رواية 🌹روح متنقلة 🌹
الجزء الثالث ..
بقلم ليلى مظلوم
فأجابته بلهفة :أريدك أنت ..أريد أن نصبح زوجين بشكل رسمي ..مللت من كوني العشيقة التي لا تأتي إليها إلا عندما تكون متعبا ..
-ولكن هذا يعني أنك امرأة مميزة بالنسبة إلي وأنك ملجئي… سارة قد أتخلى عن عائلتي كلها ولا يمكنني الاستغناء عنك ..أنت كل حياتي ..
-ولكنك تفضل عائلتك وزوجتك ..لقد خفت على مشاعرها من مجرد حرف نسجته لها على المرآة ..وأنت تحدثني عنها بكامل شخصيتها بكل وقاحة… ولم ترأف بحالتي .
-قد يكون الزواج أمر ..والحب أمر آخر ..
-لم لا تجمعهما مع بعضهما يا فؤاد ؟؟لم؟؟!!!
-لا أستطيع ذلك ..أنت تعلمين مكانتي الاجتماعية ..ولا يمكن أن أضع نفسي في موقف سخيف ..
فأجابته مزمجرة :سخيف ؟؟!!هل تعتبر علاقتي بك أمر سخيف !!!!؟؟؟هل جننت ؟؟!!لن أرضى بهذا بعد الآن يا فؤاد ..
فاقترب منها بخطوات بطيئة وهو ينظر إلى عينيها طالبا الصفح والعفو ..ثم همس في أذنها: أحبك أيتها المجنونة ..أنت عالمي ..ألا تفهمين معنى هذا ..؟
فأبعدته عنها بقسوة وتملّك صوتها غصة قد تكون مصطنعة :فؤاد !!!سأعطيك فرصة كي تحل أمورك ..ولكني لن أنتظر طويلا ..
فغمرت وجهه سحنة الرضا ثم تمتم: هذا يكفيني في الوقت الحالي ..
أما هيندا ..فعندما استيقظت من نومها أول ما خطر إلى بالها صورة زوجها وسألت عنه لوالدتها :
-أين ذهب فؤاد ؟؟
-إلى العمل..
ونظرت الزوجة المسكينة إلى ابنتها بحنان وحزن ثم قالت: أيعقل أن تكون تلك الطفلة الدواء الذي يعالج علاقتنا المريضة؟؟
-لا تفكري بهذا الأمر ..فكري في نفسك الآن ..واهتمي بها ..
-وما أهمية نفسي إن لم أتذوق طعم الحنان من رجل أحببته لسنين ..لقد تزوجني من أجل والدي فقط ..كل واحد منا يعيش في قطب بعيد عن الآخر فلا تجمعنا السياسة ولا الرومنطيقية ولا حتى الحب ...أتعلمين يا أمي لقد تخليت عن كل مبادئي في الحياة لأجل أن ألمح نظرة الرضا في عينيه ..أنت تعلمين الاختلاف الذي يسيطر على توجهاتنا برمتها ..حتى طريقة لباسي بدلتها من أجله ..وكففت عن التدخين لأنها ينزعج من رائحتها ..والأدهى أنه يدخن ..لقد حرمت على نفسي ما حلله لنفسه ..بت آكل الطعام الذي يحبه ..وأسمع الموسيقى التي تطرب أذنيه ..وأقيم علاقاتي الاجتماعية مع أناس مملين لأنهم أصدقاؤه ..ولكنه يتجاهلني ..ويعتبرني فتاة أمية بالرغم من شهاداتي العالية ..أنا لا أعجبه في أي شيئ..
-حبيبتي أنت تقولين هذا لأنك في حالة نفسية متعبة ..
وصمتت الأم فجأة ..ووضعت في بالها أن تقف إلى جانب ابنتها إن تطلّب الأمر ولكن ليس قبل أربعين يوما فقد كان الحفاظ على مشاعر النفساء من الأمور الاجتماعية والطبية المتفق عليها في آن معا وقد يخونها صبرها بسبب المرارة التي تتجرعها ابنتها ..وقالت هيندا بعد تفكير عميق ودموع تهطل من عينيها كعاصفة مزمجرة في ليلة شتوية قارصة :لم ألمح هذا في نظراته ..حتى لغة العيون بيننا محظورة !
وهنا فقدت الأم السيطرة على أعصابها فصرخت في وجه ابنتها: ما الذي يجبرك على البقاء معه .؟!
-لأنني أحبه يا أمي ..أحبه ..ولا أريد لابنتي أن تعيش بعيدة عني ..
ثم نظرت إلى تالين بحرقة وأكملت بعد تنهيدة طويلة :أشعر أنه على علاقة بامرأة ثانية ..ألم تتنشقي رائحة العطر الممتلئة في هذا المكان ..إنه ليس عطري ..
ولم تكمل الأخيرة كلامها حتى أطل صاحب المنرل بوجهه الفرح وعينيه اللوزيتين اللتين تنمان عن الشوق لطفلته الصغيرة ..وهو يحمل بين يديه اكياسا من الأغراض ..ليقابل بوجوه مقترة متعبة أضناها التفكير ..كان صوت المفاتيح المعلق على جنبه يصدر صريرا حادا بالرغم من الجو المشحون ..وقال بكل وقاحة: ماذا هناك ؟؟هل مات أحدهم ؟؟لم هذه الوجوه المكشرة ؟
فأجابت أم هيندا :زوجتك تحتاجك ..
--مممم ما رأيك أن أترك العمل وأبقى إلى جانبها ؟؟!
وتلاقت العيون بتحد واضح ..وكأنها تقول له: اترك عشيقتك واهتم بها ..وقد فهم قصدها ..ولكنه في هذه المرة لم يضعف أمام تهديدها ..بل زاد من بريق تحديه ..وقال بصوت صريح: لم اقصّر مع زوجتي يوما ..اسأليها !!
-سألتها وأجابتني دموعها…
-أنتن النساء فعلا غريبات المزاج ..ما الذي يتوجب عليّ فعله الآن ؟؟
وامتعضت الأم وخرجت من الغرفة لئلا تزيد الامور سوءا وتفسح المجال أمام الزوجين علهما يتفاهمان ..وقالت هيندا بصوت متحدرج :من هي؟؟
فنظر إليها باستغراب :لم أفهم ؟؟
-من هي التي تشغل بالك يا سيد فؤاد ..لقد ملأ عطرها المكان !
يا لغرابة العطر كم يحمل من رسائل متناقضة ..فأحيانا تشم رائحة عطر معينة لتأخذك إلى زمان آخر سعيدا كان أم حزينا ..وينصح علماء النفس باستنشاق عطر محدد خلال الدرس ..واستنشاقه نفسه أيام الامتحانات فهو يساعد على تذكر الدروس ..
أما هنا فعطر سارة يحمل لضرتها رسالة سامة تفوح منه رائحة الغيرة ..وأجاب فؤاد :لا بد أنك جننت ؟؟عن أي عطر تتحدثين ؟؟
فصرخت :هل أعرفها؟؟أريد أن أراها لأقارن نفسي بها ..هل هي أجمل مني ؟؟أفضل مني ؟أنوثتها تفوق أنوثتي ؟؟
فوضع فؤاد يديه على كتفي زوجته وقال بصوت حاد :اهدئي ..فقد تلحق لعنة غضبك الحليب الذي سيكون طعاما لابنتي !!ليس هناك أي امرأة أخرى أؤكد لك…هذه مجرد أوهام خلقها عقلك لكي تقلقي راحتي ..
