رواية وش تاني
الفصل الرابع4الاخير
بقلم يارا علاء الدين
محمد متجوز عليا؟؟
بصيت لرقية، لقيتها حاطة إيدها على بوقها وعينيها مبرقة بذهول، وسارة شهقت شهقة عالية.
حسام قام وقف من على الكرسي وانفجر في المحامي بصوت عالي:
"أنت بتقول إيه يا أستاذ؟! كلام إيه ده؟! محمد صاحبنا وعايش وسطنا طول عمره! مستحيل يكون متجوز عرفـ.ــي من ورا مراته ومن ورانا كلنا تلات سنين أنت أكيد فاهم غلط!"
المحامي رفع إيده بهدوء وفتح الملف، وطلع منه ورقتين؛ ورقة عقد زواج عرفي، ومعاها وثيقة بخط إيد محمد وبصمته، وحطهم في نص الترابيزة قدامنا وقال:
"أنا مش بتكلم من فراغ يا أستاذ حسام.. ده عقد الزواج العـ.ـرفي، ودي الوصية الشرعية اللي الأستاذ محمد كتبها وبصم عليها بنفسه، واللي بتمنحها ثلث التركة قانوناً. وأنا مكلف قانونياً بإبلاغها وتطبيق الوصية."
أنا كنت باصة للورق على الترابيزة.. اسم محمد مكتوب بالخط الأسود العريض، وجنبه اسم ست ثانية.. اسم غريب عليا تماماً.
إيدي اتمدت للورقة وهي بتترعش بشكل هستيري. مسكتها، عينيا كانت بتقرأ الاسم والتاريخ بذهول:
نجلاء...
في اللحظة دي بالذات، سمعنا خبطات خفيفة على باب المكتب الخارجي.
المحامي بص ناحية الباب وقال:
"اتفضل.."
الباب اتفتح ببطء.. ودخلت ست.
كانت في أوائل التلاتينات، طويلة، ملامحها هادية وبسيطة، لابسة عباية سودا وطرحة سودا حزينة، ووشها منفخ من كتر العياط.
وقفت عند الباب ثواني، بصت علينا وعلى وشوشنا المصدومة، وبعدين عينيها استقرت عليا أنا بالذات.
قالت بصوت واطي ومكسور:
"السلام عليكم.. أنا... أنا نجلاء."
الاسم رن في وداني تاني، نجلاء؟!
المحامي وقف وقال:
"اتفضلي يا مدام نجلاء.. دي مدام سها، زوجة الأستاذ محمد.. ودول أصدقاؤه."
نجلاء قربت خطوات بسيطة، وقفت قدام الترابيزة وراسها في الأرض.
أنا قومت وقفت بعصبية، ركبي مكنتش شيلاني، وجسمي كله كان بيتنفض. بصيت لها من فوق لتحت.. كنت بدور في وشها على أي إجابة. إزاي؟ إمتى؟ وإزاي محمد قدر يعيش التمثيلية دي علينا كلنا؟
سألتها بصوت كله غضب وقهرة:
"أنتِ... أنتِ كنتِ متجوزة محمد عر في؟"
هزت راسها ببطء ودمعة نزلت من عينها:
"الله يرحمه.. أيوة، متجوزين من تلات سنين."
ضحكت.. ضحكة مريرة وطويلة، ضحكة واحدة كانت بتتمنى تطلع في كابوس وتصحى منه. وقربت منها خطوة وقلت لها:
"تلات سنين؟ تلات سنين متجوزك في السر وهو معايا كل يوم؟
بينام في بيتي، بياكل من إيدي، بيضحك في وشي، وبيحكيلي عن كل حاجة؟! كان بيروحلك إمتى؟! كان بيكدب عليا إزاي؟!"
نجلاء رفعت عينها وبصتلي بنظرة فيها انكسار، وقالت بصوت هادي:
"محمد كان بيخاف على زعلك جدًا، وعشان كده اتفقنا إن الجواز يفضل عرفي وفي السر ومحدش يعرف عنه حاجة حتى لو ده هيجي عليا.. وأنا وافقت عشان بحبه. أما بالنسبة لمقابلاتنا، فكانت في كل السفريات اللي كان بيقولك إنه مسافر فيها للشغل."
السفريات!
سفريات الشغل!
يعني شكوكي كانت صح؟
المكالمات اللي كنت بكلمه فيها وأسمع أصوات غريبة حواليه!
المرات اللي كان بيقولي فيها إنه في اجتماعات ومش فاضي يكلمني! كدبه المتواصل اللي مسكته عليه لما بدأت أركز معاه!
حتى إشعار الفندق والرسالة اللي نزلت على البروجيكتور ليلة العيد قدام الكل.. الرسالة دي كانت حقيقة فعلًا !
كل حاجة اتجمعت في عقلي في أقل من ثانية زي مكعبات البازل اللي اكتملت فجأة! محمد مكانش عنده "نزوة عابرة".. محمد كان بيبني حياة كاملة في الضلمة، بيت تاني، وست تانية ، وعايش دور الزوج المخلص هنا وهناك!
سارة قامت بعصبية وصرخت في نجلاء:
"وأنتِ كنتِ عارفة إنه متجوز؟! كنتِ عارفة إن ليه ست بيخدعها وبيسرق من وقتها وحياتها عشان يجيلك؟! وقبلتي على نفسك جوازة في السر وعقد عرفي إزاي؟!"
نجلاء بكت وقالت :
"أنا بحبه جداً وهو قالي إنه محتاج بيت تاني لأسبابه الخاصة، واشترط عليا إن الجواز يفضل عرفي وما يعلنش عنه عشان ما يهدش بيته.. وأنا وافقت لأني مكنتش أقدر أبعد عنه. وهو عشان يعوضني عن السريّة دي، كتبلي تلت تركته عشان أضمن مستقبلي لو حصّله حاجة."
رقية مسكتني من كتفي لأن جسمي بدأ يسيب. قعدتني على الكرسي بالعافية، وأنا حاطة إيدي على وشي وببكي بحرقة وانهيار تام. مش عياط حزن على موته.. ده كان عياط قهر وكسرة نفس من بني آدم اديته كل عمري وثقتي وفي الآخر طلع أكبر كداب وممثل عرفته في حياتي.
المحامي اتنحنح وحاول يلم الموقف وقال:
"يا جماعة.. أرجوكم اهدوا. الأستاذ محمد كاتب الوصية دي وموثقها قانوناً، وأنا مضطر أنفذها وأوزع باقي التركة.
حسام ضرب بايده على المكتب بذهول:
"أنت تعمل كده يا محمد؟ طب إزاي؟"
أما إسلام.. فكان قاعد في الركن، ساكت خالص.
ساكت بشكل مريب ومش طبيعي! كان مثبت عينيه على نجلاء بتركيز شديد، وعينيه فيها نظرة غريبة جداً، وكأنه بيحاول يفتكر الست دي أو يربط بينها وبين أي حاجة تخص محمد.
لاحظت نظرته الساكنة والمريبة، فقلت له بغضب:
"إسلام.. أنت ساكت ليه؟ أنت مذهول زينا ولا كنت عارف بالمهزلة دي؟!"
إسلام رفع عينه عن نجلاء وبصلي وقال بارتباك سريع:
"أنا.. أنا ساكت من الصدمة يا سها! مصدوم زيكم بالظبط.. محمد ده كان أخويا، وعمري ما اتخيلت في يوم إن يوصل بيه الحال يتجوز عرفي طول الفترة دي!
خرجنا من مكتب المحامي بعد ساعتين.. ساعتين كانوا أطول من السنين اللي عشتها مع محمد.
كنا ماشيين في الشارع.. الشارع زحمة والصوت عالي، بس أنا كنت حاسة إني مش حاسة بأي حاجة حواليا.
روحت بيتي، قفلت الباب عليا، وفضلت لوحدي في الضلمة. مكنتش ببكي على راجل مات وحزينه عليه.. أنا كنت ببكي على السنين والإنفاق والثقة اللي اتسرقوا مني مع بني آدم مكنتش أعرفه أصلاً!
الهدوء اللي كان بيلف الشقة مكنش هدوء راحة.. كان هدوء تقيل ومخيف، هدوء بيت اتردمت فيه كل الأوهام اللي عشت فيها سنين.
قعدت على الكنبة الكبيرة، ضميت رجلي لصدري، وبصيت لفراغ الصالة. الدموع كانت بتنزل من عينيا بحرقة حقيقية، مش حزن أد ماهو قهر وكسرة من بني آدم اديته عمري وثقتي، واكتشفت إنه كان عايش معايا بوشين، ومفهمني إنه الملاك المخلص.
كنت بحاول أستوعب صدمة الجوازة الثانية، وصدمة الـ "تلات سنين" كدب، لحد ما جرس الباب رن بحدة وقطع السكوت.
قمت بخطوات مكسورة وفتحت الباب.. كان الظابط شريف واقف قدامي، وملامح وشه جادة جداً وعلى عكس المرات اللي فاتت، كانت نظرته خالية تماماً من أي شك ومليانة بشيء مفهمتوش غير في الاخر.
دخل الظابط شريف الصالة وقعد، وبصلي بنبرة هادية بس حاسمة وقال:
"مدام سها.. أنا جيت بنفسي عشان أبلغك إن القضية اتقفلت رسمياً، والغموض اللي كان حولين حادثة الأستاذ محمد اتفك بالكامل."
بصيت له بذهول ودموعي نازلة: "غموض إيه يا حضرة الظابط؟ المحامي قالنا إنها حادثة وقضاء وقدر!"
شريف هز راسه بالرفض وقال:
"مكانتش حادثة يا مدام سها.. العربية كان مقصوص فيها الفرامل بفعل فاعل، والتقرير الجنائي أكد وجود شبهة جنائية. والنهاردة، الجاني اعترف بكل حاجة بالتفصيل."
سألته بصوت بيترعش:
"جاني؟! مين اللي عمل كده في محمد؟!"
رد الظابط شريف بوضوح شديد:
"مراته الثانية.. نجلاء."
الكلمة نزلت عليا زي الصاعقة.
الظابط كمل كلامه وهو بيشرح تفاصيل اللي حصل:
"لما فحصنا تليفون الأستاذ محمد والتفريغ الأخير للرسائل والمكالمات قبل الحادثة، مكنش فيه حاجة توصلنا, لكن لما عرضنا التليفون تاني على خبير يشوف لو فيه حاجات ممسوحة ويقدر يسترجعها تاني, لقينا خيط ورسايل بينهم ليلة الحادثة نفسها تثبت انه راحلها في الليلة دي وقبل ساعات من الحادثة!
أنا بصيت باستغراب وقولت بثقة:
مستحيل محمد كان عندي ونايم جمبي يومها.
الظابط كمل وقال:
سيبيني أكمل من فضلك,لما واجهناها بالأدلة والمكالمات وضغطنا عليها، انهارت تماماً واعترفت بالواقعة."
سكت شريف لثواني وبعدين قال:
"نجلاء قالت إنها تعبت من عيشة السر، وكانت بتضغط عليه بقالها فترة عشان يعلن جوازهم رسمي قدامك وقدام الناس كلها. بس الأستاذ محمد رفض تماماً، وهددها إنه هيسيبها ويطلقها ويبعد عنها خالص، واداها مهلة تفكر لحد ما يرجع من آخر سفرية دي..
وقتها هي قررت تتخلص منه وتنتقم منه قبل ما يسيبها."
أنا كنت قاعدة أسمع وأنا حاطة إيدي على بوقي مش مصدقة حجم البشاعة اللي بتتقال.
كمل الظابط شريف ووضح المفاجأة الأكبر:
"التحريات واعترفاتها كشفت حاجة ثانية.. الأستاذ محمد كان متعود يحطلك منوم في العشا أو العصير بالليل عشان تنامي نوم تقيل وما تحسيش بيه، ويقدر يروح يبات عندها ليلة أو ليلتين في الشقة اللي كان مأجرها لها، ويرجع قبل ما تصحي، وأعتقد ده اللي مكنش مخليكي واخدة بالك طول الفترة اللي فاتت دي.
فتحت عينيا بذهول وأنا بقول:
إيه؟ محمد كان بيعمل إيه؟ كان بيحطلي أنا منوم عشان يروح يبات عندها؟ أنا مش مستوعبة!
شريف كمل بجدية:
للأسف ده اللي حصل, وفي الليلة دي بالذات، محمد عمل نفس الحركة وحطلك المنوم وراح لنجلاء الشقة. نجلاء كانت متفقة مع شخص مأجور يقطع خراطيم الفرامل بتاعة العربية وهي مركونة تحت عمارتها.
وطول ما محمد كان عندها فوق، فضلت تفتعل معاه خناقة كبيرة وتطول في الكلام وتزيد وقت النقاش بالعافية.. كانت مستنية الرسالة من الشخص اللي تحت تتأكد فيها إن كل حاجة تمت مظبوط، وفي نفس الوقت كانت عايزاه يرجع يبات في بيتك عندك أنتي عشان تبعد أثر الشبهة تماماً عنها!
الظابط أخد نفس وكمل:
"أول ما جات لها الرسالة على الموبايل إن الخطة جهزت، وقفت الخناقة ومحمد نزل من عندها متعصب ومتنرفز جداً، أخد عربيته ورجع على عندك.. وطبعا الشخص ده كان مظبط الدنيا عشان الموضوع ميبانش علطول كده ، كان لازم أ.محمد يستخدم الفرامل فترة أطول... عشان تكون الشبهة بعدت تماما عنها
رجع البيت نام الكام ساعة اللي فاضلين، وصحي الصبح بدري مش مركز ولا متخيل إن العربية فيها حاجة، وسافر.. وللأسف حصلت الحادثة، وده سبب إنه مشي بيها فترة قبل ما تبان المشكلة.
أنا فضلت ساكتة مش عارفة أرد بايه قصاد كل اللي بيتقال ده, محمد عمل كل ده؟ طب أنا في حلم وهقوم منه دلوقتي ؟ ولا دي حياتي خلاص ومضطرة أواجه كل ده لوحدي!
اتنهد الظابط بأسف وقال:
"نجلاء مقـ.ــبوض عليها حالياً بتهمة القـ.ــتل العمد مع سبق الإصـ.ـــرار والترصد، وطبعاً القانون بيقول (القا تل لا يرث)، نجلاء اتشالت تماماً من الورث, ومش هتاخد مليم ده لو خرجت من السجن أصلًا.. وكل حقه وممتلكاته هتكون ليكي أنتِ بصفتك الزوجة والوريثة الشرعية الوحيدة."
وقف الظابط شريف وقال بنبرة تعاطف:
"أنا آسف إني بلغتِك بالتفاصيل الصعبة دي، بس كان لازم تعرفي الحقيقة كاملة.. ربنا يصبرك يا مدام سها."
مشى الظابط وقفلت الباب وراه, من غير ولا كلمة!
قعدت على الأرض وسندت ضهري على الباب.. الدموع كانت بتنزل من عينيا هادية وباردة.
دموع حزينة.. دموع القهر على سنين عمري اللي ضاعت مع إنسان مكنتش أعرفه.
وقتها افتكرت أد إيه أنا ضحيت عشانه!
سنين طويلة استحملت وعشت معاه وهو مبيخلفش، رفضت أسيبه أو أتخلى عنه رغم إن حلم الأمومة كان بيموت جوايا كل يوم، وقفت جنبه وسندته وحميته حتى من كبرياء نفسه قدام الناس ومكنتش بقول إن العيب منه هو كنت بقول إن ده نصيبنا وخلاص..
وفي الآخر يجازيني بالغدر؟ كان فاكر يعني إنه لما يتجوز عليا في السر هيخلف؟ كان بيعاند مين؟ ولا أنانيته عمته وخلته يدور على حلم عمره ما هيحصل !
بس ربنا جابلي حقي من الخيانة والغدر اللي عشت فيه من غير ما أعرف.
نجلاء هتترمي في السجن وهتتحرم من كل حاجة خططت ليها، ومحمد ساب الدنيا ودفع حياته نفسها ثمن لخداعه وكدبه وأنانيته.
أخدت نفس عميق، غمضت عينيا، ودعيت ربنا يصبرني على كسرة قلبي..
وعرفت في اللحظة دي إن أهم حاجة في الدنيا دي هي الرضا بقضاء الله وقدره. ربنا لما بيبتلينا، مش بيبتلينا عشان يعذبنا، لكن بيكون ليه حكمة في كده سواء عرفناها أو لأ واحنا لازم نسلم للأمر ده من غير اعتراض.
محمد افتكر إنه بذكائه وكدبه هيقدر يهرب من قدره، كان فاكر إنه لما يتجوز تاني هيقدر يرزق نفسه باللي ربنا منعه عنه.. نسي إن العطاء والمنع بإيد الخالق وحده.
ربنا ابتلاني الابتلاء الشديد عشان يفوقني، عشان يبعدني عن وهم كنت مخدوعة فيه، ويرد لي اعتباري وحقي لحد عندي من غير ما أتحرك. أحياناً المنع بيكون هو قمة العطاء، والمصيبة اللي بتكشف الحقيقة أحسن ألف مرة من نعمة كدابة نعيش بيها في غفلة.
قومت من على الأرض، نفضت هدومي وكأني بنفض معاها سنين من الخداع والكدب. اليقين اللي ملى قلبي دلوقتي مكنش بس إن حقي رجع، لكن إن قضاء ربنا دايماً فيه رحمة، حتى لو جالنا متغلف بوجع يكسر الضهر. سلمت أمري لله، وسبت الماضي ورا ضهري، وابتديت من النهاردة أعيش لنفسي، وأنا متأكدة إن تدبير ربنا ليا دايماً أرحم وأحن من أي اختيار اخترته لنفسي."
تمت بحمد الله
بصيت لرقية، لقيتها حاطة إيدها على بوقها وعينيها مبرقة بذهول، وسارة شهقت شهقة عالية.
حسام قام وقف من على الكرسي وانفجر في المحامي بصوت عالي:
"أنت بتقول إيه يا أستاذ؟! كلام إيه ده؟! محمد صاحبنا وعايش وسطنا طول عمره! مستحيل يكون متجوز عرفـ.ــي من ورا مراته ومن ورانا كلنا تلات سنين أنت أكيد فاهم غلط!"
المحامي رفع إيده بهدوء وفتح الملف، وطلع منه ورقتين؛ ورقة عقد زواج عرفي، ومعاها وثيقة بخط إيد محمد وبصمته، وحطهم في نص الترابيزة قدامنا وقال:
"أنا مش بتكلم من فراغ يا أستاذ حسام.. ده عقد الزواج العـ.ـرفي، ودي الوصية الشرعية اللي الأستاذ محمد كتبها وبصم عليها بنفسه، واللي بتمنحها ثلث التركة قانوناً. وأنا مكلف قانونياً بإبلاغها وتطبيق الوصية."
أنا كنت باصة للورق على الترابيزة.. اسم محمد مكتوب بالخط الأسود العريض، وجنبه اسم ست ثانية.. اسم غريب عليا تماماً.
إيدي اتمدت للورقة وهي بتترعش بشكل هستيري. مسكتها، عينيا كانت بتقرأ الاسم والتاريخ بذهول:
نجلاء...
في اللحظة دي بالذات، سمعنا خبطات خفيفة على باب المكتب الخارجي.
المحامي بص ناحية الباب وقال:
"اتفضل.."
الباب اتفتح ببطء.. ودخلت ست.
كانت في أوائل التلاتينات، طويلة، ملامحها هادية وبسيطة، لابسة عباية سودا وطرحة سودا حزينة، ووشها منفخ من كتر العياط.
وقفت عند الباب ثواني، بصت علينا وعلى وشوشنا المصدومة، وبعدين عينيها استقرت عليا أنا بالذات.
قالت بصوت واطي ومكسور:
"السلام عليكم.. أنا... أنا نجلاء."
الاسم رن في وداني تاني، نجلاء؟!
المحامي وقف وقال:
"اتفضلي يا مدام نجلاء.. دي مدام سها، زوجة الأستاذ محمد.. ودول أصدقاؤه."
نجلاء قربت خطوات بسيطة، وقفت قدام الترابيزة وراسها في الأرض.
أنا قومت وقفت بعصبية، ركبي مكنتش شيلاني، وجسمي كله كان بيتنفض. بصيت لها من فوق لتحت.. كنت بدور في وشها على أي إجابة. إزاي؟ إمتى؟ وإزاي محمد قدر يعيش التمثيلية دي علينا كلنا؟
سألتها بصوت كله غضب وقهرة:
"أنتِ... أنتِ كنتِ متجوزة محمد عر في؟"
هزت راسها ببطء ودمعة نزلت من عينها:
"الله يرحمه.. أيوة، متجوزين من تلات سنين."
ضحكت.. ضحكة مريرة وطويلة، ضحكة واحدة كانت بتتمنى تطلع في كابوس وتصحى منه. وقربت منها خطوة وقلت لها:
"تلات سنين؟ تلات سنين متجوزك في السر وهو معايا كل يوم؟
بينام في بيتي، بياكل من إيدي، بيضحك في وشي، وبيحكيلي عن كل حاجة؟! كان بيروحلك إمتى؟! كان بيكدب عليا إزاي؟!"
نجلاء رفعت عينها وبصتلي بنظرة فيها انكسار، وقالت بصوت هادي:
"محمد كان بيخاف على زعلك جدًا، وعشان كده اتفقنا إن الجواز يفضل عرفي وفي السر ومحدش يعرف عنه حاجة حتى لو ده هيجي عليا.. وأنا وافقت عشان بحبه. أما بالنسبة لمقابلاتنا، فكانت في كل السفريات اللي كان بيقولك إنه مسافر فيها للشغل."
السفريات!
سفريات الشغل!
يعني شكوكي كانت صح؟
المكالمات اللي كنت بكلمه فيها وأسمع أصوات غريبة حواليه!
المرات اللي كان بيقولي فيها إنه في اجتماعات ومش فاضي يكلمني! كدبه المتواصل اللي مسكته عليه لما بدأت أركز معاه!
حتى إشعار الفندق والرسالة اللي نزلت على البروجيكتور ليلة العيد قدام الكل.. الرسالة دي كانت حقيقة فعلًا !
كل حاجة اتجمعت في عقلي في أقل من ثانية زي مكعبات البازل اللي اكتملت فجأة! محمد مكانش عنده "نزوة عابرة".. محمد كان بيبني حياة كاملة في الضلمة، بيت تاني، وست تانية ، وعايش دور الزوج المخلص هنا وهناك!
سارة قامت بعصبية وصرخت في نجلاء:
"وأنتِ كنتِ عارفة إنه متجوز؟! كنتِ عارفة إن ليه ست بيخدعها وبيسرق من وقتها وحياتها عشان يجيلك؟! وقبلتي على نفسك جوازة في السر وعقد عرفي إزاي؟!"
نجلاء بكت وقالت :
"أنا بحبه جداً وهو قالي إنه محتاج بيت تاني لأسبابه الخاصة، واشترط عليا إن الجواز يفضل عرفي وما يعلنش عنه عشان ما يهدش بيته.. وأنا وافقت لأني مكنتش أقدر أبعد عنه. وهو عشان يعوضني عن السريّة دي، كتبلي تلت تركته عشان أضمن مستقبلي لو حصّله حاجة."
رقية مسكتني من كتفي لأن جسمي بدأ يسيب. قعدتني على الكرسي بالعافية، وأنا حاطة إيدي على وشي وببكي بحرقة وانهيار تام. مش عياط حزن على موته.. ده كان عياط قهر وكسرة نفس من بني آدم اديته كل عمري وثقتي وفي الآخر طلع أكبر كداب وممثل عرفته في حياتي.
المحامي اتنحنح وحاول يلم الموقف وقال:
"يا جماعة.. أرجوكم اهدوا. الأستاذ محمد كاتب الوصية دي وموثقها قانوناً، وأنا مضطر أنفذها وأوزع باقي التركة.
حسام ضرب بايده على المكتب بذهول:
"أنت تعمل كده يا محمد؟ طب إزاي؟"
أما إسلام.. فكان قاعد في الركن، ساكت خالص.
ساكت بشكل مريب ومش طبيعي! كان مثبت عينيه على نجلاء بتركيز شديد، وعينيه فيها نظرة غريبة جداً، وكأنه بيحاول يفتكر الست دي أو يربط بينها وبين أي حاجة تخص محمد.
لاحظت نظرته الساكنة والمريبة، فقلت له بغضب:
"إسلام.. أنت ساكت ليه؟ أنت مذهول زينا ولا كنت عارف بالمهزلة دي؟!"
إسلام رفع عينه عن نجلاء وبصلي وقال بارتباك سريع:
"أنا.. أنا ساكت من الصدمة يا سها! مصدوم زيكم بالظبط.. محمد ده كان أخويا، وعمري ما اتخيلت في يوم إن يوصل بيه الحال يتجوز عرفي طول الفترة دي!
خرجنا من مكتب المحامي بعد ساعتين.. ساعتين كانوا أطول من السنين اللي عشتها مع محمد.
كنا ماشيين في الشارع.. الشارع زحمة والصوت عالي، بس أنا كنت حاسة إني مش حاسة بأي حاجة حواليا.
روحت بيتي، قفلت الباب عليا، وفضلت لوحدي في الضلمة. مكنتش ببكي على راجل مات وحزينه عليه.. أنا كنت ببكي على السنين والإنفاق والثقة اللي اتسرقوا مني مع بني آدم مكنتش أعرفه أصلاً!
الهدوء اللي كان بيلف الشقة مكنش هدوء راحة.. كان هدوء تقيل ومخيف، هدوء بيت اتردمت فيه كل الأوهام اللي عشت فيها سنين.
قعدت على الكنبة الكبيرة، ضميت رجلي لصدري، وبصيت لفراغ الصالة. الدموع كانت بتنزل من عينيا بحرقة حقيقية، مش حزن أد ماهو قهر وكسرة من بني آدم اديته عمري وثقتي، واكتشفت إنه كان عايش معايا بوشين، ومفهمني إنه الملاك المخلص.
كنت بحاول أستوعب صدمة الجوازة الثانية، وصدمة الـ "تلات سنين" كدب، لحد ما جرس الباب رن بحدة وقطع السكوت.
قمت بخطوات مكسورة وفتحت الباب.. كان الظابط شريف واقف قدامي، وملامح وشه جادة جداً وعلى عكس المرات اللي فاتت، كانت نظرته خالية تماماً من أي شك ومليانة بشيء مفهمتوش غير في الاخر.
دخل الظابط شريف الصالة وقعد، وبصلي بنبرة هادية بس حاسمة وقال:
"مدام سها.. أنا جيت بنفسي عشان أبلغك إن القضية اتقفلت رسمياً، والغموض اللي كان حولين حادثة الأستاذ محمد اتفك بالكامل."
بصيت له بذهول ودموعي نازلة: "غموض إيه يا حضرة الظابط؟ المحامي قالنا إنها حادثة وقضاء وقدر!"
شريف هز راسه بالرفض وقال:
"مكانتش حادثة يا مدام سها.. العربية كان مقصوص فيها الفرامل بفعل فاعل، والتقرير الجنائي أكد وجود شبهة جنائية. والنهاردة، الجاني اعترف بكل حاجة بالتفصيل."
سألته بصوت بيترعش:
"جاني؟! مين اللي عمل كده في محمد؟!"
رد الظابط شريف بوضوح شديد:
"مراته الثانية.. نجلاء."
الكلمة نزلت عليا زي الصاعقة.
الظابط كمل كلامه وهو بيشرح تفاصيل اللي حصل:
"لما فحصنا تليفون الأستاذ محمد والتفريغ الأخير للرسائل والمكالمات قبل الحادثة، مكنش فيه حاجة توصلنا, لكن لما عرضنا التليفون تاني على خبير يشوف لو فيه حاجات ممسوحة ويقدر يسترجعها تاني, لقينا خيط ورسايل بينهم ليلة الحادثة نفسها تثبت انه راحلها في الليلة دي وقبل ساعات من الحادثة!
أنا بصيت باستغراب وقولت بثقة:
مستحيل محمد كان عندي ونايم جمبي يومها.
الظابط كمل وقال:
سيبيني أكمل من فضلك,لما واجهناها بالأدلة والمكالمات وضغطنا عليها، انهارت تماماً واعترفت بالواقعة."
سكت شريف لثواني وبعدين قال:
"نجلاء قالت إنها تعبت من عيشة السر، وكانت بتضغط عليه بقالها فترة عشان يعلن جوازهم رسمي قدامك وقدام الناس كلها. بس الأستاذ محمد رفض تماماً، وهددها إنه هيسيبها ويطلقها ويبعد عنها خالص، واداها مهلة تفكر لحد ما يرجع من آخر سفرية دي..
وقتها هي قررت تتخلص منه وتنتقم منه قبل ما يسيبها."
أنا كنت قاعدة أسمع وأنا حاطة إيدي على بوقي مش مصدقة حجم البشاعة اللي بتتقال.
كمل الظابط شريف ووضح المفاجأة الأكبر:
"التحريات واعترفاتها كشفت حاجة ثانية.. الأستاذ محمد كان متعود يحطلك منوم في العشا أو العصير بالليل عشان تنامي نوم تقيل وما تحسيش بيه، ويقدر يروح يبات عندها ليلة أو ليلتين في الشقة اللي كان مأجرها لها، ويرجع قبل ما تصحي، وأعتقد ده اللي مكنش مخليكي واخدة بالك طول الفترة اللي فاتت دي.
فتحت عينيا بذهول وأنا بقول:
إيه؟ محمد كان بيعمل إيه؟ كان بيحطلي أنا منوم عشان يروح يبات عندها؟ أنا مش مستوعبة!
شريف كمل بجدية:
للأسف ده اللي حصل, وفي الليلة دي بالذات، محمد عمل نفس الحركة وحطلك المنوم وراح لنجلاء الشقة. نجلاء كانت متفقة مع شخص مأجور يقطع خراطيم الفرامل بتاعة العربية وهي مركونة تحت عمارتها.
وطول ما محمد كان عندها فوق، فضلت تفتعل معاه خناقة كبيرة وتطول في الكلام وتزيد وقت النقاش بالعافية.. كانت مستنية الرسالة من الشخص اللي تحت تتأكد فيها إن كل حاجة تمت مظبوط، وفي نفس الوقت كانت عايزاه يرجع يبات في بيتك عندك أنتي عشان تبعد أثر الشبهة تماماً عنها!
الظابط أخد نفس وكمل:
"أول ما جات لها الرسالة على الموبايل إن الخطة جهزت، وقفت الخناقة ومحمد نزل من عندها متعصب ومتنرفز جداً، أخد عربيته ورجع على عندك.. وطبعا الشخص ده كان مظبط الدنيا عشان الموضوع ميبانش علطول كده ، كان لازم أ.محمد يستخدم الفرامل فترة أطول... عشان تكون الشبهة بعدت تماما عنها
رجع البيت نام الكام ساعة اللي فاضلين، وصحي الصبح بدري مش مركز ولا متخيل إن العربية فيها حاجة، وسافر.. وللأسف حصلت الحادثة، وده سبب إنه مشي بيها فترة قبل ما تبان المشكلة.
أنا فضلت ساكتة مش عارفة أرد بايه قصاد كل اللي بيتقال ده, محمد عمل كل ده؟ طب أنا في حلم وهقوم منه دلوقتي ؟ ولا دي حياتي خلاص ومضطرة أواجه كل ده لوحدي!
اتنهد الظابط بأسف وقال:
"نجلاء مقـ.ــبوض عليها حالياً بتهمة القـ.ــتل العمد مع سبق الإصـ.ـــرار والترصد، وطبعاً القانون بيقول (القا تل لا يرث)، نجلاء اتشالت تماماً من الورث, ومش هتاخد مليم ده لو خرجت من السجن أصلًا.. وكل حقه وممتلكاته هتكون ليكي أنتِ بصفتك الزوجة والوريثة الشرعية الوحيدة."
وقف الظابط شريف وقال بنبرة تعاطف:
"أنا آسف إني بلغتِك بالتفاصيل الصعبة دي، بس كان لازم تعرفي الحقيقة كاملة.. ربنا يصبرك يا مدام سها."
مشى الظابط وقفلت الباب وراه, من غير ولا كلمة!
قعدت على الأرض وسندت ضهري على الباب.. الدموع كانت بتنزل من عينيا هادية وباردة.
دموع حزينة.. دموع القهر على سنين عمري اللي ضاعت مع إنسان مكنتش أعرفه.
وقتها افتكرت أد إيه أنا ضحيت عشانه!
سنين طويلة استحملت وعشت معاه وهو مبيخلفش، رفضت أسيبه أو أتخلى عنه رغم إن حلم الأمومة كان بيموت جوايا كل يوم، وقفت جنبه وسندته وحميته حتى من كبرياء نفسه قدام الناس ومكنتش بقول إن العيب منه هو كنت بقول إن ده نصيبنا وخلاص..
وفي الآخر يجازيني بالغدر؟ كان فاكر يعني إنه لما يتجوز عليا في السر هيخلف؟ كان بيعاند مين؟ ولا أنانيته عمته وخلته يدور على حلم عمره ما هيحصل !
بس ربنا جابلي حقي من الخيانة والغدر اللي عشت فيه من غير ما أعرف.
نجلاء هتترمي في السجن وهتتحرم من كل حاجة خططت ليها، ومحمد ساب الدنيا ودفع حياته نفسها ثمن لخداعه وكدبه وأنانيته.
أخدت نفس عميق، غمضت عينيا، ودعيت ربنا يصبرني على كسرة قلبي..
وعرفت في اللحظة دي إن أهم حاجة في الدنيا دي هي الرضا بقضاء الله وقدره. ربنا لما بيبتلينا، مش بيبتلينا عشان يعذبنا، لكن بيكون ليه حكمة في كده سواء عرفناها أو لأ واحنا لازم نسلم للأمر ده من غير اعتراض.
محمد افتكر إنه بذكائه وكدبه هيقدر يهرب من قدره، كان فاكر إنه لما يتجوز تاني هيقدر يرزق نفسه باللي ربنا منعه عنه.. نسي إن العطاء والمنع بإيد الخالق وحده.
ربنا ابتلاني الابتلاء الشديد عشان يفوقني، عشان يبعدني عن وهم كنت مخدوعة فيه، ويرد لي اعتباري وحقي لحد عندي من غير ما أتحرك. أحياناً المنع بيكون هو قمة العطاء، والمصيبة اللي بتكشف الحقيقة أحسن ألف مرة من نعمة كدابة نعيش بيها في غفلة.
قومت من على الأرض، نفضت هدومي وكأني بنفض معاها سنين من الخداع والكدب. اليقين اللي ملى قلبي دلوقتي مكنش بس إن حقي رجع، لكن إن قضاء ربنا دايماً فيه رحمة، حتى لو جالنا متغلف بوجع يكسر الضهر. سلمت أمري لله، وسبت الماضي ورا ضهري، وابتديت من النهاردة أعيش لنفسي، وأنا متأكدة إن تدبير ربنا ليا دايماً أرحم وأحن من أي اختيار اخترته لنفسي."
تمت بحمد الله
