رواية روح متنقلة الفصل الاول1والثانى2بقلم ليلي مظلوم

رواية 🌹روح متنقلة🌹
الجزء الأول.. والثاني 
بقلم ليلى مظلوم 
استيقظت الشمس على صراخ هيندا ..ولكنه صراخ يعقبه راحة وحنان وإحساس عميق بالأمومة منذ اللحظة الأولى التي أبصرت عيني تالين النور ..وهدأت الأصوات وتفجرت الأحاسيس معلنة عن أمل  بصلاح العائلة التي شهدت حروبا بعد بضعة أيام من زواج هيندا وفؤاد ..فهل ستكون تالين هي المنقذة لدمار العائلة ..أم ستزيدها دمارا وبعدا وجفاء ؟؟!!..هذا ما خطر إلى بال الأم التي انتظرت قدوم طفلتها تسعة أشهر وتعلقت بها وهي في أحشائها..

 كانت تشكي إليها الخلافات التي تنشب بينها وبين فؤاد على أتفه الأسباب ..فذات مرة قرر أصدقاء العائلة أن ينظموا رحلة للتنزه ..واقترحت هيندا الذهاب إلى الجبل لأنها تحب الطقس الجبلي من جهة ..ولأنها عاشت طفولتها في تلك المناطق من جهة أخرى ..كانت تهوى الثلوج ..وأجمل إحساس قد يدغدغ مشاعرها هو مراقبتها للثلوج وهي تتساقط كاللؤلؤ على الأرض ناسجة بساطا أبيضا ناصعا كقلوب وعقول الأطفال ..قبل أن تلوثه الريح بدخان السيارات أو أقدام الأطفال الذين يخلقون رجل الثلج ⛄..كانت تحب كل ذلك ..

وعقول الأطفال أيضا وقلوبهم ربما تكون ناصعة وفارغة إلى أن يأتي الأهل والمجتمع بحشوها بأشياء قد تكون ضارة جدا.. ولا يظهر ذلك إلا عندما يكبر الطفل  ويكتشف الحقائق وتبدأ الصدمات أما أولئك الذين لا يكتشفون فهم عبيد التلقين وتراهم متعصبين لدرجة كبيرة حتى لأصغر الأمور ..

وبعد أن سمع فؤاد هذا الاقتراح من عروسته زم شفتيه ممتعضا ..ورفع حاجبيه غير مكترث لمشاعر زوجته ثم قال :لا بل نذهب إلى البحر ..أنا أحب السباحة.. ولا طاقة لي لتحمل الثلوج ..

واغتاظت هيندا..  يا لهذا التناقض حتى بالطبيعة !!

مع أن المتناقضات تتجاذب هذا ما يقولونه ولكنه إذا كان لحد بعيد في العلاقات فإنه لا بد وأنها ستتنافر وتنفر معها المشاعر ..كان الاختلاف واضحا وضوح  الشمس… هي تحب اللون الأبيض وهو يعشق الأسود ..مع أنه لو وضعنا الأسود والأبيض جانبا إلى جنب لشكلا لوحة فنية جميلة ..وهذا ما وددت قوله فللعلاقات رأي آخر إلا ما شذّ وأخذ السبيل الذي يريحه ..

ها هي هيندا تسمع صوت فؤاد وهو يقول :أين هي أريد رؤيتها ؟؟!

وأجابت إحدى الممرضات إنها في الغرفة الخاصة ..أما زوجتك فهي في غرفتها ..

وسمعت هيندا وقع أقدام زوجها ليرى تالين وهي تحرك يديها ورجليها دون أن تشعر بشيء ودون أن ترى شيئا ..لا زالت الرؤية غير واضحة بالنسبة إليها ..وفجأة عندما أطل والدها صمتت الطفلة ..وأدارت وجهها إلى الناحية الأخرى وكأنها تعاتب والدها لأنه السبب الذي أنجبها إلى هذه الحياة.. ولم. يشعر الأب بذلك العتاب بل احترق شوقا ليحملها بين ذراعيه ويلاعبها ويلاطفها ..إلا أنه من النوع الذي يكتم مشاعره ..ولا يعبر عنها حتى عندما يتطلب الموقف ذلك ..أما هيندا فكانت في غرفتها تنتظر أن تأتي ابنتها إليها ..وكلما مرت إحدى الممرضات سألتها في صوت  متثاقل :متى أستطيع أن أرى ابنتي ..وتجيبها كل واحدة على حدى :بعد ساعتين على أقل تقدير فنحن ننتظر قدوم الطبيب ليجري لها الفحوصات اللازمة ..

وفي كل مرة تسأل: هل هناك. خطب ما ؟
لتجيبها الممرضات بأداء روتيني واحد :لا… إنها مجرد اجراءات روتينية كي نتطمئن !

وكانت أم هيندا قد ذهبت لإحضار بعض الحاجيات في هذه الأثناء… .وعندما عادت وجدت ابنتها وحدها في الغرفة وكانت قد تركت فؤاد في المكان ..ما باله يتركها ويذهب لرؤية الطفلة ؟؟أيهما الذي يحتاج الاهتمام أكثر وخاصة عندما وجدت ابنتها تسبح في بحر الدموع والقلق ..وسألتها بلهفة :
-ما بك؟؟لم أنت قلقة ؟؟احترمي صحتك لا يجوز أن تستسلمي لاكتئاب ما بعد الولادة !!

-أريد أن أرى تالين… لا أعرف كيفية الوصول إليها في هذا المبنى الحقير ..

-لا تقلقي بشأنها ففؤاد إلى جانبها ..وبعد قليل سأحضرها إليك كي تريها إنهم يقومون بتجهيزها ..

ولم تكمل الأم كلمتها حتى حضرت تالين وهي متربعة  على عربة الأطفال تجرها إحدى الممرضات وفؤاد إلى جانبها ..وما إن رأتها هيندا حتى مسحت دموعها وتمتمت بصوت تجسده كل لغات الحب والشوق :ابنتي!!! 

وساعدتها أمها لتحملها بين ذراعيها.. ثم نظرت إليها هيندا وقالت :أهكذا كان إحساسك عندما ولدت أنا يا أمي ..إن الأمومة لشيء عظيم !!تالينو ..حبيبة ماما !!

وكان فؤاد يراقب ذلك المشهد الإنساني دون أن يتدخل ..إلى أن انسحب من الغرفة بهدوء… ورن هاتفه :
-ألو ..

-ألو ..أهلا سارة !!

-أهلا بك ..هل ستأتي الليلة لرؤيتي أم أن ابنتك ستأخذك مني كما أخذتك أنا من زوجتك !

-فتتهد بصعوبة ثم أجاب :أشعر أني فرح ..ومثقل في الهموم في الوقت ذاته ..لدي رغبة  في الجلوس في حجرك ومداعبتك شعري ..

-كم أتمنى أن نصبح زوجين حقيقين وأكون أنا الآن من يمثل دور هيندا ..

-سارة سأذهب لرؤيتك ليلا أما الآن فلدي عمل مهم ..

-طبعا طبعا!! لقد أصبحت الآن زوجتك غالية لأنها أنجبت لك ابنة ..فما بالك لو أنجبت صبيا !!؟؟

-سارة!! لا تكوني أنانية فعائلتي بحاجتي الآن… ألا يكفي أنني أمضي وقتي كله إما معك أو التحدث إليك !!

-صحيح!!شكرا لك يا سيد فؤاد ..اسمعني جيدا إن لم تأتِ الليلة فاعتبر أن كل شيئ بيننا قد انتهى ..لن أكون فضلة هيندا وتالين وأسطورة أبوّتك الجديدة… مفهووووم !!

رواية  🌹روح متنقلة🌹

الجزء الثاني… 

بقلم ليلى مظلوم

وعاد فؤاد إلى الغرفة التي تحتضن عائلته ..كان يراقب الممرضات وهن يعلّمن زوجته كيفية التعامل مع طفلتها التي كانت تبكي ربما لأنها جائعة ..وربما لأنها أتت لتزين هذا العالم الغريب..!


 أوليس الاستغراب والإندهاش هما ما يشكلان الصدمة لكل الكائنات الحية ..فلكم أشفق على أولئك الأطفال الذين يأتون حديثا إلى هذا العالم وهم لا يعرفون عنه شيئا ..ربما البكاء بسبب الخوف مما ينتظرهم… ربما كانوا يعيشون في عالم جميل قبل مجيئهم إلى هذا العالم ..وربما هي   سطوة الاعتياد ..

فمعظم الذين يعيشون في الظلام يخشون النور ..وقد يعميهم أحيانا ليعودوا إلى ظلامهم ويستأنسوا به ..لذلك من الصحي أن يعتاد الناس على النور شيئا فشيئا ..لأنهم لن يتقبلوا وهج الشمس إن كانوا يعيشون في كهوف مظلمة ..والأجدر أن يبدأوا بضوء الشمعة أولا ..كذلك التلميذ الذي درس في صفوف المرحلة الإبتدائية أنه لا يمكن طرح رقم ثمانية من تسعة ..وإن سمع ذلك قبل الأوان من أحد ما فإنه سيسخر منه ويتهمه بالغباء.. فلا يمكن طرح الرقم الكبير من الرقم الصغير ..وكل شيء في أوانه يبدع..لذلك علينا ألا نسخر من أي معلومة قد تصلنا قبل أن نبحث عنها ونفهمها جيدا حتى لو كانت تقض دائرة اعتيادنا ..إنه الحماس والتحدي يا سادة !!

 

وكان على هيندا أن تبقى في المشفى لليوم التالي ..مما أتاح الفرصة أمام فؤاد أن يذهب إلى سارة ليقضي الليل معها دون أن يجهز تبريره… لا بل فإنه سيدعوها هذه المرة إلى منزله ليقوم باسترضائها فقد أصابتها غيرة النساء ..وهو في العمق لا يريد أن يخسر زوجته ..ربما لأنه يخاف الطلاق ..وربما لأنه يشعر بالحزن إن غادرت المنزل ..فحبه لها من نوع آخر يصعب تفسيره. .لا يعاملها بطريقة حانية من جهة ..ولا يريد أن يخسرها من جهة أخرى… وقد أطلق على هذه الحالة كل المسميات إلا الحب ..فالحب ليس هكذا إنه إحساس مقدس دنسه الكثيرون تحت اسمه وهو بريئ منهم.. 

قال بصوت يوحي بأنه مشغول :

-سأذهب إلى المنزل لأجهزه لك ولتالينو ..هل هناك ما تريدينني أن أقوم به ؟


-لا شكرا ..لقد جهزت كل شيئ قبل مجيئي ..لم لا تنام الليلة هنا إلى جانبي بدلا من والدتي ..فهي متعبة ..


وهنا تدخلت أمها :لا لست متعبة ..ولكن إن بقي فؤاد هنا ..فهذا أفضل لك ولتالين ..


فقال فؤاد :

-لدي بعض العمل ..أتمنى ذلك ولكني مشغول حقا ..


-عمل وفي الليل !!!أي عمل هذا ؟؟


-لم أنت لجوجة هكذا ..سآتي غدا صباحا لأصطحبك إلى المنزل ..لا تقلقي لن أنام خارج المنزل أقسم بهذا ..


فتنهدت هيندا مستسلمة ..ثم تمتمت :لكم كنت أتمنى أن تبقى إلى جانبي ..


ثم اقترب منها وطبع قبلة على جبينها ..وغادر المكان ..وهو يتصل بسارة طالبا منها أن تأتي إلى منزله وهذا كان مناها الأخيرة ..

وفي المنزل ..تنزهت العشيقة داخل منزل حبيبها ..وتفرست كل غرفة وكل زاوية ..عل عطرها يحتل المنزل كله ويكون سببا للخلافات بين الزوجين ..ولم يلحظ فؤاد ذلك فقد اعتاد على رائحة ذلك العطر ولم يجد فيه علامة فارقة ..وتجرأت الخبيثة أن تفتح خزانة ضرتها الخاصة وقالت بسخرية: ذوق زوجتك ليس جميلا إلا بك !!


ثم ضحكت باستفزاز واقتربت منه بغنج وقالت بهمس :طلقها… وستعيش معي أجمل أيام حياتك أعدك بهذا.. 


-دعينا منها الآن ..هل أنت جائعة؟


-نعم ..


-حسنا سأطلب طعاما جاهزا ..


-وكأسا من الخمرة ..أريد أن أنسى الدنيا وأنا إلى جانبك ..


فابتسم بخبث وقال :لك هذا أيتها اللئيمة !!


مضت تلك الليلة بحلوها ومرها فهناك من نام وعلى خديه دموع الحزن وهناك من جافاه النوم ..وآخرون من كانت ضحكاتهم تصل إلى القمر.. وحل الصباح لتغادر سارة المنزل وهي فرحة لغاية في نفسها… أما فؤاد فقد نسي للحظة أنه ليس أبا فهو لم يعتد على هذا الإحساس ..وذهب ليحضر عائلته من المشفى ..وكانت هيندا متعبة جدا ..فقد خلدت إلى النوم مباشرة وقامت أمها بالاهتمام بتالين ..وعندما ذهبت لتوضب الثياب ..رأت حرف (س)مزين بقلم الحمرة على المرآة ..فتوجهت مباشرة إلى صهرها المصون ..وجرته من يده لتقول له بعصبية وخفوت :ماهذا ؟؟؟


وتفاجأ فؤاد مما رآه وعرف أن سارة هي المسؤولة عن ذلك.. يا لشقائها إنها تقلد الأفلام وتفعل أشياء روتينية ومبتذلة لتقهر قلب زوجته ..وربما لتسبب الطلاق ..فقال بتلعثم :هذذا أناااا! 


-لست غبية لهذه الدرجة يا سيد فؤاد ..سأمسح السم عن هذه المرآة هذه المرة ..ولكن عدني أن تمسح صاحبته من حياتك ..لا أريد أن أرى ابنتي تعيسة ..ألا يكفيها المعاملة المملة التي تتلقاها منك ؟؟


-لا تظني أنك بهذا تقومين بتهديدي… افعلي ما يحلو لك وأخبري ابنتك بذلك ..


-لا لن أفعل ..ولكن كن رجلا واخجل من نفسك ..


فتغيرت لهجته وبالفعل شعر بالخجل ليس لأنه يريد ذلك ..ولكن لأنه من الأشخاص الذين يهمهم السمعة الاجتماعية  وقال كرجل يؤنبه القاضي :أنا آسف ...


ثم تمتم :تلك الخبيثة !!!


-كن لطيفا مع زوجتك وخاصة في هذه الأيام ..فالنساء يصبن باكتئاب ما بعد الولادة ..ويحتجن  لرعاية خاصة ..لذلك سأغلق عيني عما رأيته الآن ..وإن تكرر الأمر سيكون لي تصرف آخر ..


فتمتم فؤاد وهو لا يزال يكظم غيظه مدعيا الهدوء :عجيب أمرهن ..كيف يبالغن بأمور   الحمل والوضع ..ألا تضع القطط حملها أيضا وبدون تذمر ..وكأن الإنجاب إنجاز !!!سحقا لكن ..


ثم توجه مباشرة إلى منزل سارة غاضبا وبدأ بشتمها وتهديدها ..ولكنها كانت تعرف كيف   تستقطب غضبه واستخدمت حيلها الأنثوية لذلك ..وهدأت ثورته ..ثم قال بحنق :ماذا تريدين يا سارة ؟

                الجزء الثالث من هنا

لقراءة باقي الفصول من هنا 

تعليقات



<>