رواية❤️إمرأة من فولاذ ️
الجزء الثالث..
فتوجه عمها مباشرة إلى منزل محسن وحذره من التعرض ل حلا وإلا فإنه سيكون في موقف لا يحسد عليه.. وبالطبع فإن محسن أنكر الأمر ..ولكنه
مع هذا لم يعد يذهب إلى منزل حلا ..ولم يخبر أحدا بما حدث ..وشعرت أم حلا بالإرتياح ..وقالت لسلفها أنها كانت تخشى الدماء فزوجها لن يستوعب هكذا أمر أبدا ..
أما بطلتنا فقد لجأت للتقرب إلى الله وهي في ذلك العمر حتى أنها حفظت أجزاء القرآن الكريم كلها ..وفي ذات ليلة شتوية عاصفة ..كانت تجلس مع
عائلتها تتناول الكستناء وتشرب الشاي ..وخطر إلى بالها أن تطلب من والدها مالا كي تشتري معطفا أسودا ..فهي تحب هذا اللون كثيرا ..فقال لها والدها بغضب:
-سأعطيك المال هذه المرة ..وفي كل مرة إن أردت ..ولكن عندما تصبحين في عمر الثامنة عشر فعليك أن تتحملي مسؤولية نفسك ..وتنتهي
مهمتي كأب ..لأنني مللت هذه العائلة ..فأنتم لا تعلمون أني خسرت عملي الثاني ..ولكن لا تقلقوا ..سأؤدي واجبي المادي مهما كلف الثمن ..
وهنا شعرت حلا بالخوف… ماذا يعني أن يتخلى عنها والدها في عمر المراهقة ..وماذا يقدم لها غير المال ..لماذا لا يحاول أن يستمع لها كما يفعل باقي
الآباء.. ما هذا بحق السماء؟؟.. فقررت أن تعتمد على نفسها حتى وهي في هذا العمر ..وقد أتيحت الفرصة أمامها لتعلم طلابا أدنى منها مرتبة في الصفوف..حتى وإن كان الأجر زهيدا فهو أفضل من العدم ..
وكانت لا تنام قبل أن تقرأ القرآن فهي قد سمعت أن هذا الفعل يريح الشخص ..وفي ذات
ليلة رأت في حلمها أن اسمها إيمان ..وأن مجموعة من الأشخاص تحاول خطفها.. .وبدأت تصرخ بصوت عال: يا إلهي إلى أين يأخذني هؤلاء؟؟!!
وفجأة ظهرت أمامها آية (لأغوينهم أجمعين )..ثم سمعت صوتا من السماء يردد( إلا عبادي المؤمنون )وتكرر هذا الصوت عدة مرات ..حتى استيقظت
مذعورة.. ثم تذكرت الآية فشعرت بالاطمئنان ..وهي لا تعلم إلى ماذا يشير هذا الحلم!! ربما بسبب وسوستها بالعبادة والتدين ..وقد ترجمه عقلها الباطني بهذه الطريقة ..وربما بسبب ما تسمعه من خطباء المنابر ..ومن التهويل والترغيب ..وأود
أن أخبركم أن حلا من النوع الذي قلما يرى الأحلام وإن رآها فإنه ستتحقق ..ولكن كيف
سيتحقق هذا الحلم الغريب ..أليس الأجدر أن يكون ترجمة لما تلقته أذناها من أحاديث ؟؟غريب أمر هذا العقل كيف يعيد صياغة كل ما يسمع ويرى ويتذوق
ويشم ويلمس !!إضافة إلى أن صديقتنا تتمتع بالحاسة السادسة ..فقد ينبؤها حدسها أحيانا بما سيحصل ..وربما يكون هذا نوعا من الذكاء الفائض وقراءة الأشياء بوعي ودقة ..
ومرت الأيام ..وسمعت حلا محاضرة لأحد الشيوخ يقول فيها بأن الإنسان المؤمن يبتيله الله ليختبر إيمانه ..فترسخ في ذهنها أن الشخص الذي لا يعبد الله فهو إنسان سعيد وموفق في حياته ..أما الإنسان الذي يمضي وقته في النسك بشتى أنواعها فإنه لن يجد الراحة
في الدنيا وسيكون ثوابه في الآخرة ..وكيف هذا الإعتقاد لا يكون منتشرا بين البشر وهو يطلق على المنابر ..وكلما حلت مصيبة ما مع أحدهم تكون المواساة الأولى بكلمة إن الله
يبتلي الإنسان الذي يحبه ..وأنا لا أفهم كيف يحبنا الله ويؤذينا ..ما هذا الإعتقاد الخاطئ الذي زعزع محبة الله في قلوب الكثيرين ..أليس هو القائل (ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب )ما معنى هذه الآية هنا.. وأيضا
هناك آيات أخرى تدل أن الله مع المؤمن وليس عليه ..فأحيانا يكون الألم بسبب خياراتنا
الشخصية ..وقد يكون مفتاح السعادة بين أيدينا ولكننا لا نعلم. كيف نستخدمه ..ولو فكرنا بعمق بكل ما يدور حولنا لتغيرت حياتنا رأسا على عقب ..هناك
أمور قد تكون خارجة عن إرادتنا ولكن لا بد من وجود حل لها ..أو تقبلها لأننا جربنا وفعلنا ما يتوجب علينا ..وليحصل ما يحصل بعد ذلك ..هناك آيتان( ﻭَﻛَﺎﻥَ ﺣَﻘًّﺎ ﻋَﻠَﻴۡﻨَﺎ ﻧَﺼۡﺮُ ﺍﻟۡﻤُﺆۡﻣِﻨِﻴﻦَ "
" ﻛَﺬَٰﻟِﻚَ ﺣَﻘًّﺎ ﻋَﻠَﻴۡﻨَﺎ ﻧُﻨﺞِ ﺍﻟۡﻤُﺆۡﻣِﻨِﻴﻦَ)… فهل القرآن أصدق أم غير القرآن ؟؟
ويأتي أحدهم ليقول لي (ولنبلونكم بشيئ من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات وبشر الصابرين )..فأقول الآية تقول بشيئ ..وليس
بكل شيئ.. وهكذا نوع من الإبتلاءات تصيب المؤمن وغير المؤمن ..ولكن المؤمن عندما يعتمد على الله ويقرر حل مشكلته فإنه سيجد الله سندا له وليس معيقا لأنه تقرب منه في العبادات على العكس تماما مما يشاع بين الناس ..
لقد قلت ما قلته سابقا ..لأن صديقتنا حلا تبنت هذا المفهوم فأصبح جزءا راسخا في معتقداتها ..وخاصة أنها كلما عبدت الله أكثر كلما حلت المصائب
أكثر ..فوالدها ترك العمل ..وأمها أصيبت بورم حميد على الروايا ..مما اضطرها إلى الغياب عن المنزل من أجل العلاج ..ومع هذا وفي ظل تلك الظروف الصعبة استطاعت حلا أن
تنجح بتفوق في الإمتحانات المؤهلة للرسمية ..مما أزعج عمتها المصونة التي رسبت ابنتها ..وكان على حلا أن تقدم طلبا للإمتحانات الرسمية ..وقد رشحتها مدرستها بين الطلاب الذين يحصلون على التقدير ..
فما كان من عمتها إلا أن اتهمتها أنها على علاقة مع أحد الشباب حتى تحرمها من الإمتحانات ..خاصة مع غياب والدتها التي كانت تشكل مصدر حمايتها
الأول ..وهنا دخل الشك بالله إلى قلبها ..وزعزع إيمانها واعتبرت أن عبادتها هي السبب في كل ذلك ..
