أكتوبر 2005..
كنت جالسا خلف مكتبي في تلك الساعة المبكرة،أتناول قهوتي الصباحية،وأنفث دخان سيجارتي،بينما خلف رأسي كانت الريح الخريفية ترتطم بزجاج النافذة المغلقة،بعد أن تتلاعب ببقايا أوراق الشجر الذابل الموجود في حديقة قسم شرطة قصر النيل،فيصدر عنه صوت كفحيح الثعابين..
كان ذلك حينما رن الهاتف فرفعت سماعته ووضعتها على أذني قائلا:
- ألو..معاك المقدم خالد شكري مأمور قسم قصر النيل..تمام يافندم..أيوة..الأستاذ محمد السويدي..تمام..شقة أيمن السويدي..حاضر يافندم..هيتم توجيه قوة لهناك مباشرة..تمام..مع السلامة يافندم..مع السلامة.
أغلقت الهاتف وأنا أتمتم لنفسي في استنكار شديد:
- ياترى عايزين يفتحوا الشقة ليه تاني؟.
لم أكد انتهى من عبارتي،حتى سمعت طرقات ثقيلة على باب حجرتي،قبل أن ينفتح ويدلف منصور عسكري المراسلة الخاص بي،ويؤدي التحية العسكرية،ثم قال وهو يقدم لي كارت ورقي:
- الأستاذ محمد السويدي عايز يدخل لسيادتك.
أشرت له بالموافقة وأنا ألقى نظرة إلى الاسم المكتوب بخط ذهبي على الكارت،وما لبث أن دخل رجل طويل القامة ممشوق القوام،يرتدي حلة فاخرة،وساعة ذهبية بمعصمه،وتبدو على ملامحه علامات الوجاهة والثراء الفاحش..
كان هذا هو محمد السويدي رجل الأعمال والثري المعروف،وشقيق الراحل أيمن السويدي،الذي انتحر في ظروف غامضة بعد ما قتل زوجته المطربة ذكرى ومدير أعماله عمرو الخولي وزوجته خديجة..في مذبحة شهيرة وقعت في شقة الراحل بإحدى بنايات الزمالك..
تقدم محمد السويدي ناحيتي مادا يده،راسما على وجهه ابتسامه واسعة،لم تخفي القلق والتوتر الباديان على وجهه الممتلئ،بادلته التحية وأشرت له بالجلوس،ثم ناديت منصور وطالبته بسرعة إحضار فنجانين من القهوة السادة،قبل أن ألتفت له قائلا:
- لسه نيابة قصر النيل متصلة بيا دلوقتي.وأخبروني أن حضرتك قدمت طلب بفتح شقة المرحوم..
أخرج الرجل منديلا ورقيا وأخذ يمسح به عرق جبهته،برغم الجو الخريفي الذي تمر به البلاد في الاونه الأخيرة،ثم نظر لي بنظرات ذائغة،وقال وهو يومئ برأسه:
- فعلا..قدمت طلب بكدا..والنيابة وافقت.
عدت بظهري إلى الوراء،وسألته وأنا أفحص كل جزء في وجهه بنظري:
- ممكن أفهم ليه..نادرا أن حد يطلب بفتح الشقة اللي بيتم فيها جريمة قتل..مفيش حد بيحب يزور مكان الجريمة..وخصوصا لما تكون جريمة بشعة زي اللي حصلت.
جاء منصور بفناجين القهوة،ومعها كوب ماء كبير،أمسكه محمد السويدي وجرعه كله دفعة واحدة،قبل أن يلتقط نفسا عميق ويقول في خفوت:
- الشقة بيحصل فيها حاجات غريبة.
هتفت في دهشة:
- حاجات غريبة..أزاي يعني؟.
قال:
- ممكن حضرتك تيجي معايا وتسأل الجيران والبواب هتسمع منهم كلام غريب جدا..أنا في الأول مكنتش مصدق لكن..لكن..
تلعثم فسعل وتوقف عن الاسترسال في الكلام،فتركته حتى هدأ ثم ناولته سيجارا أخذها بأصابع مرتعشة وأشعلها،بينما أشعلت أنا أخرى،وأشرت إلى فنجان القهوة،ثم قلت:
- أشرب قهوتك وأتكلم براحتك يا محمد بيه..أيه اللي كانوا بيقولوا عليه الجيران والبواب.
تمتم في خفوت:
- بيقولوا إن أرواح اللي ماتوا لسه موجودة في الشقة..دايما بيسمعوا أصوت خناقات عنيفة..الأصوات دي بيسمعوها في أي وقت من اليوم..وبيسمعوها فجأة.
عقدت حاجباي مستنكرا:
- أيه اللي بتقولوا دا يا محمد بيه.
هتف منفعلا:
- ممكن حضرتك تيجي معايا وتسمع بنفسك..دول بيقولوا إن الاسانسير بيطلع لوحده من الدور الأول للدور التاني نفس الدور اللي فيه الشقة..وحضرتك عارف إن كل دور هناك فيه شقة واحدة بس..ودا بيتم في الساعة 6 الصبح...نفس الميعاد اللي تمت فيه الجريمة.
قلت ملوحا بذراعي:
- تهيوءات..مجرد خيال عقول الناس اخترعته عشان الشقة تمت فيها جريمة قتل..خيال ناتج عن الخوف الموجود في قلوب الناس مش أكتر.
قال وهو ينفث دخان سيجارته:
- كنت بقول زيك كدا..لغاية ما الشباك أتفتح.
تساءلت في حيرة:
- شباك أيه.
رد قائلا:
- البواب أمبارح الساعة 2 بليل..سمع صوت خبط شديد في الشارع..خرج عشان يشوف في أيه..لقى إن فيه طوب بيتحدف من فوق..بص ناحية المكان اللي بيتحدف منه الطوب..شاف الشباك الالمونتال بتاع الصالة اللي بيطل على الشارع مفتوح.
فتحت فمي دهشة واستنكار ثم هتفت:
- أيه..أزاي!!..الشقة مقفولة بالشمع الأحمر ومفيش جنس مخلوق جوه الشقة.
غمغم:
- وكمان البواب لمح خيالات لناس جوه الشقة المضلمة خيالات بتصرخ وبتحدف طوب في الشارع..طبعا مصدقتوش كالعادة لكنه طلب مني أروح وأشوف بعيني..ولما روحت..بصيت على الشباك..لاقيته مفتوح فعلا.!!!
تساءلت مفكرا:
- يمكن يكونوا حراميه انتهزوا فرصة إن الشقة مقفولة وان الناس بتخاف منها فدخلوا يسرقوها..وطبعا هيستغلوا حالة الخوف فمفيش حد هيقرب من الشقة.
أومأ برأسه وقال:
- طيب ليه يفتحوا الشباك..وليه يعملوا دوشة ويحدفوا طوب.
كان الفضول قد استولى على كل ذرة في جسدي،فأسرعت في تناول البقية الباقية من قهوتي،ثم نهضت مناديا منصور،الذي أندفع إلى الداخل ملبيا النداء،فهتفت فيه:
- منصور..جهز القوة حالا..وخلي حد من البحث الجنائي يحضر معانا..هنطلع على الزمالك.
ثم أشرت إلى محمد السويدي:
- يلا يا محمد بيه..نعاين المكان على طبيعته ونشوف الحكايات الغريبة دي.
*****
الفنانة ذكرى..
فنانة تونسية الأصل،بدأت مشوارها الغنائي عام 1980..ولدت في وادي الليل بتونس..كانت طفلة صغيرة تحلم بأن تصبح شخصية مهمة ومشهورة في يوما ما،لكنها لم تتخيل أبدا أن تصبح صاحبة أشهر جريمة قتل في مصر..
وذكرى كانت أصغر أشقائها الثمانية..وكانت معروفة بحنانها وبحبها الشديد لأبيها..وقد بدأت الغناء في سن صغيرة،أثناء مراحل دراستها الأولية،ونالت جائزة نادي المواهب..وكان والدها يشجعها دائما على تطوير موهبتها،عكس أمها التي وقفت ضد أمر غنائها تماما..وكانت ذكرى تتميز بقدرتها على أداء جميع الأغاني بمختلف اللهجات العربية..مما جعل الجميع يشيد بموهبتها،حتى التقت بالموسيقار المصري هاني مهنى وتبنى موهبتها ثم قام باستضافتها في العديد من الحفلات العربية والدولية..
وفي التسعينات من القرن المنصرم بدأ نجم ذكرى في اللمعان والتألق خاصة بعد اشتراكها بالغناء في أغنية الحلم العربي..فاشتهرت وصار لديها عشرات المعجبين..وحققت أعلى المبيعات في سوق الكاسيت..
كان كل ذلك قبل رحيلها المؤسف في عام 2003..وإذا شئنا الدقة في فجر يوم الجمعة الموافق 28 نوفمبر..وكانت وقتها تبلغ من العمر 42 عام..
كانت مذبحة بشعة..تمت في ظروف غامضة..وقد تناثرت حولها الأقاويل..والعديد من التفسيرات والسيناريوهات..لكن لا أحد يعرف كيف تمت تلك الجريمة بالتحديد؟..
لا أحد يعرف ماذا حدث هناك بالضبط؟..
في الشقة رقم 112..بسراي السلطان-شارع محمد مظهر-حي الزمالك..
دعونا نتذكر المشهد كما وقعت أعين رجال الشرطة عليه،بعد ما تم الإبلاغ عن الجريمة الفظيعة..
الشقة الفاخرة ذات البهو الواسع والأثاث الفخم والموجودة بمفردها في الطابق الثاني..غارقة في الدماء..بحر من الدماء القانية ضرب جوانب الشقة في منظر بشع،يوحي بالشؤم والكأبه خاصة بأن أضواء الشقة الخافتة قد كست الجو العام بالقتامة والحزن..
وهناك على الأريكة الوثيرة جثة الفنانة الراحلة..كانت في وضع الجلوس،ترتدي تريننج رياضي أبيض،غارقا بالدماء الغزيرة،وتحتضن وسادة صغيرة بين ذراعيها كانت تظن أنها ستحميها من وابل الرصاص الذي مزق جسدها..
26 رصاصة اخترقت جسد الفنانة فأحالته إلى مصفاة مليئة بالثقوب،22 طلقة في محيط الصدر والبطن فقط..و4 في أجزاء متفرقة..
وعلى المقاعد المجاورة للاريكه كانت جثة عمرو الخولي مدير أعمال أيمن السويدي زوج الفنانة ذكرى وصاحب المجزرة..وكان نصيبه 18 رصاصة..وقد ارتسمت على وجهه علامات رعب وفزع..وتشابكت أصابعه بأصابع جثة سيدة تجلس بجواره..احتوى جسدها على 22 رصاصة..وهي خديجة زوجته..
وفي الجدار خلفهم أثار عديدة لرصاصات أخطأ مطلقها ولم يجيد تصويبها..
بينما على الأرض ترامت جثة أيمن السويدي..
رجل الأعمال ومالك الشقة وزوج الفنانة ذكرى...ومنفذ المذبحة تبعا لتحقيقات النيابة..
نفذها ثم حشر ماسورة المسدس داخل فمه وأطلق رصاصة واحدة فجرت رأسه وألحقته بضحاياه في عالم الصمت..
وبجوار جثته رقدت الأسلحة التي استخدمت في حصد الأرواح..افترشت الأرض بعد ما انتهت من مهمتها على أكمل وجه..
عدد 3 مسدسات بريتا 92 fs عيار 21 مللي..
ورشاش mp5 سريع الطلقات..
لقد القينا نظرة سريعة على مسرح الجريمة.
والآن دعونا نفتح ملف تلك القضية الغامضة التي أثارت الرأي العام المصري ذات يوم...
ونتقمص روح هولمز ونتساءل..
ياترى ما هو الباعث حول تلك الجريمة الغامضة؟
وكيف تمت بتلك البشاعة؟
وهل أفصحت تحقيقات النيابة عن كل شيء متعلق بالمجزرة..أم أن هناك أشياء تم طمسها وعدم الكلام عنها؟..
وما حكاية الأشباح التي تظهر داخل الشقة،وسر هذه النافذة المفتوحة؟.
