نفتح باب الشقة أمامنا في بطء..
وقد صدر عنه صرير حاد مزعج..كأنه لم ينفتح منذ ألف عام..
ساد صمت ثقيل علينا وقد وقفنا كالتماثيل أمام باب الشقة، بينما أخذنا ندقق بعيوننا في الظلام الذي غرقت فيه الشقة من الداخل..
لم نعلم كم دقيقة مرت علينا ونحن في سكون تام وثابتون في أماكننا، وقد اقشعرت جلودنا خوفا، و اعترانا التوتر والقلق، وكأننا نقف أمام أحد أبواب جهنم..
انتبهت لموقفنا، فأطلقت تنهيدة حارة، ما أن مزقت ستار السكون المسدل فوقنا، حتى تنحنح الجميع في صوت مسموع وكأن الكل يعلن عن خوفه وهلعه، بينما كان هناك من يتمتم ببعض الآيات القرآنية والأدعية..
تقدمت الجميع إلى الداخل وأنا أغمغم بالبسملة، ولحقني باقي أفراد فريق القوة وفني البحث الجنائي، وكان محمد السويدي أخر من يدلف إلى الشقة وقد غرق في بحر من العرق والأنفاس اللاهثة..
اجتزنا المدخل الضيق المكسو بالرخام الايطالي المصقول، إلى البهو الفسيح..
كان كل شيء في مكانه كما هو منذ وقعت الجريمة البشعة، الأثاث الفخم المصنوع من الأبنوس الأسود، والأرائك الوثيرة المبطنة بريش النعام وقد تناثرت عليها الوسائد الاسفنجيه وخلفها الستائر الأنيقة المسدلة، وعلى الارضيه السجاد التركي شديدة النعومة،وقطع الانتيكات الفنية الموزعة بشكل أنيق في الأركان، بينما على الجدران عشرات الصور للفنانة الراحلة والتي التقطت لها أثناء أحيائها لحفلاتها، تتوسطهم صورة عريضة مذهبة الإطار لها وهي تقف بجوار زوجها أيمن السويدي، وقد راحا ينظران لبعضهما في حب وهيام..
كل شيء ظل كما هو شاهدا على تلك اللحظات الدموية الرهيبة..
ولكنه تغطى بطبقة كثيفة من الغبار والأتربة نتيجة غلق الشقة لأكثر من عشرون شهرا كاملة، وقد تدلت من الأركان خيوط العنكبوت السوداء، فزادت من رهبة وكآبة الجو العام للمكان..
لا أدري لما أشعر بكل ذلك التوتر والقلق الذي يضرب أعماقي منذ ولجت إلى تلك الشقة اللعينة، ثمة ثقل بصدري يقبض روحي ببطء، ثمة شعور غريب يجتاحني بأن هناك من يرانا ولا نراه..
هززت رأسي في قوة، لانفض عنها تلك الأفكار السوداء التي تحاصر عقلي، والتفت إلى أحد رجالي مناديا:
- منصور.
التفت منصور نحوي سريعا وقال بصوته الغليظ:
- أوامر سيادتك.
قلت له في لهجة آمره:
- عايزك تنتشر أنت والرجالة في الشقة كلها فتشوا كل شبر فيها ولو حد لاحظ أي ملاحظة أو حاجة غريبة أندهولي.
ثم دسست يدي في جيبي لأخرج ظرفا مغلق، قمت بفتحه وفضضت منه مجموعة من الأوراق، ناولتها إلى منصور وأردفت:
- الأوراق دي فيها حصر لكل الممتلكات الثمينة اللي في الشقة طابقها مع اللي موجود فعليا ولو لاقيت حاجة ناقصة بلغني..يلا بسرعة.
أدى منصور التحية العسكرية وهو يقول:
- أوامرك يا سعادة الباشا.
ثم التفت لباقي العساكر ووزعهم في مهمات سريعة عبر أنحاء الشقة، بينما استدرت أنا إلى النافذة المفتوحة، والتي كان الهواء يتسلل عبرها ليتلاعب بالستائر كيفما شاء، ويندفع عبر البهو مطلقا فحيح كالثعابين..
اتجهت إليها، ورحت أفحصها بدقة..
كانت نافذة من الألمونيوم المتين، وزجاجها من النوع القوي العاكس للرؤية بحيث يسمح لمن بداخل الشقة رؤية الخارج ولا يسمح بالعكس..
فحصت المقبض بنظرة سريعة فلم أجد أي شيء مثير للانتباه، فناديت قائلا:
- مسعد.
جاء شاب في الثلاثون من عمره، نحيل، طويل، يحمل في يديه حقيبة صغيرة، كان هذا الشاب هو رجل البحث الجنائي، أشرت إلى النافذة:
- عايزك تفحص الشباك دا..وبعد كدا افحص كل كوالين الأبواب وأقفال الشبابيك عشان نتأكد إن في لصوص بيدخلوا الشقة دي فعلا ولا لا.
فتح الشاب حقيبته والتقط منها أدواته وانهمك في فحص النافذة في مهارة، بينما وضعت أنا كفي في جيبي البنطلون، وأخذت أسير في البهو بخطوات بطيئة، وأنا أدندن بأغنية قديمة، في محاولة لصرف ذلك الإحساس الغامض الذي يعتريني..
ألقيت نظرات على قطع الانتيكات القيمة، والتي اختفى لمعانها خلف الغبار، قبل أن تقع عيني على المكان الذي سقطت فيه جثث الضحايا....
كان المكان متروك كما هو لم تمتد له يد التنظيف..
نهرا من الدماء الجافة لازالت أثاره البشعة موجودة كما هي على الأرائك والمقاعد والأرض..خيوط من الدماء تتلاقى وتنفصل في همجية ، ترسم فيما بينها لوحة مرعبة ، توحي بشراسة وحدة من قام بتلك الجريمة..
وانهالت أمام عيني صورا من الذاكرة..
لقد كنت من بين الضباط الذين كتب عليهم القدر أن يهرعوا الى ذلك المكان بعد ما تم الابلاغ عن الجريمة، كنت لا أزال أحمل رتبة رائد ، حينما اقتحمنا المكان..
مهلا إننا لم نقتحمه فقد كان باب الشقة مفتوح على مصراعيه ، ورائحة الدماء تفوح منه وكأننا مقبلين على محل جزارة لتعلن على ان هناك كارثة بالداخل...
دخلنا وقتها لنبصر الأربع جثث وقد أحالتهم الرصاصات التي اخترقت أجسادهم إلى مصفاة مليئة بالثقوب..وكأنهم دمى بلاستيكيه دهستهم دبابة..
رفعت عيني نحو الأريكة التي كانت الفنانة ذكرى جالسة فوقها..وتذكرت صورتها..
كانت جالسة في استسلام كالملاك، تمسك بوسادة أسفنجية بين ذراعيها، وأكثر من عشرون رصاصة قد استقرت في جسدها، وقد غطت الدماء القانية الترننج الأبيض الذي كانت ترتديه..كانت جالسة وقد أمالت عنقها ونامت برأسها على كتفها كطفل صغير، وحدقتيها تنظران بثبات إلى صورها العديدة المعلقة على الجدار المقابل، وكأنها كانت لا تصدق بأن تلك المبتسمة الفرحة الثائرة وهي تلقي أغانيها في حفلاتها قد انتهت حياتها بتلك النهاية المؤلمة...
حولت عيني إلى المقعدين المجاورين للأريكة، حيث كان يجلس عليهما عمرو الخولي مدير أعمال الزوج وزوجته خديجة، كانت جثتيهما في وضع الجلوس وقد تشابكت أصابعهما بقوة، وعلى وجهيهما أبشع علامات الرعب والخوف..
يا ترى ماذا رأوا قبل موتهما؟...
ماذا شاهدوا في تلك اللحظات الرهيبة قبل أن يصمتا إلى الأبد..
((لا إله إلا الله..لا حول ولا قوة إلا بالله))..
أتى صوت محمد السويدي هاتفا بالعبارة في خوف شديد وذعر بالغ لينتزعني من بين ذكرياتي ويعيدني إلى الواقع، قبل أن يندفع من الداخل في طريقه إلى باب الشقة للخروج، فناديته :
- محمد بيه..محمد بيه في إيه مالك؟!!.
نظر الرجل نحوي بعيون جاحظة، وجسد ينتفض بشدة، ثم نظر إلى طرقة مؤدية لإحدى الحجرات، وهتف بكلمات متقطعة وصوت مبحوح:
- مفيش..مفيش يا خالد بيه..أنا هستنى تحت..الأفضل إني أستني تحت.
ثم خرج في سرعة ولهفة من باب الشقة وهو يكاد يسقط على وجهه، وكأنه يفر من أبالسة الجحيم..
وقفت صامتا لثوان، وأنا أفكر في السبب الذي جعل ذلك الرجل يعدو كالمجنون، قبل أن أقرر أن أذهب إلى الطرقة التي كان ينظر باتجاهها..
دلفت إلى الطرقة بخطوات حذرة، فسمعت غمغمة رجالي وهم يفتشون أحدى الحجرات القريبة، تمالكت أعصابي ثم أبصرت باب حجرة مواربا، فأيقنت أن تلك الحجرة التي كانت سببا في فزع محمد السويدي، فتقدمت نحوها أكثر..
دفعت الباب بيدي في رفق..ثم دخلت..
كانت حجرة نوم الفنانة ذكرى..
كانت حجرة واسعة، تحتوي على فراش عريض وثير، ودولاب أنيق، ومرآة كبيرة ذات أطار خشبي منقوش، وعلى الجدار المقابل صورة ضخمة للفنانة وهي في عز تألقها وجمالها،و..
وعلى الأرضية المغطاة بالغبار والأتربة، كانت هناك أثار عديدة لأقدام طفل صغير!!!!...
أثار تملأ الأرضية كلها..وكأنه كان هنا طفل يلهو ويلعب بكامل حريته!!!!..
يا ألهي!!..أن تلك الشقة لم تشهد حضور أي أطفال فيها..
أن ذكرى وأيمن السويدي ماتا دون أن ينجبا أي أطفال..
فمن أين أتت تلك الآثار؟..
كما إنني أذكر جيدا بأنني لم أراها في المرة الأولى التي أتينا فيها إلى الشقة لمعاينة الجريمة؟..
ولم يذكر أي شخص من الشرطة أو البحث الجنائي أو النيابة أنه رآها..
وكيف لهذا الطفل الصغير أن يدخل إلى هنا؟!!..
هذا أن كانت أثار أقدام طفل صغير بالفعل..تصاعدت ضربات قلبي واندفع الأدرينالين يجري في عروقي ليزيد من توتري وقلقي..
فحدقت مرة أخرى في الآثار..لأجد أن عدد أصابع القدم التي انطبعت على الأرض ليست خمسة أصابع وإنما..
فجأة باغتني شعور بأن هناك من يقف خلفي..فالتفت في سرعة شديدة..لأجد المكان خاليا..لكني أبصرت المرآة ولمحت الصورة المعكوسة على سطحها لصورة ذكرى المعلقة على الجدار..ورأيتها تنظر إلى في غضب وكراهية وعيون شديدة الجحوظ..
استدرت إلى الصورة المعلقة على الحائط لأجدها ثابتة ولا يوجد أي شيء بها غير طبيعي..
لكن جسدي أنتفض في قوة ، واجتاحني ذعر غريب..
أن هناك شخص غيري في تلك الحجرة..
شخص أشعر به..وأسمع فحيح أنفاسه..أنه يقف هناك..
مختبئ خلف ذلك الدولاب الأنيق..
انتزعت مسدسي من جرابه، وأشهرته أمامي، ورفعت زر الأمان، وتقدمت في بطء وحذر نحو تلك المسافة التي بين الدولاب والحائط..
تقدمت..واقتربت..
واقتربت..
و..
لم أجد أي شيء..
لا يوجد شيء خلف الدولاب..
يا له من وهم فظيع ، وقفت قليلا لالتقط أنفاسي..و..
وأندفع منصور إلى الحجرة بغتة هاتفا:
- الحق يا باشا..الحق يا باشا..
نظرت له في لهفة وتساؤل:
- في أيه يا منصور.
هتف منصور في تلعثم وخوف:
- الحمام يا سعادة الباشا.
لم أمهله يكمل عبارته، وأسرعت باتجاه الحمام الموجود في نهاية الطرقة..
وما أن اندفعت داخله..
حتى انطلقت شهقة رعب بالغة من فمي..
فما وقعت عيني عليه كان شيئا رهيب.
*****
👈 لكي نعرف كيف قتلت ذكرى...
لابد أن نمحص كل المعلومات التي وردت في القضية والتي بنت النيابة تحقيقها عليه..
لقد أصبحنا متأكدين من أن أقوال الخادمتان التي اعتمدت النيابة شهادتهما هي عبارة عن مجموعة من الأكاذيب الملفقة
ولكي نتيقن من ذلك فسوف نذهب لتقارير الطب الشرعي حول الجريمة والذي أفاد بأن رجل الأعمال أيمن السويدي والذي أصبح المتهم الوحيد في القضية بعد اعتماد شهادات الخادمتان..انه لم يكن مخمورا وقت ارتكاب الجريمة!!!..
وأنه كان يعاني بقرحة في معدته ، وبأبسط المعلومات الطبية نتأكد بأن مريض قرحة المعدة لا يمكن له بأن يعاقر الخمر بأي حال من الأحوال ، وإلا أصيب بنزيف حاد يقضي على حياته..
كما أن نتيجة تحليل الدم الذي قام به الطبيب الشرعي لجثة أيمن السويدي أكد بأن كان بكامل انتباهه وإدراكه وقت ارتكاب الجريمة..
أذن تقرير الطبيب الشرعي هدم أقوال الخادمتان..
وهنا نجد أنفسنا نتساءل..
لماذا قامت النيابة باعتماد شهادتي الخادمتان برغم كذبهم الواضح؟..
وفي نقطة أخرى نجد بأن هناك من يقول بأن سبب نشوب الجريمة هو غيرة الزوج الخانقة على زوجته الفنانة، الأمر الذي أورثه عصبيه شديدة تعمي العقول وقت الغضب..
وفي هذا الصدد أكد الجيران سماعهم للعديد من شجاراتهم المتواصلة، بل أن البعض تمادى واتهم الفنانة الراحلة بخيانة زوجها مع عشيق قطري الجنسية وفور علم زوجها الغيور جدا قام بقتلها..
ولكن وبقليل من التفكير أيضا نجد بأن تلك النقطة واهية تماما..
لان الفنانة ذكرى قتلت في اليوم الرابع بعد عودتها من قطر، فهل يقبل الزوج الغيور أن يعيش مع زوجته التي خانته لمدة ثلاثة أيام كاملة!!!
كما أنه لو أراد قتلها لخيانتها له، فلماذا قتل معها مدير أعماله عمرو الخولي وزوجته خديجة؟..كان الأولى له أن يقتلها وحدها..
وبهذا نكون قد أصبنا تحقيقات النيابة في مقتل وأسقطنا الأقاويل الكاذبة التي ثارت حول الجريمة..
وقد ظهر لنا في وضوح تلفيق النيابة الواضح للتحقيقات التي جاءت مضادة تماما لتقارير الطب الشرعي
ومع الغموض الذي أكتنف الجريمة وحجب أسباب وقوعها عن الرأي العام يصبح لدينا طريقان لا ثالث لهما..
👈 أما أن الجريمة هي جريمة سياسية من الدرجة الأولى..
👈 أو أن للجماعات المتطرفة يد في الأمر..
الرابع والاخير من هنا
