حي الزمالك الراقي...
الشوارع واسعة نظيفة هادئة، على جوانبها تمتد صفوف من الأشجار العتيقة التي تعرت فروعها من ثوبها الأخضر الجميل، وبجوار الأرصفة اصطفت عشرات السيارات الفاخرة في صمت..
مزق دوي سرينة سيارة الشرطة التي نركبها ستائر الصمت المسدلة فوق بنايات الحي الغارق في السكون، فأحدث صخبا وضجيجا، قبل أن تقف السيارة في شارع محمد مظهر..
ترجلت ومعي أفراد القوة التي صاحبتني، كانوا خمسة رجال غير السائق الذي ظل رابضا أمام مقود القيادة..
وما مرت ثوان حتى لحق بنا محمد السويدي في سيارته الخاصة، فهبط من سيارته واقترب نحونا ثم أشار إلى أحد طوابق البناية الانيقة قائلا:
- بص يا خالد بيه فوق.
رفعت نظري إلى حيثما يشير، فوجدت نافذة زجاجيه كبيرة مفتوحة، وبدت خلفها ستائر داكنة اللون أخذ الهواء يتلاعب بها ويهزها هزات خفيفة، قلت في دهشة:
الشوارع واسعة نظيفة هادئة، على جوانبها تمتد صفوف من الأشجار العتيقة التي تعرت فروعها من ثوبها الأخضر الجميل، وبجوار الأرصفة اصطفت عشرات السيارات الفاخرة في صمت..
مزق دوي سرينة سيارة الشرطة التي نركبها ستائر الصمت المسدلة فوق بنايات الحي الغارق في السكون، فأحدث صخبا وضجيجا، قبل أن تقف السيارة في شارع محمد مظهر..
ترجلت ومعي أفراد القوة التي صاحبتني، كانوا خمسة رجال غير السائق الذي ظل رابضا أمام مقود القيادة..
وما مرت ثوان حتى لحق بنا محمد السويدي في سيارته الخاصة، فهبط من سيارته واقترب نحونا ثم أشار إلى أحد طوابق البناية الانيقة قائلا:
- بص يا خالد بيه فوق.
رفعت نظري إلى حيثما يشير، فوجدت نافذة زجاجيه كبيرة مفتوحة، وبدت خلفها ستائر داكنة اللون أخذ الهواء يتلاعب بها ويهزها هزات خفيفة، قلت في دهشة:
- فعلا الشباك مفتوح.
هبط الرجل بسبابته نحو الأرض، وهو يشير إلى كومة من الأحجار الصغيرة الملقاة بجوار غطاء بالوعة معدنية، وقال:
- ودي الحجارة اللي اتحدفت من الشباك.
انحنيت نحو تلك الكومة، لالتقط حجرا منها، وأخذت أتفحصه في دقة..
كان حجرا غريب الهيئة، مستديرا ذو أطراف مدببة، وكان ملوثا ببقع حمراء قانية..وكأنها بقايا دماء جافة!!!!
قربته من أنفي, فشممت رائحة كريهة للغاية تفوح منه، لأغمغم حائرا:
- أيه الريحة الغريبة دي.
ألقيته من بين أصابعي سريعا، ثم تقدمت ناحية البناية..
استقبلنا حارس المبنى، كان رجلا نوبيا، في منتصف الخمسون من عمره، يرتدي جلبابا فضفاض، وقد ظهر الخوف جليا على ملامحه السمراء، وما أن أعطيته الفرصة ليتكلم حتى أندفع قائلا:
- والله يا سعادة البيه الشقة اللي فوق دي فيها عفاريت ربنا يحفظنا.
قلت له :
- أحكي أيه اللي حصل بالضبط.
تردد الرجل قليلا قيل أن يحسم أمره وقال:
- يا سعادة البيه علطول بنسمع أصوات غريبة جايه من جوه الشقة..الشقة والله العظيم من ساعة الحادثة والشرطة قفلتها بالشمع الأحمر مفيش جنس مخلوق قرب منها..لكن..لكن أوقات بسمع في عز الليل صوت ناس بتزعق وتتخانق..صوت عامل زي صوت القطط لما تتعارك..وأوقات تانيه اسمع صوت خبط..أحفظنا يا كريم.
كان الرجل يرتعد رعبا، فأشرت له بالسكوت حتى يمتلك زمام أعصابه الهاربة، قبل أن يقع بصري على رجل قصير يرتدى حلة فاخرة، يقف بالقرب مننا، فما أن رآني أنظر أليه حتى تقدم ناحيتي وتمتم:
- أنا رفعت عزام..ساكن الشقة اللي فوق الشقة 112 مباشرة.
أومأت برأسي مرحبا:
- أهلا وسهلا.
هتف الرجل:
- أهلا بسعادتك..الحقيقة أنا كنت نازل خارج وبالصدفة قابلت حضرتك..فقلت لازم أقول رأيي.
أشرت له :
- أتفضل..قول اللي أنت عايزه.
ألتقط نفسا عميق وقال:
- يا سعادة البيه..الشقة دي بتحصل فيها حاجات غريبة..أنا زوجتي وأولادي هيموتوا من الرعب..وعايزين يمشوا من هنا بأي طريقة..أحنا أوقات بنقوم من النوم على صوت خطوات ناس بتجري تحت في الشقة..وبعد كدا الأبواب بتاعتها بتفضل تفتح وتقفل بصوت عالي..وكلنا بنسمعه بخلاف صوت بكاء..بكاء بيستمر لمدة ساعتين كاملين مبيختفيش إلا مع أدان الفجر..يا بيه لازم تشغلوا قرآن علطول في الشقة..أو تجيبوا حد بيفهم في المسائل دي.
سألته:
- مسائل أيه بالضبط.
قال بصوت مرتجف:
- الأرواح..عايزين حد يصرف الارواح المعذبة من الشقة.
انتهى من كلامه، فساد الصمت قليلا، قبل أن يقطعه صوت امرأة وهي تتمتم بوهن:
- ممكن أكلم حضرتك.
التفت ناحيتها فوجدتها امرأة عجوز في حوالي الستون من عمرها، تغضن وجهها وانحنى عودها الجاف بفعل السن، وكانت تقف مستندة إلى عكاز أسود من الأبنوس، قلت لها:
- تفضلي.
نظرت لي بعينين ذهب بريقهما، وقالت بضعف:
- أنا شوفت حاجات غريبة..بحكم سني الدكتور الخاص بيا طلب مني إني أتحرك عشان بعاني من تيبس في المفاصل وعشان كدا من مدة قررت إني مستمعلش الاسانسير خالص واني أستخدم السلم بالرغم من إني عايشة في الدور الرابع وأوقات وأنا طالعة السلم أو نازله وبيكون في وقت مبكر حوالي الساعة 6 الصبح..بلمح بعيني باب الشقة 112 مفتوح.
قاطعتها باستنكار:
- مفتوح..أزاي؟!!.
أكملت قائلة:
- نعم..نعم..بشوفه مفتوح..وكمان الصالة من جوه يتبقى ضلمة..مفيش نور..لكني بسمع صوت خطوات بتجري جوه الشقة..فبروح مسرعة في خطواتي عشان أنزل السلم بسرعة..لكن لما بلتفت بعد ما أكون عديت الباب ونزلت كذا درجة..بتفاجئ إن الباب مقفول ومفيش حاجة.
انتهت العجوز من كلامها ثم انصرفت بغتة، وكأنها ممثلة انتهت من أداء دورها ولم يعد هناك ما تقوله..
ظللت واقفا وحولي أفراد القوة، وبجانبي محمد السويدي، نتبادل النظرات الحائرة بعيوننا وأذاننا لا تصدق تلك الغرائب التي نسمعها..
عدت إلى الحارس النوبي مرة أخرى, وسألته:
- في حاجه تاني عايز تقولها.
أبتلع الرجل ريقه وقال:
- الاسانسير يا سعادة البيه..الاسانسير أوقات الساعة 6 الصبح بيطلع لوحده للدور التاني..ومفيش حد جواه وسعادتك عارف إن كل دور وفيه شقة واحدة..وفي الشتا اللي فات في ليلة كان المطر فيها شديد..سمعت أنا ومراتي صوت حاجة تقيله بتقع على الأرض..والصوت دا كان جوه شقة أيمن بيه الله يرحمه.
قلت:
- طيب وحكاية الشباك المفتوح أيه.
أرتعد الرجل أكثر وكأنه تذكر لحظات مفزعه عاني منها الكثير وتمتم:
- الشباك..الليلة اللي فاتت..الساعة 2 بليل..سمعت نفس الأصوات تاني في الشقة فوق..وبعد تلت ساعة الأصوات سكتت فجأة..بعديها سمعت صوت حاجة بتتحدف في الشارع..قومت مطلع السلاح وطلعت بيه في الشارع..وانا بحسب أن في حرامي، لكني أتفاجئت بحجارة بتترمي من فوق..برفع عيني شوفت شباك الصالة مفتوح..ولمحت خيالات لناس بتجري لكن الشقة كانت ضلمة.
صمت الرجل، فسحبت نفس عميق إلى رئتي، وتمالكت أعصابي..
هل تلك الحكايات الغريبة التي رددها أكثر من شخص يقطن تلك العمارة الملعونة مجرد خيالات لا أساس لها من الصحة؟..
أم هي حقيقة..حقيقة مرعبة يجب علينا مواجهتها؟..
لا أعلم..حقيقة لا أعلم..
نظرت إلى محمد السويدي، وقلت:
- يلا نطلع فوق يا محمد بيه ونشوف الأمور على حقيقتها.
أومأ الرجل برأسه وغمغم:
- يلا.
صعدنا إلى الطابق الثاني سريعا..
باب شقة الغموض والرعب مغلق..لوح عريض من الخشب الزان الصلب..شديد السمك والمتانة..اختفى لونه الأسود اللامع خلف طبقة كثيفة من الغبار المتراكم..وعند حافة الرتاج المذهب أمتد شريط من الشمع الأحمر ليصل بين جسم الباب وإطاره الخارجي..
كان شريط الشمع الاحمر واضحا لأعيننا بأنه سليم تماما، ولا يوجد أي أثر عليه لمحاولة كسر أو تحطيم، الأمر الذي يؤكد على أن الباب لم يقترب منه أحد مطلقا، ولم ينفتح منذ أمرت النيابة بإغلاقه!!!!...
أشرت لأحد أفرد القوة قائلا:
- أكسر الشمع دا يا بني.
وبعد لحظات، كان الباب الملعون يفتح أمام أعيننا..وقد أخذت مفاصله تصر بصرير حاد..
أشبه بنواح العجائز عند القبور.
*******
👈ماذا حدث داخل شقة الفنانة ذكرى؟..
كان هذا السؤال هو أهم سؤال تم توجيهه للشاهدتين اللتان خرجتا حيتان من المجزرة..
كانت خادمتان الفنانة ذكرى التي أجابت احداهما بقولها في التحقيقات:
- أنها قرب الفجر سمعت شجارا عنيفا بين أيمن وذكرى ومدير أعماله قبل أن تسمع صوت أطلاق نار كثيفة ممتزج بصراخ مرعب..ثم هدأ كل شئ فجأة..لتخرج من غرفتها وتجدهم جميعا جثثا هامدة وقد تلطخت الجدران بدمائهم في جريمة بشعة للغاية.
في حين كانت الأخرى أكثر دقة واستفاضة:
- إن ذكرى وزوجها ومدير أعماله عمرو الخولي وزوجته خديجة كانوا عائدين من سهرة ((عرفت لاحقا بأنها سهرة في محل بلوز بالجيزة يملكه زوجها أيمن السويدي)) واستمرت السهرة حتى الصباح وعادوا جميعا في حدود الساعة 5 فجرا..
وما لبثت أن دبت مشادة بين أيمن ((السكران)) وزوجته ذكرى ثم غادر الصالة وقبل أن يدخل غرفته طلب من الخادمتين أقفال الباب على نفسيهما وبعد قليل خرج من غرفته بحدود 6 صباحا ويحمل 3 مسدسات ورشاش صغير وبعد محاولات يائسة من زوجته وصديقه بأن يتمالك أعصابه ويهدأ فتح عليهم النار في مدة زمنيه لا تقل عن ربع ساعة كاملة..صوب النار نحو زوجته أولا التي حاولت أن تتفادى الرصاص بحملها للوسادة التي كانت موضوعة على الاريكة، وذلك بعد أن وضعتها على صدرها..في محاولة يائسة منها لصد الرصاصات المنطلقة نحوها..ثم قام الزوج بقتل مدير أعماله وزوجته خديجة..
وبذلك سقط ثلاثة ضحايا قبل أن يقدم أيمن على الانتحار لتسقط جثته بجوار باقي الجثث بعد إن أطلق النار من فوهة مسدسه الذي دسه في فمه.
كانت تلك أقوال الخادمتان اللتان حضرتا الجريمة الفظيعة وقد اعتمدت النيابة تلك الأقوال في تحقيقاتها وأغلقت القضية بهذا الشكل...
ولكن دعونا نتساءل..
هل الخادمتان صادقتان في أقوالهما؟..
هل تلك الحكاية التي قامتا بسردها عن كيفية وقوع الجريمة تبدو واقعية مكتملة الأركان؟..
لو فكرنا قليلا سنجد بأن الاجابه لا..
أن الحكاية التي اعتمدتها النيابة وأغلقت بها التحقيقات هي حكاية واهية مليئة بالثغرات، فكيف لم تتحرك ذكرى أو عمرو الخولي أو زوجته خديجة للقيام بأي رد فعل للنجاة بحياتهم إن تحقيقات النيابة تقول بأن القتلى كانوا في وضعية جلوس على الأريكة..وكأنهم قد استسلموا لموتهم بمنتهى البساطة!!!وهذا بالطبع مخالفا لعلم النفس عند الإنسان الذي يقول بأن أقوى غريزة لدى الإنسان هي غريزة البقاء..ثم كيف لذكرى وهي تسعى لتهدئة زوجها السكران الذي يريد إن يقتلها..أن تجلس وتحمل وسادة بين ذراعيها في هدوء تام وكأنها مراهقة صغيرة تحلم بفتى أحلامها لا امرأة تواجه قاتل يريد أن ينهي حياتها!!!
ثم ما الدافع الذي يجعل الزوج يقوم بحمل 3 مسدسات و مدفع رشاش لكي يقتل ثلاثة أشخاص عزل من أي سلاح..أنه لو أراد هذا بالفعل سيكتفي بسلاح واحد أو اثنان على الأكثر..
وسؤال أخر كيف سيحملهم؟؟..كيف سيحمل 3 مسدسات ثقيلة ومدفع رشاش سريع الطلقات ثم يذهب ليمارس القتل بكل حرية..وكأنه يمتلك أربعة أذرع لا ذراعين أثنين؟!!..
أن الحكاية التي سردتها الخادمتان حكاية كاذبة منافية لأبسط قواعد المنطق..
وبالتالي فأن تحقيقات النيابة كانت واهية بشكل كبير..
ولهذا فسنلجأ لطريقة تفكير أخرى للجريمة..
وسنبحث عن أسباب أخرى لم تذكرها النيابة في تحقيقاتها..
أسباب تم إخفاؤها بمهارة..ولكنها تقلب القضية رأسا على عقب.
