي على الشجار:
- خديجة مين ياعنيه، أنا شوشو.
تجمد وجهه ثم نظر إليها بعين استغراب، حدث نفسه بصمت:
- هو ممكن الخال اللي في رجلها يخلق منه أربعين وفي نفس المكان، طب أتأكد إزاي إنها مش هي، حتى طريقة كلامها مش هي ولا نبرة صوتها، الحركات لا تمس ليها بصلة، الوش منقض عليه تنين ولا ليه معالم.
كان يحدث نفسه بصمت، لكن عينه وشفتيه ويده يعبرون عن ما يقوله داخله، وأخيرا زفر أنفاسه الحائره، ثم وضع رأسها تحت صنبور المياه؛ حتى ينهي شكوكه، لم يصدق عينه من حقيقة تلك الفتاة، فهي بالفعل خديجة، ظل صدره يعلو ويهبط بسرعة طوربيد؛ حتى قال روحي وأنت .....
لم يتجرأ على إكمال كلمته ورفع يده يفرقع سبابتيه و إبهاميه و يحرك فكيه يسارا ويمينا، وبعد لحظات، خرج من المنزل؛ حتى لا يفقد أعصابه، لكن هذه المرة أوصد باب الشقة بالمفتاح وذهب إلى منزل صديقه؛ حتى لا يجن بمفرده من كثرة التفكير، لكن صديقه عندما فتح له الباب قال:
- إيه خلصت على المزة، وافتكرت دلوقتي إن ليك صاحب؟
جلس بتعب مضني يقول:
- والنبي نقطني بسكاتك.
شعر محمد بشئ غريب من نبرات صاحبه، نهض يحضر شئ حتى يشربه، فيقول زين بتساؤل:
- إلا قولي يا محمد، هو ينفع واحدة شمال تمثل الإلتزام عشان تتجوز؟!
لم يعطيه أي رد، فتركيزه الآن منصب على القهوة التي يراقبها حتى لا تخدعه و تقوم بالفوران مثل كل مرة، لكن الذي فار هذه المرة هو زين، فنهره بقوة أفزعته جعلت القهوة تنسكب على أعين النار المسطحة، فأمسك محمد قطعة فاكهة ألقاها عليه وهو يقول:
- خضتني.
- ماتنطق هو أنا جاي أكلم نفسي.
- بص جنان مش عايز، مش أنت قلت نقطني بسكاتك
- حصل.
- مادام حصل بتوجع قلبي ليه؟!
- لما أكلمك رد، ممكن؟
- ممكن وليه لا، فهمني حصل إيه الأول؟
- أصل ... أصل... طب وأنا أقولها إزاي ؟
- قول إيه اللي حصل يا عم خلص.....!
أمسك زين رابطة جأشه وقال كلماته:
أصل اللي جت الكافيه و إحنا قاعدين دي تبقى.....مراتي.
- نعم؟!
- وربنا زي ما بقولك كده.
قبض ما بين حاجبيه وأردف باستغراب:
- هي دي الفضيلة والأخلاق الرفيعة!
- أنت هتحسرني على حالي، كنت خلاص هطلقها بس افتكرت سحبة لساني يوم كتب الكتاب، كان عقلي فين ساعتها؟
- بص يا مان ولو عايز تطلقها، ميفرسشي ست غير ست زيها.
شرد بذهنه في خطة نهض يقول:
- بس لاقيتها.
وتوجه ناحية الباب ليغادر منزل صديقه، ثم أخرج هاتفه يتفق مع شخص ليقابله، بعد وقت وصل و صعد منزله، وهو يمسك يد بنت ترتدي حليه قصيرة وعليها قميص يفصل جسدها، دخل يبحث عن زوجته بعينه، لم يجدها، فدخلا يجلسون على الأريكة و بدءا يتبادلان الحديث،
تخرج خديجة على صوتهما المرتفع تقول بغضب:
- إيه ده، في البيت بتاعنا كده عادي؟!
رمقها بنظرات لا مبالاة وأبلغها ببرود:
- لو مش عاجبك إمضي إقرار تنازل عن كل حقوقك وأنا أطلقك.
طلاق ايه؟، أنا قصدي في بيتنا كل ده عادي ومن غيري اخس عليك يا ولا.
صدمته بردها الغير متوقع، قبض معصم يده، يكاد أن يتدفق الدماء من عينيه و أذنيه من كثرة الغيظ، انصرف هو والفتاة و توجه لصديقه بعد أن رحلت الفتاة، يقول بثورة:
- طلعت سافلة وعاجبها الموضوع.
أجابه بمكر ثعلب:
- لا كده ندخل على الخطة الثالثة، أعمل اي حاجة عكس مبادئها.
- والشمال دي هيكون إيه عكس مبادئها؟
- ادخلها بقى من سكت السجادة وأفضل قولها حرام وحلال هتزهق منك و تقولك طلقني.
- أنت صح بس خلينى عندك انهاردة بايت أفكرلها في حاجه لوز.
- بيتك ياصاحبي.
مر الوقت كالدهر على زين وهو يفكر في شئ حتى يجعل زوجته تطلب الطلاق بنفسها.
تعليقات



<>