الجزء الثاني…
بقلم ليلى مظلوم
وعاد فؤاد إلى الغرفة التي تحتضن عائلته ..كان يراقب الممرضات وهن يعلّمن زوجته كيفية التعامل مع طفلتها التي كانت تبكي ربما لأنها جائعة ..وربما لأنها أتت لتزين هذا العالم الغريب..!
أوليس الاستغراب والإندهاش هما ما يشكلان الصدمة لكل الكائنات الحية ..فلكم أشفق على أولئك الأطفال الذين يأتون حديثا إلى هذا العالم وهم لا يعرفون عنه شيئا ..ربما البكاء بسبب الخوف مما ينتظرهم… ربما كانوا يعيشون في عالم جميل قبل مجيئهم إلى هذا العالم ..وربما هي سطوة الاعتياد ..
فمعظم الذين يعيشون في الظلام يخشون النور ..وقد يعميهم أحيانا ليعودوا إلى ظلامهم ويستأنسوا به ..لذلك من الصحي أن يعتاد الناس على النور شيئا فشيئا ..لأنهم لن يتقبلوا وهج الشمس إن كانوا يعيشون في كهوف مظلمة ..والأجدر أن يبدأوا بضوء الشمعة أولا ..كذلك التلميذ الذي درس في صفوف المرحلة الإبتدائية أنه لا يمكن طرح رقم ثمانية من تسعة ..وإن سمع ذلك قبل الأوان من أحد ما فإنه سيسخر منه ويتهمه بالغباء.. فلا يمكن طرح الرقم الكبير من الرقم الصغير ..وكل شيء في أوانه يبدع..لذلك علينا ألا نسخر من أي معلومة قد تصلنا قبل أن نبحث عنها ونفهمها جيدا حتى لو كانت تقض دائرة اعتيادنا ..إنه الحماس والتحدي يا سادة !!
وكان على هيندا أن تبقى في المشفى لليوم التالي ..مما أتاح الفرصة أمام فؤاد أن يذهب إلى سارة ليقضي الليل معها دون أن يجهز تبريره… لا بل فإنه سيدعوها هذه المرة إلى منزله ليقوم باسترضائها فقد أصابتها غيرة النساء ..وهو في العمق لا يريد أن يخسر زوجته ..ربما لأنه يخاف الطلاق ..وربما لأنه يشعر بالحزن إن غادرت المنزل ..فحبه لها من نوع آخر يصعب تفسيره. .لا يعاملها بطريقة حانية من جهة ..ولا يريد أن يخسرها من جهة أخرى… وقد أطلق على هذه الحالة كل المسميات إلا الحب ..فالحب ليس هكذا إنه إحساس مقدس دنسه الكثيرون تحت اسمه وهو بريئ منهم..
قال بصوت يوحي بأنه مشغول :
-سأذهب إلى المنزل لأجهزه لك ولتالينو ..هل هناك ما تريدينني أن أقوم به ؟
-لا شكرا ..لقد جهزت كل شيئ قبل مجيئي ..لم لا تنام الليلة هنا إلى جانبي بدلا من والدتي ..فهي متعبة ..
وهنا تدخلت أمها :لا لست متعبة ..ولكن إن بقي فؤاد هنا ..فهذا أفضل لك ولتالين ..
فقال فؤاد :
-لدي بعض العمل ..أتمنى ذلك ولكني مشغول حقا ..
-عمل وفي الليل !!!أي عمل هذا ؟؟
-لم أنت لجوجة هكذا ..سآتي غدا صباحا لأصطحبك إلى المنزل ..لا تقلقي لن أنام خارج المنزل أقسم بهذا ..
فتنهدت هيندا مستسلمة ..ثم تمتمت :لكم كنت أتمنى أن تبقى إلى جانبي ..
ثم اقترب منها وطبع قبلة على جبينها ..وغادر المكان ..وهو يتصل بسارة طالبا منها أن تأتي إلى منزله وهذا كان مناها الأخيرة ..
وفي المنزل ..تنزهت العشيقة داخل منزل حبيبها ..وتفرست كل غرفة وكل زاوية ..عل عطرها يحتل المنزل كله ويكون سببا للخلافات بين الزوجين ..ولم يلحظ فؤاد ذلك فقد اعتاد على رائحة ذلك العطر ولم يجد فيه علامة فارقة ..وتجرأت الخبيثة أن تفتح خزانة ضرتها الخاصة وقالت بسخرية: ذوق زوجتك ليس جميلا إلا بك !!
ثم ضحكت باستفزاز واقتربت منه بغنج وقالت بهمس :طلقها… وستعيش معي أجمل أيام حياتك أعدك بهذا..
-دعينا منها الآن ..هل أنت جائعة؟
-نعم ..
-حسنا سأطلب طعاما جاهزا ..
-وكأسا من الخمرة ..أريد أن أنسى الدنيا وأنا إلى جانبك ..
فابتسم بخبث وقال :لك هذا أيتها اللئيمة !!
مضت تلك الليلة بحلوها ومرها فهناك من نام وعلى خديه دموع الحزن وهناك من جافاه النوم ..وآخرون من كانت ضحكاتهم تصل إلى القمر.. وحل الصباح لتغادر سارة المنزل وهي فرحة لغاية في نفسها… أما فؤاد فقد نسي للحظة أنه ليس أبا فهو لم يعتد على هذا الإحساس ..وذهب ليحضر عائلته من المشفى ..وكانت هيندا متعبة جدا ..فقد خلدت إلى النوم مباشرة وقامت أمها بالاهتمام بتالين ..وعندما ذهبت لتوضب الثياب ..رأت حرف (س)مزين بقلم الحمرة على المرآة ..فتوجهت مباشرة إلى صهرها المصون ..وجرته من يده لتقول له بعصبية وخفوت :ماهذا ؟؟؟
وتفاجأ فؤاد مما رآه وعرف أن سارة هي المسؤولة عن ذلك.. يا لشقائها إنها تقلد الأفلام وتفعل أشياء روتينية ومبتذلة لتقهر قلب زوجته ..وربما لتسبب الطلاق ..فقال بتلعثم :هذذا أناااا!
-لست غبية لهذه الدرجة يا سيد فؤاد ..سأمسح السم عن هذه المرآة هذه المرة ..ولكن عدني أن تمسح صاحبته من حياتك ..لا أريد أن أرى ابنتي تعيسة ..ألا يكفيها المعاملة المملة التي تتلقاها منك ؟؟
-لا تظني أنك بهذا تقومين بتهديدي… افعلي ما يحلو لك وأخبري ابنتك بذلك ..
-لا لن أفعل ..ولكن كن رجلا واخجل من نفسك ..
فتغيرت لهجته وبالفعل شعر بالخجل ليس لأنه يريد ذلك ..ولكن لأنه من الأشخاص الذين يهمهم السمعة الاجتماعية وقال كرجل يؤنبه القاضي :أنا آسف ...
ثم تمتم :تلك الخبيثة !!!
-كن لطيفا مع زوجتك وخاصة في هذه الأيام ..فالنساء يصبن باكتئاب ما بعد الولادة ..ويحتجن لرعاية خاصة ..لذلك سأغلق عيني عما رأيته الآن ..وإن تكرر الأمر سيكون لي تصرف آخر ..
فتمتم فؤاد وهو لا يزال يكظم غيظه مدعيا الهدوء :عجيب أمرهن ..كيف يبالغن بأمور الحمل والوضع ..ألا تضع القطط حملها أيضا وبدون تذمر ..وكأن الإنجاب إنجاز !!!سحقا لكن ..
ثم توجه مباشرة إلى منزل سارة غاضبا وبدأ بشتمها وتهديدها ..ولكنها كانت تعرف كيف تستقطب غضبه واستخدمت حيلها الأنثوية لذلك ..وهدأت ثورته ..ثم قال بحنق :ماذا تريدين يا سارة ؟
