هنا فى المحروسه مصر ، بالتحديد فى الصعيد اكثر الاماكن جمالا وقسوه فى وقت واحد ، روايتنا عن قريه فى اقصى الصعيد الجوانى ، احدى القرى البعيده عن اعيون الشرطه والنظام ، لم تكن تلك القريه تحت اعيون الشرطه فلا تستطيع الشرطه دخولها لانها بمعزل عن باقى قرى الصعيد وايضا يكثر بها الطلقات الناريه الطائشه التى تصيب رجال الشرطه دائما ، هنا حيث ان اهل تلك القريه يستخدمون الاسلحه اكثر من استخدام العقل والتفاهم ، لم يكن ذلك اعجب ما فى تلك القريه فالاعجب هو اسمها فكان اسمها قرية ( القاتل ) اسم عجيب جدا ، كان يعيش بتلك القريه عائلات كثيره ولكن اكثرهم عدد هم عائلتان الاولى عائله الهلايله والثانه عائله الجعافره .
الصعايده بوجه عموم اشخاص تحب معرفتهم ، فهم رجال واصدقاء جدعان وقت الشده ، يعتبر الصعيدى كلمته عهد يلتزم بيه ، ويمتلكون الصعايده بعض العادات والتقاليد التى يحب ان يتنازل الشخص منهم عن حياته ولكن لا يتنازل عن تلك العادات والتقاليد واكثرها ما يسمى بالتار .
ما هو التار : هو نوع من الانتقام ، فاذا قتل شخص اى احد من عائله اخرى ، فتقوم تلك العائله بالانتقام وقتل شخص منهم ويظل هذا الوضع يتكرر ، فتظل كل عائله تقتل شخص من العائله الاخرى انتقاما لما تم قتله منهم ، وهناك من يقتل اكثر من شخص واحد انتقاما لموت احدهم .
كان التار مشتعل بين عائله الهلايله وعائله الجعافره ويرجع السبب الى ان احد بهائم شخص من عائلة الجعافره هربت ودخلت ارض شخص من عائله الهلايله وافسدت القليل من المحصول بها ، فقامت المشاجره بين الشخصين وقتل الرجل الذى كان من عائلة الهلايله بالخطأ ، ورفضت عائلته قبول الديه وقتلت اثنان من عائله الجعافره ، فردت عائله الجعافره وقتلت اثنان من عائله الهلايله ، وظل هذا الامر قائم لمده عشرون سنه حتى وقتنا الحاضر ، رغم ان الكثير قد مات جراء تلك الحادثه الا ان اخذ التار قائم بين العلتين حتى انهم قد نسوا سبب هذه المشكله من الاساس واصبح كل عائله منهم تفتخر بعدد القتلى الذين ماتوا من العائله الاخرى .
كان الامر متساوى تقريبا بين عائلة الجعافره وعائلة الهلايله فى القتل والقوه والعذوه فى تلك القريه حتى امتلك زمام الامور وحش قاسى فى هيئه انسان ، يمكنك وصفه بالشيطان ان اردت ، رجل عمره لا يتجاوز الثالثه والثلاثون عام ، يمتلك صلابه شديده وشهوه كبيره للقتل والدم ، كان من عائلة الهلايله وتم قتل ابيه واخيه من قبل الجعافره فتحول هذا الرجل من انسان لوحش بمعنى الكلمه ، استطاع قتل عشره افراد بمفرده من عائلة الجعافره مقابل قتل ابيه واخيه ، وبمرور بضعه شهور اصبح كبير عائلة الهلايله رغم صغر عمره ، فكان الجميع يخاف منه بشده لبطشه وتوحشه ، كان اسمه طايع الهلالى كبير عائله الهلايله وكبير القريه باكملها ، فلقد كسر شوكه عائله الجعافره باكملها وطرد الرجال من بيوتهم وسكنوا بعض الخيام على اطراف القريه لا يجراء احد منهم الدخول الى القريه او منزله لرؤيه اهله الا باذن طايع .
كانت عائله الجعافره بقى بها بعض الرجال القليلون وكان كبيرهم يسمى مناع رجل فى الخمسون من عمره ، يكره طايع بشده فلقد قتل طايع جميع ابناء مناع الذكور ولم يتبقى له سوى ابنتان فقط ، وما زاد الامر سوء ان واحد من عائلة الجعافره قد تسلل الى القريه ليطمان على اطفاله وزوجته وباقى عائلته دون اذن من طايع ، وامسك به رجال طايع وجاءو به الى طايع فامر ان يصلب على نخله ويتم جلده وهو عارى تماما بدون ملابس امام اطفاله وعائلته ، وبعد انتهاء الجلد سمح له طايع ان يبقى فى منزله مع الاطفال والحريم ، وبالطبع لم يستطيع احد من عائلة الجعافره ان ينقذ ذلك الرجل او حتى يفكر فى مساعدته ، فى اليوم التالى جاء طايع خبر ان ذلك الرجل لم يستطيع تحمل العار الذى لحق به والاهانه التى حدثت له فقتل نفسه امام اطفاله كما تم جلده وهو عارى امام اطفاله من قبل ، بالطبع لم يهتم طايع بالامر بالعكس ضحك بشكل شرير على ما حدث لذلك الرجل وقال عنه انه عاش ضعيف وجبان ومات بعاره ضعيف وجبان .
فى ليل تلك الليله جائت امراء لا تغطى شعرها وهذا عيب فى عرف الصعايده ، واخذت تنادى على طايع وهى خارج بيته وبالطبع كان رجال طايع يحرسون البيت ومنعوها من الدخول حتى يأذن طايع بذلك ، فخرج طايع بعد سماع صوت تلك السيده وهى تصرخ باسمه وتنادى عليه ، وعندما خرج وسئل من هى فقال له احد رجاله واسمه فضل وكان يعتبر مساعد طايع وذراعه الايمن وقال لطايع : دى يا كبير الوليه مرات المحروج اللى موت نفسه النهارده الصبح .
فقال طايع : وهى عوزه ايه ، خليها تدخل علشان تبطل ولوله وصراخ .
دخلت تلك السيده وكانت قد قصت شعرها مثل الرجال والقت بشعرها امام طايع وقالت له : خده يا كبير الهلايله ، دا شعرى علشان تفرح بيه وتبقى لبست جوزى المرحوم العار وخدت شرف مراته كمان ، انت فاكر نفسك مين يا طايع ، شايف نفسك كبير وقوى وبتتحكم فى حيات الناس ليه ، انت غلبت فرعون بجبروته بس ربك كبير ومش هيسيبك ، روح ربنا ينتقم منك واشوفك مزلول .
زعق طايع برجاله ليأخذو تلك السيده بعيد عن بيته ، وبالفعل ابعدها رجاله كما أمر طايع ، اما هو فكان حديث تلك السيده قد هز كيانه ، رغم ان طايع حاول ان يخدع نفسه ببعض الضحكات ولكن لم تكن تلك هى الحقيقه ، اصاب طايع القلق فى تلك الليله ، لم يستطيع ان ينام فيها لذلك قام من فراشه وتوجه الى غرفه امه فهى الوحيده المتبقه من عائلته وعندما اقترب من غرفتها وجد امه قد فرغت من صلاة قيام الليل وقبل دخوله سمعها تناشد ربها قائله ( يا رب متأخذنيش بذنب ابنى طايع ، يا رب انت عارف انى عاجزه امامه وهو مبيسمعش كلام حد ، يا رب اهدى ابنى طايع للخير وابعده عن طريق الدم اللى ماشى فيه ، يا رب لو ابنى هيفضل كدا انا بتمنى انه يموت حالا قبل ما تزداد ذنوبه اكتر ، كل يوم هو بيعيشه بيتقل فى حسابه خده يا رب وسمحه على ذنوبه .
كان دعاء ام طايع على ابنها بالموت شعر به طايع كالسكين ينفذ الى قلبه وحطم جبروته وقسوته ، شعر طايع بان لا يمكن ان يكون احد يحبه او يريده ، فامه تريدله الموت فما بالك بالاخرين ، لم يدخل طايع غرفه امه وعاد وهو بالكاد يستطيع الوقوف على قدميه واخذ يسئل نفسه : ماذا فعلت بنفسى ، هو انا فعلا فرعون ، كل الناس شيفانى كدا ، هستغرب ليه دا امى شيفانى كدا هعيب على الناس اذاى ، حتى الهلاليه اللى عملتلهم كل حاجه وخلتهم كبارات البلد بيبصولى بخوف ورعب اكنى وحش قاعد بنهم ، انا ليه شايل كل دا على كتافى ومستحمل كل الهموم دى ، انا هسبلهم البلد كلها وارتاح واريحهم منى .
فى صباح اليوم التالى لم يخرج طايع من غرفته ، عندما لاحظ ذلك فضل مساعد طايع ذهب الى غرفته للاطمئنان عليه ولكن كانت غرفته فارغه وحتى ملابسه ليست موجوده بالدولاب وحتى خزنته الخاصه مفتوحه وفارغه تمامه ، لم يفهم فضل ماذا حدث ، فلقد اختفى طايع من البلد باكملها ، اخذ فضل وباقى الرجال يبحثون عن طايع كثيرا ولكن قد رحل ولا يعرفون سبب رحيله او اين رحل .
وصل طايع الى عروسه البحر الابيض المتوسط الى مدينه الجمال والتاريخ هنا المدينه التى بناها الاسكندر الاكبر مدينه الاسكندريه .
توقفنا فيما سبق حينما رحل طايع بعيداً قريته التى كانت باقصى الصعيد الى مدينه الاسكندريه ، ترك طايع كل شيء وراءه وحاول ان يبداء من جديد ، كان مع طايع مبلغ كبير من المال لمساعدته على العيش فى الاسكندريه ، استطاع الحصول على شقه جيده فى احدى العمارات بشارع راقى بالاسكندريه ، ظل طايع بضعه ايام يفكر ماذا يفعل فى حياته القادمه ، واوقات كان يشعر بالندم لتركه قريته وارضه وامه وكل شيء ، فكان طايع يعتبر من اعيان تلك القاريه ويملك اراضى كثيره بها .
فى احدى الايام نزل طايع من شقته ليتمشى فى شوارع الاسكندريه لانه يشعر بالملل ولاحظ طايع ان الشقه التى مواجه لشقته فى العماره كان بابها مفتوح ، وهذه كانت اول مره يرى هذا الباب مفتوح فكان يعتقد ان تلك الشقه لا يسكن بها احد ، بالطبع لم يعطى طايع اهتمام كبير لهذا الامر فهو شيء لا يهمه ، نزل طايع الى مدخل العماره ليتمشى كما ذكرنا من قبل ولكنه وجد فتاه تبلغ من العمر تسعه سنوات تقريبا تحاول وتعافر فى حمل شنطه سفر كبيره ويبدو انها ثقيله جدا ، وعندما حاولت الطفله حملها او جرها وقعت فضحك طايع على منظرها وهى تقع ، فقالت له الطفله : بدل ما انت بتضحك عليا يا ابو طويله تعالى ساعدنى يا اهبل ؟
نظر طايع حوله ولم يجد احد غيره واقف بمدخل العماره فقال لها : انتى بتكلمينى انا يا بت ؟
فقالت الطفله : هو انت اعمى كمان ما بتشوفش ، هو فى حد غيرك واقف بكلمه ؟
فتعصب طايع من اهانه الطفله ومسكها من ملابسها ورفعها بيد واحد عاليا وهو يقول : انتى كلك على بعضك طولك شبر ونص بس لسانك طوله مترين تتلفعى بيه كدا ليه ؟
فقالت له الطفله وهى مرفوعه بايد طايع : طيب ينفع دا تصرف تعمله مع بنوته قمر زى ، دى شهامه ولاد البلد بردو ، لا بصراحه جرحت مشعرى يا ابو طويله ؟
طايع وضع الطفل على الارض وقال لها : ايه يا مفعوصه ابو طويله دى ، دا لو كنتى حداى بالبلد كنت دفنتك بشعرك المنكوش دا ؟
الطفله : طيب ممكن اسئل حضرتك سؤال ؟
طايع : بس بادب ، لو اتكلمتى باحترام انا عنيا ليكى ؟
الطفله : هو انت ساكن معانا بالعماره دى ؟
طايع : اه
الطفله : انت ساكن فى الدور الكام ؟
طايع : فى الدور الرابع ، بتسئلى ليه ؟
الطفله : اه يبقى انت اللى سكنت بالشقه اللى قصدنا ، تمام ممكن بقى تتكرم حضرتك وتساعدنى وتطلع معايا الشنط ، انا اللى ساكنه بالشقه اللى قصادق .
نظر طايع الى تلك الفتاه وكانت تنظر اليه بمسكنه حتى تصعب عليه فتبسم لها وقال : ماشى هسعدك مدام اتكلمتى بادب .
فقالت الطفل : كنت عارفه انك هتطلع جدا ، انا اسمى وصال ، انت اسمك ايه ؟
طايع : اسمى طايع .
وصال : بص بقى يا عم طايع شيل الشنطه دى وقدام باب العماره فى شنتطين زى دى بالظبط هتهم كدا زى الشاطر وطلعهملى عندى بالشقه ، ثم تركت وصال طايع واقف فى ذهول وصعدت الى شقتها ، اما طايع فشعر ان الطفله استطاعت خداعه ولم يكن يستطيع الرجوع بكلمته فحمل الشنط جميعها وصعد بها الى الشقه التى تعيش فيها وصال .
دخلت وصال شقتها ولم يكن يعيش معها الا اختها الكبيره عهد كانت تبلغ من العمر 25 عام وبعد استكمال تعليمها قامت بالالتحاق بالعمل باحدى منظمات حقوق الانسان المساعده للمرأه المصريه ، فلما وجدت عهد وصال قد جاءت فسئلتها وقالت لها : هو مش انا قلتلك خليكى جنب الشنط وهاجى اشلها يا وصال ، سبتيها تتسرق ولا ايه ؟
وصال : متقلقيش ابو طويله هيطلع بيهم ، انا غلطانه انى قلت اريحك يا عهد ولا ايه ؟
عهد : مين ابو طويله دا ، هو انتى مش هتبطلى طوله لسان ، الناس كلها بتشتكيلى منك ، انتى مبتستوريش فى اى حته كدا ؟
وبينما هم يتحدثون فاذا بطايع قد حمل الشنط جميعها مره واحده واحضرها الى شقه عهد ووصال وهو واقف على الباب حامل الشنط قال : يا رب يا ساتر ، يا ناس ياللى هنا ، يا ام لسان طويل انتى فين ؟
فقالت عهد لوصال : مين اللى بره دا ، وطبعا ام لسان طويل دى انتى المقصوده صح ؟
وصال : استنى انتى بس لما اشوف ابو طويله ، وذهبت الى باب الشقه وادخلت طايع وقالت له ايوه كدا يا ابوطويله حط الشنط هنا برافو عليك .
طايع : اتلمى يا بت وبطلى طوله لس .... لم يستكمل طايع حديثه لان وقعت عيونه على عهد فوجدها فتاه جميله جدا زو ابتسامه خلابه وعيون زرقاء وشعر ناعم ، وبالطبع لم يكن بقريته فتاه بمثل جما عهد فوقف طايع ينظر الى عهد وسارح بجمالها ولم ينتبه لكلام وصال بالمره ، فقامت وصال بضرب طايع بقدمه فانتبه لها فقالت له : مالك يا عم السرحان بكلمك من ساعه ، ايه متنح كدا ليه دا انت متنحتش كدا لما شفتنى ليه ؟
فضحك طايع وقال : ابصليك انتى يا تجاوى الارض ؟
فاشتعلت وصال غيظا ولكن قبل ما ترد على طايع قاطعتها عهد وقالت : عيب كدا يا وصال ، لازم نشكره انو ساعدنا فى حمل الشنط ، ثم وجهت كلامها لطايع وقالت : انا متشكره لحضرتك جدا على المساعده بتاعتك الف شكر معلش تعبناك معانا .
فقال لها طايع : لا ابدا تعبيك راحه ، انا طايع اللى ساكن بالشقه اللى قصادكم دى لو احتجتى اى حاجه فى اى وقت متتردديش وانا تحت امرك .
عهد : مرسى لذوق حضرتك ، واتمنى تتقبل اسفى على تصرفات اختى الصغيره ، هى شقيه شويه بس لو عرفتها هتحبها ؟
طايع : لا ابدا محصلش حاجه ، دى حتى وصال بتفكرنى بالمعزه اللى حدانا بالبلد ، ثم ضحك طايع بصوت عالى وبشكل شرير بعض الشيء ونظر الى وصال وقال لها : ابقى طولى لسانك تانى يا معزه وانا هربطك بباب الشقه ، ثم تركهم طايع وذهب .
ضحكت عهد على كلام طايع ونظرت الى وصال وقالت : دمه خفيف اللى اسمه طايع دا ، ولكنها وجدت وصال محمر وجهها من الغضب وتكاد تنفجر فى وجهها فتركتها عهد ودخلت الى احدى الغرف وهى تقول : البت دى هتتحول ولا ايه .
مر يومان منذ ان تقابل طايع وعهد ولم تغيب لحظه عن خياله ، كان يتذكر وجهها وابتسماتها طول الوقت ، ورغم انها تسكن بالشقه التى امامه الا انه لم يراها من ساعت اول لقاء بينهم ، وظل هذا الامر اسبوع كامل وفى احدى الليالى فى منتصف الليل تقريبا استيقظ طايع على صوت صراخ قادم من شقه عهد ، وهنا قام مسرعا لمعرفه ماذا يحدث عندها .
